الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الجامع الصحيح للسيرة النبوية [4]
«مقدمات جهاد الدعوة وأثرها في حياة الدعاة»
تأليف
الدكتور سعد المرصفي
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة
الطَّبعة الأولى
1430 هـ - 2009 م
مكتبة ابْن كثير
ص. ب: 1106 حَولي 32012 الكويت
تليفون: 22631298 - فاكس: 22657046
(في علم المغازي خير الدنيا والآخرة)!
الزهري
(كنا نعلّم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما نعلم السورة من القرآن الكريم)!
زين العابدين علي بن الحسين
(كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، ويقول:
يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيّعوا ذكرها)!
إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص
مقدمة
صدع خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم بدعوته إلى توحيد الله تعالى، وخلع الأنداد، وترك عبادة الأصنام، وشقَّق بقوّة عقيدته وتوحيد ربّه إهاب وثنيّتهم، ولطم بتبليغ رسالته وجه شركهم، فتهاوت حجج أصحاب اللجاج الداحضة، وتساقطت وتساقط أصحابها، وظهرت سوآت الشرك وانكشف عوارها، وبدأ جهاد الدعوة يشعُّ ضوؤه في البشريّة، ويطمس آثار الجاهليّة الحمقاء في أوكار النفوس الضالّة!
وحتى يكون الدين كلّه لله، ويحقّ الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون!
والله أسأل: التوفيق والسداد!
والعون والرشاد!
إنه سميع مجيب!
الكويت في: 27 رمضان 1428 هـ
27 سبتمبر 2008 م
راجي عفو ربه
سعد محمد محمد الشيخ (المرصفي)
أستاذ الحديث وعلومه
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
جامعة الكويت. سابقاً
* * *
رسالة ورسول
رسالة ورسول
1 -
إنذار الأقربين
2 -
الجهر العام
3 -
بين زعماء قريش وأبي طالب
4 -
السخرية والاستهزاء
5 -
التطاول على القرآن ومنزله ومن جاء به
6 -
الاتصال باليهود وأسئلتهم
- السؤال عن الروح
- أهل الكهف
- ذو القرنين
7 -
دستور الحكم الصالح
8 -
إنذار يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم
9 -
10 -
بين الصهيونيَّة والصليبيَّة
11 -
معركة عقيدة
12 -
إسلام عمر الفاروق
13 -
عزيمة النبوّة
14 -
الاضطهاد والتعذيب
15 -
المساومة والإغراء
16 -
عقليّة بليدة
17 -
السمو الروحي
18 -
رسالة ورسول
19 -
طمأنينة قلب النبي صلى الله عليه وسلم
20 -
في رحاب سورة (فصلت)
21 -
عناد المشركين
22 -
المعجزة الكبرى
23 -
نهاية المفاوضات
24 -
الصبر الجميل
25 -
تبليغ الرسالة
26 -
موقف الوليد ابن المغيرة
27 -
نموذج للشر الخبيث
28 -
دعاية للرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم
29 -
نماذج الخبث البشري
30 -
أسلوب الآيات
31 -
معالم الفجور
32 -
خصائص هذا النموذج
33 -
رأي آخر
34 -
في رحاب سورة (القلم)
35 -
معالم خصائص نموذج الفجور
-المعلم الأول
- المعلم الثاني
- المعلم الثالث
- المعلم الرابع
- المعلم الخامس
-مجمع الخبائث
- المعلم السادس
36 -
إشهار نموذج الشر
37 -
منح في ثنايا المحن
38 -
إذاعة الإرجاف
39 -
توجيه إلهي
40 -
إسلام الطفيل الدوسي
41 -
نور الهداية
42 -
مضاء العزيمة
43 -
حوار عقول
44 -
آيات من العبر
45 -
قوّة الإيمان
46 -
المستقبل للإسلام
47 -
درس للدعاة
رسالة ورسول
1 - إنذار الأقربين:
سبق أن عرفنا أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد الصفا وهتف داعياً إلى الله تعالى، وأوضح لأقرب الناس إليه أن التصديق بما جاء به هو حياة الصلة بينه وبينهم، وأن عصبيّة القرابة التي يقوم عليها المجتمع العربي ذابت في حرارة هذا الإنذار الآتي من عند الله عز وجل!
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم -كما أسلفنا- كبير المنزلة في بلده، مرموقاً بالثقة والمحبّة (1)، وها هو ذا يواجه مكّة بما تكره، ويتعرّض لخصام السفهاء، والكبراء .. وأول قوم يغامر بخسران مودّتهم عشيرته الأقربون!
بيد أن هذه الآلام تهون في سبيل الحق الذي شرح الله به صدره، وأمره بتبليغه .. ولا عليه أن تموج مكّة بالغرابة والاستنكار، وتستعدّ لحسم هذه الثورة التي اندلعت بغتةً، وتخشى أن تأتي على تقاليدها وموروثاتها!
وبدأت قريش تسير في طريقها .. طريق اللدد، ومجانبة الصواب .. ومضى الرسول صلى الله عليه وسلم في طريقه، يدعو إلى الله تعالى، ويتلطّف في عرض الإسلام، ويكشف النقاب عن مخازي الوثنيَّة، ويسمع ويجيب، ويبيّن ويدافع!
غير أن حرصه صلى الله عليه وسلم على هداية الأقربين جعله يجدّد مسعاه، محاولاً عرض الإسلام عليهم مرّة من بعد مرّة، فإن منزلتهم الكبيرة في العرب تجعل كسبهم عظيم النتائج!
(1) فقه السيرة: الغزالي: 97 وما بعدها بتصرف.
وهم قبل ذلك أهله الذين يودّلهم الخير، ويكره لهم الوقوع في مساخط الله!
وكانت هذه الصيحة غاية البلاغ، فقد فاصل الرسول صلى الله عليه وسلم قومه على دعوته!
وكان هذا الطريق الحكيم المحكم هو الاتجاه بالدعوة في علانيتها والجهر بها إلى عشيرة النبي الأقربين!
وهنا يطالعنا مرّة من بعد مرّة قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217)} (الشعراء)!
ونبصر التوجيه بالدعوة إلى الأقربين، وإنذارهم بطش الله وتخويفهم بأسه ونقمته إذا لم يستجيبوا إلى هدى الله والإيمان به (1)، وإخلاص العبوديّة له تعالى، بخلع الأنداد والشركاء، والتطهّر من أدران الوثنيّة!
وفي هذا حسم لأطماع الأبعدين؛ لأن الناس بمقتضى طبائعهم البشريّة إذا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبدأ أوّل ما يبدأ معلناً دعوته بإنذار أقرب الناس إليه، وتخويفهم، والتبرّي من أعمالهم، إذا لم يستجيبوا إلى داعي الإيمان والهداية، كان ذلك أدعى لغيرهم من الأبعدين ألا يطمع أحد في مهادنته، فضلاً عن المداهنة!
وهذا بلا شك أقوى وأوكد للدعوة في بيان إصرارها وعمومها، وأبلغ في النفوس أثراً؛ لأن الإنذار والتخويف قد يدفع الإشفاق، وقد يدفع إليهما
(1) محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 159 وما بعدها بتصرف.
الإشفاق، وقد يدفع إليهما الحرص على تنبيه المشاعر والإحساسات الوجدانيّة في مداخل النفس الإنسانيّة، لتوكيد أواصر القربى .. وقد يدفع إليهما تحريك الحميّة القوميّة، وروابط القربى العصبيّة، نفوراً من قبيل الضيم في الصبر على أذى القريب، ولا سيما في البيئات العربيّة التي تتعزّز بنصرة القربى!
وسبق أن ذكرنا قصة إسلام حمزة رضي الله عنه!
ومعلوم ما وقع في جميع مواقف أبي طالب، وحَدَ به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمايته له، أن تمتدّ إليه يدٌ بأذى، وقد جعل نحوه دون نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فداءً لابن أخيه، بدائع العصبيّة القوميّة، والحميّة القبليّة .. وظل على ذلك إلى آخر لحظة من حياته، وهو على دين قومه، وكانت قريش كلها تهاب أبا طالب وتحترمه، وتحسب لوجوده إلى جانب ابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم حساباً منعها أن تقتحم حمايته ومنعته!
ومن أظهر شواهد ذلك موقف سائر المنافقين عامة وخاصة من بني هاشم والمطلّب إلا ما كان من أبي لهب وكان كثرتهم على جاهليّتهم في عقيدة الشرك والوثنيّة التي جاءت رسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم لهدمها وتقويض بنيانها!
ذلك الموقف الذي تجلّى في حادث الحصار والمقاطعة -كما سيأتي- ودخول الشعب، وكتابة صحيفة المقاطعة!
وهنا نبصر الردّ القاطع على من يحاولون تصوير هذا (الدّين القيّم) بأنه ثمرة من ثمار القوميّة العربيّة، ويدعون أن محمداً صلى الله عليه وسلم إنما كان يمثل بدعوته التي دعا إليها آمال العرب ومطامحهم في ذلك الحين (1)!
(1) السيرة النبويّة في ضوء المصادر الأصلية: 164 وما بعدها بتصرف.
ونبصر في تباطؤ الناس عن الدخول في الإسلام دليلاً على مدى قوّة وتغلغل العادات والتقاليد في المجتمعات التي تعيش ردحاً من الزمان في الجاهليّة وفساد الفطرة .. وهو وضع يواجهه الدعاة في كثير من المجتمعات قديماً وحديثاً .. حتى المجتمعات الإسلامية، عندما يخبو فيها صوت الدعوة المهتدية بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تجد أثراً كبيراً للعادات والتقاليد في تسيير حركة المجتمع في المجالات المختلفة .. وتجد استنكاراً ممن وقعوا في أسر هذه العادات والتقاليد، لصوت الحق المهتدي بسنّة الرسول صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح، في فهم الإسلام!
ونبصر في خصوصيّة الأمر بإنذار العشيرة، إشارة إلى درجات المسؤوليّة التي تتعلّق بكل مسلم عموماً، والدعاة منهم خصوصاً، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتحمّل المسؤوليّة تجاه نفسه، لكونه مكلّفاً .. ويتحمّلها تجاه أسرته وأهله، لكونه مسؤولاً عن أسرته وذا آصرة قربى .. ثم يتحمّل المسؤولية تجاه الناس كلهم بكونه نبياً ورسولاً من الله عز وجل!
ويشترك مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسؤوليّة الأولى كل مكلّف .. وفي الثانية كل صاحب أسرة، أو كل فرد له عشيرة، وفي الثالثة العلماء والحكام (1)!
ونعود إلى الآيات التي معنا: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217)} !
نعود لنبصر وراء إنذار الأقربن برًّا بهم (2)، وتحريكاً لدوافع حميّة القربى فيهم!
(1) انظر: البوطي: فقه السيرة: 8182.
(2)
محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 162 وما بعدها بتصرف.
نعود لنبصر الأمر بإلانة الجانب لعموم المؤمنين، سواء منهم من قرب في نسبه وعصبيّته أو بعد!
نعود لنبصر مكانة الخلْق من ربّهم، فهم جميعاً عباده، وليس بين الله وبين أحد من خلْق نسب ولا قرابة وحسب .. وإنما هو الإيمان والعمل!
وفي هذه الدائرة يختلف الناس اختلافاً واسعاً عريضاً في درجاتهم ومراتبهم من رضاء الله وإسعاده!
نعود لنبصر تلطّفاً بالذين يستجيبون إلى دعوة الإيمان، ويتبعون محمداً صلى الله عليه وسلم تقويةً لأواصر القرب الروحي، وأخوّة الإيمان، وأنها هي الأخوة التي اعتبرها الحق تبارك وتعالى صلة -كما سيأتي- بين سائر المؤمنين:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)} (الحجرات)!
لأن ذلك يربط قلوبهم بالدعوة، ويملؤها بمحبّة الداعي، ويعدّ نفوسهم للدفاع عن تبليغ الدعوة، وافتداء الداعي والدعوة بكل ما يملكون من قوّة وعمل!
نعود لنبصر إعلان البراءة من عصيان من عصى، ولو كان أقرب القربى، فمن ساء عمله فلن يضرّ إلا نفسه، وأن قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحميه من سخط الله وعذابه!
وفي قوله تعالى: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ (216)} !
لطيفة بيانيّة من لطائف الأسلوب القرآني، فقد عُلِّقت البراءة في الآية بعمل من عصى، ولم تُعَلَّق بشخصه وذاته .. لأن ارتباط البراءة بالعمل دون
ذوات العصاة وأشخاصهم لا يقطع أواصر القربى والبرّ في الدنيا، والعود إليها بالإحسان إذا عادت إلى الإيمان والطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم، والإيمان هو الموجب للموالاة!
وفي ذلك تقرير لمبدأ اجتماعي عظيم، تقوم عليه دعائم الحياة الاجتماعيّة في الإسلام؛ لأن ربط الموالاة والنفرة بالعمل دون الأشخاص والذوات يفتح باب الأمل أمام الشاردين من دعوة الإيمان والطاعة لله ورسوله!
فالإنكار في الآية، والأمر بالبراءة، إنما توجّه إلى العمل السيئ، لا إلى العامل المسيء، وإن كان عمله السيئ مرتبطاً به، ما دام مقيماً عليه، لكن هذا الارتباط بين العامل وعمله ليس ارتباط تلازم؛ ولكنه ارتباط بأمر عارض يمكن الانفكاك عنه وتركه!
فإذا ترك العمل الموجب للنفرة، وحل محله عمل يوجب الموالاة، عادت الموالاة وعاد معها ما توجبه من التلطّف، وخفض الجناح، وإلانة الجانب، وصفاء المودّة!
وفي قوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} !
إشعار بما في هذا الجهر والإنذار من مشقة التبليغ، وأثقال المواجهة، وإيذان بما سيلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذى وصدّ عن سبيل دعوته ومقاومة له صلى الله عليه وسلم، ومناهضة لرسالته، من هؤلاء المنذَرين على قرابتهم، وتشابك أنسابهم بنسبه، وامتزاج عصبيّتهم بحسبه .. حتى لا يعتمد في تحمّل أثقال دعوته إلى الله، وفي صبره على ما يلقى من المعاندين الشاردين عن حظيرة الإيمان والهداية، ولو كانوا أقرب القربى، على غير الله القويّ القهّار، العزيز الذي لا يغالب، الرحيم الذي لا يقطع إمداده عنه، وعن جميع حملة رسالاته،
ووارثي عبء تبليغها، من الدعاة الصادقين، والعلماء العاملين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها!
وهذا درس إلهيّ من أبلغ وأعمق دروس تربية الداعي إلى الله تعالى في تجرده تجرداً كاملاً، من خطرات الاعتماد على قرابة أو عصبيّة .. لأن روابط القرابة وحميّة العصبيّة، قد يعرض لها من ظواهر البيئة، واهتزازات المجتمع ما يفكها، ويزيل وصائلها .. ولأن حميّة العصبيّة قد يعرض لها من أسباب تنازعها ما يطفئ شعلتها، ويُظلم قبسها، ويذيب وشائج تماسكها، ويحيلها أداة إزعاج، وذلك كما وقع من أبي لهب، عم النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان دون سائر بني عبد المطلب أعدى أعداء الدعوة الإسلاميّة، وأشدّ أعدائها أذى للرسول صلى الله عليه وسلم!
وقد نشر هذا المتبوب لواء العداوة للرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم منذ اللحظة التي اصطفاه الله تعالى نبيًّا ورسولاً!
وتجلّى ذلك -كما أسلفنا- في أول موقف وقفه النبي صلى الله عليه وسلم لتنفيذ أمر الله تعالى له بالجهر بالدعوة، وكان المتبوب أبو لهب شرّ خلق الله موقفاً من الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم .. كان يتبع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يمشي إلى منازل الناس ومحافلهم في المواسم، يدعوهم إلى الله تعالى، تبليغاً لرسالته، ليصدّهم عن الاستماع إليه، ولو لم يكن لهذا الخبيث المتبوب من مواقف الخزي والعار، سوى موقفه الذي يدل على فقدانه الشعور بالنخوة الهاشميّة، والحميّة العصبيّة، والغيرة النسبيّة، والعزّة البيتيّة، بانحيازه إلى بطون قريش، تركه إخوته، وبني عمومته، يحصرون في شعب أبي طالب، حصاراً اقتصادياً قاتلاً، لكان حسبه هواناً وذلّةً في دنيا الأعزّة الأكرمين!
2 - الجهر العام:
ويطالعنا الجهر العام بالدعوة لكل من يستطيع صوت الداعي أن يصل إليه من الناس!
يطالعنا قوله جل شأنه: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المْشْرِكينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95)} (الحجر)!
وابتدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سائر قومه، وساكني مكّة، ومن يردها في الأسواق والمواسم بدعوته إلى توحيد الله تعالى .. وخلع الأنداد، وترك عبادة الأصنام .. وصدعَ بحقّه باطلهم، وشقّق بقوّة عقيدته وتوحيد ربّه إهاب وثنيّتهم، ولطم بتبليغ رسالته وجه شركهم، فسمعوا منه، وتحدّثوا عنه، ولم يبعدوا عنه في أوّل ما أعلنهم بدعوته، ودعاهم إلى رسالته، ولم يردّوا عليه أمره، ولم يعالنوه بشديد العداوة، حتى نزل الوحي الذي بيّن ضلالهم، وسخر من عقولهم، وحطّ من شأن الذين اتخذوا الأوثان آلهة، وتلا عليهم في ذلك من بيان القرآن ما لم يكن لهم به عهد!
ولم يكن لهم معه من صبر، فأعظموا ذلك وأنكروه أشدّ الإنكار، وحاولوا معه صلى الله عليه وسلم أن يكفّ عن ذلك .. ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم مضى يقرع آذانهم، ويدقّ على أبواب قلوبهم، بقوارع آيات الله تعالى ونذره وزواجره، من السور المكيّة من القرآن العظيم، وفيها من التجبيه والسخرية، وقواطع البراهين على باطل عقائدهم، ما أثارهم على الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم، فتذامروا عليه، وانتهضوا لمقاومته، والوقوف أمام دعوته!
ولكنهم كانوا يرون حدَب أبي طالب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفاعه عنه،
وحمايته له، وهم يعلمون مكانة أبي طالب فيهم، ويعلمون أن بني هاشم وإخوتهم بني المطلب لا يخالفون عن أمره، ولا يخذلونه في مواقف الجد، ونوازل الأحداث، وأنهم مناصروه على من ناوأه، أو حاول النّيل منه، وهم أشدّ شكيمةً في قومهم على من نابذهم العداوة واللدد!
3 - بين زعماء قريش وأبي طالب:
ومن ثم عمدت بطون زعماء قريش إلى أبي طالب، يلقونه شاكين إليه ابن أخيه، ومشى إليه منهم وهي من رؤوسهم وزعمائهم (1) .. والرسول صلى الله عليه وسلم يدعو بقوة لا تقهر، وعزيمة لا تفل!
ومن ثم زاد ملأ قريش سوءاً على سوئهم، وشرى الأمر بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبينهم، واشتدّ التأزم، ولحق الحنق قلوبهم، وتباعد الرجال، وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها، وشنفوا له، وحضّ بعضهم بعضاً عليه، ورأوا أن عمه أبا طالب لم يعتبهم في شأنه، وازداد حدبه عليه، وحرصه على منعه وحمايته!
وهنا مشوا إليه مرة ثانية، يذكّرونه بأمرهم معه، وما قالوه له في شكايتهم أول مرّة، ويضيفون إلى ذلك لوناً من التهديد والوعيد (2)!
وروى ابن إسحاق من حديث عقيل بن أبي طالب، أن أبا طالب أرسل عقيلاً إِلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلمَّا حضر قال له عمه: إِن بني عمّك هؤلاء قد
(1) انظر: ابن هشام: 1: 328 من رواية ابن إسحاق بدون إسناد، وابن إسحاق 145 وسنده معلق.
(2)
انظر: المرجع السابق: 329.
زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم! فحلّق رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره إِلى السماء، فقال:" أترون هذه الشمس؟ " قالوا: نعم، قال:"فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم، على أن تشتعلوا منها شعلةً" فقال أبو طالب: والله! ما كذبنا ابن أخي، فارجعوا (1)!
وذكر ابن إسحاق أن قريشاً حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه، وإجماعَه لفراقهم في ذلك وعداوتهم، مشَوْا إليه بعمارة ابن الوليد بن المغيرة، فقالوا له، فيما بلغني (2):
يا أبا طالب: هذا عُمارة بن الوليد، أنْهَدُ فتىً فتىً قريش وأجمله، فخذه ذلك عَقْله، ونَصْره، واتّخذه ولداً فهو لك، وأسْلِمْ إِلينا ابن أخيك، هذا الذي قد خالف دينَك ودين آبائك، وفرّق جماعة قومك، وسفّه أحلامهم، فَنَقْتله، فإِنما هو رجل برجل، فقال: والله! لبئس ما تسومونني! أُتعطُوني ابنكم أغذوه لكم، وأُعْطيكم ابني تقتلونه! هذا والله! ما لا يكون
(1) ابن إسحاق: 155 بإسناد حسن، وقال الهيثمي: "المجمع: 6: 15 رواه أبو يعلى باختصار يسير من أوله، ورجاله رجال الصحيح، وانظر: فقه السيرة: الغزالي: 114 - 115، والسيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية:167.
أما ما رواه ابن إسحاق بسند منقطع: 154، وابن هشام: 1: 329 - 330، وفيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ": "يا عم، والله! لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته. قال: ثم استعْبَر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكى، ثم قام، فلمَّا ولّى ناداه أبو طالب، فقال: أقبل يا بن أخي، قال: فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اذهب يا بن أخي، فقل ما أحببت، فوالله! لا أُسلمك شيء أبداً"! والطبري: 2: 326، والكلاعي: الاكتفاء في مغازي المصطفى: 187 من طريق ابن إسحاق. ومع ذلك فالحديث مشهور، ونقله كثيرون!
(2)
ابن هشام: 1: 330 بدون إسناد.
أبدًا! قال: فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي: والله! يا أبا طالب، لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلّص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئاً! فقال أبو طالب للمطعم: والله! ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعْت خذلاني ومُظاهرة القوم عليّ، فاصنع ما بدا لك، أو كما قال: فحقَب الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادى بعضُهم بعضاً! فقال أبو طالب عند ذلك يعرّض بالمطعم بن عدي، ويَعُمُّ مَن خذله مَن بني عبد مناف، ومَن عاداه من قبائل قريش، ويذكر ما سألوه، وما تباعد مِن أمرهم:
ألا قُل لعمرو والوليد ومُطعم
…
ألا ليت حظِّي من حياطتكم بَكْرُ (1)
مَن الخُور حبْحاب (2) كثيرٌ رخاؤُه
…
يُرَشُّ على الساقين من بوله قطْر
تخلّف خلْف الورد ليس بِلاحق
…
إِذا ملا علا الفيفاء قيل له وبْر (3)
أرى أخوَيْنا من أبينا وأُمّنا
…
إِذا سُئلا قالا إِلى غيرنا الأمر
(1) الحفاظ والحفيظة: الغضب، وقال بعضهم: لا يكون الحفاظ إلا في الغضب خاصة، والقول الأول أصح، ويروى من حياطتكم وهي معلومة، والبكر: الفتى من الإبل.
(2)
الخور جمع أخور، وهو الضعيف، وحبحاب يروى بالخاء المعجمة، وبالحاء وبالجيم، قال ابن سراج: بالجيم الكثير الكلام، فاستعاره هنا للرغاء، وبالحاء القصير، وبالخاء الضعيف.
(3)
الفيفاء: القفر، ووبر: دويبة على قدر الهرة.
بَلى لهما أمر ولكن تَجَر جَما (1)
…
كما جُرْجِمت من رأس ذي علق (2) الصخر
أخُصُّ خُصوصاً عبد شمس ونوفلا
…
هما نبذانا مثل ما يُنبذ الجمر
هما أغْمَزَا لِلْقوم (3) في أخوَيْهما
…
فقد أصبحا منهم أكفهما صفر (4)
هما أشركا في المجد من لا أبا له
…
من الناس إِلا أن يُرَسّ له ذكر (5)
وتيْم ومخزوم وزهرة منهمُ
…
وكانوا لنا مولى إِذا بُغي النصر
فوالله! لا تنفكّ منا عداوة
…
ولا منهم ما كان من نسلنا شَفْر (6)
فقد سُفهت أحلامُهم وعقولهم
…
وكانوا كجفر بئس ما صنعت جفر
(1) تجرجما: أي سقطا وانحدرا، يقال: تجرجم الشيء إذا سقط.
(2)
ذو علق: جبل في ديار بني أسد.
(3)
أغمزا للقوم: أي سببا لهم الطعن فيهم، يقال: غمزت الرجل إذا طعنت فيه.
(4)
الصفر: الخالي من الآنية وغيرها.
(5)
يرسّ له ذكر: معناه أن يذكر ذكراً خفيًّا، يقال: رسست الحديث، إذا حدّثت به في خفاء.
(6)
من نسلنا شفر: أي أحد، يقال: ما بالدار أحد، وما بها شفر، أي ما بها أحد.
أهذا منتهى تقدير الرجوليّة في نظركم يا هؤلاء (1)؟!
تبًّا لهذه الحياة إن كان مثلها الأعلى في شبابها ورجوليّتها وفتوّة فتيانها جسامة بضّة، وجمال مظهر مائع، وميعة شباب تافه، وتمايل أعطاف مرذول!
لقد مشى ملأ الوثنّية الماديّة إلى أبي طالب منتفخة أوداجهم، يقودون فتاهم بشحمه، وبضاضة جسمه، وهم يقولون له:
قد جئناك بفتى قريش، جمالاً ونسباً ونهادة، ندفعه إليك، فيكون لك نصره وميراثه، فخذه وادفع إلينا ابن أخيك نقتله، فإن ذلك أجمع للعشيرة، وأفضل في عواقب الأمور مغبة، ورجل برجل!
ونظر أبو طالب إلى هذه الأشباح التي تكلمه، وهي تقود فتاها بنسعة الغرور الكذوب!
وحدّث أبو طالب نفسه، هامساً متعجّباً من هذه الرؤوس التي لم تركب في تلافيفها أدمغة تعقل، ولا دُسّ في صدورها قلوب تفقه!
وما قيمة جسامة فتاكم، وبضاضة جسمه وجماله وميعة شبابه، وتمايل عطفيه، وتضاحك شدقيه، في ميزان الرجوليّة الجادّة؟!
وما قيمة ذلك في ميزان الفضائل الإنسانيّة التي تعتزّ بها الحياة في حساب مفاخرها فيمن تدّخرهم لإنقاذها من شروركم؟! أفلا تعقلون؟!
بل ما قيمة فتاكم البضّ التيّاه في شرعة وشائج الطبيعة؟! أفلا تفقهون؟!
وكان أبو طالب -كما أسلفنا- قد استجمع أطراف عزائمه، وراجعته حميّته لابن أخيه، وزاده هذا العرض السخيف الأبله قوّةً وشموخاً، وتبدّى له خذلان الطغيان .. وأنهم جاؤوه بدنيّة الدنيا، ورديلة الرذائل، وحطيطة الجبن!
(1) محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 178 وما بعدها بتصرف.
وانتهض أبو طالب للرد عليهم رداً بدّد غرورهم الأبله، وغمز قناة بلاهتهم، فقال لهم كما عرفنا: والله! لبئس ما تسومونني! أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه!
هذا والله! ما لا يكون أبداً!
وله قصيدة طويلة عظيمة بليغة جداً، أفحل من المعلّقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى فيها جميعها كما يقول الحافظ ابن كثير وقد أوردها الأموي في مغازيه بزيادات، يخبر قومه وغيرهم أنه غير مُسْلم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ولا تاركه لشيء أبداً، حتى يهلك دونه (1)!
(1) انظر: ابن هشام: 1: 338 وما بعدها، والبداية: 3: 5357.
ولم يجد الحافظ ابن كثير: البداية: 3: 41 تفسيراً لذلك سوى أن الله تعالى قد امتحن قلبه بحبّه حباً طبيعياً لا شرعيًّا، وكان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى، ومما صنعه لرسوله من الحماية؛ إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وجاهة ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه، ولا اجترؤوا عليه، ولمدّوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه، وربّك يخلق ما يشاء ويختار!
وقد قسم خلقه أنواعاً وأجناساً، فهذان العمان كافران: أبو طالب، وأبو لهب، ولكن هذا يكون في القيامة في ضحضاح من نار، وذلك في الدرك الأسفل من النار، وأنزل الله فيه سورة في كتابه، تتلى على المنابر، وتقرأ في المواعظ والخطب، تتضمّن أنه سيصلى ناراً ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب! وإشارة الحافظ ابن كثير إلى أن أبا طالب في ضحضاح من نار، إشارة إلى الحديث المتفق عليه عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال للنبي: ما أغنيت عن عمّك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال:"هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار"!
البخاري: 63 مناقب الأنصار (3883)، وانظر (6208، 6572)، ومسلم (209)، وانظر الفتح: 7: 193.
4 - السخرية والاستهزاء:
وتطالعنا السخرية والاستهزاء من هؤلاء الذين كانوا يسمعون آيات الله تتلى -كما سبق أن عرفنا (1) - يزعمون أن في مقدورهم أن يأتوا بمثلها لو شاءوا، مع وصف هذا القرآن الكريم بأنه أساطير الأولين:{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إلَّا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (31)} (الأنفال)!
وذكر ابن كثير أن القائل هو النضر بن الحارث، لعنه الله (2)، كما قد نصّ على ذلك سعيد بن جبير، والسدي، وابن جريج، وغيرهم، فإنه لعنه الله كان قد ذهب إلى بلاد فارس، وتعلّم من أخبار ملوكهم (رستم) و (اسفنديار)، ولما قدم وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه الله، وهو يتلو على الناس القرآن، فكان صلى الله عليه وسلم إذا قام من مجلس جلس فيه النضر، فحدّثهم من أخبار أولئك، ثم يقول: بالله! أيّنا أحسن قصصاً، أنا أو محمد؟
ولهذا لمَّا أمكن الله تعالى منه يوم بدر، ووقع في الأسارى، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تضرب رقبته صبرًا بين يديه، ففعل ذلك، ولله الحمد!
وكان الذي أسره -كما سيأتي- المقداد بن الأسود رضي الله عنه!
وتكررت في القرآن الكريم حكايته قول المشركين عن القرآن: إنه أساطير الأولين!
وما كان هذا القول إلا حلقة من سلسلة المناورات التي كانوا يحاولون أن
(1) وانظر أيضاً: ابن هشام: 1: 389 وما بعدها، والبيهقي:"الدلائل": 2: 706207، وسبل الهدى والرشاد: 2: 470.
(2)
تفسير ابن كثير: 2: 304.
يقفوا بها في وجه هذا القرآن (1)، وهو يخاطب الفطرة البشريّة بالحق الذي تعرفه في أعماقها فتهتز وتستجيب، ويواجه القلوب بسلطانه القاهر فترتجف لإيقاعه ولا تتماسك!
وهنا كان يلجأ العلية من قريش إلى مثل هذه المناورات، وهم يعلمون أنها مناورات!
ولكنهم كانوا يبحثون في القرآن عن شيء يشبه الأساطير المعهودة في أساطير الأمم من حولهم، ليموّهوا على جماهير العرب، الذين من أجلهم تطلق هذه المناوَرات، للاحتفاظ بهم في حظيرة العبوديّة للعبيد!
لقد كان الملأ من قريش يعرفون طبيعة هذه الدعوة، مذ كانوا يعرفون مدلولات لغتهم الصحيحة!
كانوا يعرفون أن (شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)، معناها إعلان التحرّر من سلطان البشر كافة، والخروج من حاكميّة العباد جملة، والفرار إلى ألوهيّة الله وحده وحاكميّته .. ثم التلقّي في هذه العبوديّة لله عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم!
وكانوا يرون الذين يشهدون هذه الشهادة يخرجون لتوّهم من سلطان قريش وقيادتها وحاكميّتها، وينضمّون إلى التجمع الإسلامي الذي يقوده محمد صلى الله عليه وسلم، ويخضعون لقيادته وسلطانه، وينتزعون ولاءهم للأسرة والعشيرة والقبيلة والمشيخة والقيادة الجاهليّة، ويتوجّهون بولائهم كله لله والرسول، والعُصْبة المسلمة التي تقوم عليها هذه القيادة الإسلاميّة!
(1) في ظلال القرآن: 3: 1502 وما بعدها بتصرف.
كان هذا المدلول واقعاً يشهده الملأ من قريش، ويحسّون خطره عليهم، وعلى الأوضاع الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة التي يقوم عليها كيانهم!
وهذا ما كان يقضّ مضاجع الملأ من قريش، فيقاومونه بشتّى الأساليب .. ومنها هذا الأسلوب .. أسلوب ادعاء أن القرآن الكريم أساطير الأولين، وأنهم لو شاءوا لقالوا مثله!
ذلك مع تحدّيهم به مرّة ومرّة ومرّة، وفي كل مرّة يعجزون ويَخْنسون!
والأساطير واحدتها أسطورة، وهي الحكاية المتلبسة غالباً بالتصوّرات الخرافيّة، وأقاصيص القدامى وبطولاتهم الخارقة، وعن الأحداث التي تتخللها أساساً تصوّرات الخيال والخرافة!
وقد كان الملأ من قريش يعمدون إلى ما في القرآن من قصص الأوّلين، وفعل الله بالمكذّبين وإنجائه للمؤمنين .. إلى آخر ما في القصص القرآني من هذه "الموضوعات" وقد سجّل القرآن تطاولهم، وردّ عليهم بما يظهر سخف هذا التطاول وكذبه:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)} (الفرقان)!
وأكذب شيء أن يقول كفّار قريش هذه المقالة، وهم يوقنون في أنفسهم أنها الفرية التي لا تقوم على أساس (1) .. فما يمكن أن يخفى على كبرائهم الذين يلقنونهم هذا القول أن القرآن الذي يتلوه عليهم محمد صلى الله عليه وسلم شيء آخر غير كلام
(1) المرجع السابق: 5: 2551 بتصرف.
البشر، وهم كانوا يحسّون هذا بذوقهم في الكلام، وكانوا لا يملكون أنفسهم من التأثّر بالقرآن .. كما كانوا يعلمون عن محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة أنه (الصادق الأمين) الذي لا يكذب ولا يخون -كما أسلفنا- فكيف به يكذب على الله، وينسب إليه قولاً لم يقله؟!
ولكنه العناد والخوف على مراكزهم الاجتماعيّة المستمدة من واقعهم الذي يعيشونه، كان يجنح بهم إلى هذه المناورات يطلقونها في وسط جمهور الرب، الذين قد لا يميزون بين الكلام، ولا يعرفون درجته!
{إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} !
قيل: إنهم عبيد أعاجم ثلاثة أو أكثر، هم الذين كانوا يعنونهم بهذه المقالة! وهو كلام متهافت تافه لا يقف للجدال!
فإن كان بشر يملك أن يفتري مثل هذا القرآن بمعاونة قوم آخرين، فما يمسكهم عن الإتيان بمثله، مستعينين بأقوام منهم، ليبطلوا حجة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يتحدّاهم به وهم عاجزون؟!
ومن ثم لا يجادلهم هنا ولا يناقشهم في هذا القول المتهافت، إنما يدفعهم بالوصف البارز الثابت:{فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} !
ظلماً للحق، ولمحمد صلى الله عليه وسلم، ولأنفسهم، وزورًا واضح الكذب ظاهر البطلان!
ثم يمضي في استعراض مقولاتهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن القرآن: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} !
ذلك لما وجدوا فيه من قصص الأوّلين التي يسوقها للعبرة والعظمة، وللتربية والتوجيه، وهذا استطراد في دعواهم التي لا تقوم على أساس، ولا تثبت للمناقشة!
{قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} !
فأين علم حفاظ الأساطير ورواتها من ذلك العلم الشامل؟!
وأين أساطير الأوّلين من السرّ في السموات والأرض؟!
وأين النقطة الصغيرة من الخضم الذي لا ساحل له ولا قرار؟!
ألا إنهم ليرتكبون الخطيئة الكبيرة، وهم يدّعون على رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الدعاوى المتهافتة، ومن قبل يصرّون على الشرك بالله، وهو خلقهم .. ولكن باب التوبة مفتوح، والرجوع عن الإثم ممكن، والله الذي يعلم السرّ في السموات والأرض، ويعلم ما يفترون وما يكيدون، غفور رحيم:{إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً (6)} !
وقد انكشف هذا النوع من المناورات بعد حين .. وتبيّن أن القرآن بسلطانه القاهر الذي يحمله من عند الله (1)، وبالحق العميق الذي تصطلح عليه الفطرة سريعاً، قد اكتسح هذه الأساليب وتلك المناورات، فلم يقف له منها شيء!
وراح الملأ من قريش في ذعر يقولون:
{لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْءانِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26)} (فصلت)!
ووجد كبراؤهم يخالس بعضهم بعضاً ليبيت ليلته يستمع خفيةً لهذا القرآن، ولا يملك نفسه من أن تقوده قدماه ليلةً بعد ليلة إلى حيث يستمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في خفية عن الآخرين، حتى تعاهدوا وأكدوا على أنفسهم العهود، ألاّ يعودوا، مخافة أن يراهم الفتية فيفتنوا بهذا القرآن وبهذا الدّين!
(1) المرجع السابق: 3: 1504 بتصرف.
على أن محاولة النضر بن الحارث أن يلهي الناس عن هذا القرآن بشيء آخر يخدعهم به عنه، لم تكن هي المحاولة الأخيرة، ولن تكون!
لقد تكرّرت في صور شتّى .. وحاول أعداء الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم دائماً أن يصرفوا الناس نهائيًّا عن هذا القرآن، فلما عجزوا حوّلوه إلى تراتيل يترنّم بها القرّاء ويطرب لها المستمعون، وحوّلوه إلى تمائم وتعاويذ يضعها الناس في بيوتهم وسياراتهم وجيوبهم وفي صدورهم وتحت وسائدهم .. ويفهمون أن هذا فقط هو الدين، وقد أدّوا حقّ هذا القرآن وحق هذا الدّين!
لم يعد القرآن في حياة الناس هو مصدر التوجيه .. لقد صاغ لهم أعداء هذا (الدّين القيّم) أبدالاً منه يتلقّون منها التوجيه في شؤون الحياة كلها .. حتى ليتلقّون منها تصوراتهم ومفاهيمهم، إلى جانب ما يتلقّون منها شرائعهم وقوانينهم، وقيمهم وموازينهم!
ثم قالوا لهم: إن هذا الدّين محترم، وإن هذا القرآن مصون، وهو يتلى عليكم صباحاً ومساء وفي كل حين، ويترنّم به المترنّمون، ويرتّله المرتّلون .. فماذا تريدون من القرآن بعد هذا الترنّم وهذا الترتيل؟!
إنها مناورة النضر بن الحارث، ولكن في صورة متطوّرة معقّدة، تناسب تطوّر الزمان وتعقّد الحياة .. ولكنها هي هي في شكل من أشكالها الكثيرة، التي عرفها تاريخ الكيد لهذا الدّين، على مدار القرون!
ولكن العجيب في شأن هذا القرآن، أنه على طول الكيد وتعقّده وتطوّره وترقّيه ما زال يغلب!
إن لهذا الكتاب من الخصائص العجيبة، والسلطان القاهر على الفطرة، ما
يغلب به كيد الجاهليّة في الأرض كلها، وكيد الشياطن من هؤلاء وأولئك الذين يحاربون هذا الدّين، وكيد الأجهزة العالميّة التي يقيمونها هنا وهناك في كل أرض وفي كل حين!
إن هذا الكتاب ما يزال يلوي أعناق أعدائه في الأرض كلها، ليجعلوه مادة إذاعيّة في جميع محطّات العالم!
وحقيقة إنهم يذيعونه بعد أن نجحوا في تحويله في نفوس الكثير من المسلمين إلى مجرّد أنغام وتراتيل، أو مجرّد تمائم وتعاويذ!
وبعد أن أبعدوه حتى في خاطر الكثيرين من المسلمين، من أن يكون مصدر التوجيه للحياة!
وأقاموا مصادر أخرى للتوجيه في جميع الشؤون!
بيد أن هذا الكتاب مازال يعمل من وراء هذا الكيد، وسيظل يعمل .. وما تزال في أنحاء الأرض هنا وهناك عصبة مسلمة تتجمّع على جديّة هذا الكتاب، وتتخذه وحده مصدر التوجيه، وهي ترتقب وعد الله عز وجل بالنصر والتمكين .. من وراء الكيد والسحق والقتل والتشريد .. وما كان مرّة لابدّ أن سيكون!
وهنا نذكر ما رواه البخاري وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه
قال: (1) قال أبو جهل: " {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} "!
وأخرج ابن جرير وغيره أنها نزلت في النضر بن الحارث (2)!
إنه العجب العجاب من عناد هؤلاء المشركين في وجه الحق الذي يغالبهم فيغلبهم، فإذا الكبرياء تصدّهم عن الاستسلام له، والإذعان لسلطانه، وإذا هم يتمنون على الله إن كان هذا هو الحق من عنده أن يمطر عليهم حجارة من السماء، أو أن يأتيهم بعذاب أليم، بدلاً من أن يسألوا الله أن يرزقهم اتباع هذا الحق والوقوف في صفه:{وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32)} !
وهو دعاء غريب، يصوّر حالة من العناد الجامح الذي يؤثر الهلاك على الإذعان للحق، حتى ولو كان حقًّا!
إن الفطرة السليمة حين تشك تدعو الله أن يكشف لها عن وجه الحق، وأن يهديها إليه، دون أن تجد في هذا غضاضة!
ولكنها حين تفسد بالكبرياء تأخذها العزّة بالإثم، حتى لتؤثر الهلاك والعذاب، على أن تخضع للحق، عندما يكشف لها واضحاً لاريب فيه!
وبمثل هذا العناد كان المشركون في مكّة يواجهون الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم!
(1) البخاري: 65 التفسير (4648، 4649)، والبيهقي:"الدلائل": 3: 75.
(2)
انظر: ابن جرير: 9: 152، وابن كثير: 2: 305، والشوكاني: 2: 323.
ولكن هذه الدعوة هي التي انتصرت في النهاية، في وجه هذا العناد الجامح الشموس!
ويعقب السياق على هذا العناد، وعلى هذا الدعاء، بأنهم مع استحقاقهم لإمطار الحجارة عليهم من السماء، وللعذاب الأليم الذي طلبوه.
إن كان هذا هو الحق من عند الله؛ لأنه للحق .. ومع هذا فإن الله تبارك وتعالى قد أمسك عنهم عذاب الاستئصال الذي أخذ به المكذّبين قبلهم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، ولا يزال يدعوهم إلى الهدى، والله لا يعذّبهم عذاب الاستئصال والرسول صلى الله عليه وسلم فيهم .. كما أنه لا يعذّبهم هذا العذاب على معاصيهم إذا كانوا يستغفرون منها .. وليس تأخير العذاب عنهم لمجرّد أنهم أهل هذا البيت، فليسوا بأولياء هذا البيت، إنما أولياؤه المتّقون:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34)} !
5 - التطاول على القرآن ومنزله ومن جاء به:
ويروي الشيخان وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى (1): {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} !
(1) البخاري: 65 التفسير (4722)، وانظر (7490، 7525، 7547)، ومسلم (145)، وأحمد: 1: 23، 215، والترمذي (3145، 3146)، والنسائي: 2: 177، 178، والكبرى (993، 994)، وأبو عوانة: 2: 123، والطبري: التفسير: 15: 184، 185، 186، وابن خزيمة (1587)، والبيهقي: 2: 184، 185، والأسماء والصفات: 1: 401، والبغوي: التفسير: 3: 142، والطبراني (12454)، وابن حبان (1796، 6563).
قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مُخْتَفٍ بمكة، كان إِذا صلّى رفع صوته بالقرآن، فإِذا سمع المشركون سَبُّوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم لي:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ} !
أي بقراءتك، فيسمع المشركون، فيسُبُّوا القرآن:{وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} ! عن أصحابك، فلا تسمعهم:{وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} (الإسراء)!
وإن هي إلا سخافات الجاهليّة وأوهام الوثنيّة .. ومن ثم كان الأمر للرسول صلى الله عليه وسلم أن يتوسّط في صلاته بين الجهر والخفوت، لما كانوا يقابلون به صلاته من استهزاء وإيذاء، أو من نفور وابتعاد، ولعل الأمر كذلك؛ لأن التوسّط بين الجهر والخفاء أليق بالوقوف أمام الله!
وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها قالت: أنزل ذلك في الدعاء (1)!
قال ابن حجر (2): هكذا أطلقت عائشة، وهو أعم من أن يكون داخل داخل الصلاة أو خارجها!
وقال: يحتمل الجمع بينهما، بأنها نزلت في الدعاء داخل الصلاة، وقد روى ابن مردويه من حديث أبي هريرة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا صلّى عند البيت رفع صوته بالدعاء، فنزلت!
وجاء عن أهل التفسير في ذلك أقوال أخر!
(1) البخاري: 65 التفسير (4723)، وانظر (6327، 7526).
(2)
فتح الباري: 8: 405، 406 بتصرف.
6 - الاتصال باليهود وأسئلتهم:
ولم يقف أمر هؤلاء عند حد هذا السبّ للقرآن ومنزله من وجاء به، فقد اتصلوا باليهود للإتيان منهم بأسئلة تعجيزيّة كما يتصوّرون للرسول صلى الله عليه وسلم:
-
السؤال عن الروح:
يروي أحمد وغيره بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (1): قالت قريش ليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الرُّوح، فسألوه، فنزلت:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)} (الإسراء)!
قالوا: أوتينا عِلْماً كثيراً، أُوتينا التوراة، ومَن أوتِيَ التوراة، فقد أوتي خيراً كثيراً، فأنزل الله عز وجل:{قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ} (الكهف: 109)!
ويروي الشيخان وغيرهما عن عبد الله قال: بينا أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في خِرَب المدينة وهو يتوكّأ على عسيبٍ معه فمرّ بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض (2): سلوه عن الرّوح، وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يجيء
(1) أحمد: 1: 255، والترمذي (3140)، والنسائي: التفسير (334)، والكبرى (11314)، وأبو يعلى (2501)، والحاكم: 2: 531، والبيهقي:"الدلائل": 2: 269، وابن حبان (99).
(2)
البخاري: 13 العلم (125)، وانظر (4721، 7297، 7456، 7462)، ومسلم (2794) وأحمد: 1: 389، 444، والترمذي (3141)، والنسائي: التفسير (319)، والكبرى (11299)، والطبري: التفسير: 15: 155، والشاشي (369)، والطبراني: الصغير (1003)، والواحدي: أسباب النزول: 299، وابن حبان (98).
فيه بشيء تكرهونه، فقال بعضهم: لنسألنّه، فقام رجل منهم، فقال: يا أبا القاسم، ما الرُّوح؟ فسكت، فقلت: إِنه يوحى إِليه، فقمت، فلمَّا انجلى عنه، فقال:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء]
قال ابن حجر: في رواية عن ابن عباس عند الطبري، "فقالوا: أخبرنا عن الروح؟ " قال ابن التين: اختلف الناس في المراد بالروح المسؤول عنه في هذا الخبر على أقوال (1):
ثم قال: وقد روى ابن إسحاق في تفسيره بإسناد صحيح عن ابن عباس، قال: الروح من الله، وخلق من خلق الله وصور كبني آدم، لا ينزل ملك إلا معه واحد من الروح، وثبت عن ابن عباس أنه كان لا يفسر الروح، أي لا يعين المراد في الآية!
وقال الخطابي: حكوا في المراد بالروح في الآية أقوالاً:
قيل: سألوه عن جبريل!
وقيل: عن ملك له ألسنة!
وقال الأكثر: سألوه عن الروح التي تكون بها الحياة في الجسد!
وقال أهل النظر: سألوه عن كيفيّة مسلك الروح في البدن، وامتزاجه به، وهذا هو الذي استأثر الله بعلمه!
وقال القرطبي: الراجح أنهم سألوه عن روح الإنسان؛ لأن اليهود لا تعترف بأن عيسى روح الله، ولا تجهل أن جبريل ملك، وأن الملائكة أرواح!
وقال الرازي: المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة، وأن
(1) انظر: فتح الباري: 8: 402 وما بعدها.
الجواب وقع على أحسن الوجوه، وبيانه أن السؤال عن الروح يحتمل عن ماهيته، وهل هي متحيّزة أم لا؟ وهل هي حالة في متحيّز أم لا؟ وهل هي قديمة أو حادثة؟ وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد أو تفنى؟ وما حقيقة تعذيبها ونعيمها؟ وغير ذلك من متعلقاتها؟
وليس في السؤال ما يخصّص أحد هذه المعاني، إلا أن الأظهر أنهم سألوه عن الماهية، وهل الروح قديمة أو حادثة؟!
والجواب يدل على أنها شيء موجود مغاير للطبائع والأخلاط وتركيبها، فهو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث، وهو قوله تعالى {كُنْ} فكأنه قال: هي موجودة محدثة بأمر الله وتكوينه، ولها تأثير في إفادة الحياة للجسد، ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيه!
قال: ويحتمل أن المراد بالأمر في قوله: {مِنْ أَمْرِ رَبِّي} الفعل، كقوله:
{وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97)} (هود)!
أي فعله، فيكون الجواب الروح من فعل ربّي!
وإن كان السؤال هل هي قديمة أو حادثة؟ فيكون الجواب إنها حادثة!
إلى أن قال: وقد سكت السلف عن البحث في هذه الأشياء، والتعمّق فيها!
وغاب عن هؤلاء أن المنهج الأقوم في هذا الدّين في حدود ما يستطيع الإدراك البشري بلوغه ومعرفته (1)؛ فلا يبدّد الطاقة العقليّة التي وهبها الله للناس فيما لا ينتج ولا يثمر!
وليس في هذا حجر على العقل البشري أن يعمل، ولكن فيه التوجيه لهذا
(1) في ظلال القرآن: 4: 2249 بتصرف.
العقل في حدوده وفي مجاله الذي يدركه، فلا جدوى من الخبط في التّيه، ومن إنفاق الطاقة فيما لا يملك العقل إدراكه؛ لأنه لا يملك وسائل إدراكه، والروح غيب من غيب الله لا يدركه سواه، وسرّ من أسراره القدسيّة أودعه هذا المخلوق البشري وبعض الخلائق التي لا نعلم حقيقتها!
وعلم الإنسان محدود بالقياس إلى علم الله المطلق، وأسرار هذا الوجود أوسع من أن يحيط بها العقل البشري المحدود! والإنسان لا يدبر هذا الكون، فطاقاته ليست شاملة، إنما وهب منها بقدر محيطه، وبقدر حاجته، ليقوم بالخلافة في الأرض، ويحقّق ما شاء الله أن يحقّقه، في حدود علمه القليل!
ولقد أبدع الإنسان في هذه الأرض ما أبدع، ولكنه وقف حسيراً أمام ذلك السرّ اللطيف {الرُّوح} لا يدري ما هو، ولا كيف جاء، ولا كيف يذهب، ولا أين كان، ولا أين يكون، إلا ما يخبر به العلم الخبير في التنزيل!
وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما أسلفنا- وكان قد قدمِ من الحيرة .. ويدَّعي أنه أحسن حديثاً .. ويحدّثهم عن ملوك فارس ورستم وغيرهما .. (1)
قال ابن هشام: وهو الذي قال فيما بلغني: سأنزل مثل ما أنزل الله! (2)
قال ابن إسحاق (3): وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول، فيما بلغني: نزل فيه ثمان آيات من القرآن، قول الله عز وجل:{إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15)} (القلم)، (المطففين: 13).
(1) انظر السيرة النبوية: ابن هشام: 1: 370، والروض الأنف: 2: 52.
(2)
انظر: السابق.
(3)
السيرة النبوية: 1: 371 وما بعدها معلقاً، والبيهقي:"الدلائل": 2: 269 - 270، وأحمد: الفتح الرباني: 18: 196 - 197، وانظر: الفتح: 8: 401.
وكل ما ذكر فيه من الأساطير من القرآن (1)!
فلما قال لهم ذلك النضر بن الحارث بعثوه، وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، وقالوا لهما:
سلاهم عن محمد، وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله. فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علمَ ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتَّى قدما المدينة، فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصفا لهم أمره، وأخبراهم ببعض قوله. وقالا لهم:
إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا،، فقالت لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبيّ مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقوّل، فَرَوْا فيه رأيكم!
سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان أمرهم، فإنه قد كان لهم حديث عجيب؟
وسلوه عن رجل طوَّاف، قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه؟
وسلوه عن الرُّوح، ما هي؟
فإذا أخبركم بذلك فاتّبعوه، فإنه نبيّ، وإن لم يفعل، فهو رجل متقوّل، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم!
(1) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.
فأقبل النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي مُعيط بن أبي عمرو بن أميّة ابن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصيّ، حتى قدما مكّة على قريش، فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أخبرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أَمَرُونا بها، فإن أخبركم عنها فهو نبيّ، وإن لم يفعل فالرجل متقوّل، فرَوْا فيه رأيكم!
فجاؤوا الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، قد كانت لهم قصة عجب!
وعن رجل كان طوّافاً قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها!
وأخبرنا عن الرّوح ما هي؟
قال: فقال لهم صلى الله عليه وسلم:" أخبركم بما سألتم عنه غداً " ولم يستثن، فانصرفوا عنه.
فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم -فيما يذكرون- خمس عشرة ليلة، لا يُحْدث الله إليه في ذلك وحياً؟، ولا يأتيه جبريل، حتى أرجفَ أهل مكة وقالوا: وعَدنا محمد غداً، واليوم خمس عشرة ليلة، قد أصبحنا منها، لا يخبرنا بشيء، مما سألناه عنه، وحتى أحزنَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مُكْث الوحي عنه، وشقّ عليه ما يتكلّم به أهل مكة!
ثم جاءه جبريل من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف. فيها معاتبته إيّاه على حزنه عليهم. وخبر ما سألوه عنه من أمر الله: الفتية، والرجل الطوَّاف، والروح! (1)
(1) انظر: السيرة النبوية: 1: 373.
وتعددت الروايات في سبب النزول (1)، ونظراً لتعدَّد تلك الروايات، نؤثر أن نقف في ظل النص القرآني المستيقن، لنعلم يقيناً أنه كان هناك سؤال قد تعدّدت الروايات في ذكره!
-
أهل الكهف:
ونبصر أنه تعالى يحمد نفسه المقدَّسة عند فواتح الأمور وخواتمها، وأنه جلَّ شأنه المحمود على كل حال، وله الحمد في الأولى والآخرة، وقد حمد نفسه على إنزاله الكتاب العزيز على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه أعظم نعمة أنعمها الله على أهل الأرض، إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، حيث جعله كتاباً مستقيماً، لا عوج فيه ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم، واضحاً بينًّا جليًّا، نذيراً للكافرين، بشيراً للمؤمنين!
ونبصر بدءاً فيه استقامة، وفيه صرامة .. ومن ثمَّ تتضِّح المعالم، فلا لبس في العقيدة ولا غموض .. ويغلب ظل الإنذار الصارم في التعبير كله
…
!
(1) انظر: ابن كثير: التفسير: 3: 71 وما بعدها، والمرجع السابق.
وهنا نذكر ما رواه مسلم وغيره عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حفظ عشر آيات من أوّل سورة الكهف عُصِمَ من الدّجال". (1)
ويروي الشيخان وغيرهما عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء بن عازب رضي الله عنه يقول:
"قرأ رجلٌ الكهف، وفي الدّار دابّة، فجفلتْ تنفْر، فنظر، فإذا ضبابةٌ -أو سحابة- قدْ غشيَتْهُ. قال: فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اقرأ فلان، فإنّها السكينة تنزّلتْ عند القرآن، أو تنزَّلت للقرآن". (2)
وفي رواية عن البراء رضي الله عنه قال:
كان رجل يقرأ سورة الكهف، وإلى جانبه حصانٌ مربوط بشَطنَيْن، فتغشّته سحابة، فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه تَنْفر، فلمَّا أَصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال:"تلك السكينة تنزّلتَ بالقرآن" وتعددت الروايات في ذلك. (3)
(1) مسلم: 6 - صلاة المسافرين (809)، وأحمد: 5: 196، وانظر: 6: 449 - 450، والترمذي (2886)، وأبو داود (4323)، والنسائي: عمل اليوم والليلة (951)، والبغوي: شرح السنة (1204)، وأبو عوانة (3780)، والبيهقي: 3: 349.
(2)
البخاري: 61 - المناقب (2614)، وانظر (4839، 5011)، ومسلم (795)، والطيالسي (714)، وأبو نعيم الحلية: 4: 342، والبيهقي:"الدلائل": 7: 83، والبغوي (1206)، وابن حبان (769).
(3)
البخاري: 66 فضائل القرآن (5011)، وانظر (5018)، ومسلم (695)، وانظر (796)، وأحمد: 3: 81، والنسائي: الكبرى (8016، 8244)، وأبو عبيد: فضائل القرآن: 27، والحا كم: 1: 553 - 554، والطبراني: الكبير (566)، وانظر: مشارق الأنوار: 2: 22، والنووي: شرح صحيح مسلم: 6: 82.
وهو تلخيص يجمل القصّة (1)، ويرسم خطوطها العريضة، فنعرف أن أصحاب الكهف فتية، آووا إلى الكهف وهم مؤمنون، وأنه ضرب على آذانهم في الكهف، وأنهم بعثوا من رقدتهم الطويلة، وأنه كان هناك فريقان يتجادلان في شأنهم، ثم لبثوا في الكهف .. وقصتهم على غرابتها ليست بأعجب آيات الله، وفي صفحات هذا الكون من العجائب وفي ثناياه من الغرائب ما يفوق قصة أصحاب الكهف والرقيم!
ويطالعنا المشهد الأول: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)} ، بإلهامهم كيف يدبرون أمرهم:{وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ} ، فإذا هي ثابتة راسخة، مطمئنة إلى الحق الذي عرفت، معتزّة بالإيمان الذي اختارت:{إِذْ قَامُوا}
(1) في ظلال القرآن: 4: 2261 وما بعدها بتصرف.
والقيام حركة تدل على العزم والثبات: {فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فهو رب لهذا الكون كله: {لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا} فهو واحد بلا شريك: {لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14)} وتجاوزنا الحق، وحدنا عن الصواب!
ثم يلتفتون إلى ما عليه قومهم فيستنكرونه، ويستنكرون المنهج الذي يسلكونه:{هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} ؟ فهذا هو طريق الاعتقاد: أن يكون للإنسان دليلٌ قويٌّ يستند إليه، وبرهان له سلطان على النفوس والعقول، وإلا فهو الكذب الشنيع؛ لأنه الكذب على الله:{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)} ؟
وإلى هنا يبدو موقف الفتية واضحاً صريحاً حاسماً، لا تردّد فيه ولا تلعثم .. إنهم فتية أشدّاء في أجسامهم، أشدّاء في إيمانهم، أشدّاء في استنكار ما عليه قومهم!
ولقد تبيَّن الطريقان، واختلف المنهجان، فلا سبيل إلى الالتقاء، ولا للمشاركة في الحياة، ولا بدَّ من الفرار بالعقيدة .. إنهم ليسوا رسلاً إلى قومهم فيواجهوهم بالعقيدة الصحيحة ويدعوهم إليها، ويتلقوا ما يتلقاه الرسل .. إنما هم فتية تبين لهم الهدى في وسط ظالم كافر، ولا حياة لهم في هذا الوسط إن هم أعلنوا عقيدتهم وجاهروا بها، وهم لا يطيقون كذلك أن يُداروا القوم، ويداوروهم ويعبدوا ما يعبدون من الآلهة، على سبيل التقية ويخفوا عبادتهم لله .. والأرجح أن أمرهم قد كُشف، فلا سبيل لهم إلا أن يفرِّوا بدينهم إلى الله، وأن يختاروا الكهف على زينة الحياة، وقد أجمعوا أمرهمِ فهم يتناجون بينهم:{وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (16)}
وهنا ينكشف العجب في شأن القلوب المؤمنة، فهؤلاء الفتية الذين يعتزلون قومهم، ويهجرون ديارهم، ويفارقون أهلهم، ويتجرّدون من زينة الأرض ومتاع الحياة .. هؤلاء الذين يأوون إلى الكهف الضيّق الخشن المظلمِ. هؤلاء يستروحون رحمة الله، ويحسّون هذه الرحمة ظليلة فسيحة ممتدّة:{يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (16)} ولفظه {يَنشُرْ} تلقي ظلال السعة والبحبوحة والانفساح، فإذا الكهف فضاء فسيح رحيب وسيع، تنتشر فيه الرحمة، وتتسع خيوطها، وتمتدّ ظلالها، وتشملهم بالرفق واللين والرخاء .. إن الحدود الضيّقة لتنزاح، وإن الجدران الصلدة لترق، وإن الوحشة الموغلة لتشف، فإذا الرحمة والرفق والراحة والارتفاق!
إنه الإيمان .. وما قيمة الظواهر؟ وما قيمة القيم والأوضاع والمدلولات التي تعارف عليها الناس في حياتهم الأرضيَّة؟!
إن هنالك عالماً آخر في جنبات القلب المغمور بالإيمان، المأنوس بالرحمن، عالماً تظلّله الرحمة والرفق والرضوان!
وهو مشهد تصويري عجيب، ينقل بالكلمات هيئة الفتية في الكهف، كما
يلتقطها شريط متحرّك، والشمس تطلع على الكهف فتميل عليه كأنها متعمدة، ولفظ {تَزَاوَرُ} تصوّر مدلولها، وتلقي ظلال الإرادة في عملها، والشمس تغرب فتجاوزهم إلى الشمال وهم في فجوة منه .. ويعلق على وضعهم بأحد التعليقات القرآنيّة التي تتخلل لتوجيه القلوب {ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ} وضعهم هكذا في الكهف والشمس لا تنالهم بأشعّتها وتقرب منهم بضوئها، وهم في مكانهم لا يموتون ولا يتحركون:{مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17)} هو وللهدى والضلال ناموس، فمن اهتدى بآيات الله فقد هداه الله وفق ناموسه، وهو المهتدي حقًّا، ومن لم يأخذ بأسباب الهدى ضلّ، وجاء ضلاله وفق الناموس الإلهي فقد أصله الله إذن، ولن تجد له من بعد هادياً!
ويمضي السياق يكمل المشهد العجيب، وهم يقلبون من جنب إلى جنب في نومتهم الطويلة، فيحسبهم الرائي أيقاظاً وهو رقود، وكلبهم -على عادة الكلاب- باسط ذراعية بالفناء قريباً من باب الكهف كأنه يحرسهم، وهم في هيئتهم هذه يثيرون الرعب في قلب من يطلع عليهم، إذ يراهم نياماً كالأيقاظ، يتقلّبون ولا يستيقظون، وذلك من تدبير الله، كي لا يعبث بهم عابث، حتى يجري الوقت المعلوم!
ويطالعنا هذا المشهد، والفتية يستيقظون وهم لا يعرفون كم لبثوا منذ أن أدركهم النعاس .. إنهم يفركون أعينهم، ويلتفت أحدهم إلى الآخر فيسأل:{كَمْ لَبِثْتُمْ} ؟ كما يسأل مِن يستيقظ من نوم طويل، ولابد أنه كان يحسّ بآثار نوم طويل:{قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} !
ثم رأوا أن يتركوا هذه المسألة التي لا طائل وراء البحث فيها، ويدعوا أمرها لله -شأن المؤمن في كل ما يعرض له مما يجهله- وأن يأخذوا في شأن عمليّ، فهم جائعون، ولديهم نقود فضيّة خرجوا بها من المدينة:{قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} وهم يحذرون أن ينكشف أمرهم، ويعرف مخبؤهم، فيأخذهم أصحاب السلطان في المدينة فيقتلوهم رجماً -بوصفهم خارجين على الدّين، لأنهم يعبدون إلهاً واحداً في المدينة المشركة! - أو يفتنوهم عن عقيدتهم بالتعذيب، وهذه هي التي يتقونها، لذلك يوصون أحدهم أن يكون حذراً لبقاً:{وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19)} ! فما يفلح من يرتدّ عن الإيمان إلى الشرك، وإنها للخسارة الكبرى!
وهكذا نشهد الفتية يتناجون فيما بينهم، حذرين خائفين، لا يدرون أن الأعوام قد كرَّت، وأن عجلة الزمن قد دارت، وأن أجيالاً قد تعاقبت، وأن مدينتهم التي يعرفونها قد تغيّرت معالمها، وأن المسلّطن الذين يخشونهم على عقيدتهم قد دالت دولتهم، وأن قصة الفتية الذين فرّوا بدينهم في عهد الملك الظالم قد تناقلها الخلف عن السلف، وأن الأقاويل حولهم متعارضة، حول عقيدتهم، وحول الفترة التي مضت منذ اختفائهم!
وهكذا يسدل الستار على مشهدهم في الكهف ليرفع على مشهد آخر!
ونفهم أن أهل المدينة اليوم مؤمنون، فهم شديدو الحفاوة بالفتية المؤمنين بعد أن انكشف أمرهم بذهاب أحدهم لشراء الطعام، وعرف الناس أنه أحد الفتية الذين فرّوا بدينهم منذ عهد بعيد!
ولنا أن نتصوّر ضخامة المفاجأة التي اعترف الفتية -بعد أن أيقن أحدهم أن المدينة قد مضى عليها العهد الطويل منذ أن فارقوها، وأن الدنيا قد تبدَّلت من حولهم، فلم يعد لشيء مما ينكرونه، ولا لشيء مما يعرفونه وجود! وأنهم من جيل قديم مضت عليه القرون، وأنهم أعجوبة في نظر الناس وحسّهم. فلن يمكن أن يعاملوهم كبشر عاديين، وأن كل ما يربطهم بجيلهم من قرابات ومعاملات ومشاعر وعادات وتقاليد .. كله قد تقطع، فهم أشبه بالذكرى الحيّة منهم بالأشخاص الواقعيّة
…
فيرحمهم الله من هذا كله فيتوفاهم!
لنا أن نتصوَّر هذا كله .. أما السياق القرآني فيعرض هذا المشهد الأخير، مشهد وفاتهم، والناس خارج الكهف يتنازعون في شأنهم، على أي دين كانوا، وكيف يخلدونهم ويحفظون ذكراهم للأجيال، وتطالعنا العبرة المستفادة:{وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21)} (الكهف). والعبرة في خاتمة هؤلاء الفتية هي دلالاتها على البعث بمثل واقعي قريب محسوس، يقرب إلى الناس قضيّة البعث، فيعلموا أن وعد الله بالبعث حق، وأن الساعة لا ريب فيها .. وعلى هذا النحو بعث الله الفتية من نومتهم، وأعثر قومهم عليهم!
وقال بعض الناس: {ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا} لا يحدّد عقيدتهم {رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} وبما كان عليه من عقيدة!
وقال أصحاب السلطان في ذلك الأوان: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21)} والمقصود معبد، على طريقة أهل الكتاب، في اتخاذ المعابد على مقابر الأنبياء والصالحين .. وكما يصنع اليوم من يقلّدونهم من المسلمين، مخالفين لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان وغيرهما أن عائشة وعبد الله بن عباس قالا:"لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طَفِقَ يطرح خَميصةً له على وجهه، فإِذا اغْتَمَّ بها كشف عن وجهه، فقال -وهو كذلك-: "لَعْنَةُ اللهِ على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يُحَذِّرُ ما صَنَعُوا. (1)
قال السندي: (يُحَذِّرُ): أي أمته، قيل: لأنه يصير بالتدريج تشبيهاً بعبادة الأوثان، وقوله (قبور أنبيائهم)، أي وصلحائهم، كما في رواية مسلم، وإلا فالنصارى ليس لهم إلا نبيّ واحد لا قبر له!
ورواية مسلم عن عائشة، أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة، فيها تصاوير، لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إِن أولئك إِذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات بَنَوا على قبره مسجداً، وصوَّروا فيه تلك الصُّوَر، أولئك شرار الحلق عند الله يوم القيامة". (2)
(1) البخاري: 8 - الصلاة (435، 436)، وانظر (1330، 1390، 3453، 4441، 4443، 5815، 3454، 4444، 5816)، ومسلم (531)، وعبد الرزاق (1588، 9754، 15917، وأبو عوانة: 1: 399، والدارمي: 1: 326، والبيهقي: 4: 80، والدلائل: 7: 203، والبغوي (3825)، والنسائي: 2: 40 - 41، وأحمد: 1: 218، 6:275. وانظر: ابن سعد: 2: 258 عن الواقدي.
(2)
مسلم: 5 - المساجد (528).
ويطالعنا الجدل حول أصحاب الكهف، على عادة الناس يتناقلون الروايات والأخبار ويزيدون فيها وينقصون، ويضيفون إليها من خيالهم جيلاً بعد جيل، حتى تتضخَّم وتتحوَّل، وتكثر الأقاويل حول الخبر الواحد أو الحدث الواحد كلما مرَّت القرون:{سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22)} (الكهف)!
فهذا الجدل حول عدد الفتية لا طائل وراءه، وإنه ليستوي أن يكونوا ثلاثة أو خمسة أو سبعة أو أكثر، وأمرهم موكول إلى الله، وعلمهم عند الله، وعند القليلين الذين تثبّتوا من الحادث عند وقوعه .. فلا ضرورة إذن للحديث الطويل حول عددهم .. والعبرة في أمرهم حاصلة بالقليل وبالكثير
…
لذلك يوجّه القرآن خاتمَ النبيّين صلى الله عليه وسلم إلى ترك الجدل في هذه القضيّة، وإلى عدم استفتاء أحد من المتجادلين في شأنهم، تمشّياً مع منهج الإسلام في صيانة الطاقة العقليّة أن تبدَّد في غير ما يفيد، وفي ألا يقفو المسلم ما ليس له به علم وثيق
…
وهذا الحادث الذي طواه الزمن هو من الغيب الموكول إلى علم الله، فليترك إلى علم الله!
وبمناسبة النهي عن الجدل في غيب الماضي، يرد النهي عن الحكم على غيب المستقبل وما يقع فيه. فالإنسان لا يدري ما يكون في المستقبل حتى يقطع برأي فيه:{وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24)} (الكهف)!
إن كل حركة وكل نأمة، بل كل نفس من أنفاس الحيّ، مرهون بإرادة الله .. وسجف الغيب مسبل يحجب ما وراء اللحظة الحاضرة .. وعين الإنسان لا تمتد إلى ما وراء الستر المسدل، وعقله مهما علم قاصر كليل، فلا يقل إنسان: إني فاعل ذلك غداً، والغد في غيب الله، وأستار غيب الله دون العواقب!
وليس معنى هذا أن يقعد الإنسان، لا يفكر في أمر المستقبل ولا يدبر له، وأن يعيش يوماً بيوم، لحظة بلحظة، وألا يصل ماضي حياته بحاضره وقابله .. كلا. ولكن معناه أن يحسب حساب الغيب وحساب المشيئة التي تدبره، وأن يعزم ما يعزم ويستعين بمشيئة الله على ما يعزم، ويستشعر أن يد الله فوق يده، فلا يستبعد أن يكون لله تدبير غير تدبيره، فإن وفقه الله إلى ما اعتزم، وجرت مشيئة الله بغير ما دبر لم يحزن ولم ييأس؛ لأن الأمر لله أولاً وأخيراً!
فليفكر الإنسان وليدبر، ولكن ليشعر أنه إنما يفكر بتيسير الله، ويدبر بتوفيق الله، وأنه لا يملك إلا ما يمدّه الله من تفكير وتدبير، ولن يدعو هذا إلى كسل أو تراخ، أو ضعف أو فتور، بل على العكس يمدّه بالثقة والقوّة والاطمئنان والعزيمة، فإذا انكشف ستر الغيب عن تدبير لله غير تدبيره، فليتقبّل قضاء الله بالرضى والطمأنينة والاستسلام، لأنه الأصل الذي كان مجهولاً فكشف عنه الستار!
هذا هو المنهج الذي يأخذ به الإسلام قلب المسلم، فلا يشعر بالوحدة والوحشة وهو يفكّر ويدبّر، ولا يحسّ بالغرور والتبطر وهو يفلح وينجح، ولا يستشعر القنوط واليأس وهو يفشل ويخفق، بل يبقى في كل أحواله متصلاً بالله، قويًّا بالاعتماد عليه، شاكراً لتوفيقه إيّاه، مسلماً بقضائه وقدره، غير متبطر ولا قنوط!
ونبصر في تأخير الوحي بالجواب عتاباً رمزياً من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، كما عاتب سليمان، فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن نبيّ الله سليمان عليه الصلاة والسلام كان له ستون امرأة، فقال: لأطوفنَّ الليلة على نسائي فلتحملن كل امرأة، ولتلدن فارساً يقاتل في سبيل الله، فطاف على نسائه، فما ولدتْ منهن إِلا امرأةٌ ولدت نصف شقّ غلام، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم:"لو كان سليمان استثنى لحملت كل امرأةٍ منهن فولدت فارساً يقاتل في سبيل الله". (1)
وكان هذا عتاباً صريحاً، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا سئل عن أهل الكهف -كما أسلفنا- وعد بالإجابة، ولم يستثن، كما نسي سليمان عليه السلام فأعلم الله رسوله بقصة (أهل الكهف)، ثم نهاه أن يعد بفعل شيء دون التقيّد بمشيئة الله!
وقوله جل شأنه: {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} استثناء حقيقي من الكلام الذي قبله وفي كيفيّة نظمه اختلاف للمفسّرين. (2)
فمقتضى كلام الزمخشري أنه من بقيّة جملة النهي، أي هو استثناء في حكم النهي، أي لا تقولن: إني فاعل إلخ
…
إلا أن يشاء الله أن تقوله، ومشيئة الله تُعلم من إذنه بذلك، فصار المعنى: إلا أن يأذن الله لك بأن تقوله، وعليه
(1) البخاري: 97 - التوحيد (4769)، وانظر (3424، 5242، 6720)، ومسلم (1654)، والحميدي (1174)، وأحمد: 2: 275، والنسائي: 7: 25 - 26، والبغوي (79)، والبيهقي: 10: 44، وابن حبان (4337)، والطحاوي: مشكل الآثار (1925)، وانظر: الفتح 6: 46.
(2)
التحرير والتنوير: 15: 295 بتصرف.
فالمصدر المنسبك من {أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} مستثنى من عموم المنهيات، وهو من كلام الله تعالى، ومفعول {يَشَاءَ اللَّهُ} محذوف، دل عليه ما قبله، كما هو شأن فعل المشيئة، والتقدير: إلا قولاً شاءه الله، فأنت غير منهي عن أن تقوله!
ومقتضى كلام الكسائي والأخفش والفرّاء مستثنى من جملة {إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا} ، فيكون مستثنى من كلام النبي صلى الله عليه وسلم المنهي عنه، أي إلا قولاً مقترناً بـ (أن يشاء الله) فيكون المصدر المنسبك من {أَن} والفعل في محل نصب على نزع الخافض، وهو باء الملابسة، والتقدير: إلا بـ (أن يشاء الله) أي بما يدل على ذكر مشيئة الله؛ لأن ملابسة القول لحقيقة المشيئة محال، فعلم أن المراد تلبسه بذكر المشيئة بلفظ (إن شاء الله) ونحوه، فالمراد بالمشيئة إذْن الله له!
وقد جمعت هذه الآية كرامة للنبي صلى الله عليه وسلم من ثلاث جهات:
الأولى: أنه أجاب سؤله، فبيَّن لهم ما سألوه إيَّاه، على خلاف عادة ذلك مع المكابرين!
الثانية: أنه علَّمه علماً عظيماً من أدب النبوَّة!
الثالثة: أنه ما علَّمه ذلك إلا بعد أن أجاب سؤله استثناساً لنفسه ألا يبادره بالنهي عن ذلك قبل أن يجيبه، كيلا يتوهّم أن النهي يقتضي الإعراض عن إجابة سؤاله، وكذلك شأن تأديب الحبيب المكرّم، ومثاله ما رواه الشيخان وغيرهما عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال:
سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: "يا حكيم، إِن هذا المال خَضِرةٌ حُلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بُورك له فيه، ومن أخذه بإِشراف نفس لم يُبارك له فيه،
كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى" قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرْزَ أأَحَداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيماً إِلى العطاء، فيأبى أن يقبله منه، ثم إِن عمر رضي الله عنه دعاه ليُعْطِيَه، فأبى أن يَقْبَل منه شيئاً، قال عُمر: إِنّي أشْهِدُكُم يا معشر المسلمين على حكيم أنّي أعرض عليه حقَّه من هذا الفَيْء فيأبى أن يأخذه، فلم يرْزأْ حكيمٌ أحداً من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تُوفِّي". (1)
فعلم حكيم أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم له ليس القصد منه منعه من سؤاله، وإنما قصد منه تخليقه بخلق جميل، فلذلك أقسم حكيم ألا يأخذ عن أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، ولم يقل: لا أسألك بعد هذه المرة شيئاً!
فنظم الآية أن اللام في قوله {لِشَيْءٍ} ليست اللام التي يتعدَّ بها فعل القول إلى المخاطب، بل هي لام العلّة، أي لا تقولنَّ: إني فاعل كذا لأجل شيء تَعدُ به، فاللام بمنزلة (في)!، و (شيء) اسم متوغل في التنكير يفسره المقام، أَي لشيء تريد أن تفعله، والإشارة بقوله {ذَلِكَ} عائدة إلى (شيء)، أي إني فاعل الإخبار بأمر يسألونه، و {غَدًا} مستعمل في المستقبل مجازاً، وليس كلمة {غَدًا} مراداً بها اليوم الذي يلي يومه، ولكنه يستعمل في معنى الزمان
(1) البخاري: 24 - الزكاة (1472)، وانظر (2750، 3143، 6441). ومسلم (1035)، والحميدي (553)، وابن أبي شيبة: 3: 211، والنسائي: 5: 60، 100، 101، وابن أبي عاصم: الآحاد والثاني (595)، وعبد الرزاق (20041)، والترمذي (2463)، وأحمد: 3: 434، والدارمي: 1: 388، 2: 310، وابن حبان (3220، 3402)، والطبراني: الكبير (3078، 3080، 3080، 3081)، والبيهقي: 4: 1960، والبغوي (1619).
المستقبل، كما يستعمل اليوم بمعنى زمان الحال، والأمس بمعنى زمن الماضي، وقد جمعها قول زهير:
واعلمُ عِلْمَ اليوم والأمس قبله
…
ولكني عن علم ما في غدٍ عَمِ
وظاهر الآية اقتصار إعمالها على الإخبار بالعزم على فعل في المستقبل، دون ما كان من الكلام إنشاء مثل الأيمان، فلذلك اختلف فقهاء الأمصار في شمول هذه الآية لإنشاء الأيمان ونحوها، فقال جمهورهم: يكون ذكر {إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ} حلاًّ لعقد اليمين، يسقط وجوب الكفارة، ولعلهم أخذوه من معنى (شيء) في قوله:{وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ} إلخ: بحيث إذا أعقبت اليمين بقول {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} ونحوه لم يلزم البرّ في اليمين، وروى ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكيم عن مالك أن قوله:{وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ} إلخ
…
إنما قُصد بذلك ذكر الله عند السهو وليس باستثناء، يعني أن حكم الثنيا في الأيمان لا يؤخذ من هذه الآية، بل هو مما ثبت بالسنة، ولذلك لم يخالف مالك في إعمال الثنيا في اليمين. وهي قول:(إن شاء الله) وهذا قول أبي حنيفة والشافعي!
{وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} عطف على النهي، أي لا تَعدْ بوعد، فإن نسيت فقلت: إني فاعل، فاذكر ربك، أي اذكر ما نهاك عنه، والمَراد بالذكر التدارك، وهو هنا مشتق من الذُّكر -بضم الذال- وهو كناية عن لازم التذكر، وهو الامتثال، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:(أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه)!
وفي تعريف الجلالة بلفظ الرب مضافاً إلى ضمير الخاطب دون اسم الجلالة الْعَلَم من كمال الملاطفة ما لا يخفى، وحذف مفعول {نَسِيتَ} لظهوره من المقام، أي إذا نسيت النهي فقلت: إني فاعل، وبعض الذين أعملوا آية {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} في حلّ الأيمان بذكر الاستثناء بمشيئة الله جعلوا قوله {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} ترخيصاً في تدارك الثنيا عند تذكر ذلك، فمنهم من لم يحد ذلك بمدّة، وعن ابن عباس: لا تحديد بمدّة، بل ولو طال ما بين اليمين والثنيا، والجمهور على أن قوله {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} لا دلالة فيه على جواز تأخيرِ الثنيا، واستدلوا بأن السنة وردت بخلافه! {وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24)} .
لما أبرّ الله وعد نبيّه صلى الله عليه وسلم الذي وعده المشركين أن يبيّن لهم أمر أهل الكهف فأوحاه إليه، وأوقفهم عليه، أعقب ذلك بعتابه على التصدّي لمجاراتهم في السؤال عما هو خارج على غرض الرسالة، دون إذن من الله، وأمره أن يذكر نهي ربّه، ويعزم على تدريب نفسه على إمساك الوعد ببيان ما يسأل منه بيانه دون أن يأذن الله به، أمره هنا أن يخبر سائليه بأنه ما بعث للاشتغال بمثل ذلك، وأنه يرجو الله أن يهديه إلى ما هو أقرب من الرشد من بيان أمثال هذه القصة، وإن كانت هذه القصة تشتمل على موعظة وهدى، ولكن الهدى الذي في بيان الشريعة أعظم وأهم، والمعنى وقيل له:{عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24)} وهي جملة معطوفة على جملة {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ} ويجوز أن تكون عطفاً على جملة {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} أي اذكر أمره ونهيه، وقل في نفسك {عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24)} ، أي ادع الله بهذا!
وانتصب {رَشَدًا} على تمييز نسبة التفضيل من قوله {لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا}
ويجوز أن يكون منصوباً على أنه مفعول مطلق مبيّن النوع فعل {أَن يَهْدِيَنِ} لأن الرشد نوع من الهداية، و {عَسَى} مستعملة في الرجاء تأدباً، واسم الإشارة عائد إلى المذكور من قصة أهل الكهف، بقرينة وقوع هذا الكلام معترضاً في أثنائها، ويجوز أن يكون المعنى: وارج من الله أن يهديك فيُذكرك ألا تَعِدَ وعْداً ببيان شيء دون إذن الله! (1)
في كلمة {عَسَى} وكلمة {لأَقْرَبَ} الدلالة على ارتفاع هذا المرتقى، وضرورة المحاولة الدائمة للاستواء عليه في جميع الأحوال! (2)
ويطالعنا قوله جل شأنه: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)} (الكهف)!
وهذا هو فصل الخطاب في أمرهم، يقرّره عالم غيب السموات والأرض، ما أبصره، وما أسمعه! سبحانه، فلا جدال بعد هذا ولا مراء!
والمعنى أن يقدر لبثهم بثلائمائة وتسع سنين، فَعُبِّر عن هذا العدد بأنه ثلاثمائة سنة، وزيادة تسع (3)، ليعلم أن التقدير بالسنين القمريّة المناسبة لتاريخ العرب والإسلام، مع الإشارة إلى موافقة ذلك المقدار بالسنين الشمسيّة التي بها تاريخ القوم الذين منهم أهل الكهف، وهم أهل الروم!
وهذا إخبار من الله تعالى عن مقدار لبثهم، قال السهيلي (4): ولكن لما علم استبعاد قريب وغيرهم من الكفار لهذا المقدار، وعلم أن فيه تنازعاً بين الناس،
(1) التحرير والتنوير: 15: 301.
(2)
في ظلال القرآن: 4: 2266 بتصرف.
[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هذا الهامش ورد في المطبوع قبل موضعه الصحيح هذا بصفحات]
(3)
التحرير والتنوير: 15: 300.
(4)
الروض الأنف: 2: 57 وما بعدها.
فمن ثُمَّ قال: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} ، وقوله:{ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} أي إنها ثلاثمائة بحساب العجم، وإن حسبت الأهلة، فقد زاد العدد تسعاً، لأن ثلاثمائة بحساب الشمس تزيد تسع سنين بحساب القمر، فإن قيل: فكيف قال ثلاثمائة سنين، ولم يقل سنة، وهو قياس العدد في العربيّة، لأن المائة تضاف إلى لفظ الواحد، فالجواب أن سنين في الآية بدل مما قبله، ليس على حدّ الإضافة ولا التمييز، ولحكمة عظيمة عدل باللفظ عن الإضافة إلى البدل، وذلك أنه لو قال: ثلاث مائة سنة، لكان الكلام كأنه جواب لطائفة واحدة من الناس، والناس فيهم طائفتان: طائفة عرفوا طول لبثهم، ولم يعلموا كميّة السنين، فعرفهم أنها ثلاثمائة.
وطائفة لم يعرفوا طول لبثهم، ولا شيئاً من خبرهم.
فلما قال: ثلاثمائة معرفاً للأولين بالكميّة التي شكّوا فيها، مبيّناً للآخرين أن هذه الثلاثمائة سنون، ليست أيّاماً ولا شهوراً، فانتظم البيان الطائفتين من ذكر العدد، وجمع المعدود، وتبيّن أنه بدل، إذ البدل يُراد به: تبيين ما قبله، ألا ترى أن اليهود قد كانوا عرفوا أن لأصحاب الكهف نبأ عجيباً، ولم يكن العجب إلا من طول لبثهم، غير أنهم لم يكونوا على يقين من أنها ثلاثمائة أو أقل، فأخبر أن تلك السنين ثلاثمائة، ثم لو وقف الكلام ها هنا لقالت العرب، ومن لم يسمع بخبرهم: ما هذه الثلاثمائة؟ فقال كالمبين لهم: سنين، وقد روي معنى هذا التفسير عن الضحاك، وذكره النحاس!
وقال: {سِنِينَ} ، ولم يقل (أعواماً)، والسنة والعام، وإن اتسعت العرب فيهما، واستعملت كل واحد منهما مكان الآخر اتساعاً، ولكن بينهما في حكم البلاغة والعلم بتنزيل الكلام فرقاً، فخذه أولاً من الاشتقاق، فإن السنة من سنا
يسنو، إذا دار حول البئر، والدابة: هي السانية، فكذلك السنة دورة من دورات الشمس، وقد تسمى السنة: داراً
…
هذا أصل الاسم، ومن ثم قالوا: أكلتهم السنة، فسمّوا شدّة القحط سنة، قال سبحانه:{وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْن بِالسِّنِيِنَ} (الأعراف: 130).
ومن ثم قيل: أسنت القوم إذا قحطوا، وكأن وزنه (افعتوا)، لا (أفعلوا)، كذلك قال بعضهم، وجعل سيبوية التاء بدلاً من الواو، فهي عنده (أفعلوا). لأن الجدوبة والخصب معتبر بالشتاء والصيف.
وحساب العجم إنما هو بالسنين الشمسيَّة، بها يؤرخون، وأصحاب الكهف من أمّة عجميّة، والنصارى يعرفون حديثهم، ويؤرّخون به، فجاء اللفظ في القرآن بذكر السنين الموافقة لحسابهم، وتمم الفائدة بقوله:{وَازْدَادُوا تِسْعًا} ليوافق حساب العرب، فإن حسابهم بالشهور القمريّة (المحرم، وصفر) ونحوهما.
وانظر بعد هذا إلى قوله: {تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا} (يوسف: 47).
ولم يقل أعواماً، ففيه شاهد لما تقدّم، غير أنه قال:{ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ} (يوسف: 49).
ولم يقل (سنة)، عدولاً عن اللفظ المشترك، فإن السنة قد يعبّر بها عن الشدّة والأزمة -كما تقدّم- فلو قال:(سنة) لذهب الوهم إليها، لأن العام أقل أياماً من السنة، وإنما دلت الرؤيا على سبع سنين شداد، وإذا انقضى العدد فليس بعد الشدّة إلا رخاء، وليس في الرؤيا ما يدل على مدّة ذلك الرخاء، ولا يمكن أن يكون أقل من عام، والزيادة على العام مشكوك فيها، لا تقتضيها الرؤيا، فحكم بالأقل، وترك ما يقع فيه الشك من الزيادة على العام!
فهاتان فائدتان في اللفظ بـ (العام) في هذا الموطن، وأما قوله:{وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} (الأحقاف: 15)!
فإنما ذكر السنين، وهي أطول من الأعوام، لأنه مخبر عن اكتمال الإنسان، وتمام قوته واستوائه، فلفظ السنين أولى بهذا الموطن، لأنها أكمل من الأعوام!
وفائدة أخرى: أنه خبر عن السن، والسن معتبر بالسنين، لأن أصل السن في الحيوان لا يعتبر إلا بالسنة الشمسيّة
…
وهكذا!
وقرأ الجمهور {ثَلاثَ مِائَةٍ} بالتنوين، وانتصب (سنين) على البدليّة من اسم العدد، على رأي من يمنع مجيء تمييز المائة منصوباً، أو هو تمييز عند من يجيز ذلك!
وقرأ حمزة والكسائي وخلف بإضافة مائة إلى سنين، على أنه تمييز للمائة، وقد جاء تمييزاً لمائة جمعاً، وهو نادر، لكنه فصيح!
واليهود الذين لقَّنوا قريشاً السؤال -كما سبق- يؤرخون الأشهر بحساب القمر، والسنين بحساب الدورة الشمسيّة، فالتفاوت بين أيام السنة القمريّة وأيّام السنة الشمسيّة يحصل منه سنة قمرية كاملة في كل ثلاث وثلاثين سنة شمسيّة، فيكون التفاوت في مائة سنة شمسية بثلاث سنين زائدة قمريّة، كذا نقله ابن عطية (2) عن النقاش المفسّر!
وبهذا تظهر نكتة التعبير عن التسع السنين بالازدياد، وهذا من علم القرآن وإعجازه العلمي الذي لم يكن لعموم العرب علم به!
(2) انظر: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية: 9: 283 وما بعدها تحقيق وتعليق عبد الله الأنصاري، والسيد عبد العال، ط أولى، غرة جمادى الأولى 1408 هـ ديسمبر 1987 م، الدوحة
-
ذو القرنين:
ويطالعنا قول الله تعالى:
وافتتاح هذه القصة بقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ} يدل دلالة واضحة على أنها مما نزلت السورة للجواب عنه -كما أسلفنا- والسائلون: قريش لا محالة (1). والمسؤول عنه: خبر رجل من عظماء العالم عُرف بلقب
(1) التحرير: 16: 18 بتصرف، وانظر: تفسير ابن عطية: 9: 388 وما بعدها.
{ذِي الْقَرْنَيْنِ} كانت أخبار سيرته خفيَّة مجملة مغلقة، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن تحقيقها وتفصيلها، وأذن له الله تعالى أن يبين منها ما هو موضع العبرة للناس في شؤون الصلاح والعدل، وفي عجيب صنع الله تعالى في اختلاف أحوال الخلق، فكان أحبار اليهود منفردين بمعرفة إجماليّة عن ذلك، فلذلك كان توجيه اليهود! ولم يتجاوز القرآن الكريم ذكر هذا الرجل بأكثر من لقبه المشتهر به إلى تعيين اسمه وبلاده وقومه، لأن ذلك من شؤون أهل التاريخ والقصص، وليس من أغراض القرآن، فكان منه الاقتصار على ما يفيد الأمّة من هذه القصّة عبرة حكميّة وخلقيّة، فقال عز وجل:{قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكرًا} !
روى الزبير بن بكّار وسفيان بن عيينة في جامعه والضياء المقدسي في صحيحه (1)، كلاهما من طريق آخر بسند صحيح -كما قال الحافظ- عن أبي الطفيل أن ابن الكوّاء، قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أخبرني عن ذي القرنين نبيًّا كان أم ملِكاً؟ قال: لم يكن نبيًّا ولا ملِكاً، ولكن كان عبداً صالحاً أحبّ الله فأحبَّه، ونصح لله فنصحه .. ومعلوم أن القرآن الكريم هو المصدر الوحيد لما ورد فيه من القصص التاريخي، ومن البديهي أنه لا يجوز محاكمته إلى التاريخ لسببين واضحين:(2)
أولهما: أن التاريخ مولود حديث العهد، فاتته أحداث لا تُحصى في تاريخ البشريّة، لم يعلم عنها شيئاً، والقرآن يروي بعض هذه الأحداث التي ليس لدى التاريخ علم بها!
(1) سبل الهدى والرشاد: 2: 348 بتصرف.
(2)
في ظلال القرآن: 4: 2290 وما بعدها.
وثانيهما: أن التاريخ -وإن وعى بعض هذه الأحداث- هو عمل من أعمال البشر القاصرة يصيبه ما يصيب جميع أعمال البشر من القصور والخطأ والتحريف، ونحن نشهد في زماننا هذا الذي تيسَّرت فيه أعمال الاتصال ووسائل الفحص، أن الخبر الواحد أو الحادث الواحد يروى على أوجه شتى، ويُنظر إليه من زوايا مختلفة، ويفسّر تفسيرات متناقضة، ومن مثل هذا الركام يصنع التاريخ، مهما قيل بعد ذلك في التمحيص والتدقيق!
فمجرد الكلام عن استفتاء التاريخ فيما جاء به القرآن الكريم من القصص كلام تنكره القواعد العلمية المقرّرة التي ارتضاها البشر، قبل أن تنكره العقيدة التي تقرّر أن القرآن هو القول الفصل، واستفتاء التاريخ في هذا كلام لا يقول به مؤمن بالقرآن، ولا مؤمن بوسائل البحث العلمي على السواء، إنما هو مراء!
لقد سأل سائلون عن ذي القرنين .. سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم فأوحى الله إليه بما هو وارد هنا من سيرته، وليس أمامنا مصدر آخر غير القرآن في السيرة، فنحن لا نملك التوسّع فيها بغير علم، وقد وردت في التفاسير أقوال كثيرة، ولكنها لا تعتمد على يقين، وينبغي أن تؤخذ بحذر، لما فيها من إسرائيليّات وأساطير!
وقد سجل السياق القرآني لذي القرنين ثلاث رحلات:
واحدة إلى المغرب!
وواحدة إلى المشرق!
وواحدة إلى مكان بين السدّين!
ويبدأ الحديث عن ذي القرنين بشيء عنه: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84)} !
لقد مكّن الله له في الأرض، فأعطاه سلطاناً وطيد الدعائم، ويسّر له أسباب الحكم والفتح، وأسباب البناء والعمران، وأسباب السلطان والمتاع .. وسائر ما هو من شأن البشر أن يمكّنوا فيه في هذه الحياة {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} ومضى في وجه مما هو ميسَّر له، وسلك طريقه إلى الغرب!
ومغرب الشمس هو المكان الذي يرى الرائي أن الشمس عنده وراء الأفق، وهو يختلف بالنسبة للمواضع، فبعضها يرى الرائي فيها أن الشمس تغرب خلف جبل، وبعضها يرى أنها تغرب في الماء كما في المحيطات الواسعة والبحار، وبعضها يرى أنها تغرب في الرمال إذا كان في صحراء مكشوفة على مدّ البصر!
والظاهر أن ذا القرنين غرب حتى وصل إلى نقطة على شاطئ المحيط الأطلسي -وكان يسمّى بحر الظلمات ويظن أن اليابسة تنتهي عنده- فرآى الشمس تغرب فيه!
والأرجح أنه كان عند مصبّ أحد الأنهار، حيث تكثر الأعشاب ويتجمع حولها طين لزج هو الحمأ، وتوجد البرك وكأنها عيون الماء .. فرأى الشمس تغرب هناك {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} . ولكن يتعذّر علينا تحديد المكان، وليس لنا مصدر آخر موثوق به نعتمد عليه في تحديده، وكل قول غير هذا ليس مأموناً؛ لأنه لا يستند إلى مصدر صحيح!
عند هذه الحمئة وجد ذو القرنين قوماً: {قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86)}
وإسناد القول إلى ضمير الجلالة يحتمل أنه قول إلهام (1)، أي ألقينا في نفسه تردّداً بين أن يبادر استئصالهم وأن يمهلهم ويدعوهم إلى الإيمان وحسن العمل!
7 - دستور الحكم الصالح:
وهكذا أعلن دستوره في معاملة البلاد المفتوحة .. أعلن للمعتدين الظالمين عذابه الدنيوي وعقابه، وأنهم بعد ذلك يردّون إلى ربهم فيعذبهم عذاباً {نُكْرًا} !
أما المؤمنون الصالحون فلهم الجزاء الحسن، والمعاملة الطيّبة، والتكريم والمعونة والتيسير!
وهذا هو دستور الحكم الصالح. فالمؤمن الصالح ينبغي أن يجد الكرامة والتيسير والجزاء الحسن عند الحاكم، والمعتدي الظالم يجب أن يلقى العذاب والإيذاء .. وحين يجد المحسنُ في الجماعة جزاء إحسانه جزاء حسناً، ومكاناً كريماً وعوناً وتيسيراً، ويجد المعتدي جزاء إفساده عقوبة وإهانة وجفوة .. عندئذ يجد الناس ما يحفزهم إلى الصلاح والإنتاج .. أما حين يضطرب ميزان الحكم فإذا المعتدون المفسدون مقربون إلى الحاكم، مقدّمون في الدولة، وإذا العاملون الصالحون منبوذون أو محاربون، فعندئذ تتحوّل السلطة في يد الحاكم سوط عذاب وأداة إفساد، ويصير نظام الجماعة إلى الفوضى والفساد!
(1) التحرير والتنوير: 6: 28.
ثم عاد ذو القرنين من رحلة المغرب إلى رحلة المشرق، ممكناً له في الأرض، ميسَّرة له الأسباب:
{ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89)} وما قيل عن مغرب الشمس يُقال عن مطلعها، فالمقصود هو مطلعها من الأفق الشرقي في عين الرائي، والقرآن لم يحدّد المكان. ولكنه وصف طبيعته وحال القوم الذين وجدهم ذو القرنين هناك:
{حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90)} أي أنها أرض مكشوفة، لا تحجبها عن الشمس مرتفعات ولا أشجار، فالشمس تطلع على القوم فيها حين تطلع بلا ساتر .. وهذا الوصف ينطبق على الصحاري والسهوب الواسعة، فهو لا يحدّد مكاناً بعينه، وكل ما نرجحه أن هذا المكان كان في أقصى الشرق، حيث يجد الرائي أن الشمس تطلع على هذه الأرض المستوية المكشوفة، وقد يكون ذلك على شاطئ إفريقيا الشرقي، وهناك احتمال لأن يكون المقصود بقوله:{لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا} أنهم قوم عراة الأجسام لم نجعل لهم ستراً من الشمس!
ولقد أعلن ذو القرنين من قبل دستوره في الحكم، فلم يتكرّر بيانه هنا، ولا تصرّفه في رحلة المشرق، لأنه معروف من قبل، وقد علم الله كل ما لديه من أفكار واتجاهات!
ونبصر ظاهرة التناسق الفني في العرض .. فإن المشهد الذي يعرضه السياق مشهد مكشوف في الطبيعة: الشمس ساطعة لا يسترها عن القوم ساتر، وكذلك ضمير ذي القرنين ونواياه كلها مكشوفة لعلم الله .. وهكذا يتناسق المشهد في الطبيعة وفي ضمير ذي القرنين على طريقة التنسيق القرآني الدقيقة!
ولا نستطيع أن نجزم بشيء عن المكان الذي بلغ إليه ذو القرنين {بَيْنَ السَّدَّيْنِ} ولا ما هما هذان السدان، كل ما يؤخذ من النص أنه وصل إلى منطقة بين حاجزين طبيعيين، أو بين سدّين صناعيين، تفصلهما فجوة أو ممر، فوجد هنالك قوماً مختلفين:{لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} .
وعندما وجدوه فاتحاً قويًّا، توسّموا فيه القدرة والصلاح .. عرضوا عليه أن يقيم لهم سدًّا في وجه يأجوج ومأجوج الذين يهاجمونهم من وراء الحاجزين، ويغيرون عليهم من ذلك الممر، فيعيثون في أرضهم فساداً، ولا يقدرون هم على دفعهم وصدّهم .. وذلك في مقابل خراج من المال يجمعونه له من بينهم!
وتدور القصة وأطرافها ثلاثة: (1)
الطغاة:
ولا يظهرون أمامنا في القصة، ولا يشتركون فيها إلا من بعيد، كخطر قائم يهدّد سلامة الشعب الآخر.
المستضعفون:
الذين يتعرّضون لإغارة الطغاة. القائد بقوّته المؤمنة التي وضعها في خدمة العدل. ويدور الحوار بين القائد والشعب:
(1) كتابنا: العمل والعمال بين الإسلام والنظم الوضعية العاصرة: 153 وما بعدها.
العرض المقدّم أن يجمع الشعب مالاً ليقدّمه إلى القائد، ليتولّى مسؤوليّة السدّ: عليهم المال، وعليه أن يوفّر المواد والعمل!
ولكن القائد العادل لم يقبل هذا العرض، فليس مهمته مجرّد إنشاء سدّ، وإن كان يحول دون الطغيان، ويحتمي وراءه المستضعفون، فرد عليهم:
ما مكّني فيه ربّي خير مما تعرضون عليَّ .. أريد منكم أن تشاركوني في بناء السدّ، أيديكم في يدي، وسواعدكم معي، وسنبني السدّ معاً متعاونين، وستبنون نفوسكم وأنتم تبنونه، وتجدون حقيقتكم وسط الجهد والعرق، لا أريد أن تبقى لكم أيد لا تحسن إلا تقديم المال .. والشكوى .. وانتظار من يحمل عنها مسؤوليتها، أريد أن تعملوا!
وما أكرم قوله: {فَأَعِينُونِي} كأنه المحتاج إلى العون {بِقُوَّةٍ} كأنه المحتاج منهم، مع أنهم المحتاجون إلى العون والقوّة!
هكذا نفخ فيهم القائد من روحه، أراهم أنهم قادرون على أن يعملوا .. وأن يعملوا بقوة:{فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} أمر تجد فيه الدعوة التي تحسّها في قول الحق جلَّ شأنه: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)} (البقرة)!
وفي سرعة ينتقل القائد من التوجيه العام إلى تحديد خطوط العمل: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} قطع الحديد، اذهبوا وابحثوا عنها في أرضكم، وجّهوا ما بين أيديكم منها إلى الهدف الكبير، إلى بناء السدّ الذي يحول بينكم وبين أعدائكم!
ولك أن تتصوَّر كيف تحوّل المستضعفون إلى أرضهم يثيرونها بحثاً عما فيها من معادن!
لك أن تتصوّر الأيدي التي كانت لا تُحْسن إلا دفع الخراج وتقديم المال، تحاول أن تشتري به سلامتها إلى أيد خشنة طهّرهَا العمل!
وهذه الجباهُ التي كانت تذل أمام طغيان يأجوج ومأجوج، انحنت على أرضها تخرج منها كنوزها من المعادن، وتستخرج في الوقت نفسه ذاتها، وتعثر على حقيقتها .. وتجلّت فيها طاقة كبيرة كانت مقهورة تحت أطباق الذل!
لقد أعانها القائد على أن تكتشف ذاتها عندما وجهها إلى العمل الدائب، والاعتماد على النفس، وعلى أساس من الإيمان والتعاون الواعي!
ويتجمع الحديد ليسدّ بين الجبلين، ويرتفع صوت القائد:{انفُخُوا} كلمة واحدة آمرة!
لقد نفخ فيهم القائد من روحه فاندفعوا إلى العمل!
وها هم ينفخون الحديد الخامد فيلتهب كما التهبت نفوسهم، ثم يرتفع صوته الآمر مرة أخرى:{آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96)} نحاساً مذاباً .. فكان هناك مجموعة أخرى كانت مختصة بإعداد النحاس المصهور في نفس الوقت الذي كانت فيه المجموعة الأولى مكلّفة بإعداد الحديد ثم صهره، حتى تجعله
ناراً، وفي مرحلة معيّنة من مراحل العمل يصبّ القائد النحاس المصهور على الحديد الملتهب!
هنا يصبح السدّ قطعة واحدة، كما يصبح الشعب سبيكة واحدة، عن طريق العمل الدائب، وارتفاع معنوياته، وعمله المنظم من أجل هدف كبير، مع تماسك السدّ، وتماسك الشعب!
هذا بالصهر!
وهذا بالعمل!
وبعد أن يفرغ القائد والشعب من الإنشاء ينتقل إلى مرحلة ختاميّة، هي اختبار العمل بعد إتمامه، ويأمرهم القائد: حاولوا أن تتسلّلوه، حاولوا أن تخترقوه ونقرأ التسجيل الإلهي لهذه المحاولة:{فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97)} !
وعندنا في اللغة العربيّة قاعدة أن زيادة المبنى في الكلمة تدل على زيادة المعنى، ولا شك أن محاولة صعود السد أيسر من محاولة اختراقه، ولهذا قال الله في الأولى:{فَمَا اسْطَاعُوا} ، وفي الثانية:{وَمَا اسْتَطَاعُوا} بزيادة حرف التاء! وبعد هذا كله يرتفع صوت القائد: {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي} إيمان يرد الأمر فيه إلى الله تعالى، دون انتظار ثناء منهم، أن فتح أمامهم طريق العمل الجاد المشترك من أجل هدف كبير!
ونبصر رحمة الله تمثّلت في تحوّل أمة من شعار:
{فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا}
إلى أمة شعارها:
{فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ}
أمة لا تشتري سلامتها، ولكن تصنع سلامتها!
أمة لا تشتري السدّ، ولكن تصنع السدّ!
وقيادة تنفخ في الأمة فاعليّة وإيجابيّة، تستطيع بهما أن تتحوّل إلى أرضها تبحث فيها عن كنوزها، وتكتشف ذاتها من خلال العمل!
أمّة تتحوّل إلى جيش عمل منظّم عالم بخبايا أرضه، يقف أمام النار الملتهبة. ويرفع السد معتمداً على ربّه، متجمعاً وراء قيادته، منظّماً صفَّه، ومحدّداً مراحل العمل وتوقيته الدقيق!
الاعتماد على النفس رحمة من ربّي!
تنظيم العمل رحمة من ربّي!
صهر الحديث والنحاس رحمة من ربّي!
اختبار العمل بعد الانتهاء منه رحمة من ربّي!
وهكذا تتمثّل رحمة الله عملاً إيجابياً، ومشروعات تقيمها الإرادة المؤمنة الواعية، والجموع المنظمة إلى حياة أفضل!
وهكذا يتمثل دستور الحكم الصالح، ومنهج العمل الصالح .. وحين يجد العامل المحسن في الجماعة جزاء إحسانه جزاء حسناً، ومكاناً كريماً، وعوناً وتيسيراً .. ويجد المعتدي على دستور الحكم الصالح، ومنهج العمل الصالح، جزاء إفساده عقوبة زاجرة .. يجد الناس ما يحفزهم إلى الصلاح والإعداد والعمل والإنتاج، والابتكار والإبداع. حيث استخدمت طريقة هذا السدّ حديثاً في تقوية الحديد، فوجد أن إضافة نسبة من النحاس إليه تضاعف مقاومته
وصلابته، وكان هذا على يد ذي القرنين قبل أن يعرف العلم البشري ذلك بقرون لا يعلم عددها إلا الله تعالى، وحيث يتمثّل النموذج الطيب للحاكم الصالح، الذي سار في الأرض شرقاً وغرباً، دون أن يتكبّر أو يتجبّر، ودون أن يطغى أو يتبطّر، ودون أن يتخذ من الفتوح وسيلة للغنم المادي، واستغلال الأفراد والشعوب، ودون أن يعامل الشعوب معاملة الرقيق، كما يفعل المستعمرون في عالمنا المعاصر شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً .. وإنما قام هذا الرجل الصالح، الخبير في بناء السدّ، ينشر العدل، ودرء العدوان، والدعوة إلى التخطيط العلميّ الفذ، والعمل المتقن، والإنتاج والإبداع!
ولسنا في حاجة إلى بيان مكانة التخطيط في الدعوة، والهجرة، والجهاد .. فذلك ما سنعرض له في حينه بعون الله تعالى وتوفيقه!
8 - إنذار يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم
-:
وإذا كانت تلك الآيات قد حملت إلينا الإجابة على تلك الأسئلة -كما عرفنا- فلماذا لم يؤمن اليهود برسول الله صلى الله عليه وسلم؟
وهنا يطالعنا إنذار يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قاله ابن إسحاق (1): حدثني عاصم بن عمرو بن قتادة عن رجال من قومه قالوا:
(إن مما دعانا إلى الإسلام، مع رحمة الله تعالى وهداه لنا، لمَا كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب، عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون
(1) ابن هشام: 1: 270.
قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبيّ يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيراً ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم أجبناه، حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا ما كانوا يتوعّدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنَّا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزّل هؤلاء الآيات من البقرة:
وقال: وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن محمود ابن لبيده أخي بني عبد الأشهل، عن سلمة بن سلامة بن وقش، وكان سلمة من أصحاب بدر، قال:
كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، قال: فخرج علينا يوماً من بيته، حتى وقف على بني عبد الأشهل، قال سلمة: وأنا يومئذ من أحدث من فيه سنًّا، عليّ بردة لي، مضطجع فيها بفناء أهلي -فذكر القيامة والبعث، والحساب والميزان، والجنّة والنّار، قال: فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان، لا يَرَوْن بعثاً كائن بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان! أوَ ترى هذا كائناً، أن الناس يُبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنّة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم، والذي يُحلف به، ولَوَدّ أن له بحظّه من تلك النّار أعظم تَنُّور في الدّار، يُحمونه ثم يُدخلونه إيّاه فَيُطَيِّنُونَهُ عليه، بأن يَنْجُو من تلك النّار غداً، فقالوا له: وَيْحَكَ يا فلان! فما آية ذلك؟ قال: نبيٌّ مبعوث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده إلى مكّة واليمن، فقالوا: ومتَى تراه؟ قال: فنظر إليّ، وأنا من أحدثهم سنًّا، فقال: إن يَسْتَنْفِد هذا الغلام عمره يُدركه، قال سلمة: فوالله ما
ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمداً رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو حَيٌّ بين أظهرنا، فآمنّا به وكفر به بغياً وحسَداً، قال: فقلنا له: ويْحك يا فلان! ألَسْتَ الذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى، ولكن ليس به! (1)
وقال: وحدثني عاصم بن عُمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة، قال لي: هل تدري عَمَّ كان إسلام ثَعْلَبَة بن سَعْيَة، وأسيد بن سَعْيَة، وأسدُ ابن عُبَيْد، نفرٍ من بني هَدْل، إخوة بني قريظة، كانوا معهم في جاهليّتهم، ثم كانوا سادتهم في الإسلام، قال: قلت: لا والله، قال: فإن رجلاً من يهود من أهل الشام يقال له: ابن الهَيّبان، قدم علينا قُبيل الإسلام بسنين، فَحَلّ بين أظهُرنا، لا والله ما رأينا رجلاً قطّ لا يُصلّي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا، فكنّا إذا قَحطَ عنّا المطر قلنا له: اخرج يا بن الهَيَّبان فاستسْق لنا، فيقول: لا والله، حتى تَقدِّموا بين يدي مَخْرَجكم صدقة، فنقول له: كم، فيقول: صاعاً من تَمْر، أو مُدَّيْن من شعير، قال: فنخرجها، ثم يَخْرج بنا إلى ظاهرة حَرَّتنا فيستسقي الله لنا. فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمرّ السحاب ونُسقى، قَد فعلَ ذلك غير مرّة ولا مرّتين ولا ثلاث، قال: ثم حضرته الوفاة عندنا، فلمّا عرف أنه مَيّتٌ قال: يا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قال: قلنا: إنك أعلم، قال: فإنّي إنما قدمت هذه البلدة أَتوكّفُ خروج نبيّ قد أظلّ زمانه، وهذه البلدة مُهَاجره، فكنت أرجو أن يُبعث فأتبعه، وقد أظلّكُم زمانه، فلا تُسْبَقَنَّ إليه يا معشر يهود، فإنه يُبعث بسفك الدماء،
(1) السابق: 271، وصرح ابن إسحاق بالسماع، وسنده متصل ورجاله ثقات، وأحمد: 3: 467، وأبو نعيم: الدلائل: 1: 74 - 75، والبيهقي: الدلائل: 2: 78 - 79، والطبراني الكبير: 7: 41 - 42، وقال الهيثمي: رجاله ثقات: المجمع: 8: 24، والحاكم: 3: 417 - 418 وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي!
وسبْي الذراري والنساء ممّن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه، فلما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصر بني قريظة قَال هؤلاء الفتْيَة، وكانوا شباباً، قالوا: ليس به، قالوا: بلى والله، إنه لهو بصفته، فنزلوا وأسلموا وأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم!
قال ابن إسحاق: فهذا ما بلغنا عن أخبار يهود! (1)
ويطول بنا الحديث لو حاولنا مزيداً من إنذار يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم!
ولقد كانت حجة بني إسرائيل في إعراضهم عن الإسلام (2) وإبائهم الدخول فيه، أن عندهم الكفاية من تعاليم أنبيائهم، وأنهم ماضون على شريعتهم ووصاياهم .. فهنا يفضحهم القرآن، ويكشف عن حقيقة موقفهم من أنبيائهم وشرائعهم ووصاياهم، ويثبت أنهم هم هم كلما واجهوا الحق، الذي لا يخضع لأهوائهم!
وقد واجههم القرآن بالكثير من مواقفهم مع نبيّهم موسى عليه السلام، وقد آتاه الله الكتاب، وقد توالت رسلهم تترى، يقفو بعضهم بعضاً، وكان آخرهم عيسى عليه السلام، وقد آتاه الله المعجزات البينات، وأيّده بروح القدس!
وقد نزل فيهم -كما أسلفنا- قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ
(1) ابن هشام: 1: 272 وصرح ابن إسحاق بالسماع، وفيه جهالة شيخ من بني قريظة، وأبو نعيم:"الدلائل": 23 - 24 باختلاف يسير، والبيهقي: الدلائل: 2: 80 - 81 من طريق ابن إسحاق.
(2)
في ظلال القرآن: 1: 88 وما بعدها بتصرف.
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)} (البقرة). وكيف كان استقبالهم لذلك الحشد من الرسل ولآخرهم عيسى عليه السلام؟
كان هذا الذي يستنكره عليهم، والذي لا يملكون هم إنكاره، وكتبهم ذاتها تقرّره وتشهد به:{أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)} (البقرة)!
ومحاولهُ إخضاع الهداة والشرائع للهوى الطارئ والنزوة المتقلّبة، وظاهرة تبدو كلما فسدت الفطرة، وانطمست فيها عدالة النطق الإنسانيّ ذاته .. المنطق الذي يقتضي أن ترجع الشريعة إلى مصدر ثابت، غير المصدر الإنسانيّ المتقلّب، مصدر لا يميل مع الهوى، ولا تغلبه النزوة .. وأن يرجع الناس إلى ذلك الميزان الثابت الذي لا يتأرجح مع الرضى والغضب، والصحة والمرض، والنزوة والهوى، لا أن يخضعوا الميزان ذاته للنزوة والهوى!
ولقد قصّ الله على المسلمين من أنباء بني إسرائيل في هذا ما يحذّرهم من الوقوع في مثله، حتى لا تسلب منهم الخلافة في الأرض، والأمانة التي ناطها بهم الله، فلما وقعوا في مثل ما وقع فيه بنو إسرائيل، وطرحوا منهج الله وشريعته، وحكموا أهواءهم وشهواتهم، وقتلوا فريقاً من الهداة، وكذّبوا فريقاً، ضربهم الله بما ضرب به هؤلاء من قبل من الفرقة والضعف، والذلّة والهوان، والشقاء والتعاسة .. إلا أن يستجيبوا لله ورسوله، وإلا أن يخضعوا أهواءهم لشريعته وكتابه، وإلا أن يفوا بعهد الله معهم ومع أسلافهم، وإلا أن
يأخذوه بقوّة، ويذكروا ما فيه لعلهم يهتدون!
ذلك كان موقفهم مع أنبيائهم، يبيّنه ويقرّره، ثم يجابههم بموقفهم من الرسالة الأخيرة والشعبي الخاتم، فإذا هم هم، كأنهم أولئك الذين جابهوا الأنبياء من قبل:{وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88)} !
ويعنف الأسلوب ويشتد، ويتحوّل -في بعض المواضع- إلى صواعق وحمم .. يجبههم جبهاً شديداً بما قالوا وما فعلوا، ويجرّدهم من كل حججهم ومعاذيرهم، التي يسترون بها استكبارهم عن الحق، وأثرتهم البغيضة. وعزلتهم النافرة، وكراهتهم لأن ينال غيرهم الحق، وحسدهم أن يؤتي الله أحداً من فضله، جزاء موقفهم الجحودي المنكر من الإسلام ورسوله الكريم!
قالوا: إن قلوبنا مغلقة، لا تنفد إليها دعوة جديدة، ولا تستمع إلى داعية جديد!
قالوها تيئيساً لخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، من دعوتهم إلى الدّين القيّم، أو تعليلاً لعدم استجابتهم لدعوة محمد صلى الله عليه وسلم!
ويطالعنا الرد على قولهم: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} أي إنه طردهم وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم، فهم قد كفروا ابتداء فجازاهم الله على الكفر بالطرد وبالحيلولة بينهم وبين الانتفاع بالهدى:{فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88)} أي قليلاً ما يقع منهم الإيمان بسبب هذا الطرد الذي حقّ عليهم جزاء كفرهم السابق، وضلالهم القديم .. أو هذه حالهم: أنهم كفروا فقلما يقع منهم الإيمان، حالة لاصقة بهم يذكرها تقريراً لحقيقتهم .. وكلا المعنين يتفق مع المناسبة والموضوع!
وقد كان كفرهم قبيحاً، لأنهم كفروا بالنبي الذي ارتقبوه، واستفتحوا به على الكافرين، أي ارتقبوا أن ينتصروا به على من سواهم، وقد جاءهم بكتاب مصدّق لما معهم:{وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} ! وهو تصرّف يستحق الطرد والغضب لقبحه وشناعته .. ومن ثم يصبّ عليهم اللعنة ويصمهم بالكفر: {فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)} !
ويفضح السبب الخفي لهذا الموقف الشائن الذي وقفوه، بعد أن يقرّر خسارة الصفقة التي اختاروها:{بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90)} !
بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا .. لكأن هذا الكفر هو الثمن المقابل لأنفسهم! والإنسان يعادل نفسه بثمن ما، يكثر أو يقل، أما أن يعادلها بالكفر فتلك أبأس الصفقات وأخسرها، ولكن هذا هو الواقع، وإن بدا تمثيلاً وتصويراً!
لقد خسروا أنفسهم في الدنيا، فلم ينضموا إلى الموكب الكريم العزيز .. ولقد خسروا أنفسهم في الآخرة، بما ينتظرهم من العذاب المهين .. وبماذا خرجوا في النهاية؟ خرجوا بالكفر، هو وحده الذي كسبوه وأخذوه!
وكان الذي حملهم على هذا كله هو حسدهم لخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم أن يختاره الله للرسالة التي انتظروها فيهم، وحقدهم لأن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، وكان هذا بغياً منهم وظلماً، فعادوا من هذا الظلم بغضب على غضب، وهناك ينتظرهم عذاب مهين، جزاء الاستكبار والحسد والبغي الذميم!
وهذه الطبيعة التي تبدو هنا في يهود هي الطبيعة الكنود، طبيعة الأثرة الضيّقة التي تحيا في نطاق من التعصّب شديد، وتحسّ أن كل خير يصيب سواها كأنما هو مقتطع منها، ولا تشعر بالوشيجة الإنسانيّة الكبرى، التي تربط البشريّة جميعاً!
وهكذا عاش اليهود في عزلة يحسّون أنهم فرع مقطوع من شجرة الحياة، ويتربّصون بالبشريّة الدوائر، ويكنّون للناس البغضاء، ويعانون عذاب الأحقاد والضغائن، ويذيقون البشريّة رجع هذه الأحقاد فتناً يوقدونها بين بعض الشعوب وبعض، وحروباً يثيرونها ليأخذوا من ورائها الغنائم، ويرووا بها أحقادهم التي لا تنطفئ، وهلاكاً يسلطونه على الناس .. وهذا الشرِّ كله إنما نشأ من تلك الأثرة البغيضة:{بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} !
وكان هذا هو الذي يقولونه إذا دعوا إلى الإيمان بالقرآن والإسلام .. كانوا يقولون: {نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} وهو وحده الحق، ثم يكفرون بما وراءه، سواء ما جاءهم به عيسى عليه السلام، وما جاءهم به محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم!
والقرآن الكريِم يعجب من موقفهم هذا، ومن كفرهم بما وراء الذي معهم {وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} !
وما لهم وللحق؟ وما لهم أن يكون مصدّقاً لما معهم! ماداموا لم يستأثروا هم به؟
إنهم يعبدون أنفسهم، ويتعتدون لعصيبّتهم .. لا بل إنهم ليعبدون هواهم، فلقد كفروا من قبل بما جاءهم أنبياؤهم به .. ويلقن الله خاتم النبييِّن صلى الله عليه وسلم أن يجبههم بهذه الحقيقة، كشفاً لموقفهم وفضحاً لدعواهم:{قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)} !
ونقف هنا لحظة أمام التعبيرين المصوّرين العجيبين: {قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} ! إنهم قالوا: {سَمِعْنَا} ولم يقولوا {عَصَيْنَا} ، ففيم إذن حكايته هذا القول عنهم هنا؟
إنه التصوير الحيّ للواقع الصامت كأنه واقع ناطق .. لقد قالوا بأفواههم {سَمِعْنَا} ، وقالوا بأعمالهم {عَصَيْنَا} ، والواقع العملي هو الذي يمنح القول الشفوي دلالته، وهذه الدلالة أقوى من القول المنطوق .. وهذا التصوير الحيّ للواقع يومئ إلى مبدأ كلي من مبادئ الإسلام: إنه لا قيمة لقول بلا عمل .. إن العمل هو المعتبر، أو الوحدة بين الكلمة المنطوقة والحركة الواقعة، ومناط الحكم والتقدير!
فأما الصورة الغليظة التي يرسمها: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} ! فيظل الخيال يتمثل تلك المحاولة العنيفة الغليظة، وتلك الصورة المجسمة لتؤديه، وهو حبّهم الشديد لعبادة العجل، حتى لكأنهم أشربوه إشراباً في القلوب!
هنا تبدو قيمة التعبير القرآنيّ المصوّر، بالقياس إلى التعبير الذهني المفسّر .. إنه التصوير .. السمة البارزة في التعبير القرآني الجميل!
لقد كانوا يطلقونها دعوى عريضة .. (إنهم شعب الله المختار) .. إنهم
وحدهم المهتدون .. إنهم وحدهم الفائزون في الآخرة .. إنه ليس لغيرهم من الأمم في الآخرة نصيب!
وهذه الدعوى تتضمن أن المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم لا نصيب لهم في الآخرة .. والهدف الأول هو زعزعة ثقتهم بدينهم وبوعود رسولهم ووِعود القرآن لهم! وهنا يطالعنا قوله جلّ شأنه: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة).
ويعقب على هذا التحدّي بتقرير أنهم لن يطلبو الموت، لأنهم يعلمون أنهم كاذبون، ويخشون أن يستجيب الله لهم فيأخذهم .. ويعلمون أن ما قدّموه من عمل لا يجعل لهم نصيباً في الآخرة، وعندئذ يكونون قد خسرو الدنيا بالموت الذي طلبوه، وخسروا الآخرة بالعمل السيئ الذي قدّموه .. ومن ثم فإنهم لن يقبلوا التحدّي، فهم أحرص الناس على حياة، وهم والمشركون في هذا سواء:
لن يتمنّوه؛ لأن ما قدّمته أيديهم للآخرة لا يطمعهم في ثواب، ولا يؤمنهم من عقاب .. إنه مدّخر لهم هناك، والله عليم بالظالمين وما كانوا يعملون!
وليس هذا فحسب .. ولكنها خصلة أخرى في يهود، خصلة يصوّرها القرآن صورة تفيض بالزراية، وتنضح بالتحقير والمهانة:{وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} أيّة حياة، لا يهم أن تكون حياة كريمة ولا حياة مميّزة على الإطلاق! حياة فقط! حياة بهذا التنكير والتحقير حياة ديدان أو حشرات! حياة والسلام!
إنها يهود، في ماضيها وحاضرها ومستقبلها سواء، وما ترفع رأسها إلا حين تغيب المطرقة، فإذا وجدت المطرقة نكست الرؤوس .. وعنت الجباه جبناً وحرصاً على حياة .. أيّ حياة! {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} !
يودّ أحدهم لو يعمرّ ألف سنة، ذلك لأنهم لا يرجون لقاء الله، ولا يحسّون أن لهم حياة غير هذه الحياة .. وما أقصر الحياة الدنيا وما أضيقها حين تحسّ النفس الإنسانيّة أنها لا تتّصل بحياة سواها، ولا تطمع في غير أنفاس وساعات على الأرض معدودة .. إن الإيمان بالحياة الآخرة نعمة .. نعمة يفيضها الإيمان على القلب .. نعمة يهبها الله للفرد الفاني العاني، المحدود الأجل الواسع الأمل، وما يغلق أحد على نفسه هذا المنفذ إلى الخلوة، إلا وحقيقة الحياة في روحه قاصرة أو مطموسة .. فالإيمان بالآخرة -فوق أنه إيمان بعدل الله المطلق، وجزائه الأوفى، هو ذاته دلالة على فيض النفس بالحيويّة، وعلى امتلاء بالحياة لا يقف عند حدود الأرض، إنما يتجاوزها إلى البقاء الطليق، الذي لا يعلم إلا الله مداه، وإلى المرتقى السامي الذي يِتجه صعداً إلى جوار الله!
ويمضي السياق بتلقين جديد من الله لخاتم رسله صلى الله عليه وسلم يتحدّاهم به، ويعلن الحقيقة التي يتضمنها على رؤوس الأشهاد:{قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة).
وفي قصة هذا التحدّي نطلع على سمة أخرى من سمات يهود .. سمة
عجيبة حقًّا .. لقد بلغ هؤلاء القوم من الحنق والغيظ من أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده مبلغاً يتجاوز كل حدّ، وقادهم هذا إلى تناقض لا يستقيم في عقل .. لقد سمعوا أن جبريل عليه السلام ينزل بالوحي من عند الله على خاتم النبيين محمَّد صلى الله عليه وسلم .. ولمّا كان عداؤهم لمحمد صلى الله عليه وسلم قد بلغ مرتبة الحقد والحنق فقد لجّ بهم الضغن أن يخترعوا قصّةً واهيةً، وحجّةً فارغةً، فيزعموا أن جبريل عدوّهم؛ لأنه ينزل بالهلاك والدمار والعذاب، وأن هذا هو الذي يمنعهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم من جراء صاحبه جبريل! ولو كان الذي ينزل إليه بالوحي هو ميكائيل لآمنوا، فميكائيل ينزل بالرخاء والمطر والخصب!
إنها الحماقة المضحكة، ولكن الغيظ والحقد يسوقان إلى كل حماقة، وإلا فما بالهم يعادون جبريل؟ وجبريل لم يكن بشراً يعمل معهم أو ضدّهم، ولم يكن يعمل بتصميم من عنده وتدبير؟ إنما هو عبد الله يفعل ما يأمره ولا يعصي الله ما أمره!
{قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ} .
فما كان له من هوى شخصي، ولا إرادة ذاتيّة في أن ينزل على قلبك .. إنما هو منفذ لإرادة الله وإذنه في تنزيل هذا القرآن على قلبك .. والقلب هو موضع التلقّي، وهو الذي يفقه بعد التلقّي، ويستقر هذا الكتاب فيه ويحفظ .. والقلب يعبر به في القرآن عن قوّة الإدراك جملة، وليس هو العضلة المعروفة بطبيعة الحال:{نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} !
والقرآن يصدّق في عمومه ما سبقه من الكتب السماويّة، فأساس دين الله
واحد في جميع الكتب السماوية وجميع الرسالات الإلهيّة .. وهو هدى وبشرى للقلوب المؤمنة، التي تتفتح له وتستجيب .. وهذه حقيقة ينبغي إبرازها!
إن نصوص القرآن لتسكب في قلب المؤمن من الإيناس، وتفتح له من أبواب المعرفة، وتفيض فيه من الإيحاءات والمشاعر ما لا يكون بغير الإيمان، ومن ثم يجد الهدى، كما يستروح فيه البشرى، وكذلك نجد القرآن يكرّر هذه الحقيقة في مناسبات شتى:{هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)} (البقرة){وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57)} (يونس){وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)} [النحل: 89].
وبنو إسرائيل لم يكونوا يؤمنون أو يتقون أو يوقنون .. وكانوا -كعادتهم في تفريق الدّين وتفريق الرسل- قد فرّقوا بين ملائكة الله الذين يسمعون أسماءهم وأعمالهم، فقالوا: إنهم على صداقة مع ميكائيل، أما جبريل فلا! لذلك جمعت الآية التالية جبريل وميكائيل وملائكة الله ورسله، لبيان وحدة الجميع، ولإعلان أن من عادى أحداً منهم فقد عاداهم جميعاً، وعادى الله سبحانه، فعاداه الله، فهو من الكافرين:{مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)} (البقرة).
ثم يتجه الخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يثبته على ما أنزل عليه من الحق، وما آتاه من الآيات البيّنات، مقرّراً أنه لا يكفر بهذه الآيات إلا الفاسقون المنحرفون، ويندّد ببني إسرائيل الذين لا يستقيمون على عهد .. سواء عهودهم مع ربهم وأنبيائهم من قبل، أو عهودهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يندّد بنبذهم لكتاب الله الذي جاء مصدّقاً لما معهم:
لقد كشف القرآن هنا عن علّة كفر بني إسرائيل بتلك الآيات البيّنات التي أنزلها الله .. إنه الفسوق وانحراف الفطرة، فالطبيعة المستقيمة لا يسعها إلا الإيمان بتلك الآيات، وهي تفرض نفسها فرضاً على القلب المستقيم .. فإذا كفر بها اليهود أو غيرهم فليس هذا لأنه لا مقنع فيها ولا حجة، ولكنهم لأنهم هم فاسدو الفطرة فاسقون!
ثم يلتفت إلى المسلمين، وإلى الناس عامة، مندّداً بهؤلاء اليهود، كاشفاً عن سمة من سماتهم الوبيئة .. إنهم جماعة مفكّكة الأهواء -رغم تعصّبها الذميم- فهم لا يجتمعون على رأي، ولا يثبتون على عهد، ولا يستمسكون بعروة، ومع أنهم متعصّبون لأنفسهم وجنسهم، يكرهون أن يمنح الله شيئاً من فضله لسواهم، إلا أنهم مع هذا لا يستمسكون بوحدة، ولا يحفظ بعضهم عهد بعض، وما من عهد يقطعونه على أنفسهم حتى تندّ منهم فرقة فتنقض ما أبرموا، وتخرج على ما أجمعوا:{أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100)} .
وقد أخلفوا ميثاقهم مع الله تحت الجبل، ونبذوا عهودهم مع أنبيائهم من بعد، وأخيراً نبذ فريق منهم عهدهم الذي أبرموه مع خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم أول مقدمه إلى المدينة -كما سيأتي- وهو العهد الذي وادعهم فيه بشروط معيّنة .. بينما
كانوا هم أوّل من أعان عليه أعداءه، وأوّل من عاب الإِسلام، وحاولوا بثّ الفرقة والفتنة في الصفّ المسلم، مخالفين ما عاهدوا المسلمين عليه!
وبئس هي خلّة من اليهود! تقابلها في المسلمين خلّة أخرى على النقيض!
وهنا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث طويل عن إبراهيم التّيْمي عن أبيه قال:
قال علي رضي الله عنه: .. وفيه: "وذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفٌ ولا عدلاٌ"(1).
وهكذا نبصر المسلمين تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمّتهم أدناهم، فلا يخيس أحد بعهده إذا عاهد، ولا ينقص أحد عقده إذا أبرم، ولقد كتب أبو عبيدة رضي الله عنه، وهو قائد لجيش عمر رضي الله عنه، وهو الخليفة يقول: إن عبداً من أهل بلد بالعراق، وسأله رأيه، فكتب إليه عمر: إن الله عظم الوفاء، فلا تكونون أوفياء حتى تفوا .. فوالهم وانصرفوا عنهم.!
وتلك سمة الجماعة الكريمة المتماسكة المستقيمة .. وذلك فرق ما بين اليهود الفاسقين وأخلاق المسلمين الصادقين: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)} [البقرة: 101]!
(1) البخاري: 85 - الفرائض (6755)، وانظر (3172)، ومسلم (1370)، وأحمد: 1: 81، والترمذي (2127)، وأبو داود (2034)، وأبو يعلى (263، 296)، والبيهقي: 5: 196، والبغوي (2009)، وابن حبان (3716، 3717).
وكان هذا مظهراً من مظاهر نقض فريق لكل عهد يعاهدونه، فلقد ضمن الميثاق الذي أخذه الله عليهم -كما سبق أن عرفنا- أن يؤمنوا بكل رسول يبعثه، وأن ينصروه ويحترموه، فلما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم، خاسوا بذلك العهد، ونبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم، يستوي في ذلك النبذ كتاب الله الذي معهم، والذي يتضمّن البشرى بهذا النبيّ وقد نبذوه، والكتاب الجديد مع النبي الجديد وقد نبذوه أيضاً!
وفي الآية ما فيها من سخرية خفيّة، يحملها ذلك النصّ على أن الذين أوتوا الكتاب هم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، فلو كانوا هم المشركين الأمييّن لكان نبذهم لكتاب الله وراء ظهورهم مفهوماً لأنهم لا يعرفون! ولكنهم هم الذين أوتوا الكتاب! هم الذين عرفوا الرسالات والرسل! هم الذين اتصلوا بالهدى ورأوا النور .. وماذا صنعوا؟!
إنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم! .. والمقصود طبعاً أنهم جحدوه، وتركوا العمل به، وأنهم أبعدوه عن مجال تفكيرهم وحياتهم، ولكن التعبير المصوّر ينقل المعنى من دائرة الذهن إلى دائرة الحسّ، ويمثل عملهم بحركة ماديّة مخيّلة، تصوّر هذا التصوّر تصويراً بشعاً زريًّا، ينضح بالكنود والجحود، ويتّسم بالغلظة والحماقة، ويفيض بسوء الأدب والقحّة، ويدع الخيال يتمثّل هذه الحركة العنيفة .. حركة الأيدي تنبذ كتاب الله وراء الظهور!
9 - {أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً} :
ويطالعنا قول الله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82)} [المائدة: 82]!
لقد كانت الأمة المسلمة تتلقّى هذا القرآن الكريم لتقرّر، وفق توجيهاته وتقريراته (1) -خطّتها وحركتها، ولتتّخذ وفق هذه التوجيهات والتقريرات- مواقفها من الناس جميعاً .. ومن ثم كانت تَغْلِب ولا تُغلَب؛ لأنها تخوض معركتها مع أعدائها تحت القيادة الربّانيّة المباشرة، مذ كان نبيها صلى الله عليه وسلم يقودها وفق الإرشادات الربّانيّة العلويّة!
وهذه الإرشادات الربّانيّة العلوّية لا تزال، والتقريرات التي تضمنها ذلك الكتاب العزيز لا تزال، والذين يحملون دعوة الإِسلام اليوم وغداً خليقون أن يتلقّوا هذه التقريرات وتلك الإرشارات الربَّانيّة العلويّة كأنهم يخاطبون بها اللحظة، ليقرّروا على ضوئها مواقفهم من شتّى طوائف الناس، وسن شتّى المذاهب والمعتقدات والآراء، ومن شتّى الأوضاع والأنظمة وشتّى القيمِ والموازين .. اليوم وغدًا وإلى آخر الزمان! {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82)} !
إن صيغة العبارة تحتمل أن تكون خطاباً للرسول صلى الله عليه وسلم، وأن تكون خطاباً عامًّا خرج مخرج العموم؛ لأنه يتضمّن أمراً ظاهراً مكشوفاً يجده كل إنسان، وهي صيغة لها نظائرها في الأسلوب العربي الذي نزل به القرآن الكريم .. وهي في كلتا الحالتين تفيد معناها الظاهري الذي تؤدّيه!، فإذا تقرّر هذا فإن الأمر الذي يلفت النظر في صياغة العبارة هو تقديم اليهود على الذين أشركوا، في صدد أنهم أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا، وأن شدّة عداوتهم ظاهرة مكشوفة، وأمر مقرّر، يراه كل من يرى، ويجده كل من يتأمل!
(1) السابق: 2: 959 وما بعدها بتصرف.
نعم إن العطف بالواو في التعبير العربي يفيد الجمع بين الأمرين، ولا يفيد تعقيباً ولا ترتيباً .. ولكن تقديم اليهود هنا، حيث يقوم الظن بأنهم أقلّ عداوة للذين آمنوا من المشركين -بما أنهم أصلاً أهل كتاب- يجعل لهذا التقديم شأناً خاصًّا غير المألوف من العطف بالواو في التعبير العربي!
إنه -على الأقل- يوجّه النظر إلى أن كونهم أهل كتاب لم يغيّر من الحقيقة الواقعة، وهي أنهم كالذين أشركوا أشدّ عداوةً للذين آمنوا! .. ولا ينفي هذا احتمال أن يكون المقصود هو تقديمهم في شدّة العداء على الذين أشركوا!
وحين يستأنس الإنسان في تصير هذا التقرير الربّاني بالواقع التاريخيّ المشهود منذ مولد الإِسلام حتى اللحظة الحاضرة، فإنه لا يتردّد في تقرير أن عداء اليهود للذين آمنوا كان دائماً أشدّ وأقسى وأعمق إصراراً، وأطول أمداً، من عداء الذين أشركوا!
لقد واجه اليهود الإِسلام بالعداء منذ اللحظة الأولى التي قامت فيها دولة الإِسلام بالمدينة، وكادوا للأمة المسلمة منذ اليوم الأول الذي أصبحت فيه أمّة .. وتضمّن القرآن الكريم من التقريرات والإشارات عن هذا العداء وهذا الكيد ما يكفي وحده لتصوير تلك الحرب المريرة التي شنّها اليهود على الإِسلام، وعلى رسول الإِسلام صلى الله عليه وسلم، وعلى الأمة المسلمة في تاريخه" الطويل، والتي لم تَخْبُ لحظة واحدة قرابة أربعة عشر قرناً، ولا تزال حتى اللحظة يتسعّر أوارها في أرجاء الأرض جميعاً!
ولمَّا غلبهم الإِسلام بقوّة الحق -يوم أن كان المسلمون أهلاً للنصر- استداروا يكيدون له بدسّ المفتريات في كتبه -لم يسلم من هذا الدسّ إلا كتاب
الله الذي تكفّل بحفظه سبحانه- ويكيدون له بالدسّ بين صفوف المسلمين، وإثارة الفتن عن طريق استخدام حديثي العهد بالإِسلام، ومن ليس لهم فيه فقه من مسلمة الأقطار، ويكيدون له بتأليب خصومه عليه في أنحاء الأرض .. حتى انتهى بهم المطاف أن يكونوا في العصر الأخير هم الذين يقودون المعركة مع الإِسلام في كل شبر على وجه الأرض، وهم الذين يستخدمون الصليبيّة والوثنّية في هذه الحرب الشاملة، وهم الذين يقيمون الأوضاع، ويصنعون الأبطال الذين يتسمّون بأسماء المسلمين، ويشنّونها حرباً صليبيةً صهيونيّةً هنا وهناك!
وصدق الله العظيم: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} !
إن الذي ألّب الأحزاب على الدولة المسلمة الناشئة في المدينة، وجمع بين اليهود من بني قريظة وغيرهم، وبين قريش في مكّة، وبين القبائل الأخرى في الجزيرة .. (يهودي)!
والذي ألّب العوام، وجمع الشراذم، وأطلق الشائعات، في استشهاد عثمان رضي الله عنه، وما تلاها من النكبات .. (يهودي)!
والذي قاد حملة الوضع والكذب في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الروايات والسير .. (يهودي)!
ثم إن الذي كان وراء النعرات القوميّة في دولة الخلافة الأخيرة، ووراء الانقلابات التي ابتدأت بعزل (الشريعة) عن الحكم، واستبدال (الدستور) بها في عهد (السلطان عبد الحميد)، ثم انتهت بإلغاء الخلافة جملة على يدي (أتاتورك!) .. (يهودي)!
وسائر ما تلا ذلك من الحرب المعلنة على طلائع البعث الإِسلامي في كل مكان على وجه الأرض وراءه (يهودي)!
ثم لقد كان وراء النزعة الماديّة الإلحاديّة .. (يهودي)!
ووراء النزعة الجنسيّة (يهودي)!
ووراء معظم النظريات الهدّامة لكل المقدسات والصوابط (يهود)! (1)
ولقد كانت الحرب التي شنّها اليهود على الإِسلام أطول أمداً، وأعرض مجالاً، من تلك التي شنّها عليه المشركون والوثنيّون -على ضراوتها- قديماً وحديثاً!
والمعركة مع مشركي العرب لم تمتد إلى أكثر من عشرين عاماً في جملتها .. وكذلك كانت المعركة مع فارس في العهد الأول! أما في العصر الحديث فإن ضراوة المعركة بين الوثنيّة الهنديّة والإِسلام ضراوة ظاهرة، ولكنها لا تبلغ ضراوة الصهيونيّة العالميَّة التي تعدّ الماركسيّة مجرّد فرع لها، وليس هناك ما يماثل معركة اليهود مع الإِسلام في طول الأمد، وعرض المجال، إلا معركة الصليبيّة -كما سنرى- فيما يأتي!
فإذا سمعنا الله تعالى يقول: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} !
ويقدم اليهود في النص على الذين أشركوا .. ثم راجعنا هذا الواقع التاريخي، فإننا ندرك طرفاً من حكمة الله في تقديم اليهود على الذين أشركوا!
(1) انظر فصل: (اليهود الثلاثة: ماركس وفرويد ودوركايم في كتاب: التطور والثبات: محمَّد قطب، دار الشروق!
إنهم هذه الجبلّة النكدة الشرّيرة، التي ينغل الحقد في صدورها على الإِسلام وعلى نبيّ الإِسلام، فيحذر الله نبيّه وأهل دينه منها .. ولم يغلب هذه الجبلّة الشرّيرة إلا الإِسلام وأهله يوم أن كانوا أهله! ولن يخلّص العالم من هذه الجبلّة النكدة إلا الإِسلام يوم يفيء أهله إليه!
ومع أن متابعة مجموع الآيات لا تدع مجالاً للشك في أنها تصوّر حالة معيّنةً، هي التي ينطبق عليها هذا التقرير المعيّن، فإن الكثيرين يخطئون فهم مدلولها، ويجعلون منها مادّة للتميّع المؤذي في تقدير المسلمين لموقفهم من المعسكرات المختلفة، وموقف هذه المعسكرات منهم .. لذا نجد من الضروري أن نتابع تصوير هذه الآيات لهذه الحالة الخاصة التي ينطبق عليها ذلك الحكم الخاص!
إن الحالة التي تصوّرها هذه الآيات هي حالة فئة من الناس {قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} ، هم أقرب مودّة للذين آمنوا:{ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82)} !
ولكن السياق القرآني لا يقف عند هذا الحدّ، ولا يدع الأمر مجهلًا ومعمّماً على كل الذين {قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} إنما يمضي فيصوّر موقف هذه الفئة التي يعنيها:{وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84)} [المائدة: 83، 84]!
فهذا مشهد حيّ يرتسم من التصوير القرآني لهذه الفئة من الناس، الذين هم أقرب مودّة للذين آمنوا .. إنهم إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول من هذا القرآن اهتزّت مشاعرهم، ولانت قلوبهم، وفاضت أعينهم بالدمع تعبيراً عن التأثر العميق القويّ بالحق الذي سمعوه، والذي لا يجدون له في أوّل الأمر كفاء من التعبير إلا الدمع الغزير .. وهي حالة معروفة في النفس البشرية، حين يبلغ بها التأثّر درجةً أعلى من أن يفي بها القول، فيفيض الدمع، ليؤدّي ما لا يؤدّيه القول، وليطلق الشحنة الحبيسة من التأثر العميق القوي!
ثم هم لا يكتفون بهذا الفيض من الدمع، ولا يقفون موقفاً سلبيًّا من الحق الذي تأثّروا به هذا التأثّر عند سماع القرآن، والشعور بالحق الذي يحمله، والإحساس بما له من سلطان .. إنهم لا يقفون موقف المتأثّر الذي تفيض عيناه بالدمع، ثم ينتهي أمره مع هذا الحق! إنما هم يتقدّمون ليتخذوا من هذا الحق موقفاً إيجابيًّا صريحاً .. موقف القبول لهذا الحق، والإيمان به، والإذعان لسلطانه، وإعلان هذا الإيمان، وهذا الإذعان، في لهجة قويّة عميقة صريحة:{يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84)} !
إنهم أوّلاً يعلنون لربّهم ايمانهم بهذا الحق الذي عرفوه، ثم يدعونه سبحانه أن يضمّهم إلى قائمة الشاهدين لهذا الحق، وأن يسلكهم في سلك الأمّة القائمة عليه في الأرض .. الأمّة المسلمة، التي تشهد لهذا الحق بأنه الحق، وتؤدّي هذه الشهادة بلسانها وبعملها وبحركتها لإقرار هذا الحق في حياة البشر .. فهؤلاء الشاهدون الجدد ينضمّون إلى هذه الأمّة المسلمة، ويشهدون ربّهم على إيمانهم بالحق الذي تتبعه هذه الأمة، ويدعونه سبحانه أن يكتبهم في سجلّها .. ثم هم
بعد ذلك يستنكرون على أنفسهم أن يعوقهم معوّق عن الإيمان بالله، أو أن يسمعوا هذا الحق ثم لا يؤمنوا به، ولا يأملوا بهذا الإيمان أن يقبلهم ربهم، ويرفع مقامهم عنده، فيدخلهم مع القوم الصالحين:{وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84)} !
فهو موقف صريح قاطع تجاه ما أنزل الله إلى رسوله من الحق .. موقف الاستماع والمعرفة، ثم التأثّر الغامر، والإيمان الجاهر .. ثم الإِسلام والانضمام إلى الأمة المسلمة، مع دعاء الله سبحانه أن يجعلهم من الشاهدين لهذا الحق، الذين يؤدّون شهادتهم سلوكًا وعملًا وجهاداً لإقراره في الأرض، والتمكين له في حياة الناس .. ثم هو وضوح الطريق في تقديرهم وتوحدّه، بحيث لا يعودون يرون أنه يجوز لهم أن يمضوا إلا في طريق واحد، هو طريق الإيمان بالله، وبالحق الذي أنزله على رسوله، والأمل بعد ذلك في القبول عنده والرضوان!
ولا يقف السياق القرآني عند بيان من هم الذين يعنيهم بأنهم أقرب مودّة للذين آمنوا من الذين {قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} وعند بيان سلوكهم في مواجهة ما أنزل الله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من الحق، وفي اتخاذ موقف إيجابي صريح، بالإيمان المعلن، والانضمام إلى الصفّ المسلم، والاستعداد لأداء الشهادة بالنفس والجهد والمال، والدعاء إلى الله أن يقبلهم في الصفّ الشاهد لهذا الحق على هذا النحو، مع الطمع في أن يختم لهم بالانضمام إلى موكب الصالحين!
لا يقف السياق عند هذا الحدّ في بيان أمر هؤلاء الذين يقرّر أنهم أقرب مودّة للذين آمنوا، بل يتابع خطاه لتكملة الصورة، ورسم المصير الذي انتهوا إليه فعلاً:{فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)} !
لقد علم الله صدق قلوبهم وألسنتهم، وصدق عزيمتهم على المضي في الطريق، وصدق تصميمهم على أداء الشهادة لهذا الدّين القيّم الذي دخلوا فيه، ولهذا الصفّ المسلم الذي اختاروه، واعتبارهم أن أداء هذه الشهادة -بكل تكاليفها في النفس والمال- منّة يمنّ الله بها على من يشاء من عباده، واعتبارهم كذلك أنه لم يعد لهم طريق يسلكونه إلا هذا الطريق الذي أعلنوا المضيّ فيه، ورجاءهم في ربّهم أنه يدخلهم مع القوم الصالحين!
لقد علم الله منهم هذا كله، فقبل منهم قولهم، وكتب لهم الجنّة جزاء لهم، وشهد لهم سبحانه بأنهم محسنون، وأنه يجزيهم جزاء المحسنين:{فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)} !
والإحسان أعلى درجات الإيمان والإِسلام .. والله جل جلاله قد شهد لهذا الفريق من الناس بأنه من المحسنين!
إنه فريق خاص محدّد الملامح، هذا الذي يقول عنه القرآن الكريم:{وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} !
فريق لا يستكبر عن الحق حين يسمعه، بل يستجيب له تلك الاستجابة العميقة الجاهرة الصريحة، وهو فريق لا يتردّد في إعلان استجابته للدّين القيم، والانضمام للصف المسلم، والانضمام إليه بصفة خاصّة في تكاليف هذه العقيدة، وهي أداء الشهادة لها بالاستقامة عليها، والجهاد لإقرارها وتمكينها .. وهو فريق علم الله منه صدق قوله فقبله في صفوف المحسنين!
ولكن السياق القرآني لا يقف عند هذا الحدّ في تحديد ملامح هذا الفريق
المقصود من الناس الذين نجدهم أقرب مودّة للذين آمنوا، بل إنه ليمضي فيميّزه من الفريق الآخر من الذين {قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} ! ممن يسمعون هذا الحقّ فيكفرون به ويكذّبون، ولا يستجيبون له، ولا ينضمون إلى صفوف الشاهدين:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86)} !
(المائده)!
والمقصود قطعاً بالذين كفروا وكذّبوا في هذا الموضع هم الذين يسمعون من الذين {قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} ثم لا يستجيبون .. والقرآن الكريم يسمّيهم الكافرين كلما كانوا في مثل هذا الموقف، سواء في ذلك اليهود والنصارى، ويضمّهم إلى موكب الكقّار مع المشركين سواء، ما داموا في موقف التكذيب لما أنزل الله على رسوله من الحق، وفي موقف الامتناع عن الدخول في الدّين القيم الذي لا يقبل الله من الناس ديناً سواه .. نجد هذا في مثل قول الله تعالى:
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} (المائدة)!
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} (المائدة)
فهو تعبير مألوف في القرآن الكريم، وحكم معهود .. وهو يأتي هنا للتفرقة بين فريقين من الذين {قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} ، وللتفرقة بين موقف كل منهما تجاه الذين آمنوا، وللتفرقة كذلك بين مصير هؤلاء وأولئك عند الله .. هؤلاء
{فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} ! {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86)} !
وليس كل من {قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} إذن داخلين في ذلك الحكم: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا} كما يحاول أن يقول من يقتطعون آيات القرآن في دون تمامها .. إنما هذا الحكم مقصور على حالة معيّنة لم يدع السياق القرآني أمرها غامضاً، ولا ملامحها مجهلة، ولا موقفها متلبّساً بموقف سواها في كثير ولا قليل!
وقد وردت روايات في تحديد من هم النصارى المعنيّون بذلك، قال ابن كثير: قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن بكوا حتى أخضلوا لحاهم، وهذا القول فيه نظر؛ لأن هذه الآية مدنيّة، وقصّة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة -كما سيأتي- وقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما: نزلت في وقد بعثهم النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسمعوا كلامه، ويروا صفاته، فلما رأوه وقرأ عليهم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا، ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه. قال السدي: فهاجر النجاشي فمات في الطريق، وهذا من أفراد السدي، فإن النجاشي مات وهو ملك الحبشة، وصلّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم يوم مات، وأخبر به أصحابه، وأخبر أنه مات بأرض الحبشة .. وتعددت الروايات في ذلك (1).
(1) انظر: ابن كثير: التفسير: 2: 85، والقرطبي: التفسير 60: 225، وتفسير المنار: 7: 2 وما بعدها.
10 - بين الصهيونية والصليبيّة:
ويطالعنا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)} (المائدة)!
وقوله جلّ شأنه: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)} [المائدة: 68]!
وقد صدّق الواقع التاريخي ما حذّر الله الأمّة المسلمة إياه، من اليهود والنصارى سواء!
وإذا كان الواقع التاريخي قد حفظ لليهود وقفتهم النكرة للإسلام منذ اليوم الأوّل لهذا الدّين القيّم، في صورة كيد لم ينته ولم يكف حتى اللحظة الحاضرة!
وإذا كان اليهود لا يزالون يقودون الحملة ضد الإِسلام في كل أرجاء الأرض اليوم في حقد خبيث وكيد لئيم .. فإن هذا الواقع قد حفظ كذلك للنصارى الصليبييّن أنهم اتخذوا من الإِسلام موقف العداء منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم -كما سيأتي- في هذه الدراسات تحت عنوان: (الرسول صلى الله عليه وسلم والنصارى وجهاً لوجه)!
وحسبنا أن نذكر موقف العداء منذ واقعة (اليرموك) -كما سجل التاريخ-
بين جيش المسلمين وجيوش الروم- فيما عدا الحالات التي وقع فيها ما تصفه الآيات التي نحن بصددها فاستجابت قلوب للإسلام ودخلت فيه، وفيما عدا حالات أخرى آثرت فيها طوائف من النصارى أن تحتمي بعدل الإِسلام من ظلم طوائف أخرى من النصارى كذلك، يلاقون من ظلمها الوبال!
أما التيّار العام الذي يمثل موقف النصارى جملة فهو تلك الحروب الصليبية التي لم يخب أوارها قط -إلا في الظاهر- منذ التقى الإِسلام والرومان على ضفاف اليرموك!
لقد تجلّت أحقاد الصليبيّة على الإِسلام وأهله في الحروب الصليبيّة المشهورة طوال قرنين من الزمان .. كما تجلّت في حروب الإبادة التي شنّتها الصليبيّة على الإسلام والمسلمين في الأندلس .. ثم في حملات الاستعمار والتبشير على الممالك الإسلاميّة في إفريقيا أوّلاً ثم في العالم كله أخيراً!
ولقد ظلّت الصهيونيّة العالميّة والصليبيّة العالميّة حليفتين في حرب الإِسلام -على كل ما بينهما في أحقاد- ولكنهم كانوا في حربهم للإسلام كما قال عنهم العلم الخبير: {بَعْضهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} !
حتى مزّقوا دولة الخلافة الأخيرة، ثم مضوا في طريقهم ينقضون هذا الدّين عروة عروة، وبعد أن أجهزوا على عروة (الحكم) ها هم أولاء يحاولون الإجهاز على الباقي!
ثم هاهم أولاء يعيدون موقف اليهود القديم مع المسلمين والوثنييّن، فيؤيّدون الوثنيّة حيثما وجدت ضدّ الدّين القيّم، عن طريق المساعدات المباشرة تارةً، وعن طريق المؤسسات الدوليّة التي يشرفون عليها تارةً أخرى! وليس الصراع بين الهند وباكستان على (كشمير) وموقف الصليبيّة منها ببعيد!
وذلك فوق إقامة واحتضان وكفالة الأوضاع التي تتولّى سحق حركات الإحياء والبعث الإِسلاميّة في كل مكان على وجه الأرض، وإلباس القائمين بهذه الأوضاع أثواب البطولة الزائفة، ودق الطبول من حولهم، ليستطيعوا الإجهاز على الإِسلام، في زحمة الضجيج العالمي حول الأقزام الذي يلبسون أردية الأبطال!
هذا موجز سريع لما سجّله الواقع التاريخي طوال أربعة عشر قرناً، من مواقف الصهيونيَّة والصليبيّة تجاه الدّين القيّم، لا فرق بين هذه وتلك، ولا افتراق بين هذا المعسكر وذاك في الكيد للإسلام، والحقد عليه، والحرب الدائبة التي لا تفتر على امتداد الزمان!
وهذا ما ينبغي أن يعيه الواعون اليوم وغداً، فلا ينساقوا وراء حركات التميّع الخادعة أو المخدوعة .. دون متابعة لتقريرات القرآن الكريم عامة، ودون متابعة للواقع التاريخي الذي يصدّق هذا كله .. ثم تتخذ من ذلك وسيلةً لتخدير مشاعر المسلمين تجاه المعسكرات التي تضمر لهم الحقد وتبيت لهم الكيد، الأمر الذي تبذل فيه هذه المعسكرات جهدها، وهي بصدد الضربة الموجهة إلى جذور العقيدة!
إن هذه المعسكرات لا تخشى شيئاً أكثر مما تخشى الوعي في قلوب العصبة المؤمنة، مهما قلّ عددها وعدّتها، فالذين ينيمون هذا الوعي هم أعدى أعداء هذه العقيدة، وقد يكون بعضهم من الفرائس المخدوعة، ولكن ضررهم لا يقلّ -حينئذ- عن ضرر أعدى الأعداء، بل إنه ليكون أشدّ ضرراً!
11 - معركة عقيدة:
وعلينا أن ندرك أنها معركة عقيدة .. وقد استطاع اليهود ومن يشايعهم من النصارى ومن على شاكلتهم أن يقيموا لهم دولة، يساعدهم هؤلاء وأولئك بالأموال والأسلحة .. ! وهذا واقع أليم، استغله اليهود .. ومن ثم سجَّلت حرب 1967 ما سجَّلت مما يندى له الجبين، وقد كنت آنذاك وراء القضبان، في ليمان أبي زعبل، وليمان مزرعة طره!!
وكان في مقدمة هذه الحرب -كما تناقلت وسائل الإعلام- بعض أحبارهم يقودون الدبابات التي قدمها لهم هؤلاء وأولئك، بينما أسقط المسلمون من حسابهم العامل الديني، والرباط الروحي، ووقفوا من المعركة موقف الشعارات القوميّة .. وكانت الهزيمة التي عاش المسلمون أحداثها المريرة!
ومعلوم أن الأحزاب والحركات العربيّة العلمانيّة الملحدة قد أخفقت في جميع أعمالها؛ لأنها كانت منذ نشأتها -ولا تزال- تعمل بمعزل عن الشعوب المؤمنة!
كما أنها عجزت عن إدراك الاختلاف الكبير بين الدّين القيّم الذي هو دين ودنيا، وعقيدة وجهاد، بين الكهانة التي أرغمت حكومات غير المسلمين على اعتناق العلمانيّة!
هذا جانب، وجانب آخر مهم، وهو أنها تعرف تاريخ الإِسلام، وأنه دين ودولة، ولكنها تحاربه بتلك الشعارات البرّاقة والمبادئ الهدّامة!
وعلينا أن نعود عوداً حميداً إلى فقه السيرة النبوية، ونربط الحاضر بالماضي، ونرى معالم قضيّتنا مع أحفاد القردة والخنازير واضحة، يصوّرها الكتاب
والسنة، وأنها ليست مجرّد صراع كما يدعيه الغافلون، ويسميه العابثون، بل معارك خاصة بهم في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ينطق بذلك القرآن الكريم، كما ينطق الواقع التاريخي، في القديم والحديث سواء!
- ونرى اليهود في العصر الحاضر قد تجمّعوا في الأرض المقدّسة!
- وهذا التجمع قد أفادنا، حيث تجمّعوا تحت راية عقيدتهم، وإن كانت قد أصابها التزييف والتحريف والتخريف!
- وهذا يتطلب مواجهتهم تحت راية الدّين القيّم!
- وأفادنا، حيث تملّكوا أسباب القوّة والبطش، كما يشهد الواقع الأليم!
- وهذا يتطلب ضرورة الأخذ بكل الأسباب الممكنة، والأمة الإِسلاميّة تملك القدرة على ذلك!
- وأفادنا، حيث رأيناهم قد تجمّعوا من كل أنحاء الدنيا، ليتحقق فيهم إذن الأبد الذي تحققّ منذ ظهوره، فبعث الله عليهم في فترات من الزمان من يسومهم سوء العذاب، قال تعالى:{وَإِذْ تَأَذنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَن عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ من يَسُومهُمْ سوءَ الْعَذَابِ} (الأعراف)!
وهنا تتحقق فيهم النبوءة الصادقة (1) في قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تقوم الساعة، حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراء اليهودي: يا مسلم! هذا يهوديٌّ ورائي فاقتله".
وفي رواية لمسلم عنه صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة
(1) انظر كتابنا: الرسول صلى الله عليه وسلم واليهود وجهاً لوجه: 4: 2871 وما بعدها.
حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهوديّ من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهوديّ خلفي فتعالى فاقتله، إِلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود" (1). واليهود يعرفون هذا، ومن ثم فهم يزرعون حول ما يقيمون من مستوطنات شجر الغرقد، ولكن الوحي يذكر بأن النصر حق!
وفي رواية عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "تقاتلكم اليهود، فَتُسَلَّطون عليهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم! هذا يهوديّ ورائي فاقتله"(2).
{وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللهِ} (الروم)!
12 - إسلام عمر الفاروق:
هذا، وكان عُمر بن الخطاب من ألدّ خصوم الإِسلام، وكان معروفاً بحدّة الطبع، وقوّة الشكيمة، وكثيراً ما لقي بعض المسلمين منه صنوفاً من الأذى والتنكيل (3)!
(1) البخاري: 56 - الجهاد (2926)، ومسلم (2922)، وأحمد: 2: 53، والطبراني: مسند الشاميين: 4: 227 (3236).
(2)
البخاري: 61 - المناقب (3593)، وانظر (2925)، ومسلم (2921)، وعبد الرزاق (20837)، وأحمد: 2: 121 - 122، 131، 135، 149، والترمذي (2236)، وأبو يعلى (5523)، والبغوي (4246)، والطبراني: الأوسط (9161)، والآجري: الشريعة: 381، والبيهقي: 9: 175، وابن حبان (6806).
(3)
انظر: السيرة النبويّة في ضوء المصادر الأصلية: 212 وما بعدها، وأحمد: فضائل الصحابة: 1: 278.
وحسبنا أن نذكر ما رواه البخاري عن قيس، قال: سمعت سعيد بن زيد ابن عمرو بن نفَيل في مسجد الكوفة يقول: والله! لقد رأيتني مُوثِقي، وإِنّ عمر لَمُوثقي على الإِسلام قبل أن يُسلم عُمر .. !
وفي رواية: يقول للقوم: لو رأيتُني موثِقي عمر على الإِسلام، أنا وأخته، وما أسلم .. (1)!
قال ابن حجر: والمعنى رأيت نفسي وإن عمر لموثقي على الإِسلام، أي ربطه بسبب إسلامه، إهانةً له، وإلزاماً بالرجوع عن الإِسلام (2)!
ويطول بنا الحديث في ذكر ذلك!
واختلف في قصة وتاريخ إسلامه!
قال ابن إسحاق: كان إسلام عمر فيما بلغني (3) أن أخته فاطمة بنت الخطّاب، وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت قد أسلمت، وأسلم بعلها سعيد بن زيد، وهما مستخفيان بإسلامهما من عمر!
وكان نُعيم بن عبد الله النحّام، رجل من قومه، من بني عديّ بن كعب قد أسلم، وكان أيضاً يستخفي بإسلامه، فَرَقاً من قومه!
وكان خبّاب بن الأرَت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب، يقرئها القرآن!
فخرج عُمر يوماً، متوشّحاً سيفه، يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورهطاً من أصحابه، قد ذُكروا له، أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا، وهم قريبٌ من أربعين، ما بين رجال ونساء!
(1) البخاري: 63 مناقب الأنصار (3862)، وانظر (3867، 6942).
(2)
فتح الباري: 7: 176.
(3)
ابن هشام: 1: 423 وما بعدها.
ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمّه حمزة بن عبد المطلب، وأبو بكر بن أبي قُحافة الصّدِّيق، وعليّ بن أبي طالب، في رجال من المسلمين رضي الله عنهم ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نُعيم بن عبد الله، فقال له:
أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمداً هذا الصّابئ، الذي فرّق أمر قريش، وسفّه أحلامها، وعاب دينها، وسبّ آلهتها، فأقتُله!
فقال له نُعيم: والله! لقد غَرّتك نفسُك يا عُمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض، وقد قتلت محمداً!
أفلا ترجع إلى أهل بيتك، فتُقيم أمرهم! قال: وأيّ أهل بيتي؟ قال: خَتَنُك وابن عمّك سعيد بن زيد، وأختُك فاطمةُ بنت الخطاب، فقد والله! أسلما، وتابعا محمداً على دينه، فعليك بهما! قال: فرجع عمر عامداً إلى أخته وختنه، وعندهما خبّاب بن الأرت، معه صحيفة، فيها {طهَ} يقرئهما إيّاها، فلمَّا سمعوا حسّ عُمر، تغيّب خبّاب في مَخْدَعٍ لهم، أو في بعض البيت، وأخذت فاطمةُ بنتُ الخطاب الصحيفة، فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دَنَا إلى البيت قراءة خبّاب عليهما، فلمَّا دخل قال: ما هذه الهيْنمة التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئاً، قال: بلى والله! لقد أُخْبرت أنكما تابعتما محمداً على دينه، وبطش بخَتَنِه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب، لتكُفّه عن زوجَها، فضربها فشجَّها، فلمَّا فعل ذلك قالت له أخته وختَنه: نَعم، قد أسلمنا، وآمنَّا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك!
فلمَّا رأى عمر ما بأخته من الدّم، نَدم على ما صنع، فارْعَوى (1)، وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعْتكم تقرؤون آنفاً، أنظر ما هذا الذي جاء به محمَّد، وكان عمر كاتباً، فلمّا قال ذلك، قالت له أخته: إنا نخشاك عليها، قال: لا تخافي، وحلف لها بآلهته ليَرُدَّنَّها إليها، فلمَّا قال ذلك طمعت في إسلامه، فقالت له:
يا أخي إنك نجسٌ، على شركك، وإنه لا يمسّها إلا الطاهر، فقام عمر فاغتسل، فأعطته الصحيفة، وفيها {طهَ} فقرأها، فلما قرأ منها صدراً قال:
ما أحسن هذا الكلام وأكرمه!
فلمَّا سمع ذلك خبّاب خرج إليه، فقال له:
يا عُمر، والله! إني لأرجو أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيّه، فإني سمعته أمس، وهو يقول:
"اللهم! أيّد الإِسلام بأبي الحكَم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب"(2)!
فالله الله! يا عمر!
فقال له عند ذلك عمر: فدُلَّني يا خبّاب على محمَّد، حتى آتيه فأُسلم، فقال له خبّاب: هو في بيت عن الصّفا، معه فيه نفرٌ من أصحابه!
(1) أي رجع، يقال: ارعويت عن الشيء، إذا رجعتُ عنه وازدجرت.
(2)
الحديث رواه ابن إسحاق بلاغاً، والترمذي (3681) عن نافع عن ابن عُمر، وزاد: وكان أحبّهما إليه عمر، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، من حديث ابن عمر، وابن سعد: 3: 267، وأحمد: 2: 95، وفضائل الصحابة (312)، وعبد بن حميد (759)، والحاكم: 3: 83، والبيهقي:"الدلائل": 2: 215216، وابن حبان (6881).
فأخذ عمر سيفه فتوشّحه، ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فضرب عليهم الباب، فلمَّا سمعوا صوتَه، قام رجلٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فَزع، فقال: يا رسول الله! هذا عمر بن الخطاب متوشّحاً السيف، فقال حمزة ابن عبد المطلب: فأذن له، فإن كان يريد خيراً بذلناه له، وإن كان جاء يريد شراً قتلناه بسيفه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ائْذن له"!
فأذن له الرجل، ونهض إليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، حتى لقيه في الحجرة، فأخذ حجرته، أو بمجمع ردائه، ثم جبذه به جبذةً شديدةً، وقال:"ما جاء بك يا ابن الخطاب؟ فوالله! ما أرى أن تنتهي، حتى يُنزل الله بك قارعةً"!
قال عمر: يا رسول الله! جئتك لأُومن بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله!
قال: فكبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرةً، عَرَف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر قد أسلم!
فتفرّق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانهم، وقد عَزُّوا في أنفسهم، حين أسلم عمر، مع إِسلام حمزة، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينتصفون بهما من عدوهم!
فهذا حديث الرواة من أهل المدينة، عن إِسلام عمر بن الخطاب، حين أسلم (1)!
وذكر ابن إسحاق أن عمر رضي الله عنه كان يقول:
كنت للإسلام مباعداً، وكنت صاحب خَمر في الجاهليّة، أحبّها،
(1) ابن هشام: 1: 423427.
وأسرّ بها، وكان لنا مجلس، يجتمع فيه رجال من قريش بالحزْورة، عند دُور آل عمر بن عبد بن عمران المخزومي، قال: فخرجت ليلةً أريد جلسائي أولئك في مجلسهم ذلك، قال: فجئتهم فلم أجد منهم أحداً، قال: فقلت: لو أني جئت فلانا الخمّار، وكان بمكّة يبيع الخمر، لعلي أجد عنده خمراً فأشرب منها، قال: فخرجت فجئته فلم أجده، قال: فقلت: لو أنّي جئت الكعبة، فطفت بها سبعا أو سبعين، قال: فجئت المسجد، أريد أن أطوف بالكعبة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، وكان إذا صلّي استقبل الشام، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، وكان مصلاّه بين الركنين: الركن الأسود، والركن اليماني، قال: فقلت: حين رأيته، والله!
لو أنّي استمعت لمحمد الليلة، حتى أسمع ما يقول! قال: فقلت: لئن دنوت منه أستمع منه لأروّعنّه، فجئت من قبَل الحجْر، فدخلت تحت ثيابها، فجعلت أمشي رويداً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يُصلَّي، يقرأ القرآن، حتى قمتُ في قبلته مستقبله، ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة، قال: فلمَّا سمعت القرآن رقّ له قلبي، فبكيت ودخَلَني الإِسلام، فلم أزل قائماً في مكاني ذلك، حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، ثم انصرف، وكان إذا انصرف خرج على دار ابن حُسيْن، وكانت طريقه، حتى يَجْزع المسعى (1)، ثم يسلك بين دار عبّاس ابن المطلّب، وبين دار بن أزْهر ابن عبد عوف الزهري، ثم عدى دار الأخنس ابن شَريق، حتى يدخل بيته، وكان مسكنه صلى الله عليه وسلم في الدار الرَّقْطاء (2)، التي كانت بيديْ معاوية بن أبي سفيان!
(1) أي يقطعه.
(2)
أصل الرقطاء: التي فيها ألوان، وكذلك الأرقط.
قال عمر رضي الله عنه: فتبعْتُه حتى إذا دخل بين دار عبّاس، ودار ابن أزْهر، أدركته، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حسّي عرفني، فظنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّي إنّما تبعتُه لأوذيه فَنَهَمَني (1)، ثم قال:
"ما جاء بك يا ابن الخطاب هذه الساعة؟ "
قال: قلت (جئت) لأومن بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله!
قال: فحمدَ اللهَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال:"قد هداك الله يا عمر". ثم مسح صدري، ودعا لي بالثبات، ثم انصرفت عن رسول الله، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته!
قال ابن إسحاق: والله أعلم أي ذلك كان (2)!
وقال: وحدثني نافع مولى عبد الله بن عُمر عن ابن عمر، قال: لما أسلم أبي عُمر قال: أيّ قريش أنقلُ للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجُمحي! قال: فغدا عليه! قال عبد الله بن عمر: فغدوت أتبع أثره، وأنظر ما يفعل، وأنا غلام أعقل كل ما رأيت، حتى جاءه فقال له: أعلمْتَ يا جميل أنّي قد أسلمت ودخلت في دين محمَّد؟ قال: فوالله! ما راجعه، حتى قام يجرّ رداءه، واتّبعه عمر، واتبعت أبي، حتى إِذا قام على باب المسجد، صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، وهم في أنديتهم حول المسجد، أَلا إِن عُمر بن الخطّاب قد صبا! قال: ويقول عمر مِنْ خلفه: كذبَ، ولكنّي قد أسلمت، وشهدت أن لا إِله إِلا الله، وأن محمدًا عبده
(1) معناه زجرني.
(2)
ابن هشام: 1: 427، 428.
ورسوله! وثارُوا إِليه، فما برَح يُقاتلهم ويقاتلونه، حتى قامت الشمس على رؤوسهم! قال: وطَلحَ (1)، فقعد، فقاموا على رأسه، وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله! أن لو قد كنا ثلاثمائة رجل، لقد تركناها لكم، أو تركَتموها لنا! قال: فبينا هم على ذلك، إِذ أقبل شيخ من قريش، عليه حلَّة حِبْرة (2)، وقميص موسى، حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صَبَا عمر، فقال: فَمَه، رجلٌ اختار لنفسه أمْرًا، فماذا تريدون؟ أتَرْون بني عديّ بن كعب، يُسلمون لكم صاحِبَهُم هكذا! خَلُّوا عن الرجل (3)! قال: فوالله! لكأنما كانوا ثوباً كُشِط عنه! قال: فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبت، مَن الرجل: الذي زجَر القوم عنك بمكّة يوم أسْلمت، وهم يقاتلونك؟ فقال: ذاك، أيْ بُني، العاص بن وائل السَّهمي (4)! قال ابن هشام: وحدّثني بعض أهل العلم أنه قال: يا أبت، من الرجل الذي زَجَر القوم عنك بمكّة يوم أسلمت، وهم يقاتلونك، جزاه الله خيراً؟ قال: يا بنيّ، ذاك العاص بن وائل، لا جزاه الله خيراً!
قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الرحمن بن الحارث عن بعض آل عمر، أو بعض أهله، قال:
(1) معناه أعيا، والبعير الطليح هو المعيي.
(2)
الحبرة ضرب من برود اليمن.
(3)
لفظَه هكذا هنا اسم سمّي به الفعل، ومعناه لا يحتاج معها إنى زيادة، وظاهر: معناه عادتهم.
(4)
ابن هشام: 1: 429 - 430، وسنده صحيح، وابن حبان من طريق ابن إسحاق: موارد الظمآن: 535، وأبو نعيم: الحلية: 1: 41 وفي سنده أسامة بن زيد بن أسلم، ضعيف: انظر: الميزان: 1: 174، والبزار: كشف الأستار: 3: 171، 172، وقال الهيثمي: "المجمع: 9: 65 وفيه النضر أبو عمرو متروك.
قال عمر: لمَّا أسلمت تلك الليلة، تذكّرت أيّ أهل مكّة أشدّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عداوةً، حتى آتيه فأخبره أنّي قد أسلمت. قال: قلت: أبو جهل وكان عمر لحَنْتَمَةَ بنت هشام بن المغيرة، قال: فأقبلت حين أصحبتُ حتى ضربتُ عليه بابه، قال: فخرج إليّ أبو جهل، فقال: مرحباً وأهلاً يا ابن أختي، ما جاء بك؟
قال: جئت لأخبرك أنّي قد آمنت بالله وبرسوله محمَّد، وصدّقت بما جاء به!
قال: فضرب الباب في وجهي، وقال: قبّحك الله، وقبّح ما جئتَ به (1)!
وجعل ابن إسحاق إسلام عمر بعد هجرة الحبشة .. ومن وجه آخر عقب هجرة الحبشة الأولى (2)!
وفي رواية للبخاري قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
لمَّا أسلم عمر، اجتمع الناس عند داره، وقالوا: صبأ وأنا غلام فوق ظهر بيتي فجاء رجل عليه قَباء من ديباج، فقال: قد صبأ عمر، فما ذاك؟ فأنا له جار، قال: فرأيت الناس تصدّعوا عنه، فقلت: مَن هذا؟ قالوا: العاص ابن وائل (3)!
قال ابن حجر: قوله (وأنا غلام) في رواية أخرى أنه (كان ابن خمس سنين)، وإذا كان كذلك خرج منه أن إسلام عمر كان بعد المبعث بست سنين أو
(1) ابن هشام: 1: 430.
(2)
انظر: فتح الباري: 7: 182.
(3)
63 مناقب الأنصار (3865)، وانظر (3864).
بسبع؛ لأن ابن عمر .. كان يوم أحد ابن أربع عشر سنة، وذلك بعد المبعث بست عشرة سنة، فيكون مولده بعد المبعث بسنتين (1)!
وهنا نذكر ما رواه الترمذي وغيره، بسند حسن عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (2):"اللهم! أعزَّ الإِسلام بأحبَّ هذين الرجلين إِليك، بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب" قال:
وكان أحبَّهما إِليه عمر!
ويروي أحمد وغيره عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: فَضَلَ الناسَ عُمر بن الخطاب رضي الله عنه بأربع: بذكر الأسرى يوم بدر، أَمَرَ بقتْلهم، فأنزل الله عز وجل:{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68)} (الأنفال)! وبذكره الحجاب، أمرَ نساء النبي صلى الله عليه وسلم أن يَحْتَجبن، فقالت له زينب: وإِنك علينا يا ابن الخطاب، والوحي ينزل علينا في بيوتنا، فأنزل الله عز وجل:{وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} (الأحزاب: 53)! وبدعوة النبي صلى الله عليه وسلم له: "اللهم! أيّد الإِسلام بعُمر"! وبرأيه في أبي بكر، كان أول الناس بايعه (3)!
(1) فتح الباري: 7: 178.
(2)
الترمذي (3681)، وابن سعد: 3: 267، وأحمد: 2: 95، وفضائل الصحابة (312)، وعبد بن حميد (759)، والحاكم: 3: 83، والبيهقي:"الدلائل": 2: 215، 216، وابن حبان (6881)، وانظر: ابن هشام: 1: 452، 426، والمجمع: 9: 61، 62.
(3)
أحمد: 1: 456 وسنده حسن لغيره، وانظر: فضائل الصحابة (338، 339)، والبزار (2505) زوائد، والشاشي (555)، والطيالسي (250)، والدولابي: الكنى: 2: 142، والطبراني (8828)، والمجمع: 9: 67.
وأصبح عمر الفاروق رضي الله عنه رجل الإِسلام (1)، وبطل الدعوة الإِسلاميّة التي ستقوّض بنيان الجاهليّة، وتقضي قضاءً مبرماً على الوثنية في شتّى أشكالها، وتزيل الشرك على اختلاف ألوانه، وتهدم دعائم المجد الماديّ الزائف، وتبخع الطغيان الظلوم، وتبني الحياة من جديد على أسس من العدل والحق والمواساة، بنياناً يجعل من الإنسانيّة كلها في إخائها وتعاطفها وتوادّها وتعاونها على البرّ والتقوى جسداً واحداً، تتقمصه روح واحدة، هي روح البرّ والرحمة!
وصار عُمر الفاروق الرجل الثاني في جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم!
فإذا كان أبو بكر الصدّيق صلى الله عليه وسلم هو الرجل الأوّل في إعادته رَسَن الإِسلام إلى غربه، وفي توطيد أركان الدعوة بعد أن تزلزلت الحياة الإِسلاميّة بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما أعقب ذلك من محاولة تفكّك عروة المجتمع الإسلامي وانفراط عصامه، بموقفه يومئذ من الخلافة والردّة موقفاً انفرد به في تاريخ الإِسلام، حزماً وعزماً، وقوة تدبير، وشجاعة قلب، واستقامة رأي، وعلوّ حجّة، وسرعة حركة في التوجيه، وإحكام ضربات حاسمة، ردّت العقول الثائرة إلى مرابضها، والعقول الفاترة إلى ثورتها، وسلطان الإِسلام إلى أفقه، ووحدة المسلمين إلى منهجها في السير برسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم إلى غايتها وأهدافها في فتح القلوب، وإيقاظ العقول!
فإن عُمر الفاروق رضي الله عنه هو الرجل الأوّل في إقامة دعائم الإِسلام، نظاماً وحكماً، لم تعرف الدنيا له مِثْلاً في العدل، وإقامة الحق، واستقامة السلوك، وتطبيق أحكام الإِسلام، على الأفراد، مهما كان شأنهم، وعلى الجماعات، مهما عظم خطرها، وفي تحقيق الأسوة المرئيّة للناس بأبصارهم في نفسه
(1) محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 1: 666 وما بعدها بتصرف.
وولده وسائر أهل بيته وقرابته أوّلاً، وعامة المسلمين ثانياً في سواء من أمرهم، لا يتميّز منهم أحد على أحد في الحق فيه، أو إعطائه له!
وعمر الفاروق رضي الله عنه أصبح بإسلامه عبقريّ الدنيا بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه البخاري عن عبد الله بن عمر من حديث طويل: "فلم أَر عبقَريًّا يَفْري فِريَّه"(1)!
فأي شيء يكون الإعجاز في صنع النفوس، وخَلْقها خلقاً جديداً، وإبداعها إبداعاً سويًّا، تتسامى به في تفكيرها وعملها وقوّة إيمانها، إذا لم يكن هذا الذي كان لعُمر الفاروق بإسلامه إعجازاً؟!
فإذا قلنا إن إسلام عمر كان نفحةً من نفحات الإعجاز في صنع النفوس الإنسانيّة في رسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم، لم يكن القصد إلى شيء من أساليب المجاز والرمز، ولا إلى شيء من المبالغة التعبيريّة، ونصاعة البيان، في تصوير ما صار إليه عمر الفاروق بإسلامه بعد جاهليّته من عظمة شخصيّة، وعبقريّة فكريّة، وألمعيّة عمليّة، لتضفي على هذا الحدث الخطير في تاريخ الحياة من الألوان ضرباً من الخيال الفضفاض، ولكن القصد إلى حقيقة الإعجاز الإنساني التي تميّزت به هذه الرسالة الخالدة، في صنع النفوس، وتربية الرجال، في مدارس آياتها، ومعاهد آدابها، وهي بطبيعتها الإنسانيّة ومصدرها الإلهيّ في غُنْيَة عن التحدّي بالمعجزات الماديّة التي تُكْره العقول على الإيمان بها؛ لأنها رسالة الإنسان جاء ته لتكشف له الحجب عن حقيقته، حتى يعرف نفسه ومكانه في الحياة، فهي رسالة تخاطب العقل والروح والقلب، وتحرّك الوجدان، وتثير العواطف والشعور والإحساس!
(1) البخاري: 62 فضائل الصحابة (3682).
هي رسالة الإنسان ليعرف الكون كله .. أُنزلت لتطلب إلى العقل الإنسانيّ في إغراء واعد .. وتطلب إلى كل إدراك شعوري أن يعمل بكل ما أوتي من وسائل، وقوّة علم، ومعرفة ونظر وتفكير، وتجاوب عملية، على استكشاف عناصر الكون الطبيعيّة، وأسراره الروحيّة، إظهاراً لآيات الله، في كل ذرة من ذرّات الحياة فيه، ليهتدي بها الإنسان إلى معرفة خالق الكون، ومدبّر نظامه. معرفة برهانية، لا تعتمد على أوهام وأباطيل، ولكنها تعتمد على منطق الحق الذي تتضافر على الإيمان به قُوى الإدراك في الإنسان، فيخالط بردُ يقينها جذوة الإدراك العقلي في أوْج ذروتها!
كما يهتدي إلى معرفة مكانه من الحياة في هذا الكون العريض العميق، معرفة تقوده إلى أن يقرأ كتاب الكون، مستغرقاً في التأمّل، ليتبّين آيات الله تعالى في خلقه، وتدبيره، ليُخْلِص الإنسان التعبّد لله وحده!
ويهتدي كذلك إلى معرفة طرائق الإفادة من العناصر الطبيعيّة في هذا الكون، ووضعها موضع العمل التجريبي، بجميع ما يكون في استطاعته من أسباب توصله إلى الحصول على أكبر قسط من هذه الإفادة!
والإعجاز في إسلام عمر الفاروق رضي الله عنه، هو الإعجاز الذي يحيي القلوب بعد موتها، فيبعثها من مرقدها حيّةً مؤمنةً بعد كُفر، عالمةً بعد جهالة، مهتديةً بهد ضلالة، عاملة ناهضة!
كذلك كان الإعجاز في إسلام عمر الفاروق رضي الله عنه، هو الإعجاز الذي أحيا قلبه بعد موته في جاهليّته، فبعثه من مرقده في حمأة الوثنية، مؤمناً بالله وحده، عالماً بجلاله، مهتدياً بهديه، عاملاً نهّاضاً في سبيل عقيدته!
وهو الإعجاز الذي يوقظ العقول الغطيطة في مهاد الضلال، لتدرك حقيقة
الحياة على ضوء ما يسوق لها الإيمان بالله تعالى، من إشراق ينير لها طريق السير في دروب الحياة، وكذلك صنع إسلام عمر بعقل عمر، فأيقظه من غفلته، وأراه الحياة كما يراها الإسلام في هديه ورسالته!
وهو الإعجاز الذي يُحيل في لحظة من لحظات الزمن النفوس الجاحدة العاتية إلى نفوس مؤمنة وادعة، تأخذ من الحياة لتعطي، وتعطي لتفيد، وتتحرك لتعلَم، وتعلم لتعمل، وكذلك صنع إسلام عُمر بنفس عمر، فقد أحالها من جحود عات، وعتوّ جاحد، إلى نفس مشرقة الإيمان، عظيمة الإخلاص، أعطت أكثر مما أخذت، وأفادت أكثر مما استفادت، وتحرّكت فعلمت وعلّمت فعملت، فكان في الإِسلام أسوة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وكانت مفخرة المفاخر في تربية الإسلام!
وهو الإعجاز الذي يبدّل في لحظة من لحظات الزمن القسوة الباغية في النفوس الطاغية، رحمةً حانيةً، ورقّةً عاطفةً!
وكذلك صنع إسلام عُمر بشخصيّة عمر، فقد بدّل قسوته وبغيه على أهل الحق والإيمان من المسلمين المستضعفين، رحمةً ورأفةً وإشفاقاً، وفي تاريخ عمر في الإِسلام من الشواهد على ذلك ما لا يُحصى عداً، وما لا يعرف لغيره من الرجال الذين أوتوا من السلطان والحكم ما أوتي عُمر الفاروق في الإسلام!
وهو الإعجاز الذي يجعل من الصلف المغرور، والغرُور المفتُون عزّةً وكرامةً، وكذلك صنع إسلام عمر في طبيعة عمر، فجعل منه قائداً يسوس الأمّة بالعزّة والكرامة، ويحبّ أن يرى فيها الشموخ والعزّة!
وهو الإعجاز الذي يجعل من إنسان وُلد ونَهد، وشبّ في جاهلية حمقاء، وبيئة شرّيرة عمياء، وحياة ضالّة جهلاء، إماماً للإنسانيّة، يهتدي
لها، ويهديها، ويقودها إلى أكمل مراتب الكمال في حياتها، وينهض بها إذ يرفع أمرها إلى أرقى درجات التحضّر الكريم، يسوسها بعدله وحكمته، ويأسو جراحها برحمته، ويحمل عنها عبء مسؤوليّتها بأرفع وأجلّ ما حمل عبقريّ مسؤوليّة أمّة في حياتها!
إنه الإعجاز الذي جعل من أمّة الإِسلام أمّة محسودة؛ لأن العناية الإلهيّة وهبت لها عمر الفاروق، ثاني الراشدين، ليقودها وهي في مطلع حياتها، تتحسّس مواضع أقدامها، فكانت بعدله وسياسته وحكمته وقيادته خير أمة أخرجت للحياة في جميع مظاهر الإصلاح!
بهذا كله وأعظم منه قدراً، وأكثر عدداً، جاءت رسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم، فكانت خاتمة الرسالات!
وبهذا كله، وأرفع منه وزناً، وأجلّ منه مرتبةً، وأفضل معنى في مراتب الفكر والنظر، وفي مجالات أنظمة الحياة، أُنزل القرآن العظيم على خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم، فكان المعجزة الخالدة، والآيات البيّنة، بمعانيه الإنسانيّة، وتشريعاته التعبديّة، وسماحته العقديّة، ونظمه الاجتماعيّة، وهدايته التربويّة، وآدابه الخلقيّة، وروعة أساليبه البيانيّة، وبراعة تحليله للنفوس البشريّة، وكشف دخائلها، وشفائها من أسقامها!
لقد جمع الله تعالى لعمر الفاروق رضي الله عنه كل هذه الحقائق والمعاني، وصوّر له كمالاتها في لحظة من الزمن، انفجر منها في داخل بصيرته نور أضاء له ملكوت السموات والأرض، فقرأ من كتاب الكون أصول هدايته كما أسلفنا فآمن بالله ربًّا، وبالإِسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولاً!
يروي البخاري عن عبد الله بن مسعود صلى الله عليه وسلم قال: ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر (1)!
قال ابن حجر: أي لما فيه من الجلد والقوّة في أمر الله!
وروى ابن أبي شيبة والطبراني من طريق القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله بن مسعود: كان إِسلام عمر عزاً، وهجرته نصراً، وإِمارته رحمةً، والله! ما استطعنا أن نصلّي حول البيت ظاهرين، حتى أسلم عُمر (2)!
إلْه عُمر الفاروق شهيد المحراب رضي الله عنه!
يروي البخاري عن أبي مُليْكة أنه سمع ابن عباس يقول: وُضع عمر على سريره، فَتَكنَّفَهُ الناس، يَدْعون ويُصلّون قبل أن يُرفع وأنا فيهم فلم يَرُعْنِي إِلا رجلٌ آخذٌ مَنْكبي، فإِذا هو عليٌّ بن أبي طالب، فترحّم على عمر وقال: ما خَلَّفْتَ أحداً أحب إِليَّ أن ألقى الله بمثل عمله منك! وايمُ الله! إِن كنتُ لأظُنُّ أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبْت أنّي كثيراً أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"ذهبْتُ أنا وأبو بكر وعُمر، ودخلْتُ أنا وأبو بكر وعمر، وخرجْتُ أنا وأبو بكر وعمر"(3)!
(1) البخاري: 62 فضائل الصحابة (3684)، وانظر (3863).
(2)
فتح الباري: 7: 48، وانظر: ابن هاشم: 1: 422، وابن سعد: 3: 270، والطبراني: الكبير: 9: 178، 179 ورجاله رجال الصحيح، إلا أن القاسم لم يدرك جده ابن مسعود: انظر: المجمع: 9: 62، 63.
(3)
البخاري: 62 فضائل الصحابة (3685)، وانظر (3677).
13 - عزيمة النبوّة:
ومضَى الرسول صلى الله عليه وسلم قُدماً معلناً عن دعوته بكل ما يملك من وسيلة يعرفها الإعلان والجهر في مجتمعه وبيئته وبلده وقومه (1) .. يناديهم وجه النهار من فوق الجبال -كما أسلفنا-: "إِنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد"!
وقد كان للرسول صلى الله عليه وسلم في حدب عمه عليه، وقيامه معه، ودفاعه عنه، وحمايته له، ومنعته أن يؤذى عزاء وقوة!
وهنا نبصر عزيمة النبوّة تأبى إلا أن تقول لحياة الظلام: لا .. ولابدّ لهذا الظلام أن يتبدّد، وأن يملأ نورُ الله آفاق الحياة، فيضيء السهل والجبل، ويغمر الأودية والشواهق، ويدخل البيوت، وشري في الطرقات، ويتولّج في حنايا النفوس، وزوايا الضمائر، ويدلف إلى القلوب والعقول، ويوقظ الحياة من سباتها، ويصبح الكون كما أراده الله مسخّراً للإنسان يستخرج آياته، ويكشف أغطية الجهل وظلمات الوثنيّات عن أسراره!
ويعرف الإنسان حقيقة دوره في هذه الحياة، ويعرف ربّه حق معرفته، ويكفر بالطاغوت، ويؤمن بالحق والعدل، ليصحّح وجوده ووجود الحياة كلها، لتخوض بحار العلم والمعرفة، وتسيح في محيطاتها، وتطير في أجوازها بأجنحة من فيض الله وأمره!
هذا الإيمان الذي نبصره في عزيمة النبوّة، قد امتزج بروح محمَّد صلى الله عليه وسلم ومشاعره وإحساساته، لم تعرف الحياة له نظيراً في قوّته وسطوته، وعلوّ جهرته!
(1) محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 169 وما بعدها بتصرف.
هذا الإيمان هو الذي دفع أبا طالب إلى أن يقول -كما سبق لهؤلاء: والله!
ما كذبنا ابن أخي، فارجعوا!
ولابد أن الرؤوس الخاوية قد شعرت بالقوّة التي تجدّدت لدعوة محمَّد صلى الله عليه وسلم في تبليغ رسالته .. ولابد أنها شعرت بالخطر يتهدّدها في وثنيّتها وشركها، وفي طغيانها المادّي، وسُحتها وربويّاتها وتجارتها ومضارباتها .. فرجفت بهم الأرض من تحتهم، وهم في مجالسهم وأنديتهم .. ونظر بعضهم إلى بعض بعيون زائغة، تدور نظراتها في سهوم وذهول، كالذي يغشى عليه من الموت .. وتملّكهم الهلع والجزع، واستولى عليهم الرعب، واستحوذ على قلوبهم الجبن ومهانة الضعف، وضراعة الذل الحائر، فلم يفكّروا قطّ في تنفيذ وعيدهم وتهديدهم أبا طالب وابن أخيه، حتى يتفانى الفريقان!
وروى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (1)!
مرض أبو طالب، فجاءت قريش، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، وعند رأس أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه ذاك، وشكوه إِلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي، ما تريد من قومك؟ قال:"يا عمّ، إِنما أريد منهم كلمةً تذل لهم بها العرب، وتؤدّي إِليهم بها جزية العجم، قال: كلمة واحدة"!
قال: ما هي؟ قال: "لا إِله إِلا الله"! قال: فقالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ
(1) الحاكم: 2: 432 وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، ورواه أحمد: 1: 227، 228، 362، والترمذي (3232)، وعبد الرزاق (9924)، وأبو يعلى (2583)، والبيهقي: 9: 188، والواحدي: أسباب النزول: 246، وابن أبي شيبة: 3: 359، والنسائي: الكبرى (11436)، والطبري: 23: 125، 126، والطحاوي: شرح مشكل الآثار (2029)، وابن حبان (6686).
إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} قال: ونزل فيهم: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} !
حتى بلغ: {إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7)} (ص)!
ونبصر الحقيقة الأولى في هذا القرآن ذي الذكر!
{ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1)} !
ويطالعنا الإضراب في التعبير الذي يلفت النظر:
{بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2)} !
فهو يبدأ وكأنه انقطاع عن موضوع القسم (1)؛ لأن المقسم عليه لم يذكر، واكتفى بالمقسم به، ثم أخذ يتحدث بعده عن هؤلاء المشركين، وما هم فيه من استكبار ومن مشاقة!
ولكن هذا الانقطاع عن القضيّة الأولى انقطاع ظاهري، يزيد الاهتمام بالقضيّة التي تليه!
وفي مفتتح السورة قسم يدل على أنه أمر عظيم .. وإلى جانب هذا استكبار المشركين ومشاقّتهم في هذا القرآن ذي الذكر، فهي قضيّة واحدة قبل الإضراب وبعده!
ولكن هذا الالتفات في الأسلوب يوجّه النظر بشدّة إلى المفارقة بين تعظيم الله سبحانه لهذا القرآن واستكبار المشركين عنه ومشاقّتهم به، وهو أمر عظيم!
وعقب على الاستكبار والمشاقّة، بصفحة الهلاك والدمار لمن كان قبلهم، ممن كذبوا مثلهم، واستكبروا استكبارهم، وشاقّوا مشاقّتهم، ومشهدهم وهم
(1) في ظلال القرآن: 5: 3007 وما بعدها بتصرف.
يستغيثون فلا يغاثون، وقد تخلّى عنهم الاستكبار وأدركتهم الذّلة، وتخلّوا عن الشقاق، ولجؤوا إلى الاستعطاف، ولكن بعد ذوات الأوان:{كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3)} !
فلعلهم حين يتملّون هذه الصفحة أن يطامنوا من كبريائهم، وأن يرجعوا عن شقاقهم، وأن يتمثّلوا أنفسهم في موقف أولئك القرون، ينادون ويستغيثون، وفي الوقت أمامهم فسحة، قبل أن ينادوا ويستغيثوا، ولات حين مناص، ولا موضع حينذاك للغوث ولا للخلاص!
يطرق قلوبهم تلك المطرقة، ويوقع عليها هذا الإيقاع، قبل أن يعرض تفصيل تلك العزّة وهذا الشقاق، ثم يفصل الأمر، ويحكي ما هم فيه من عزّة وشقاق!
هذه هي العزة: {أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا} !
وذلك هو الشقاق: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} !
وقصة العجب من أن يكون الرسول بشراً قصة قديمة، مكرورة معتادة، قالها كل قوم من أمثالهم وتعلّلوا بها منذ بدء الرسالات، وتكرّر إرسال الرسل من البشر، وظل هؤلاء وأمثالهم مع هذا يكرّرون الاعتراض!
وأوجب شيء وأقرب شيء إلى الحكمة والمنطق أن يكون المنذر منهم بشراً يدرك كيف يفكّر البشر، وكيف يشعرون، ويحسّ ما يعتلج في نفوسهم، وما يشجر في كيانهم، وما يعانون من نقص وضعف، وما يجدون من ميول ونزعات، وما يستطيعون أو لا يستطيعون من جهد وعمل، وما يعترضهم من عوائق وعقبات، وما يعتريهم من مؤثِّرات واستجابات!
بشراً يعيش بين البشر، وهو منهم، فتكون حياته قدوة لهم، وتكون لهم فيه أسوة، وهم يحسّون أنه واحد منهم، وأن بينه وبينهم شبهاً وصلةً، فهم مطالبون إذن بالمنهج الذي يأخذ به نفسه، ويدعوهم لاتّباعه، وهم قادرون على الأخذ بهذا المنهج، فقد حقّقه أمامهم بشرٌ منهم في واقع حياته!
بشراً منهم، من جيلهم، ومن لسانهم، يعرف مصطلحاتهم وعاداتهم وتقاليدهم وتفصيلات حياتهم، ويعرفون لغته، ويفهمون عنه، ويتفاهمون معه، ويتجاوبون وإيّاه، ومن ثم لا تقوم بينه وبينهم جفوة من اختلاف جنسه، أو اختلاف لغته، أو اختلاف طبيعة حياته، أو تفصيلات حياته!
ولكن أوجب شيء وأقربه إلى أن يكون، هو الذي كان دائماً موضع العجب، ومحطّ الاستنكار، وموضوع التكذيب!
ذلك أنهم كانوا لا يدركون حكمة هذا الاختيار، كما كانوا يجهلون تصوّر طبيعة الرسالة، وبدلًا من أن يروها قيادةً واقعيّة للبشريّة في الطريق إلى الله، كانوا يتصوّرونها خياليّة غامضة محوطةً بالأسرار التي لا يصح أن تكون مفهومة هكذا أو قريبةً!
كانوا يريدونها مُثُلاً خياليّة طائرةً لا تُلمس بالأيدي، ولا تبصر في النور، ولا تدرك في وضوح، ولا تعيش واقعيّة في دنيا الناس!
وعندئذ يستجيبون لها كالأسطورة غامضة، كما كانوا يستجيبون للأساطير التي تؤلف عقائدهم المتهافتة!
ولكن الله أراد للبشريّة وبخاصة في الرسالة الأخيرة أن تعيش بهذه الرسالة عيشةً طبيعيةً واقعيّةً، عيشةً طيبةً ونظيفةً وعاليةً، ولكنها حقيقة في هذه الأرض، لا وهماً ولا خيالاً ولا مثالاً طائراً في سماء الأساطير والأحلام، يعزّ على التحقيق، ويهرب في ضباب الخيالات والأوهام!
{وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4)} !
قالوا كذلك استبعاداً لأن يكون الله قد أوحى إلى رجل منهم!
وقالوه كذلك تنفيراً للعامة من الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم، وتهويشاً على الحق الواضح في رسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم الذي يعرفونه حق المعرفة: إنه ساحرٌ كذّاب!
إنما كان هذا سلاحاً من أسلحة التهويش والتضليل، وحرب الخداع التي يتقنها الكبراء، ويتخذونها لحماية أنفسهم ومراكزهم من خطر الحق الذي يتمثّل في هذه العقيدة، ويزلزل القيم الزائفة، والأوضاع الباطلة التي يستند إليها أولئك الكبراء!
إنها حرب الدعاية ضد الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم؛ لحماية أوضاعهم بين الجماهير في مكّة، ولصدّ القبائل التي كانت تفد إلى مكّة في موسم الحج، عن الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم!
قال ابن إسحاق (1): ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفرٌ من قريش، وكان
(1) ابن هشام: 1: 334 - 336 معلقاً، والطبري موقوفاً على ابن عباس، وقد صرح بالسماع: 14: 157، وأبو نعيم أيضاً عن سعيد بن جبر: الدلائل: 1: 232، وعبد بن حمد، وابن =
ذا سنٍّ فيهم، وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدَم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فاجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذِّب بعضكم بعضاً، ويردّ قوله م بعضُه بعضاً، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقمْ لنا رأياً نقول به، قال: بل أنتم، فقولوا أسمعْ، قالوا: نقول: كاهن، قالَ: والله! ما هو بكاهن، لقد رأينا الكُهّان، فما هو بزَمْزَمة الكاهن ولا سجعه (1)، قالوا: فنقول: مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأَينا الجنون، وعرفناه، فما هو بخَنْقه (2)، ولا تَخَالجُه (3)، ولا وسوسته (4)، قالوا: فنقول: شاعر، قال: ما هو بشَاعر، لقد عرفنا الشعر، كل رجَزه وهَزجه وقريضه ومقبوطه ومبسوطه (5)، فما هو بالشعر، قالوا: فنقول: ساحر، قال: ما هو بساجر، لقد رأينا السُّحّار وسحْرهم، فما هو بنفْثهم ولا عقْدهم (6)، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس، قالَ: والله! إن لقوله لحلاوةً، وإن أصله لعَذْق (7)، وإن فَرْعه لجَنَاه (8)!
= المنذر، وابن أبي حاتم مختصراً: الدر المنثور: 6: 282، والواحدي من غير طريق ابن إسحاق: 295 مختصراً.
(1)
الزمزمة: كلام خفي لا يفهم، والسجع: أن يكون الكلام المنثور نهايات كنهايات الشعر.
(2)
يريد الاختناق الذي يصيب الجنون.
(3)
التخالج: اختلاع الأعضاء وتحركها من غير إرادة.
(4)
الوسوسة: ما يلقيه الشيطان في نفس الإنسان.
(5)
الرجز والهزج والقريض والمقبوض والمبسوط: أنواع من الشعر.
(6)
إشارة إلى ما كان يفعل الساحر من أن يعقد خيطاً ثم ينفث عليه، ومنه قوله تعالى:{وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4)} (الفلق)!
(7)
العَذق: الكثير الشعب والأطراف في الأرض.
(8)
أي فيه تمر يُجنَى.
قال ابن هشام: ويقال لغَدَق وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عُرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر، جاء بقول هو سحر يفرِّق بين المرء وأبيه، وبن المرء وأخيه، وبن المرء زوجته، وبن المرء وعشيرته، فتفرّقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسُبُل الناس (1)، حين قدموا الموسم، لا يمرّ بهم أحدٌ إلا حذّروه إيّاه، وذكروا له أمره، فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة، وفي ذلك من قوله:{ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16)} (المدثر)!
ويروي الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما (2): أن الوليد بن المغيرة جاء إِلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم، إِن قومك يرون أن يجمعوا لك مالاً، قال: لِم؟ قال: ليعطوكه، فإِنك أتيت محمداً لتعرض لما قبله، قال: قد علمتْ قريش أنّي من أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر له، أو أنك كاره له، قال: وماذا أقول؟ فوالله! ما فيكم رجل أعلم بالأشعار منّي، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله! ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا! ووالله! إِن لقوله الذي يقول حلاوة، وإِن عليه لطلاوة، وإِنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإِنه ليعلو وما يُعلى عليه، وإِنه ليحطم ما تحته، قال: لا يرضى عنك قومك، حتى تقول فيه! قال: فدعني أفكّر، فلما فكّر، قال: هذا سحرٌ يأثره عن غيره، فنزلت:{ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} !
(1) أي بطرقهم، واحدها سبيل.
(2)
الحاكم: 2: 506، 507 وقال: صحيح، ووافقه الذهبي.
ذلك كان شأن الملأمن قريش في قولهم (1): ساحر كذّاب، وهم يعلمون أنهم يكذبون فيما يقولون، ويعرفون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن بساحر ولا كذّاب!
وعجبوا كذلك من دعوته إيّاهم إلى عبادة الله الواحد، وهي أصدق كلمة وأحقّها بالاستماع:{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7)}
ويصوّر التعبير القرآني مدى دهشتهم من هذه الحقيقة الفطريّة القريبة: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} !
كأنه الأمر الذي لا يتصوّره متصوّر!
{إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)} !
حتى البناء اللفظي {عُجَابٌ} يوحي بشدّة العجب وضخامته وتضخيمه!
كما يصوّر طريقتهم في مقاومة هذه الحقيقة في نفوس الجماهير، وتثبيتهم على ما هم عليه من عقيدة موروثة متهافتة، وإيهامهم أن وراء الدعوة الجديدة خبيئاً غير ظاهرها، وأنهم هم الكبراء العليمون ببواطن الأمور، المدركون لما وراء هذه الدعوة من خبيء!
(1) في ظلال القرآن: 5: 3009 وما بعدها بتصرف.
فليس هو الدّين، وليست هي العقيدة، إنما هو شيءآخر يراد من وراء هذه الدعوة!
شيء ينبغي أن تدعه الجماهير لأربابه، ولمن يحسنون فهم المخبّآت، وإدراك المناورات!
وتنصرف إلى عادتها الموروثة، وآلهتها المعروفة، ولا تعني نفسها بما وراء المناورة الجديدة!
فهناك أربابها الكفيلون بمقاومتها، فلتطمئن الجماهير، فالكبراء ساهرون على مصالحهم وعقائدهم وآلهتهم!
إنها الطريقة المألوفة المكرورة التي يصرف بها الطغاة البغاة العتاة جماهيرهم عن الاهتمام بالشؤون العامّة، والبحث وراء الحقيقة، وتدبّر ما يواجههم من حقائق خطرة، ذلك أن اشتغال الجماهير بمعرفة الحقائق بأنفسهم خطر على الطغاة، وخطر على الكبراء، وكشف للأباطيل التي يغرقون فيها الجماهير، وهم لا يعيشون إلا بإغراق الجماهير في الأباطيل!
ثم يموّهون على الناس بظواهر العقيدة القريبة منهم، عقيدة أهل الكتاب، بعد ما دخلت إليها الأساطير التي حرفتها عن التوحيد الخالص، فيقولون:{مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ} !
وكانت عقيدة التثليث قد شاعت .. وأسطورة العُزير قد شاعت .. فكبراء قريش كانوا يشيرون إلى هذا وهم يقولون: {إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7)} !
ولقد حرص الإِسلام حرصاً شديداً على تجريد عقيدة التوحيد وتخليصها من كل ما علق بها من الأساطير والأوشاب والانحرافات التي طرأت على
العقائد التي سبقته .. حرص هذا الحرص؛ لأن التوحيد حقيقة أوّليّة كبيرة يقوم عليها هذا الوجود كله، ويشهد بها هذا الوجود شهادة واضحة أكيدة .. ولأن هذا التوحيد في الوقت ذاته قاعدة لا تصلح الحياة البشريّة كلها في أصولها وفروعها إلا إذا قامت عليها!
ونعود إلى مطلع سورة (ص) لنبصر جهالات أحلاس الوثنيّة وعبيد المال (1)، وأنهم بلغوا من بلادة العقل أنهم يقلّدون الملل المنحرفة عن الحق، يتخذونها إماماً في عقيدتهم الإلحادية الشركة ممن حرّفوا كلام الله عن موضعه، وجعلوا للكون آلهة، فلما قيل لهؤلاء الذين يعيشون بعقليّة مستعارة، لا يملكون منها سوّى ترداد ما سممعوا بغير تعقّل قولوا:
"لا إله إلا الله"!
لم تتّسع بلادة عقولهم التقليديّة المستعارة أن يكون إله الخلق إلهاً واحداً، وعجبوا مما قيل لهم تقريراً لوحدانيَّته وتفرده بالإخلاص في التعبّد له، ولهذا قالوا ما قالوا -كما سبق- فأنزل الله تعالى في تسفيه أحلامهم وبيان بلادة عقولهم هذه الآيات، تنعى عليهم ما أهدروه من معالم إنسانيّتهم، وما فضّلهم الله به عن البهائم من نعمة العقل!
هذا، والنبي صلى الله عليه وسلم حين سمع مقالتهم، وأدرك مخادعتهم، وأنهم لا يريدون بما طلبوه سواء ولا نصعة، وإنما يريدون تعويق الدعوة عن سيرها، أراد أن يضع أمام عقولهم صورةً واضحةً لحقيقة رسالته في أسلوب بين موجز أشدّ ما يكون إيجاز الإعجاز؛ لأن هذا هو واقع رسالة محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم!
(1) محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 183 وما بعدها بتصرف.
"لا إله إلا الله"!
إننا نبصر عزيمة النبوّة التي تنزع من عقول هؤلاء حواجز البلادة التي تحجب عنهم ضياء الحق .. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يطلب منهم شيئاً أكثر من أن يخرجهم من ظلمات الجهالة العقليّة .. وضلالات الوثنيّة إلى بؤرة الضياء الفكري، والإشراق الروحي، ومنبع الهداية، فهو صلى الله عليه وسلم لم يدعهم إلا إلى كلمة واحدة، هي رأس الأمر كله في رسالته التي يدعو إليها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يتعرّض في موقفه هذا إلى مآثمهم الخلُقية، ولا إلى مفاسدهم الاجتماعيّة، ولا إلى مظاهر الطغيان وعتوّ الاستبداد حيث يعيشون، ولم يسألهم مالهم وثرواتهم، ولا سألهم شرفاً فيهم، فهم أعلم الناس برفعة شرفه وسموّ حسبه .. وإنما عرض عليهم الدعامة العظمى التي تنبثق منها جميع فضائل رسالته .. لتيسير تقتلها والإيمان بها، والهُدى هُدى الله، فلم يقبلوا ما عرضه عليهم، وانصرفوا وهم أشدّ عداوةً له، ولدداً بخصومته، وأضرى سفاهةً، وأشرى أذى، وأخبث طويّةً!
لقد كانت هذه المرحلة من الدعوة مرحلة العزيمة الماضية القويّة التي لا تتزحزح، والصبر الذي لا ينفد، والكفاح الذي لا يتردّد؛ لأنها مرحلة التأسيس للعقيدة، وبناء صرح الرسالة، وإقامة دعائم الدعوة إلى الهُدى والحق، فلو وهنت عزيمة المبلَّغ شيئاً من الوهن، فمالت إلى المهادنة، وتخلّى الصبر المكافح لحظة عنها، وتخفّفت من النضال نَفَساً واحداً لوجد خصومها مداخل إلى تعويقها عن سيرها وعرقلة مسيرتها!
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم على أتمّ العلم بهذا كله .. وقد أعد نفسه له ولأكثر منه .. ومن وراء هذا العلم علمه صلى الله عليه وسلم بما يملأ قلوب زعماء الوثنيّة من شرور
ومفاسد، بيما تنطوي عليه جوانحهم من الحقد الأسود، والشنآن العظيم، فزاده ذلك صمْداً في قوّة إيمانه برسالته إيماناً تمثّل إعجازه ومتانة نسجه، وقهر عزّته، في قوله صلى الله عليه وسلم -كما أسلفنا وهو يحلّق ببصره إلى السماء:"أترون هذه الشمس" قالوا: نعم، قال:"فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم، على أن تشتعلوا منها شعلة"!
إنها عزيمة النبوّة!
14 - الاضطهاد والتعذيب:
ونعود إلى حديث بدء الوحي .. نعود لنذكر مرّة من بعد مرّة قول ورقة للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جزعاً، ليتني أكون حيًّا إِذ يُخرْجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أَوَ مُخْرِجيَّ همْ؟ " قال: نعم، لم يأتِ رجلٌ قَطّ بمثل ما جئت به إِلا عُودي، وإِن يُدركني يومك أنصرك نصْرًا مُؤزراً، ثم لم يَنْشب ورقةُ أن توفيّ، وفتر الوحي!
نعود لنبصر معلماً من معالم الرسالة في البلاء، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعرف مدى مكانته بين قومه!
وهنا يطالعنا ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمداً يصلّي عند الكعبة، لأطانَّ على عُنقه، فبلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال:"لو فعل لأخذته الملائكة"
وفي رواية: "لأخذته الملائكة عياناً"
وفي رواية: فلم يفجأهم منه إِلا وهو -أي أبو جهل- ينكص على عقبيه،
ويتقي بيديه، فقيل له: فقال: إِن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لو دنا لاختطفته الملائكة عضواً عضواً"(1)!
وفي رواية لمسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو جهل: هل يُعَفِّرُ محمدٌ وجهه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم، فقال: واللاّت والعُزّى لئنْ رأيتُه يفعل ذلك، لأطانّ رقبته، أو لأعفِّرنّ وجهه في التراب! قال: فأتَى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلّي، زَعَم ليطَأ على رقبته! قال: فما فَجِئهُم منه، إِلا وهو ينكص على عقبيْه، ويتقّي بيديه! قال: فقيل له: ما لَكَ؟ فقال: إِن بيني وبينه لخندقاً من نار، وهَوْلاً، وأجنحة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لو دنا مِنّي لاخْتَطَفَتْه الملائكةُ عُضواً عضْواً" قال: فأنزل الله عز وجل لا ندري في حديث أبي هريرة، أو شيءٌ بلغه:{كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعْهُ} (العلق)!
زاد عُبيْد الله في حديثه، قال: وأمره بما أمره به!
(1) البخاري: 65 التفسير (4958)، وابن أبي شيبة: 14: 298، وأحمد: 1: 248، 256، 329، 368، والبزار: كشف الأستار (2189)، والترمذي (3348، 3349)، والنسائي: التفسير (81، 704، 705)، والكبرى (11061، 21684)، وأبو يعلى (2604)، والطبري: التفسير: 30: 255، 256، والطبراني: الكبير (11950)، والواحدي: أسباب النزول: 303، والبيهقي: 2: 192، وانظر: فتح الباري: 8: 724.
وزاد ابن عبد الأعلى: فليدع ناديه، يعني قومه (1)!
ونبصر التشنيع والتعجيب في صورة الإنسان الطاغي الذي نسي نشأته وأبطره الغنى (2) .. ونبصر الرجعة إلى الله في كل شيء، وفي كل أمر، وفي كل نيّة، وفي كل حركة، فليس هناك مرجع سواه، إليه يرجع الصالح والطالح، والطائع والعاصي، والمحق والمبطل، والخيّر والشرّير، والغنيّ والفقير .. وإليه يرجع هذا الذي يطغى أن رآه استغنى .. ألا إلى الله تصير الأمور .. ومنه النشأة إليه المصير!
ونبصر التشنيع والتعجيب ونحن نتصوّر هذا الأمر المستنكر، كيف يقع؟
ونبصر التهديد:
ويروي البخاري وغيره عن عروة بن الزّبير، قال: سألت عبد الله بن عمروٍ، عن أشدّ ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: رأيت عُقبة بن أبي مُعيْطٍ، جاء إِلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهُو يصلّي، فوضع رداءً في عُنقه، فَخَنَقه
(1) مسلم (2797)، وأحمد: 2: 370، والطبري: التفسير: 30: 256، والبيهقي: 2: 189، والبغوي: معالم التنزيل: 4: 507، 508، وأبو نعيم: الدلائل (158)، وابن حبان (6571)، وانظر: الدر المنثور: 8: 565.
(2)
في ظلال القرآن: 6: 3942 بتصرف.
به خَنْقاً شديداً، فجاء أبو بكر، حتى دفعه عنه، فقال:{أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} (غافر: 28)!
وفي رواية: قال: قلت له: ما أكثر ما رأيْتَ قريشاً أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما كانت تُظْهرُ من عداوته، قال: قد حَضَرْتُهم وقد اجتمع أشرافهم في الحِجْر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما رأيْنا مِثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قطّ، سفَّه أحلامنا، وشَتَم آباءنا، وعابَ ديننَا، وفرّق جماعتنا، وسبَّ آلهتنَا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا، قال: فبينما هم كذلك، إِذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل يمشي، حتى استلم الركن، ثم مرّ بهم طائفاً بالبيت، فلما أن مرّ بهم غَمزوه ببعض يقول! قالوا: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى! فلمَّا مرّ بهم الثانية، غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى! ثم مرّ بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فقال:"تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسُ محمَّد بيده، لقد جئتكُم بالذّبح"! فأخذت القومَ كلمته، حتى ما منهم رجل إِلا كأنما على رأسه طائرٌ واقع، حتى إِن أشدَّهم فيه وصَاةً قبل ذلك لَيرْفؤُهُ بأحسن ما يجد من القول، حتى إِنه ليقول: انَصِرفْ يا أبا القاسم، انصرف راشدًا، فوالله! ما كنت جهولاً! قال: فانصرف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، حتى إِذا كان الغَدُ، اجتمعوا في الحِجْر وأنا معهم، فقال بعضُهم لبعض: ذكرتُم ما بلغ منكم، وما بلغكُم عنه، حتى إِذا ما بادأكُم بما تكرهون تركُتموه، فبينما هم في ذلك، إِذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوثبوا إِليه وثبةَ رجل واحد، فأحاطوا به، يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا؟ لمِا كان يبلغهم عنه من عيْب آلهتهم ودينهم! قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نَعم، أنا الذي أقول
ذلك" قال: فلقد رأيت رجلاً منهم أخَذَ بمجمع ردائه، قال: وقام أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه دونه، يقول وهو يبكي:{أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} ! ثم انصرفوا عنه، فإِن ذلك لأشدّ ما رأيت قريشاً بلغتْ منه قط!
وفي رواية قال: ما رأيت قريشاً أرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلا يوماً رأيتهم وهم جلوس في ظلّ الكعبة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي عند المقام، فقام إِليه عقبةُ بن أبي مُعَيْط، فجعل رداءه في عنقه، ثم جذبه، حتى وَجَب لرُكبَتيْه صلى الله عليه وسلم، وتصايَحَ الناس، فظنّوا أنه مقتول! قال: وأقبل أبو بكر رضي الله عنه، يشتدّ حتى أخذ بِضَبُعَي رسول الله صلى الله عليه وسلم من ورائه، وهو يقول: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟! ثم انصرفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا قضى صلاته، مَرّ بهم وهم جلوسٌ في ظلّ الكعبة، فقال:"يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده ما أُرسلتُ إِليكم إِلا بالذَّبْح" وأشار إِلى حلقه، فقال له أبو جهل: يا محمَّد، ما كنت جهولاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنْتَ منهم"(1)!
ويروي الشيخان وغيرهما عن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلّي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، إِذ قال بعضهم لبعض: أيُّكم يجيء بِسَلَى جزور بني فلان، فيضعه على ظهر محمَّد إِذا سجد! فانبعث أشقى القوم فجاء به، فنظر حتى إذا سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه على ظهره بين كتفيه،
(1) البخاري: 62 فضائل الصحابة (3678)، وانظر (3856، 4815)، وخلق أفعال العباد (308)، وأحمد: 2: 218 وسنده حسن، والبزار كما ذكر ابن حجر: الفتح: 7: 168، والبيهقي:"الدلائل": 2: 275، وانظر: المجمع: 6: 1516، وابن حبان (6599)، وأبو يعلى: 1: 343.
وأنا انظر لا أُغني شيئاً، لو كانت لي مَنَعةٌ. قال: فجعلوا يضحكون، ويُحيلُ بعضهم على بعض، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم ساجدٌ لا يرفع رأسه، حتى جاءته فاطمةُ، فطَرحَت عن ظهره، فرفع رأسه، ثم قال: "اللهُمّ!
عليك بقريش"! ثلاث مرات، فشقّ إِذْ دعا عليهم قال: وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة! ثُمّ سَمَّى: "اللهم! عليك بأبي جهل، وعليك بعُتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عُقبة، وأميّة بن خلف، وعقبة بن أبي معيط"! وعدّ السابع، فلم نحفظه! قال: فوالذي نفسي بيده! لقد رأيت الذين عدّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صرعى في القليب، قليب بدر! وفي رواية: غير أن أميّة تقطعت أوصاله، فلم يلق في البئر (1)!
ويروي أحمد وغيره بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إِن الملأ من قريش! اجتمعوا في الحِجْر فتعاقدوا باللات والعُزّى، ومناة الثالثة الأخرى، ونائلة وإِسافِ: لو رأينا محمداً، لقد قُمنا إِليه قيام رجل واحد، فلم نفارقه حتّى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة رضي الله عنها تبكي، حتى دخلتْ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: هؤلاء الملأ من قريش، قد تعاقدوا عليك، لو قد رأوك، لقد قاموا إِليك فقتلوك، فليس منهم رجلٌ إِلا قد عرف نصيبه من دمِك، فقال:"يا بُنَيَّة، أريني وَضُوءًا" فتوضّأ، ثم دخل عليهم
(1) البخاري: 4 الوضوء (240)، وانظر (520، 2934، 3185، 3854، 3960)، ومسلم (1794)، وأحمد: 1: 393، 417، وابن أبي شيبة: 14: 298، والطيالسي (325)، وابن خزيمة (785)، والبيهقي: 9: 78، و"الدلائل": 2: 279، 3: 82، والنسائي: 1: 161، والكبرى (8668، 8669)، وأبو عوانة: 4: 220، 222، 224، واللالكائي: أصول الاعتقاد (1418، 1419)، والبزار (2389، 2398) زوائد، وأبو نعيم: الدلائل: 1: 349، 350، وابن حبان (6570).
المسجد، فلما رأوْه قالوا: ها هو ذا، وخَفَضُوا أبصارهم، وسقطتْ أذقانهم في صدورهم، وعُقروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إِليه بصرًا، ولم يقُم إِليه منهم رجل، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضةً من التراب، فقال:"شاهت الوجوه" ثم حَصَبهم بها، فما أصاب رجُلاً من ذلك الحَصى حصاةٌ إِلا قتل يوم بدرٍ كافراً (1)!
وسيأتي مزيد بيان لذلك!
ويرى ابن كثير أن غالب ما وقع للرسول صلى الله عليه وسلم من اعتداء جسدي، وما يشبه ذلك، كان بعد وفاة عمه أبي طالب (2)!
ويروي أحمد وغيره بسند حسن عن عبد الله قال: أوّل من أظهر إِسلامه سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمّار، وأمّه سميّة، وصهيب، وبلال والمقداد! فأمّا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنعه الله بعمّه أبي طالب! وأما أبو بكر، فمنعه الله بقومه! وأما سائرهم فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدْراعَ الحديد، وصَهَرُوهم في الشمس، فما منهم إِنسان إِلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إِلا بلال، فإِنه قد هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعْطوه الوِلْدان، وأخذوا يطوفون به شعاب مكّة، وهو يقول: أحدٌ، أحدٌ (3)!
(1) أحمد: 1: 303، 368، والحاكم: 1: 163، 3: 157 مختصراً، وأبو نعيم: الدلائل (139)، والبيهقي: الدلائل: 6: 240، وابن حبان (6502).
(2)
انظر: البداية: 3: 148.
(3)
أحمد: 1: 404، وفضائل الصحابة (191)، وابن أبي شيبة: 12: 149، 14: 313، وأبو نعيم: الحلية: 1: 149، 172، وابن عبد البر: الاستيعاب: 1: 141، والحاكم: 3: 284، والبيهقي: الدلائل: 2: 281 - 282، والشاشي (641)، وابن ماجه (150)، وابن حبان (7083).
ويروي الحاكم وغيره بسند صحيح عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بعمّار واهله، وهم يعذّبون، فقال:"أبشروا آل عمار، وآل ياسر، فإِن موعدكم الجنّة"(1)!
قال ابن إسحاق: كانت بنو مخزوم يخرجون بعمّار بن ياسر وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميت الظهيرة، يعذّبونهم برمضاء مكّة، فيمرّ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول فيما بلغني:"صبراً آل ياسر، موعدكم الجنّة"
فأما أمّه فقتلوها، وهي تأبى إلا الإِسلام (2)!
ويروي الشيخان وغيرهما عن خبّاب رضي الله عنه قال (3): كنتُ قَيْناً في الجاهليّة، وكان لي على العاص بن وائل ديْنٌ، فأتيتُه أتقاضاه، قال: لا أُعطيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقلت: لا أكفر حتى يميتك الله ثم تبعث! قال: دَعْني حتى أموت وأبْعث، فسأوتَى مالاً وولداً فأقضيك،
(1) الحاكم: 3: 388، 389، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وانظر: ابن هشام: 1: 395، وذكره الهيثمي: المجمع: 9: 293، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات، وقال الألباني: حسن صحيح: فقه السيرة: الغزالي: 107، 108، وانظر: الفتح الرباني: 20: 220، والبيهقي: الدلائل: 2: 282.
(2)
ابن هشام: 1: 395، وانظر: البيهقي: الدلائل: 2: 282، والإصابة: 6: 332، 333 (9209).
(3)
البخاري: 34 البيوع (2091)، وانظر (2275، 2425، 4732، 4733، 4734، 4735)، ومسلم (2795)، وأحمد: 5: 110، 111، والطيالسي (1054)، والترمذي (3162)، والنسائي: التفسير (342)، والطبري: التفسير: 16: 120، 121، والطبراني: الكبير (3650، 3651، 3652، 3653، 3654)، والبيهقي: 6: 52، والدلائل: 2: 280، 281، والبغوي: التفسير: 3: 207، 208، وابن حبان (4885).
ويروي البخاري وغيره عن خبّاب قال: شَكوْنا إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسّد بُرْدةً في ظلّ الكعبة قلنا له: ألا تَسْتَنْصِرُ لنا؟ ألا تَدْعوا لنا؟ قال: وكان الرجل فيمن قبلكم، يُحفر له في الأرض، فيُجعلُ فيه، فيُجاءُ بالميشار فيُوضع على رأسه، فيُشقُّ باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويُمشَط بأمشاط الحديد، ما دون لحمه من عظمٍ أو عصب، وما يصدُّه ذلك عن دينه، والله! ليُتمَّنَّ الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إِلى حضْرموت، لا يخاف إِلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (1)!
15 - المساومة والإغراء:
وانتقل المشركون إلى أسلوب المساومة والإغراء، وهو أسلوب خطير، فقد قال ابن إسحاق:
حدثني يزيد بن زياد بن محمَّد بن كعب القرظي قال: حدَّثت أن عتبة ابن ربيعة، وكان سيّداً، قال يوماً وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمَّد فأكلمه
(1) البخاري: 61 المناقب (3612)، وانظر (3852، 6943)، والحميدي (157)، وأحمد: 5: 109، 111، 6: 395، وأبو داود (2649)، وأبو يعلى (7213)، والطبراني:(3639، 3640، 3646، 3647)، وأبو نعيم: الحلية: 1: 144، والبيهقي: 9: 5، و"الدلائل": 6: 315، والنسائي: الكبرى (5893).
وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيّها شاء، ويكفّ عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون. فقالوا: يا أبا الوليد، قم إليه فكلّمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي، إنك منّا حيث قد علمت من السِّطة (1) في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً (2) تراه لا تستطيع ردّه عن نفسك، طلبنا لك الطبّ، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه، أو كما قال له: حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال:"أقد فركت يا أبا الوليد؟ " قال: نعم، قال:"فاسمع مني" قال: أفعل، فقال:{حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} (فصلت: 4).
ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما، يسمع منه، ثم انتهى رسول
(1) أي من الشرف، يقال فلان من سطة قومه، أي من أشرافهم.
(2)
الرئي -بفتح الراء وكسرها- ما يتراءى للإنسان من الجن، والتابع هنا من يتبع الجن.
الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها، فسجد، ثم قال:"قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك"!
فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أنّي قد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها لي، وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه. فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزّه عزّكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأي، فاصنعوا ما بدا لكم! (1).
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلي والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل، وابن عساكر عن جابر ابن عبد الله قال: "اجتمعت قريش يوماً فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر
(1) السيرة النبوية: ابن هشام: 1: 362 - 364، وقد صرح بالسماع، وسنده منقطع، ورواه ابن أبي شيبة: المصنف: 14: 295 - 297 من غير طريق ابن إسحاق، فيه الأجلح، وفيه كلام، والبيهقي: الدلائل بمثل رواية ابن أبي شيبة: 2: 202 - 203، وأبو يعلى، وفيه الأجلح، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وغيره. وبقية رجاله ثقات. قال الهيثمي: المجمع: 6: 19 - 20 لم أجده في مسند أبي يعلى، وانظر: عبد بن حميد: المنتخب: 337 (1123)، وحسن الألباني إسناده، فقه السيرة: 113، هامش، وقال عن إسناد ابن إسحاق؛ حسن مرسل، ورواه ابن أبي شيبة من غير طريق ابن إسحاق، والبيهقي بمثل رواية ابن أبي شيبة، وأبو نعيم: الدلائل: 1: 234، وأبو يعلى: 3: 349 (1818)، وانظر: المجمع: 6: 20، والمطالب العالية (4285)، وابن كثير: التفسير: 4: 90، وما بعدها، والبداية: 3: 62 وما بعدها، والدر المنثور: 5: 358.
والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا، وشتّت أمرنا، وعاب ديننا فليكلمه ولينظر ما يردّ عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحداً غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: أثبت يا أبا الوليد، فأتاه فقال: يا محمَّد، أنت خير أم عبد الله، أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإِن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإِن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك، أما والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك، فرّقت جماعتنا، وشتتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحراً، وأن في قريش كاهناً، والله ما تنتظر إِلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إِلى بعض بالسيوف، يا رجل إِن كان بك حاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلاً، وإِن كان بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجنك عشراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فرغت؟ " قال: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} حتى بلغ {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13)} فقال عتبة: حسبك حسبك، ما عندك غير هذا؟ قال:"لا" فرجع إِلى قريش فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئاً أرى أنكم تكلمونه به إِلا كلمته، فقالوا: فهل أجابك؟ قال: والذي نصبها بنية ما فهمت شيئاً مما قال. غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، قالوا: ويلك يكلمك الرجل بالعربية وما تدري ما قال؟ قال: لا والله، ما فهمت شيئاً مما قال، غير ذكر الصاعقة! (1)
(1) فتح القدير للشوكاني: 4: 485 نقلاً عن ابن أبي شيبة: المغازي (1849)، وأبي يعلى (1818)، وصححه الحاكم: 2: 253، 254، ووافقه الذهبي، وأبي نعيم:"الدلائل": =
وأخرج أبو نعيم، والبيهقي، كلاهما في الدلائل عن ابن عمر قال: "لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على عتبة بن ربيعة: {حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2)} أتى أصحابه فقال: يا قوم أطيعوني في هذا اليوم واعصوني بعده، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاماً ما سمعت أذني قط كلاماً مثله، وما دريت ما أردّ عليه! (1)
وهكذا تعددت الروايات!
16 - عقليَّة بليدة:
ونبصر في عرض عتبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم (أربعة أمور) أيها شاء أعطيه، في سبيل أن يكف عنهم، ويتوقف عن عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم، وتضليل آبائهم:(2)
أولها:
إن كان محمَّد صلى الله عليه وسلم يريد بما جاء به من دعوته إلى توحيد الله، وخلع الأنداد، وترك عبادة الأصنام، مالاً جمعوا له من المال حتى يكون أكثر قريش مالاً وثراءً!
ثانياً:
إن كان محمَّد صلى الله عليه وسلم يريد بما جاء به من رسالته شرفاً ولّوه عليهم وبايعوه سيداً لهم، فلا يقطعون أمراً من أمورهم دون أن يكون محمَّد صلى الله عليه وسلم شاهده وصاحب الكلمة العليا فيه!
= 184، 185، والبيهقي:"الدلائل": 2: 204، 205، وقال الهيثمي: المجمع: 6: 23 فيه الأجلح الكندي، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات!
(1)
السابق، نقلاً عن أبي نعيم: الدلائل: 187، 188، والبيهقي:"الدلائل": 2: 205، 206.
(2)
محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 195 وما بعدها بتصرف.
ثالثها:
إن كان محمَّد صلى الله عليه وسلم يريد بما جاء به ملكاً ملكوه عليهم، وجعلوا على مغرفه تاج الملك، وبايعوه ملكاً على سائر قريش ومن ورائها جميع العرب الذين يدينون بتعظيم قريش التي جعلوا إلى بيتها بيت أبويهما إبراهيم وإسماعيل حجهم وأكبر مواسمهم!
رابعها:
إن كان هذا الذي يأتي محمداً رئياً وتابعاً من الجن، تسلّط على مشاعره، فلا يستطيع ردّه عنه، وغلب عليه، فلا يستطيع مقاومته، والانفكاك عنه بذلوا في طلب الطب له من أموالهم حتى يبرأ منه!
أفلهذه الأدمغة التي نخرها سوس الوثنيَّة البليدة المتهافتة، فأفسدها حسًّا ومعنى، فلم يبق في تلافيف خلاياها ذرة من تعقّل وتفكير يستقيم! يا ويح قريش من عقلائها؟ أهذا كل ما تمخضت عنه عقليَّة عتبة، عاقل قريش؛ لينهي به أزمتها مع محمَّد صلى الله عليه وسلم! ومرة أخرى أفلهذه الجماجم النخرة التي تحملها رقاب عريضة الأقفية، ما هذا يا أبا الوليد؟ وأنت من أقرب قريش نسباً إلى محمَّد صلى الله عليه وسلم وأعرف الناس بمدخله ومخرجه!
17 - السمو الروحي:
ومحمد صلى الله عليه وسلم رسول رب العالمين إلى البشريَّة كلها، أمره الله تعالى أن ينذر أول من ينذر عشيرته الأقربين -كما أسلفنا- فدعاهم وأبلغهم رسالة ربّه أكمل وأرفق ما يكون التبليغ، ولم يسألهم أموالهم، وما سألهم إلا المودة في القربى، وما كان محمَّد قط في حاجة إلى شرف فوق شرفه في قومه وبيته، وقريش كلها تعرف له هذا الفضل، وتذعن به لبيته ونبعته! ولم يعرف عنه قط أنه تطلع إلى ملك الدنيا، فلم يحفظوا عنه قط أنه طلب إليهم أن يجعلوه ملكاً على بلدهم!
وما قَدْر الملك عليهم وعلى قريتهم وبلدهم، وهي التي يملكون أمرها؟! وأي ملك هذا؟ ملك قرية متقارية الأكتاف، ويقطعها الرجل مشياً في زمن لا يستغرق ساعة من نهار، ليس فيها من مظاهر الرياسة بله الملك سوى هذه العنجهيات الجوفاء تملأ الأدمغة النخرة، فمحمد صلى الله عليه وسلم عاش منذ مهده وشبوبيتّه ورجوليّته على سمع قومه وبصرهم، فلم يطلب من أحد منهم شيئاً مما يتصل بالدنيا، ولما بعثه الله تعالى برسالته رحمة للعالمين، لم يعنت قومه، ولم يسألهم دنياهم ولازاحمهم عليها، وكان أبعد الناس عن زخرفها وحطامها والتكثّر منها! وإنما سألهم أن يطهروا أنفسهم وعقولهم وقلوبهم من رجس الوثنية، ووضر الشرك .. سألهم أن يوحّدوا الله في تعبّدهم، وأن يخلعوا من أعناقهم عبادة الأحجار والأوثان، كل ذلك في كلمة واحدة، إذا قالوا وعملوا بمضمونها وحقيقتها ملكوا الدنيا بها!
18 - رسالة ورسول:
ولم يكن في دنيا مكة، ودنيا العرب، صاعدين ونازلين، مشرّقين ومغرّبين، ولا كان في دنيا سائر الناس وراء العرب شمالاً وجنوباً رجل أصحّ عقلاً وأسدّ فكراً، وأطهر قلباً، وأنور روحاً، وأكمل جسماً، وأعلى في نقاء البشريّة وصفائها كعباً من محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي الذي اختاره الله تعالى في أكمل البشريّة سنًّا وعقلاً وفكراً وقلباً وروحاً، نبياً ورسولاً إلى العالمين، يدعوهم إلى الهدى، ويخرجهم من الظلمات إلى النور!
ولكن ملأ المادية الوثنيّة من طواغيت قريش لم تقنعهم كلمات عتبة ابن ربيعة إلى محمَّد صلى الله عليه وسلم، بل شكوا في صباءة عتبة؛ إذ لم يرجع إليهم من
سفارته أمماً، بل وجّه إلى بيته -كما في روايات أخرى- ولم يخرج إليهم، معتزلاً مجلس ناديهم، فذهبوا إليه وسألوه عن اعتزاله عنهم، وعنتوه في موقفه منهم، حتى أكرهوه على شيء لم يكن ليختاره لو كان له خيار .. أكرهوه على أن يحلف ألا يكلّم محمداً صلى الله عليه وسلم أبداً؟؟ عجيب عاجب، ومنطق معكوس! أهذا منطق العقل -يا عاقل قريش، ومختارها لحل عقدة حياتها في أشدّ أزماتها؟ وما شأن محمَّد صلى الله عليه وسلم في موقفك مع قومك، وموقف قومك منك؟ ولا سيما موقف غميز الرجولة، وطريد الكرامة، ولعن المروءات صاحبك أبي جهل، إذ أحرجك وعنتك بكلماته الفاجرة حتي تخرج عن عقلك، وتقسم ألا تكلّم محمداً صلى الله عليه وسلم أبداً؟ وهل خلْت يا عاقل قريش، فتخيلت أن محمداً صلى الله عليه وسلم في حاجة إلى مكالمة عبيد الماديّة الوثنيّة، وأنت أحد ساداتهم، إن لم يؤمنوا با لله، ويكفروا بالطاغوت، ويستمسكوا بعروة دعوته الوثقى، ويحرّروا عقولهم وقلوبهم من التعبّد للماديّة في شتى أشكالها؟ أفما كانت العزّة العربيَّة والكرامة القرشيّة، والشهامة العبشميّة تقتضيك بداهة أن يكون موقف المقاطعة، هذا الذي اتخذته لنفسك أو حُملت عليه حملاً، فوقفته من محمَّد صلى الله عليه وسلم، وهو لا دخل له في حرجك- أن يكون حريًّا به منك صاحبك غميز الرجوليّة أبو جهل، فهو الذي عيّرك بالبطنة والبؤس والحاجة إلى طعام محمَّد صلى الله عليه وسلم، وطعام محمَّد صلى الله عليه وسلم غير مضنون به على عامة أو خاصة، وغير محجور على غني أو فقير، ولا ممنوع منه عاجز أو فقير، ولا يذاد عنه مسكين أو طريد، وكل طعام في ميزان الجود والمروعة لعاعة الدنيا وسدّ رمقها، فلا يقدره فوق ذلك إلا شبع زريّ، وبخل شريّ، وضنٌّ بغيّ!
ولكنها الماديّة الوثنية في كل زمان ومكان وعصر ومصر وجيل وقبيل، لا
تؤمن إلا وهي مشركة، ولا نعقل إلا وهي آفنة، ولا تتصرّف إلا وهي مأفونة مخذولة! وأين شجاعة عاقل قريش عتبة بن ربيعة التي كانت تحلّيه، وفي ظلها اختارته قريش ليسفر بينها وبين محمَّد صلى الله عليه وسلم ليخلصها من أزماتها؟ تلك الشجاعة التي تبددّت هباء في أعاصير الجبن والهلع، عندما لقيه لعين الرجوليّة أبو جهل، وهو يجبهه ويسخر منه ويهزأ به، حتى استنزله من أفق تعقله إلى مهاوي العصبيّة الجهول، والعناد الكفور!
لقد عبّر عتبة لقومه حين سألوه عن سفارته إلى محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقد سمع منه ما سمع من آيات القرآن الحكيم تعبيراً أزكم أنوفهم، حتى قال لهم في الرواية التي معنا صادقاً غير مصدّق:(هذا رأي فاصنعوا ما بدا لكم).
19 - طمأنينة قلب النبي صلى الله عليه وسلم
-:
وتطالعنا صورة من وقع الإنذار من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قلب رجل لم يؤمن! ونبصر أدب النفس الكبيرة (1)، وطمأنينة القلب المؤمن، وهو يستمع من عتبة إلى هذه الخواطر الصغيرة التي يعرضها عليه، وقلبه مشغول بما هو أعظم. حتى لتبدو هذه الخواطر مقزّزة تثير الاشمئزاز .. ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم يتلقّاها حليماً، ويستمع كريماً، مطمئناً هادئاً ودوداً، لا يعجل عتبة عن استكمال هذه الخواطر الصغيرة، حتى إذا انتهى قال في هدوء وثبات وسماحة:"أقد فرغت يا أبا الوليد؟ " فيقول أبو الوليد: نعم! فيقول النبي صلى الله عليه وسلم:"فاسمع مني". ولا يفاجئه بالقول حتى يقول: أفعل!
(1) في ظلال القرآن: 5: 3117 وما بعدها بتصرف.
وعندئذ يتلو رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثقة وطمأنينة وفيي امتلاء روح قول الله تعالى كما سبق.
حقًّا إنها صورة تلقي في القلب المهابة، والثقة، والمودّة، والاطمئنان، ومن ثم كان يملك قلوب سامعيه الذين قد يقصدون إليه أول الأمر ساخرين أو حانقن صلى الله عليه وسلم وصدق الله العظيم:{اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} (الأنعام: 124).
20 - في رحاب سورة (فصلت):
هذا، وكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم على عرض عتبة في لقائه منفرداً سفيراً من ملأ الماديّة الوثنيّة أن قرأ عليه -كما عرفنا- مقدمة سورة فصلت (1)، وهي من طلائع التنزيل، ونموذج من أرفع نماذج البيان القرآني في روعة الأسلوب، وبراعة الإعجاز الشامل لإعجاز الأسلوب، وطرائق الأداء، واتساق الصياغة البيانيّة، والشامل لإعجاز الهداية والحقائق الكونيّة، والمعاني الإصلاحيّة، والمعارف الفكريّة، والعلوم العقليّة، لما اشتملت عليه من عرض لآيات الكون في بعض جوانبه، وما تضمنته من رهبة الإنذار، وروعة الإرهاب للذين يلحدون في آيات الله، ويكفرون بما أنزل الله من كتاب يدعوهم إلى الرشد والخير، وبما حوته من حوار وحجاج، وقصص وأحداث، مليئة بالعبر التي توقظ الضمير، وتوجه العقل إلى النظر في آيات الله، حتى يتبيّن للناظرين بعين الاعتبار أن الذي أنزل على محمَّد صلى الله عليه وسلم هو الحق، جاءهم به من عند ربهم، مما يقتضينا أن نجمل في إيجاز معبّر بيان حقائق هذه السورة الكريمة ومعانيها التي تجلّت فيها حكمة اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم لها جواباً على ما عرضه سفير طواغيت
(1) محمَّد رسول الله: 2: 199 وما بعدها بتصرف.
الماديّة الوثنيّة عتبة ابن ربيعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليقنعه باختيار ما يشاء من لعاعات الدنيا فيعطاه، ويكفّ عن قريش ودعوتها إلى الله وتوحيده، فلا يسمعها في أنديتها قوارع رسالته، ولا يزعجها بشآبيب إنذاراته!
ومن البيّن الذي لا يحتاج إلى موقف متأمل أن الأمور التي عرضها سفير قريش عتبة بن ربيعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليختار منها ما يشاء فتعطيه إيّاه قريش ثمناً لكفّه عنها، وتركها غارقة في أرجاس ماديّتها الوثنيّة، وشركها الكفور، كانتَ أرفع مناصب الدنيا، وأجلّ ما يطلبه الطامعون في زخارفها، الطامحون إلى مشارفها وعلوّها! فهي أمور ماديّة أرضيّة، ليس فيها رائحة من شرف العقل، وكرامة الفكر. وإشراق الروح، انتزعها عباهلة المادية الوثنيّة من أعظم ما تسمو إليه حياتهم الماديّة الظالمة المظلمة! وقد أراد الرسول صلى الله عليه وسلم بقراءة ما قرأ على مسامع سفير قريش عتبة بن ربيعة، وجعلها جواباً له عن عروضه الماديّة التي عرضها عليه، ليختار منها ما يشاء أن يزعج ضميره، ليستيقظ من غطيط نومه الوثني، ويفيق من سكرته الجاهليّة، ويصحو من غفلة عنجهيّته، وضلالات مواريثه، عسى أن يكون في ذلك فتح مغاليق قلبه وقلوب من وراءه من غطاريف الوثنية المادية، فتؤمن قلوبهم بما يتجلى لها من الحق، وبما تعرف من حججه ودلائله، وبما تفقه من براهينه التي جاءهم بها رجل أمّي من أنفسهم، وهم أعرف به من معرفتهم بأبنائهم وأنفسهم!
ولا شك أن الحديث إلى رجل منفرداً أدعى إلى الأناة والتفهم، وتعمق الفكر، وبسط الحوار وتنوّعه في أودية الإقناع والتثبّت، ولا سيما إذا كان المتحدّث إليه يحمل مخايل التعقّل، وحكمة التدبر لا يسمع، وقد كان الظن كذلك بعتبة، فقريش بعثته سفيرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها رأته أعقلها وأعلمها بما
هنالك من علومها ومعارفها التي تشفّ لها عما تريد معرفته من محمَّد- صلى الله عليه وسلم ودعوته! ورسوله صلى الله عليه وسلم رأى بحكمة تسديد الله له في سير رسالته، وتوجيهه في تبليغ دعوته أن إسماع عتبة شيئاً من آيات القرآن الحكيم فرصة لا تتاح مع المجموع المختلطة التي تغلب عليها أصوات الغوغاء، فترتفع على أفكار المتعقلين، وغالباً ما تكون المجموع الجماهيريّة المختلطة جامعة إلى جانب الرجل المتفكر أعداداً من الحمقى والسفهاء المتسرعين بالكلمة يلقونها دون مبالاة بما تنتهي إليه والغوغاء لا يضبط لها رأى، ولا يقام لنعيقها ميزان، ولا يعرف لها تدبر في فكر! ومن هنا كانت الحكمة في إجابة عتبة عن مساءلاته وعروضه في اختصاصه بقراءة هذه السورة الكريمة، وقد تحقق مرمى نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحقيق أثر قراءة ما قرأ الرسول صلى الله عليه وسلم في عقل عتبة وتفكيره، فنقله إلى قومه وملئهم، وتأثر العقل ليس من صلات تأثر القلب الذي يتولد منه الإيمان، وتنبع من أرومته الهداية، فلم يؤمن عتبة، ولكنه صدقهم إذ قال لهم:
(قد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش: أطيعوني واجعلوها لي، وخلّوا بين الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزّه عزّكم، وكنتم أسعد الناس به .. !)
والناظر في هذه السورة بعين التأمل والبصيرة يرى أنها قد بدأت بأن القرآن تنزيل من الرحمن الرحيم، وهو رب العالمين الذي تولى تربية خلقه، ووصف الرحمة المستمد من هذين الاسمين الكريمين في مفتتح السورة اللذين يستوعبان التفضّل بالإنعام ابتداء، ودوام الإحسان من غير انتهاء، فيه إشعار يستقبل المؤمن
من أول وهلة بأن ما جاء في هذا الكتاب المجيد عامة، وفي هذه السورة خاصة من أمر ونهي، ووعد ووعيد وترغيب وترهيب، وقصص وأحداث، وآيات وعجائب، وتوجيه نظر إلى دلائل القدرة الإلهية في آيات الكون في الآفاق وفي الأنفس، إنما هو رحمة من الله تعالى بعباده، يدعوهم بها لينقذهم من الظلمات إلى النور، ويخرجهم من ضلالات الجهالة إلى هدى العلم والمعرفة!
ثم بيّنت السورة أن هذا القرآن فصّلت آياته بأسلوب عربي بيّن يبشّر وينذر، ثم تحدّثت عن فريق من الناس صمّوا آذانهم عن سماع الحق، وأغلقوا دون هدايته قلوبهم عناداً واستكباراً في الأرض بغير الحق، وأقاموا على عنادهم، وظلّوا في طغيانهم يعمهون، فلم تتألفهم البشائر، ولم ترْدَعهم النذارة! ثم ذكرت السورة أن محمداً صلى الله عليه وسلم بشر مثل سائر البشر في طبيعته البشرية، لا يمتاز عنهم بشيء سوى أنه رسول من الله يوحى إليه بتوحيد الله تعالى، فلا يطلب بما جاء به مالاً، ولا سيادة، ولا شرفاً، ولا ملكاً مما يتطلع إليه عبيد الدنيا، وإنما يطلب من عباد الله أن يستقيموا مع ربهم، فيفردوه بالعبادة ويستغفروه من الذنوب والآثام!
والسورة تخاطب هؤلاء المعاندين بأسلوب تعجبي، ينكر عليهم موقفهم المتبلّد بالجمود من قوارع الآيات، ليوجه عقولهم إلى النظر في الآيات الأرضية!
أولاً: لقربها إلى نظر المخاطبين، ثم تنتقل السورة إلى توجيه النظر!
ثانياً: إلى الآيات السماويّة، لظهور دلائلها لأبصارهم وسائر منافذ حسّهم وحاجتها إلى التأمّل الصادق المتعمّق ببصائرهِم، وذلك في نحو قوله تعالى: {وقُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ في يَوْميْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ
الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)}! (فصلت).
والآيات تذكر خلق الأرض في يومين برهاناً على التوحيد وخلع الأنداد، وأن الله تعالى الذي أبدع بقدرته هذه الأرض هو ربّ العالمين، الذي ربّاهم على موائد فضله وإحسانه، وأنه تعالى حفظ الأرض بما جعل فيها من الرواسي، وأنه بارك فيها بما أمدّها من رحمته، وبما أنشأ فيها من ثمرات وزروع، جعلها قوتاً لعباده، وحفظاً لحياتهم، وتمم ذلك في يومين، وقامت الأرض بما عليها وما فيها في أربعة أيام من أيام الله سبحانه وتعالى!
ثم بيّنت الآيات أن الله تعالى بعلمه المحيط وقدرته القاهرة قصد قصداً تكوينياً، فجعل السماء التي كانت دخاناً لا يتماسك ولا يستقر، فسواها بقدرته بناء متماسكاً وسقفاً محفوظاً، في يومين من إيَّامه، وبذلك تمّ عده أيّام للخلق للسموات والأرض ستة أيام، وقد تكرّرت هذه العدة في القرآن الكريم.
ولما استتمت الآيات ذكر براهين القدرة الإلهية الحسية والعقليّة، السماويّة والأرضيّة، المقتضية ببداهة العقل توحيد الألوهية، وتفريد الله تعالى خالق الأرض والسموات، وما جعل فيها من آيات وأسرار بالتعبّد له، ولم يبق لهؤلاء المعاندين الذين خوطبوا بالآيات المذكورة بالأسلوب التعجيبي عذر، ولم تقم لهم في كفرهم وجحودهم حجّة ولا شبهة، جاءهم الوعيد يجلجل بالتهديد،
والوعيد تخويفٌ وإنذارٌ لكل من يسلك مسلكهم، ويمشي في طريق إلحادهم وكفرهم:{فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13)} !
في تفصيل مرعب مخيف لما حلّ بالمتمردين المعاندين من الأمم السابقة، والعرب كانوا أقوم الناس بفهم القرآن، وأعرفهم بحقائقه ومراميه، وزواجره ونواهيه؛ لأنه على سنة مخاطباتهم ومجاري أساليبهم نزل، وبلغتهم وطرائق صياغاتهم خاطبهم!
ونبصر وجهاً من وجوه اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه السورة الكريمة لتكون جواباً على محاصرة عتبة له صلى الله عليه وسلم في سفارته إليه إجابة لاختيار قريش له، لعلمه بالسحر والكهانة والشعر، فكان لها أثرها العميق في نفس عتبة! وسبق أن ذكرنا تعدّد الروايات في ذلك!
وبعد أن انتهت الجولة على مصارع عاد وثمود، والإنذار بهذا المصرع المخيف المرهوب، وتكشّف لهم سلطان الله الذي لا تردّه قوّة (1)، ولا يعصم منه حصنٌ، ولا يبقي على مستكبر مريد .. يطلعهم على سلطان الله في ذوات أنفسهم، التي لا يملكون منها شيئاً، ولا يعصمون منها شيئاً من سلطان الله، حتى السمع والأبصار والجلود تطيع الله وتعصيهم في الموقف المشهود، وتكون عليهم بعض الشهود!
إنها المفاجأة الهائلة في الموقف العصيب، وسلطان الله الذي تطيعه جوارحهم وتستجيب، وهم يوصمون بأنهم أعداء الله، فما مصير أعداء الله؟ إنهم يحشرون ويجمع أوّلهم على آخرهم، وآخرهم على أوّلهم كالقطيع! إلى أين؟ إلى النار! حتى إذا كانوا حيالها وقام الحساب، إذا شهود عليهم لم يكونوا
(1) انظر: في ظلال القرآن: 5: 3118.
لهم في حساب .. إن ألسنتهم معقودة لا تنطق. وقد كانت تكذب وتفتري وتستهزئ، وإن أسماعهم وأبصارهم وجلودهم تخرج عليهم؛ لتستجيب لربّها طائعة مستسلمة، تروي عنهم ما حسبوه سرًّا، فقد يستترون ويظنون أن الله لا يراهم وهم يتخفون بنواياهم وبجرائمهم! يا للمفاجأة بسلطان الله الخفي، يغلبهم على أعضائهم فتلبي وتستجيب!
ويطول بنا الحديث في عرض ما اشتملت عليه السورة .. ولما استكملت وجوه الدلائل القاطعة مبثوثة في السماء والأرض على وجود الله ووحدانيّته وعظيم قدرته (1)، وظهر أن هؤلاء المعاندين كانوا نماذج للفطرة الفاسدة والعقول الجامدة على تقليد موروث الآباء في جهالة جاهلة، وأنهم لم يستفيدوا من كتاب الكون الذي عرض القرآن الكريم آياته عليهم، واستنهضهم للنظر فيها .. نبّهت السورة في خاتمتها إلى أن الله تعالى سيجعل من سلائل الإنسانيّة نماذج أخرى. يضيء عقولهم، فيكشف لهم بها عن آياته في آفاق الحياة وجوانبها العلويّة والسفليّة، وعن آياته في أنفسهم وما انطوت عليه بنيتهم البدنيّة من أسرار التركيب، وبديع الخلق فيما ظهر منها وما بطن، وعن آياته فيما أودع أرواحهم من الأسرار النورانيّة، وما جعل في عقولهم من الإشراقات الفكريّة، وذلك في قوله تعالى:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)} (فصلت).
(1) انظر: محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 207 وما بعدها.
21 - عناد المشركين:
ولما يئس ملأ قريش من استجابة النبي صلى الله عليه وسلم لمطالبهم الماديّة الأرضيّة (1)، ووقف مع إيمانه برسالة نفسه عند معاقد عزّته وجميل صبره، مستمرًّا في تبليغ رسالته، قوَّاماً بأمر دعوته، لا يغتر ولا يستحسر .. لجؤوا إلى التعنّت واقتراح المطالب التي دفعهم إليها العناد والكفور، والحسد الحقود، فقالوا له: فإن كنت غير قابل منا شيئاً مما عرضناه عليك، فلا تريد مالاً وثراء، ولا تريد شرفاً وسؤدداً، ولا تريد ملكاً وسلطاناً، فاسأل الله لنا أن يوسَّعَ علينا ديارنا وبلادنا، فيسيِّر عنها الجبال التي تخنقها، ويفجر فيها الأنهار والينابيع، فلم يتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن موقفه في وثاقة إيمانه برسالته، وسموّ أدبه في عبوديته لربه ومعرفته بجلاله، ولا اهتزت نفسه ذرّة عن دعائم صبره ومضاء عزيمته، وأقام صلى الله عليه وسلم في عزم مصمّم، إذا عرضوا دنياهم في الشرف والسيادة والملك والمال والثراء، فأبى أن يقبل منهم شيئاً من أمورهم، فلما استيأسوا منه خلصوا نجيًّا، ينزعون على ركيّ الدهش والحيرة، فأدخلوا أنفسهم على حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخاصة. وأقحموا تافهات أفكارهم على عيشه وشأنه في صورة عاطفيّة مرذولة زائفة مزوّرة .. ولم يقف الحمق وخرق الرأي وسفه التفكير بملأ الماديّة الوثنيّة عند هذا الحدّ، ولكنهم اشتطوا على أنفسهم، وركبوا شيطان الجهالة وفجور الوثنيّة، فاستنزلوا على أنفسهم سخط الله ولعناته .. وحكى القرآن الكريم عنهم أبشع من هذا فقال:{وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32)} (الأنفال).
(1) محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 214 وما بعدها بتصرف.
ولكن اللطيف الودود الذي أرسل محمداً رحمة للعالمين، ولم يرسله لعنة على المعاندين الجاحدين، جعل وجوده حصناً حصيناً من تنزل عذاب الاستئصال في الدنيا بهؤلاء المعاندين الجاحدين، فقال عقب تصوير بشاعتهم يرفع ذكره، وينوّه بمقامه عنده:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} ! وجعله أماناً، ولو ظلوا على كفرهم وشركهم، ثم جعل توبتهم بالإيمان واستغفارهم لما سلف من كفرهم أماناً بعد النبي صلى الله عليه وسلم فقال:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)} (الأنفال).
يروي البخاري وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال أبو جهل: (1)(اللهم إِن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم). فنزلت: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34)} (الأنفال).
ويروي أحمد وغيره عن أبي موسى قال: (2) أمانان كانا على عهد رسول
(1) البخاري: 65 - التفسير (4648، 4649)، والبيهقي: الدلائل: 3: 75.
(2)
أحمد: 4: 393 صحيح لغيره، فيه جهالة محمَّد بن أبي أيوب، تفرد بالرواية عنه حرملة بن قيس، ولم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان، من رجال (التعجيل)، وحرملة بن قيس، وهو النخعي، قال أحمد: ما أرى بحديثه بأساً. وقال ابن معين: ثبت، وهو من رجال (التعجيل) كذلك، وكيع: هو ابن الجراح الرؤاسي. والبخاري: التاريخ الكبير: 1: 32، والحاكم: 1: 542 من طريق وكيع بهذا الإسناد، وتحرّف اسم محمَّد بن أبي أيوب إلى عبيد بن أبي أيوب، وسكت عنه الحاكم والذهبي، وأخرجه الترمذي (3082) مرفوعاً، وتمام الرازي في فوائده (3145): الروض البسام، قال الترمذي: هذا حديث غريب، وللموقوف شاهد من حديث أبي هريرة عند الحاكم: 1، 342، والبيهقي: شعب الإيمان (654) من طريق أسود =
الله صلى الله عليه وسلم، رُفع أحدهما، وبقي الآخر:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)} .
وذكر القرآن الكريم تعنتهم في اقتراحاتهم المشتطة في مواضع متعددة من سوره وآياته، وأجاب عنها فأفحمهم وأبان عن جهالتهم وعنادهم، وركونهم إلى سفاسف الدنيا في أعلى درجات طموحهم، وأرفع مراتب مطامعهم، وكشف عن خبيء نفوسهم؛ وأنهم قوم لا يعيشون إلا لبطونهم وشهواتهم، لا يرتفعون عن الأرض إلا ليقعوا على رؤوسهم في مهاويها، أخلدوا إلى الأرض لا يريمون عنها، فكانوا كالمعنيين بقول الله تعالى:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178)} (الأعراف).
ونبصر صوراً من هذه الاقتراحات المتعنتة ونحن نقرأ: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ
= ابن عامر شاذان عن حماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي عن محمَّد كعب القرظي، عنه رضي الله عنه قال: "كان فيكم أمانان
…
" قال الحاكم: هذا حديث على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقد اتفقا على أن تفسير الصحابي حديث مسند، ووافقه الذهبي، قلت: هو صحيح، وليس على شرط مسلم، فأبو جعفر الخطمي وهو عمير بن يزيد الأنصاري لم يرو له مسلم، إنما روى له أصحاب السنن، وهو ثقة، وانظر: الطبري: تفسير الآية، والبيهقي: 5: 46 وإسناده حسن!
الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93)} (الإسراء).
والمتأمل فيما تعنتوا فيه واقترحوه عليه، يرى الحماقة ماثلة في كل حرف مما قالوا، وفي كل كلمة مما اقترحوا، ويرى خرق الرأي، وتفاهة التفكير تتعرّى من رؤوسهم، وتتقاطر من عقولهم، صديد غباء، ويرى دناءة الطموح، وطموح الدناءة، تتعرّى مكشوفة السوآت، بادية العورات، في مقترحاتهم المتعنّتة، فهم لم يطلبوا إلا ينابيع ماء تجري في أوديتهم، ولم يطلبوا إلا جناناً وحدائق من نخيل وعنب وأنهار تجري خلال تلك الجنات تسقيها، ويأكل منها تنابلة مكة، وهم قعود يهجرون!
فإن لم يك هذا ولا ذاك فصواعق تسقط السماء عليهم قطعاً تدمّرهم كما دمرت إخوانهم الماديّين الوثنيّن قبلهم إذ كذّبوا رسل الله وكفروا برسالاته!
فإن لم تستجب -يا محمَّد- لبطوننا وهوس أفكارنا الماديّة المظلمة فخذ لنفسك من ربك، واطلب منه أن يغنيك عن النّصب والكيد في سبيل المعاش، كما ينصب ويكدّ سائر الناس، فليعطك ربك عزًّا دنيويًّا، وترفاً في العيش، وتنعماً يرفّهك في بيت منضد مزخرف بالزينة، مموّه بالذهب، مرقش بالفضّة، منمنم بمتاع الدنيا وزينتها!
ويحكي عنهم القرآن الكريم قولهم: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَو
يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8)}! (الفرقان).
فعقولهم المظلمة لا تستسيغ فهم رسول من عند الله، يدعو الناس إلى توحيد الله تعالى، وإقامة موازين العدل في الأرض، يعيش ببشريّته كما يعيش سائر البشر، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، ليكسب عيشه من كده وعرق جبينه، كما يكسب جميع الشرفاء في أرض الله أرزاقهم وأسباب عيشهم!
وهؤلاء الماديّون الوثنيّون لا يفهمون ما يقولون؛ لأنهم يتناقضون مع أنفسهم، فهم قد عجبوا أن جاءهم رسول يأكل الطعام، وهم أرادوه أن يأكل كما يأكل سائر الناس، ولكن من جنة دانية القطوف، يأكل منها وهو مستلق على ظهره يناغي نجوم الليل، لا يتعب ولا يتحرك، فإن لم تكن جنة فكنز من الذهب ينفق منه ما يشاء، فلا ينفد ولا يبيد!
بلادة عقليّة، وعقليّات بليدة، لا تعرف من الحياة إلا الأكل والطعام والشراب، وحتى هذا الذي تعرفه وتعيش عليه وله لا تريده إلا عسلاً يقطر في أفواههم وهم نائمون، فهم كما قال الله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12)} (محمَّد). وكما قال عز شأنه: {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)} (الأعراف).
ومن غلوّ هؤلاء الماديّين الوثنيين، وإغراقهم في الطيش والسفه الجهول، وطمس بصائرهم عن معرفة جلال الله وقدرته حق قدره تجاوزهم في تعنتهم كل حد بطلبهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالله تعالى تحيط به الملائكة
جهرة حتى يعاينوه معاينة بأبصارهم، تعالى الله عما يقول الجاهلون الظالمون علواً كبيراً!
تصوّر ماديّ ترابيّ جهول، لا يدين به إلا عبيد الوثنيّة في كل عصر ومكان من الحياة؛ لأنهم لا يعرفون إلا المادة وصورها وأشكالها!
ومن هذا الغلوّ الجهول الفاجر ما رواه ابن إسحاق، قال: فلما قالوا ذلك لرسول صلى الله عليه وسلم قام عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أميّة بن المغيرة بن مخزوم، وهو ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو لعاتكة بنت عبد المطلب، فقال له: يا محمَّد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله، كما تقول، ويصدّقوك ويتّبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم، ومنزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجّل لهم بعض ما تخوّفهم به من العذاب فلم تفعل -أو كما قال له- فوالله لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ إِلى السماء سُلماً، ثم ترقى فيه وأنا أنظر إِليك حتى تأتيها، ثم تأتي معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك ميتاً تقول، وايم الله، لو فعلت ذلك ما ظننت أنّي أصدّقك! (1)
جنون وعته؟ وطغيان وسفه، فالماديّون الوثنيّون في كل زمان ومكان، وجيل وقبيل، وعصر ومصر، لا يريدون بمقترحاتهم المتعنّتة أدلة على صدق دعوة الحق، ولكنهم يريدون العناد الكفور، والكفر العنيد، تملكهم الحسد
(1) السيرة النبوية: ابن هشام: 1: 367 - 368 صرح ابن إسحاق بالسماع وسنده منقطع، ورواه الطبري: التفسير: 15: 164 - 166 من طريق ابن إسحاق، دار الفكر، وابن أبي حاتم في تفسيره فيما عزاه إليه السيوطي في الدر: 4: 202 - 203، وابن المنذر -أيضاً- والواحدي: أسباب النزول: 198 - 199 معلقاً.
والحقد فعميت أبصارهم، وانطمست بصائرهم، وضلّوا عن رؤية الشمس وهي تخطف بأضوائها أبصارهم، وتحدق بلبها أفئدتهم!
وقد أرشد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يردّ على تعنتهم المعبّر عن سفه عقولهم وفساد تفكيرهم أبلغ ردّ وأوجزه، وأقطعه لحجّة المعاندين، فقال له:
{قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93)} (الإسراء).
فهذا ردّ برهان قاطع، يتضمّن:
أولاً: تنزيه الله تعالى عن أن يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو ربّ الخلق الذي ربّاهم في أطوار خلقهم، وأطوار حياتهم، وهو ربّ محمَّد صلى الله عليه وسلم الذي ربّاه لرسالته، فأحسن تربيته، وأرسله للناس هادياً، وعلّمه ألا يسمع إلى تعنتهم الذي لا يعرف لله وقاراً!!
ثانياً: بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبد من عباد الله، لا يزيد في بشريّته على أي فرد من أفراد الناس، يجري عليه في بشريّته ما يجري على سائر البشر، وإنما امتيازه الأعلى في اصطفاء الله له نبيًّا ورسولاً، يهدي إلى الحق ويدعو إلى الله، فليس له أن يتحكم على ربه فيسأله ما لم يأذن له به، وما لم يكن داخلاً في إطار رسالته!
22 - المعجزة الكبرى:
والذي تعنّت به المعاندون بمقترحاتهم الفاجرة أمور لا يقدر عليها أحد من البشر، محمَّد صلى الله عليه وسلم فمن دونه، وإذا كان سؤالهم يقصد إلى أن يطلب محمَّد صلى الله عليه وسلم من الله أن يظهر هذه الأمور التي اقترحوها لتكون معجزة له تدل على صدقه فيما جاءهم به من عند الله، ودعاهم إليه في رسالته ودعوته!
فهذا إمعان في التعنت؛ لأن دلالة المعجزة قاطعة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في أيّة معجزة يأتي متحدّياً، وقد أتى محمَّد صلى الله عليه وسلم بأعظم معجزة تحدّى بها العالمين، وهي (القرآن الكريم) الذي يتضمن الإعجاز، بما تضمنه من التحدّي وتجبيه المعاندين، فقال لهم:{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)} (البقرة).
وقد سجّل التاريخ (1) العجز على أهل اللغة أنفسهم في عصر نزول القرآن، وما أدراك ما عصر نزول القرآن؟ هو أزهى عصور البيان العربي، وأرقى أدوار التهذيب اللغوي، وهل بلغت المجامع اللغوية في أمة من الأمم ما بلغته الأمة العربية في ذلك العصر من العناية بلغتها -كما أسلفنا- حتى أدركت هذه اللغة أشدّها، وتمّ لهم بقدر الطاقة البشرية تهذيب كلماتها وأساليبها؟ ما هذه المجموع المحتشدة في الصحراء، وما هذه المنابر المرفوعة هنا وهناك؟ .. إنها أسواق العرب تعرض فيها أنفس بضائعهم، وأجود صناعتهم، وما هي إلا بضاعة الكلام، وصناعة الشعر والخطابة، يتبارون في عرضها ونقدها، واختيار أحسنها، والمفاخرة بها، ويتنافسون فيها أشدّ التنافس، يستوي في ذلك رجالهم ونساؤهم، وما أمر حسان والخنساء وغيرهما بخاف على متأدّب! فما هو إلا أن جاء القرآن .. وإذا الأسواق قد انفضت، إلا منه، وإذا الأندية قد صفرت، إلا عنه، فما قدر أحد منهم أن يباريه أو يجاريه، أو يقترح فيه إبدال كلمة بكلمة، أو حذف كلمة أو زيادة كلمة، أو تقديم واحدة وتأخير أخرى .. ذلك أنه لم يسدّ
(1) النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن: 83 وما بعدها بتصرف.
عليهم باب المعارضة، بل فتحه على مصراعيه، بل دعاهم إليه أفراداً أو جماعات، بل تحدّاهم وكرّر عليهم ذلك التحدّي في صور شتَّى، متهكّماً بهم، متنزلاً معهم إلى الأخفّ فالأخفّ .. فدعاهم أوّل مرّة أن يجيئوا بمثله، ثم دعاهم أن يأتوا بعشر سور من مثله، ثم أن يأتوا بسورة واحدة مثله، ثم بسورة واحدة من مثله!
انظر كيف تنزّل معهم في هذه المرتبة من طلب المماثل إلى طلب شيء مما يماثل، كأنه يقول: لا أكلفكم بالمماثلة العامة، بل حسبكم أن تأتوا بشيء، فيه جنس المماثلة ومطلقها، وبما يكون مثلاً على التقريب لا التحديد، وهذا أقصى ما يمكن من التنزّل، ولذا كان هو آخر صيغ التحدّي نزولاً، فلم يجيء التحدّي بلفظ من مثال إلا في سورة البقرة المدنيّة، وسائر المراتب بلفظ (مثله) في السور التي نزلت قبل ذلك بمكة!
وقد أباح لهم في كل مرّة أن يستعينوا بمن شاءوا أو من استطاعوا من رماهم والعالم كله بالعجز في غير موارية، فقال:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)} (الإسراء).
وقال: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)} (البقرة).
فانظر أيّ إلهاب، وأيّ استفزاز! لقد أجهز عليهم بالحكم الباب المؤكد في قوله {ولَن تَفعلُوا} ، ثم هدّدهم بالنار، ثم سوّاهم بالأحجار، فلعمري لو كان فيهم لسان يتحرك لما صمتوا عن منافسته وهم الأعداء الألدّاء، وأباة
الضيم الأعزّاء، وقد أصاب منهم موضع عزّتهم وفخارهم، ولكنهم لم يجدوا ثغرةً ينفذون منها إلى معارضته، ولا سلّماً يصعدون به إلى مزاحمته، بل وجدوا أنفسهم منه أمام طود شامخ، فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً .. حتى إذا استيأسوا من قدرتهم، واستيقنوا عجزهم ما كان جوابهم إلا أن ركبوا من الحتوف، واستنطقوا السيوف بدل الحروف، وتلك هي الحيلة التي يلجأ إليها كل مغلوب في الحجة والبرهان، وكل من لا يستطيع دفعاً عن نفسه بالقلم واللسان!
ومضى عصر نزول القرآن والتحدّي قائم ليجرب كل امرئ نفسه، وجاء العصر الذي بعده وفي البادية وأطرافها أقوام لم تختلط أنسابهم، ولم تنحرف ألسنتهم، ولم تتغير سليقتهم، وفيهم من لو استطاعوا أن يأتوا هذا الدين من أساسه، ويثبتوا أنهم قادرون من أمر القرآن ما عجز عنه أوائلهم، لفعلوا، ولكن ذلّت أعناقهم له خاضعين، وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل!
ثم مضت تلك القرون، وورث هذه اللغة عن أهلها الوارثون، غير أن هؤلاء الذين جاءوا من بعد، كانوا أشدّ عجزاً وأقلّ طمعاً في هذا المطلب العزيز، فكانت شهادتهم على أنفسهم مضافةً إلى شهادة التاريخ على أسلافهم، وكان برهان الإعجاز قائماً أمامهم من طريقين:(وجداني وبرهاني)، ولا يزال هذا دأب الناس والقرآن حتى يرث الله الأرض ومن عليها!
وهذا التحدّي (1)، وهذا التجبيه، مع إبلاس المعاندين ونكوصهم على أعقابهم خائبين دليل قاطع على أن محمداً صلى الله عليه وسلم استوفى أرفع درجات التحدّي
(1) محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 220 بتصرف
بمعجزته العظمى، ولم تظهر مطلقاً بادرة من بوادر المعارضة، فكان ذلك برهاناً قاطعاً على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا معنى إذن لطلب معجزات أخرى، والمعجزات الماديّة كالتي طلبها المعاندون تعنتاً ليست من مراقي الإعجاز في رسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ لأن رسالته صلى الله عليه وسلم رسالة علم وفكر وهدى وخلود، فمعجزتها يجب أن تكون معجزة عقليّة علميّة هاديةً خالدةً، لا ينقطع التحدّي بها زمناً من الأزمان، ولا جيلاً من الأجيال! ولو كان كل متعنّت يقترح شيئاً على الرسول صلى الله عليه وسلم تجب إجابته إلى اقتراحه لفتح باب العناد، واقترح كل معاند كفور العناد في كل وقت مقترحات يعنّت بها الرسول صلى الله عليه وسلم، فيصبح الأمر عبثاً وفوضى، وهذا إفساد للحياة!
قال القرطبي (1): قرأ أهل مكة والشام {قال سبحان ربي} يعني النبي صلى الله عليه وسلم، أي قال ذلك تنزيهاً لله عز وجل عن أن يعجز عن شيء، وأن يعترض عليه في فعل، وقيل: هذا كله تعجب عن فرط كفرهم واقتراحاتهم!
وقال بعض الملحدين: ليس هذا جواباً مقنعاً، وغلطوا؛ لأنه أجابهم فقال: إنما أنا بشر لا أقدر على شيء مما سألتموني، وليس لي أن أتخيّر على ربي، ولم تكن الرسل قبلي يأتون أممهم بكل ما يريدونه ويبغونه، وسبيلي سبيلهم، وكانوا يقتصرون على ما آتاهم الله من آياته الدالة على صحة نبوتهم، فإذا أقاموا عليهم الحجة لم يجب لقومهم أن يقترحوا غيرها، ولو وجب على الله أن يأيتهم بكل ما يقترحونه من الآيات لوجب عليه أن يأتيهم بمن يختارونه من الرسل، ولوجب لكل إنسان أن يقول: لا أومن حتى أوتى بآية خلاف ما طلب غيري، وهذا يؤول إلى أن يكون التدبير للناس، وإنما التدبير إلى الله تعالى!
(1) تفسير القرطبي: 10: 331.
والرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الرد (1) على هذه القراءة يبدأ رده على المعاندين المتعنّتين بتنزيه الله تعالى عن توهمات المعاندين .. ويضيف هذا التنزيه إلى اسم (الرب) بإضافة الإكرام والتكريم، والشرف والتشريف، فكأنه قيل: أنزّه بربّي الذي تعهدني بتربيته وفضله منذ خلقني، وأدّبني برسالته منذ بعثني رحمةً للعالمين عن تعنت المتعنتين؛ لأنه الفعّال لما يريد، إذا شاء شيئاً كان كما شاء، لا يعجزه شيء، يباع الأشياء عن غيب العدم بقدرته، وبعثني رسولًا هادياً، ومبشراً ونذيراً، وقد أنذرت المعاندين وحذّرتهم بطش الله ونقمته، كما حذّرت الأنبياء من قبلي أممهم، وبشرت المؤمنين برحمة الله وفضله ورضوانه!
23 - نهاية المفاوضات:
وانتهى موقف الحوار والمكالمة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وملأ المادية الوثنية ممثّلةً في زعماء قريش، وهو الموقف الذي طلبه الملأ، بعد أن تشكّكوا في موقف سفيرهم عتبة بن ربيعة، واتهموه بالصباءة إلى محمَّد صلى الله عليه وسلم، وأنه لسحره بلسانه -على هذه الصورة التي قدمناها روايةً وتحقيقاً، وتحليلاً وشواهد، ففسد أمر الناس، وشرى الشر بينهم، وتنابذ القوم، وتضاغنوا، وتباعدوا، وتذامرت قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشتد إيذاؤها له ولأصحابه، نتيجة لما أفعم نفوسهم من اليأس وخيبة الأمل، وأثراً لما ملأ قلوبهم من الحقد والأضغان والحسد!
فقد يئست الماديّة الوثنيّة ممثلةً في ملأ الطغاة من عباهلة قريش، بعد أن تجلّى
(1) محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 221 وما بعدها بتصرف.
لها موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حوارها معه ومكالمتها إياه، أن تجد عنده هوادةً في عزيمة القيام بأمر دعوته، وصلابته في تبليغ رسالته، كما يئست أن تجد لها منفذاً فيما عرضته عليه من مظاهر دنياها في شتّى أشكالها، وأبلغ ما تطمح إليه النفوس (الترابيّة) من صورها وأشكالها وألوانها!
فأعرض الرسول صلى الله عليه وسلم عنها متسامياً في عبوديته ربّه، مترفّعاً برسالته عن دناءات دنيا المادية الوثنيّة من مال وثراء، وكنوز، وجنات وعيون، وزخرف وزينة، ومتاع مادي وسيادة، وملك وسلطان، وأبى عليهم إلا أن يقولوا كلمة واحدة (لا إِله إِلا الله)، فإذا قالوها ملكوا بها الدنيا من أطرافها، والحياة من أقطارها شرفاً حقيقيًّا، وسؤددًا وملكاً مؤثّلاً!
24 - الصبر الجميل:
وقد قابل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه سفه قريش وإيذاءها بأجمل الصبر، وأعلى مراتب العفو والغفران، والإعراض عن المجازاة، والصفح عن الإساءات مع المحاسنة والمصابرة!
ويطالعنا ما رواه البخاري عن عروة بن الزبير (1)، قال: سألت عبد الله ابن عمرو عن أشدّ ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: رأيت عقبة ابن أبي معيط جاء إِلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يُصلّي، فوضع رداءه في عنقه، فخنقه خنقاً شديداً، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، فقال:{أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} (غافر: 28).
(1) البخاري: 62 - فضائل الصحابة (3678)، وانظر (3856، 4815).
وفي رواية لابن إسحاق وغيره عن عروة عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو ابن العاص قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يظهرون من عداوته، قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما رأينا مثل ما صَبَرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، سفّه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرّق جماعتنا، وسبّ آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا: فبينا هم في ذلك، إِذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مرّ بهم طائفاً بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول، قال: فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ثم مضى، فلما مرّ بهم الثانية غمزوه بمثلها. فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مرّ بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف ثم قال:"أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده! لقد جئتكم بالذبح".
قال: فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إِلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إِن أشدّهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إِنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولاً، قال: فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إِذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إِذا باداكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم به يقولون أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نعم، أنا الذي أقول ذلك". قال: فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه، قال: فقام أبو بكر رضي الله عنه دونه، وهو يبكي، ويقول: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ
يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} ثم انصرفوا عنه، فإِن ذلك لأشدّ ما رأيت قريشاً نالوا منه قط (1). وفي رواية للشيخين وغيرهما عن عبد الله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلّي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، إِذ قال بعضهم لبعض: أيّكم يجيء بسلا جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمَّد إِذا سجد، فانبعث أشقى القوم فجاء به، فنظر حتى إِذا سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر لا أغني شيئاً، لو كانت لي منعة، قال: فجعلوا يضحكون، ويحيل بعضهم على بعض، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدٌ لا يرفع رأسه، حتى جاءته فاطمة فطرحت عن ظهره، فرفع رأسه، ثم قال:"اللهم! عليك بقريش". ثلاث مرات، فشق عليهم إِذ دعا عليهم، قال: وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة، ثم سمّى:"اللهم! عليك بأبي جهل، وعليك بعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأمية ابن خلف، وعقبة بن أبي معيط". وعدّ السابع، فلم نحفظه، قال:"فوالذي نفسي بيده! لقد رأيت الذين عدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعى في القليب يوم بدر"(2)
(1) السيرة النبوية: ابن هشام: 1: 358 - 359، وصرح بالسماع، ورجاله رجال الصحيح، انظر: المجمع: 6: 15 - 16 ورواه ابن أبي شيبة: 14: 297.
(2)
البخاري: 4 - الوضوء (240)، وانظر (520، 2934، 3185، 3854، 3960)، ومسلم (1794)، وأحمد: 1: 393، والنسائي: 1: 161 - 162، واللالكائي: أصول الاعتقاد (1418، 1419)، والبزار (2399)، والبيهقي: 9: 7 - 8، والدلائل: 2: 279، 280، 3: 82 - 83، والبغوي (3745)، وابن حبان (6570).
وسبق أن ذكرنا طرفاً من عظم البلاء على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصبروا وصابروا ورابطوا!
25 - تبليغ الرسالة:
وكان موقف العناد الكفور (1)، والتعنت الجهول الذي وقفه ملأ قريش في مكالمتهم الجماعيّة المتعنتة حافزاً من حوافز الإفدام ودافعاً من دوافع القوة، وعاملاً من أقوى عوامل الإصرار الحازم والعزم الصارم، دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بسط دعوته في أكناف مكة وما حولها من محلات العرب ومنازلهم ومجتمعاتهم ومحافل مواسمهم وأسواقهم!
فكان صلى الله عليه وسلم لا يسمع برئيس قبيلة أو زعيم بيت أو عشيرة من بيوتات وعشائر العرب وبطونهم في منزل من منازل الوافدين على مكة للتجارة أو الحج إلا ذهب إليه يدعوه وقومه إلى الله، ويناديه إلى الهدى ائتنا، ويسمعه من آيات القرآن الكريم ما فيه شفاء للقلوب والأفئدة، ونور للبصائر والأفكار، وكانت قريش بعد فشلها في مكالمته صلى الله عليه وسلم، وما عرض عليه ملؤها من أمور الدنيا الماديّة تتبعه أينما ذهب، وحيثما ولّى وجهه أو نزل، فإذا سمعوه يدعو إلى الله تعالى بادروه بالتكذيب والاستهزاء، ورموه بالجنون والسحر، وكان أشدّهم عليه -كما أسلفنا- عمه المتبوب أبو لهب .. ومعلوم أن الناس كانوا في جاهليّتهم أشدّ تمسكاً بمواريث الآباء والأجداد، وأشدّ حرصاً على التشبت بمراسم الماديّة الوثنية؛ لا يفهمون لأول وهله إلا ما وافق تراثهم الجاهلي وعاداتهم التقليديّة! فإذا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى توحيد الله تعالى، وخلع الأنداد وإخلاص
(1) محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 123 وما بعدها بتصرف.
العبودية لله وحده والتحرّر من أغلال التعتد للأصنام والزعماء والرؤساء، وبدر أبو لهب بتكذيبه والتحذير من قبول دعوته، سألوا عنه، فقالوا: من هذا وراءه يكذبه، فيقال: عمّه! وتسري هذه في الغوغاء والجماهير التي تعيش بعواطفها وشعور التبعة لكل ناعق، فيقولون معرضين عن هداية الإِسلام: قوم الرجل أعلم به!
وسبق أن ذكرنا حديث: "لقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد".
وقد علّمَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل أذية تلحق شخصه صلى الله عليه وسلم في بدنه مهما عظمته وفدحت واشتدّ أثرها لا توضع قط في ميزان مع أيّة أذيّة تعترض طريق الدعوة، وتعوق تبليغ الرسالة مهما ضؤلت!
وعلمنا صلى الله عليه وسلم أنه كان يودّ الشهادة فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "انتدب الله لمن خرج في سبيله -لا يخرجه إِلا إِيمان بي وتصديق برسلي- أن أرجعه بما نال من أجراً وغنيمة، أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلْف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل"(1).
وسيأتي مزيد من الأدلة في العهد المدني!
وهكذا كان الأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم -كما سبق وكما سيأتي- والصحابة رضي الله عنهم، ومن بعدهم من الدعاة إلى الله تعالى، مع تناهي شدته
(1) البخاري: 2 - الإيمان (36)، وانظر (2787، 2797، 3172، 7226، 7457، 7463)، ومسلم (1876)، ومالك: 2: 460، 465، وأحمد: 2: 245، 313، 424، 473، 496، والنسائي: 6: 32، والبغوي (2614)، والبيهقي: 9: 24، 157، وابن ماجه (2753)، وابن حبان (4736).
وقسوته، بحيث يعجز القلم عن تصويره بحال، وقد شهدت شيئاً من ذلك بنفسي وعايشت ما يعجز الخيال الشاخص عن تصوره، وأحتسب ذلك عند الله تعالى .. إلا أن هذا كله لا يزن شيئاً أمام ما أوذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعويق رسالته، ووضع العقبات أمامها، وهذا درس للدعاة إلى الله .. وأسأل الله الشهادة في سبيله آمين آمين آمين!
بيد أن جماهير القبائل العربيّة، وفيهم عقلاؤهم وحكماؤهم، وذوو رأيهم كانوا يرجعون من مواسمهم، ولا حديث لهم إلا في شأن الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم وشأن الدعوة إلى الله تعالى!
وكان صدى ذلك يرجع في آفاق مكة، فيصك آذان ملئها وزعمائها، ويلج إلى قلوبها وأفئدتها فيحرقها، فرعبت قريش رعباً شديداً، وداخلها خوف أقلقها، فأقامها وأقعدها، فهي قد فشلت في كل ما دبرت وقدّرت في مناهضة دعوة محمَّد صلى الله عليه وسلم، فقد مكرت به لتقتله - كما سيأتي- وقد دبّرت له كل ما تمخضت عنه قرائح ملئها من السوء والتعذيب والإيذاء .. وها هي ذي ترى بأعينها دعوته تسري إلى العرب في منازلهم، ويتحدث الناس عنها، ويتجاوز الحديث عنها الغوغاء والجماهير إلى الحكماء والعقلاء وذوي الرأي من الشعراء والخطباء والحنفاء الذين أدركوا ذرواً من الحنفيّة ملة إبراهيم عليه السلام، فتعلّقوا به انتظاراً لبعث خاتم الأنبياء والمرسلين!
26 - موقف الوليد بن المغيرة:
وسبق أن عرفنا كيف اجتمع ملأ قريش وعباهلتها إلى طاغيتهم، شيخ الكفر، أشيب بني مخزوم، ومديان العرب وصاحب ثرائهم، ومالك ناصية
تجارتهم، وصاحب خزائم ربويّاتهم: الوليد بن المغيرة، وكان قد عتا في سنه، فبلغ من الهرم عتيًّا، وقد حضر الموسم -كما سبق- فقال لهم:(1)
يا معشر قريش، إِنه قد حضر هذا الموسم، وإِن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا رأياً نقول به، قال: بل أنتم، فقولوا أسمع، قالوا: نقول كاهن، قال: والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة (2) الكاهن ولا سجعه (3)، قالوا: فنقَول مجنون، قال: لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنْقَه، (4) ولا تخالجه (5)، ولا وسوسته (6)، قالوا: فنقول شاعر، قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كل رجزه، وهزَجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، (7) فما هو بالشعر، قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحّار وسحرهم، فما هو بنفْثهم ولا
(1) ابن إسحاق معلقاً: 1: 334 - 336، والطبري موقوفاً عن ابن عباس، وقد صرح عنده بالسماع 14: 157، وأبو نعيم من طريق ابن إسحاق عن سعيد بن جبير: الدلائل: 1: 332، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم مختصراً: الدر المنثور: 6: 282، والواحدي: أسباب النزول من غير طريق إسحاق: 295 مختصراً، وفي سنده إسحاق بن إبراهيم الدبري، انظر: الميزان: 1: 181.
(2)
الزمزمة. كلام خفي لا يسمع.
(3)
السجع: أن تتوافق الفواصل في الحرف الأخير.
(4)
يريد الاختناق الذي يصيب المجنون.
(5)
التخالج: اختلاع الأعضاء وتحركها من غير إرادة.
(6)
الوسوسة: ما يلقيه الشيطان في نفس الإنسان.
(7)
قوله: رجَزه وهَزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه: أنواع من الشعر.
عقدهم (1)، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إِن لقوله لحلاوة، وإِن أصله لعذْق (2)، وإِن فرعه لجَناه (3)!
قال ابن هشام: ويقال لغَدق، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عُرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرّقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبُل الناس (4) حين قدموا الموسم، لا يمرّ بهم أحد إلا حذّروه إيّاه، وذكروا لهِم أمره، فأنزل الله تعالى في الوليد بنِ المغيرة، وفي ذلك من قوله:{ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16)} (المدثر).
وروى الحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الوليد بن المغيرة جاء إِلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه، فقال: يا عم، إِن قومك يرون أن يجمعوا لك مالاً، قال: لم؟ قال: ليعطوكه، فإِنك أتيت محمداً لتعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر له، وأنك كاره له، قال: وماذا أقول؟
(1) إشارة إلى ما كان بفعل الساحر من أن يعقد خيطاً، ثم ينفث عليه، ومنه قوله تعالى:{وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقدِ (4)} (الفلق).
(2)
العذق: الكثير الشعب والأطراف في الأرض، ومن رواه بالغين المعجمة والدال المهملة فمعناه كثير الماء!
(3)
أي فيه تمر يجنى.
(4)
أي طرقهم، واحدها: سبيل.
فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا!
ووالله، إِن لقوله الذي يقول حلاوة، وإِن عليه لطلاوة، وإِنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإِنه ليعلو وما يُعلى عليه، وإِنه ليحطم ما تحته!
قال: والله لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: فدعنِي أفكر، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره، فنزلت:{ذَرْنِي وَمنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11)} (المدثر).
وقد أخرج هذا عبد الرزاق عن عكرمة مرسلاً، وابن جرير، وابن إسحاق وابن المنذر وغير واحد (1). هذا، وقصد الوليد بن المغيرة باستماعه للقرآن الكريم، وقوله فيه لأول ما قرعت آياته قلبه وعقله ما قال من مدح وثناء، ثم إنكاره كذباً بعد ما فكر في دنياه ومكانته من قومه، وتعبير أبي جهل له قصة تحتمل التكرار، وأنها وقعت له أكثر من مرّة، وهذا هو الأظهر والأدرب إلى التوفيق بين روايات القصة، ولا سيما أنها روايات تختلف اختلافاً جوهرياً في تسمية من سمع منه الوليد القرآن!
وتكرار قصة سماع الوليد للقرآن يشبه أن يكون أمراً طبيعيًّا، وخصوصاً، أن الوليد في عتوّ كفره وجحوده ومكانته الراسية من الماديّة الوثنيّة لا يتعجل الحكم، ولابدّ له من تكرار السماع وتعدّد مصادره، لينظر مقدار الاختلاف والتوافق بين هذه المصادر في أسلوب ما يسمع وحقائقه ومعانيه ومقاصده، فلما
(1) الحاكم: 2: 506 - 507، وانظر: تفسير الشوكاني: 5: 326.
وجد ما سمع أسلوباً ومعاني في الهداية، وحقائق في التوحيد، وأصول الفضائل، جاء كلامه في بعض الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في معرفته بالصدق والأمانة، ومكارم الأخلاق، وبعده عن جميع ما زعمه عليه أعداؤه أعداء رسالته ودعوته من ملأ قريش موحداً لوثيق معرفة سائر قومه به!
27 - نموذج للشرّ الخبيث:
وقد جعل القرآن الكريم على سنته ونهجه في تصوير الطبيعة البشريّة في جانبيها: جانبي الخير والشر، في نماذج من الأفراد والجماعات تمثّل جوانب الخير والشر، لتكون تلك النماذج مُثُلاً حبة مضروية للأجيال في كل زمان ومكان، وعصر ومصر، وجيل وقبيل، ترى فيها نفسها؛ ليكون ذلك أدعى للتأسي في الخير، وأردع عن الوقوع في حمأة الشرّ -من هذا الطاغية العنيد، الوليد بن المغيرة، نموذجاً لأخبث نوع من الشر الأثيم في طبيعة البشر، ولا سيما وهو في مكانته من زعامة قومه وبلده، فنزل فيه وفي كل من كان على شاكلته في أجيال البشريّة المتعاقبة من عناد للحق، وطغيان الكفر، وفجور الاستبداد، أينما وجد في أرض الله، نزل قول الله تعالى من سورة (المدثر) التي سبق أن عشنا في رحاب مقدمتها:
ثم أتبع القرآن الكريم ذلك بذكر الجزاء العادل التي ينتظر هؤلاء الفجرة، يقدمهم الوليد وأضرابه من نماذج الشرّ الأثيم، والعناد الكفور، فقال:{سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29)} (المدثر).
قال المفسرون:
(1) وهو الوليد بن المغيرة، قال مقاتل: يقول: خلّ بيني وبينه فأنا أنفرد بهلكته، وإنما خصّ بالذكر، لمزيد كفره، وعظيم جحوده لنعم الله عليه، وقيل: أراد بالوحيد: الذي لا يُعرف أبوه، وكان يقال في الوليد ابن المغيرة: إنه دعي! وكون الوليد بن المغيرة هو النموذج المقصود فيما جاء في هذه الآيات من خبائث الصفات، وأرذل الرذائل محل اتفاق إجماعي من المفسرين!
وقال الشوكاني في قوله:
{ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11)} : أي دعني، وهي كلمة تهديد ووعيد، والمعنى: دعني والذي خلقته حال كونه وحيداً في بطن أمه، لا مال له ولا ولد، هذا على أن وحيداً منتصب على الحال من الموصول، أو من الضمير العائد إليه المحذوف، ويجوز أن يكون حالاً من الياء في {ذَرْنِي}: أي دعني وحدي معه، فإني أكفيك في الانتقام منه، والأول أولى!
28 - دعاية للرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم
-:
ولما انتهى الوليد إلى ما انتهى إليه من قول الزور والافتراء على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فرح البلهاء من ملأ قريش، وتفرّقوا إلى السبل والطرقات، ومنافذ القادمين إلى مكة للتجارات أو للحج، يذكرون لهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم،
(1) تفسير الشوكاني: 5: 323.
ويحذرونهم منه .. ولكن الله تعالى جعلهم ألسنة نشر ودعاية للرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم .. وسرى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، يدخل إلى منازلهم، ويلج عليهم محافلهم وأنديتهم، وارتفع الهمس إلى جهر القوّة عن دعوة محمَّد صلى الله عليه وسلم ورسالته التي جاء بها من عند الله تعالى، ليقوم الناس بينهم بالقسط، في ظل عقيدة التوحيد، وخلع الأنداد، وإخلاص العبوديّة لله وحده، والتحرّر الفكري والاجتماعي الذي يعطي كل إنسان حقّه في العيش الكريم، وحقّه في إطلاق عقله، وإضاءة قلبه، وإشراق روحه!
واشرأبّت الأنظار هنا وهناك تتطلّع إلى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم، والاستماع لما أنزل عليه من القرآن المبين، فلما خرج إليهم بنفسه داعياً إلى الله، مبلغاً رسالة ربّه، بعد أن سدّت قريش منافذ قبول الهداية على نفسها، خرج مهياً للاستماع إليه، ولقي صلى الله عليه وسلم الناس ودعاهم إلى الهدى، فكانوا بين مباعد ومقارب، وقليل منهم من يفتح قلبه للهداية فيقبل الحق مؤمناً به، وكثير معرض ينظر ويتفكر!
29 - نماذج الخبث البشري:
هذا، والآيات التي أجمع المفسرون على أنها نزلت في الوليد بن المغيرة -باعتباره نموذجاً لأخبث لون من شرور البشرية التي تنتابها في أجيالها المتعاقبة، وبيئاتها الاجتماعيّة المختلفة تأستياً بهؤلاء الشرّيرين من نماذج الانحراف البشري، الذين أوتوا من أسباب الدنيا مصادر قيادة الجماهير والغوغاء قيادة طغيان كفور، وفجور مستكبر، واستبداد ظلوم- تصف هذا الطاغية العنيد بأوصاف لا تقصد إلى اختصاصه بها، ولكنها تستهدف تصوير الشكول والصور في الأفراد والجماعات التي تصبّ في قوالبها هذه النماذج الخبيثة، وتضع في إطارها معالمه!
والآيات الحكيمة المحكمة تبدأ بلون من التهديد المرعب، زجراً لغرور الفجور الذي أفعمت به نفس هذا الطاغية العنيد، فيقول الله تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم وهو الذي واجه عتوّ طغيان هذا الكفور، وطغيان أمثاله من أحلاس المادية الوثنية:
{ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11)} ليكون تهديد نماذج الفجور الوثني بما يصبّ عليهم من النكال والوبال، وشدّة العذاب، مصحوباً بإشراق الأمل في نفس الداعي إلى الله رسوله الصادق الأمن محمَّد صلى الله عليه وسلم، وحافزاً من حوافز الصبر على مكاره الطغاة وأذاهم، ودافعاً من دوافع مضاء العزائم في المضيّ قدماً يسير الدعوة وتبليغ الرسالة، ووعداً بالنصر المؤزر على جند الباطل مهما تجمعوا وتألّبوا، وعاملا من عوامل تثبيت اليقين في نفوس عامة المؤمنين، وهم في غمرة البلايا والمحن! والتهديد في هذه الآية بيّنٌ في أسلوبها المعجز بروعة بيانه، مع الإيجاز المحكم، فالله تعالى يقول لنبيّه صلى الله عليه وسلم يسلّيه ويخفف عنه عبء ما لقي ويلقى من شدائد المحن في دعوة هؤلاء الفجّار من عبيد الوثنيّة الماديّة المتهاوية، فكأنه قيل له صلى الله عليه وسلم: لا تحمّل نفسك نصب التفكير في صدّ تيّار الطغيان في هذا الفاجر الأثيم، ولا يمتلئن قلبك همًّا بدفع سفاهته وغروره، ولا تشغلن بالك به، وامض في طريقك هادياً مرشداً، ودعني وإيّاه فأنا وحدي كفيل بردعه ردعاً ينزل به نكال الآخرة والأولى!
30 - أسلوب الآيات:
وأسلوب الآيات في التهديد المزمجر جرى على المعهود في طرائق تخاطب الناس بعضهم مع بعض. وهو نهج القرآن الكريم في مخاطباته، جرياً على السّنَن المألوف، ليكون أفهم وأبلغ في الوصول إلى الغرض المقصود!
ثم ذكرت الآيتان: {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13)} أن هذا الطاغية الفاجر في كفره لم يكن طغيانه وفجوره عن مظاهر في حياته تدعوه إليهما، وإنما كان فجوره وطغيانه عن نفس خبيثة مولودة معه تكفر الإنعام، وتنكر الإحسان، فهو قد أحسن الله إليه إحساناً غامراً، وأنعم عليه إنعاماً فائضاً، فجعل له مالاً ممدوداً، لا ينقطع، عم أصناف المال، وطمّ أرجاء الحياة، وكثر وغمر، ورزقه بنين كثيرين، يحتفون به، فلا يفارقونه لحاجة، فهم أغنياء بثراء أبيهم، وهو مأنوس بهم، فرح بوجودهم حوله، مستقرّ الرضا برؤيتهم!
31 - معالم الفجور:
وفي تخصيص الإنعام عليه بالبنين نكتة لطيفة بالنسبة لهذا الطاغية وبيئته ومجتمعه، وما كان معروفاً مشهوراً لدى قومه من كراهية إنجاب البنات، وحبّ إنجاب البنين، فكان حريًّا في شرعة الإنصاف أن يكون شكاراً بنعمة الله عليه، ولكنه لخبث نفسه وسوء نحيزته بدّل نعمة الله كفراً، وأحلّ نفسه وقومه دار البوار، فاستكبر وتجبر، وطغى بنعمة الله وفجر، وناهض الحق، وقاوم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أفادت أن الله تعالى بسط له الجاه العريض، ومدّ له المال الكثير، ووطد له الرياسة في قومه، وأطال عمره فيهم، وأعلى كلمته عندهم، فأتمّ عليه نعم المال والجاه والولد، وهذا هو الكمال عند أهل الدنيا، ولا سيما الماديّون الوثنيون! ثم جاءت الآية التالية. {ثُمَ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيد (15)} (المدثر).
تقرّر أن هذا الطاغية العنيد -مع هذا السوء الذي أثقل طبيعة حياته- شره النفس، جموعٌ للدنيا، منوع لا ينفقها في خير قط، طموع فهو لا يشبع، لا يكاد
يفرغ من جمع حتى يتجه إلى جمع، يطلب زيادة من عنده من المال والبنين وبسط العيش!
ثم جاءت الآية بعدها: {كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16)} [المدثر].
تزجره عن الانسياق مع مطامع نفسه الخبيثة، وهو على ما هو عليه من خبث الطويّة ومكر السوء، ثم تقرّر الآية الكريمة بعد هذا الزجر بيان الحكمة في إنكار طمعه في الزيادة، والتعجب من حاله، وغروره في فجره وكفوره!
وفي الآية تيئيس له من الزيادة، ووعيد بالنقصان، ولهذا قال المفسرون: ولم يزل الوليد في النقصان بعد قول الله تعالى: {كَلًا} حتى افتقر، وخرف، ومات كفوراً فقيراً!، ووصفه في الآية بالعنيد لآيات الله بيان لشدّة فجوره وطغيانه، ومجاوزته كل عتوّ وإثم، فالعنيد مبالغة من العناد، وهو مجاوزة الحدّ، وأريد به هنا الذي عرف الحق بقلبه وعقله، وأنكره بقوله وفعله واعتقاده، استكباراً وغلواً في الجبروت والكفر، وفي تقديم المتعلّق {لآَيَاتِنَا} على متعلّقه {عَنِيدًا} تخصيص، كأنه قيل لأنه عنيد لآياتنا نحن الذين أنعمنا عليه بشتّى النعم، لا لآيات غيرنا، ممن لم يكن في استطاعته أن ينعم عليه بشيء!
32 - خصائص هذا النموذج:
وفي هذا التخصيص تسجيل لبالغ كفره، وشدّة عتوّه وفجوره، وسوء عناده.
قال الفخر الرازي (1): وفي هذه الآية إشارة إلى أمور كثيرة من صفاته:
(1) التفسير الكبير: 30: 200 بتصرف، دار إحياء التراث، ط ثالثة.
أحدهما: أنه كان معانداً في جميع الدلائل الدالة على التوحيد، والعدل، والقدرة، وصحة النبوّة وصحة البعث، وكان هو منازعاً في الكل منكراً للكل!
وثانيها: أن كفره كان كفر عناد، كان يعرف هذه الأشياء بقلبه، إلا أنه كان ينكرها بلسانه، وكفر المعاند أفحش أنواع الكفر!
وثالثها: أن قوله {كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16)} يدل على أنه من قديم الزمان كان على هذه الحرفة والصنعة!
ورابعها: أن قوله -أيضاً- يفيد أن تلك المعاندة كانت منه مختصّة بآيات الله تعالى وبيّناته، فإن تقديره: إنه كان لآياتنا عنيداً لا لآيات غيرنا، فتخصيصه هذا العناد بآيات الله، مع كونه تاركاً للعناد في سائر الأشياء يدل على غاية الخسران! ثم جاءت الآية التالية:{سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17)} (المدثر).
تقرّر ما أعدّه الله لهذا الطاغية من سوء العذاب في الآخرة، إلى جانب ما أرهقه به من سلب ما أنعم به عليه في الدنيا، كما أفادته كلمة الزجر {كلًا} عن الطمع في الزيادة، وأنه سيعامل بنقيض مقصوده من النقصان والسلب بعد العطاء، والإرهاق تحميل الشدائد وتكليفه إيّاها، {صَعُودًا} مثل لما يلقى المرهق من أثقال العذاب ومشاقه وصعائده مما لا يطاق مثله، وهو مأخوذ من قولهم عقبة صعود وكدود، أي شاقّة المصعد، والمعنى أن الله تعالى توعد هذا الطاغية بأنه سيجد عذاباً شديداً لا يطيقه، جزاء عناده في كفره وجحوده بإنعام الله عليه!
ثم ذكر الله تعالى حال هذا الطاغية في عتوّه وعناده في كفره، وأن كفره كان كفراً مقصوداً مرتّباً قائماً على التفكير والتقدير، فالطاغية العنيد قد فكر
وتدبّر، لا ليستبين الحق فيعتقده، والهدى فيتبعه، ويؤمن به، ولكنه فكّر ودبّر، وقدّر وهيّأ أموراً يردّ بها الحق الذي عرفه، واعترف به، فقال تعالى:{إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18)} (المدثر).
ثم عجيب العقلاء من أمره في تفكيره وتدبيره، سخرية واستهزاء منه؛ لأنه زعم أنه بتفكيره وتدبيره، وتهيئته ما هيئ في نفسه من لغو وفساد، مما يؤثر في سير رسالة الحق، قال تعالى:{فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19)} (المدثر).
أي هلك وأهلك، وقُهر وغُلب على أمره، وذلّ بعد عزّة في قومه، وافتقر بعد الثراء والغنى، وطُرد طرداً أبديًّا من رحمة الله:{كَيْفَ قَدَّرَ (19)} !
على أيّ حال هيأ ما هيّأ من الزور والبهتان، وركيك التفكير، وسفساف التدبير، ثم أكّد الله تعالى قهره ولعنته، وما باء به من الخسران، فقال -جلَّ شأنه-:{ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20)} (المدثر).
أي مع كونه هيّأ في نفسه كلاماً يردّ به على قومه في أمر محمَّد صلى الله عليه وسلم يأثرونه عنه، ويلقون به وفود العرب محذّرين، لم يستطع أن يقنع نفسه بما فكّر وقدّر ودبّر وهيّأ، فرجع وهو مغيظ محنق ينظر ويفرغ النظر في أمره صلى الله عليه وسلم، ويطيل التفكير والتدبير، فيزداد غيظاً وحنقاً، وكلما اشتد غيظه وحنقه ضاقت به الدنيا، وضاق بها، قهره الغيظ {عَبَسَ} وقطّب جبينه، واسودّ وجهه، واكفهر سمته، وتغيرّ رسمه، {وَبَسَرَ} كالحاً ممسوخاً عن إنسانيّته، وأخذ عن نفسه وتفكيره، واستولى عليه الدهش، وتملكته الحيرة، فلم يدر ما يقول في أمر محمَّد صلى الله عليه وسلم، وهو قد أعلن على قومه جهراً، وأوهم من حوله وهم يتسقطون رأيه، ويستنزلون وحي شيطانه أنهم ما من شيء يتهمون به محمداً صلى الله عليه وسلم مما زعموا
عليه إلا عرف أنه باطل، وكأنه قد سدّت دونه منافذ التفكير والتدبير والتقدير، فولَّى عن قومه معرضاً مستكبراً مغيظاً محنقاً، قد أحرق الحق قلبه، وهو يقول كمن يرمي بالقول رمياً لغير قصد، لا يبالي أن يكذّب نفسه، ولا أن يكذّبه قومه:{فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24)} (المدثر).
وكان قد قال لقومه وهو يحاورهم ويستطلع ما عندهم في أمر محمَّد صلى الله عليه وسلم فيما قال لهم: يزعمون أن محمداً ساحر، لا، والله ما هو بساحر، وقد رأينا السحّار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم!
33 - رأي آخر:
وكأن الطاغية قد تداركه شيء من نفحات الإنسانيّة، فأخذه من الحياء والخجل ما يأخذ الذين بقيت فيهم بقيّة من عقل، وتذكّر أنه كان قد نفى السحر عن محمَّد صلى الله عليه وسلم ما حكاه القرآن عنه:{إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25)} (المدثر).
قال الفخر الرازي
(1): والمعنى أن هذا قول البشر، ينسب ذلك إلى أنه ملتقط من كلام غيره، ولو كان الأمر كما قال لتمكّنوا من معارضته؛ إذ طريقتهم في معرفة اللغة متقاربة!
واعلم أن هذا الكلام يدل على أن الوليد إنما كان يقول هذا الكلام عناداً منه، لأنه روي عنه أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم (الم السجدة)، وخرج من عند الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: سمعت من محمَّد كلاماً ليس من كلام الإِنس ولا من كلام الجن، وإِنه له لحلاوة، وإِن عليه لطلاوة، وإِنه يعلو ولا يُعلى عليه!
(1) التفسير الكبير: 30: 202.
وسبق أن أشرنا إلى ذلك!
قال الفخر الرازي:
فلما أقرّ بذلك في أول الأمر علمنا أن الذي قاله ها هنا من أنه قول البشر، إنما ذكره على سبيل العناد والتمرّد؛ لا على سبيل الاعتقاد!
وفي سورة (القلم) -وهي من طلائع السابقات المكيّات في سور القرآن- آيات أقرب ما تكون في معانيها وأهدافها إلى آيات سورة (المدثر)، قرباً يكاد يكون وحدةً تؤلف نموذجاً متكامل الصورة في إبراز نوع من الطبائع البشريّة، يمثل في الحياة أخبث أنواع الشرور الكامنة في نفوس بعض الأفراد والجماعات على مرّ الزمان، واختلاف الأجيال، وتطوّر الأفكار!
وقد نقلنا إجماع المفسرين على أن المقصود بآيات (المدثر) مبتدئة بقوله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11)} باعتباره نموذجاً لأخبث أنواع الشرور النفسية والاجتماعيّة والعقليّة هو الوليد بن المغيرة المخزومي!
وعلى أساس هذا النقل، وما توحي به الآيات، وما يعطيه جوّها وأحداثها جرينا (1) في تحليلنا للآيات وفي تفسيرها بما يظهر صورة النموذج البشري الشرير، فيجعله مثلاً مضروياً في شاهد الحياة، ووقائع الأحداث في كل زمان، وكل مكان، وكل جيل من البشر!
34 - في رحاب سورة (القلم):
بيد أن المفسرين اختلفوا في المراد من الآيات من سورة (القلم) باعتباره نموذجاً لمعانيها وحقائقها وأهدافها وآثارها!
(1) محمَّد رسول الله: 2: 245 وما بعدها بتصرف.
قال القرطبي: ومعظم السورة نزلت في الوليد بن المغيرة، وأبي جهل (1)، وإذا كان هذا الوصف ({مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)}! (القلم)، وصفاً من أوصاف سورة (القلم) تدفعه به القصة التي تبين أنه كان ينفق ماله رئاء للناس، وتسميعاً بذكره، فإن سائر الأوصاف المذكورة فيها منطبقة عليه: قال تعالى:
هذه الآيات تضمنت عدّة أوصاف وصف بها طاغية الماديّة الوثنيّة، وكان خاتم هذه الأوصاف يشبه أن يكون تعييناً للوليد بن المغيرة، وأنه هو المراد هنا في آيات سورة (القلم)، كما هو المراد في آيات سورة (المدثر) باعتباره نموذجاً في الموضعين لأخبث أنواع الشرّ النفسي والاجتماعي في الطبائع البشريّة، وهذا الوصف المعين بالاختصاص هو قوله تعالى:{أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14)} ! فلم يعرف من طواغيت الوثنيّة في قريش بشهرته بكثرة المال والبنين مثل ما عرف الوليد بن المغيرة، وقد كان هذا الوصف محور فجوره وطغيانه الذي دارت عليه معاني آيات سورة (المدثر)!
وقد افتتحت آيات سورة (القلم) بنهي النبي صلى الله عليه وسلم نهي تعليم وتشريع عام عموم الأزمنة والأمكنة والأجيال والأحداث، بعد تمهيد بنهي عام، أجمل تحته أقبح وصف اتصف به إنسان، فقيل:{فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8)} ! (القلم) والمكذبون لرسالات الله هم الذين لا يرعون في حياتهم عهداً، ولا يعرفون
(1) تفسير القرطبي: 18: 229، دار إحجاء التراث عام 1966 م.
قانوناً، ولا يستمسكون بشرائع الهداية، ولا يطوون صدورهم على ضمائر تردعهم عن الانغماس في موبقات الحياة ومظالمها ومفاسدها!
وهذا النهي قصد به إلهاب شعور رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتهييج وجدانه، ليكون في موقفه من مداهنة الكافرين كعهد الحياة به أشدّ وأصلب، وأسمى من أن يتنزّل إلى خداع رغائبهم!
35 - معالم خصائص نموذج الفجور:
-
المعْلَم الأول:
ثم جاء تفصيل بعض هذا الإجمال بتعيين نموذج الطبيعة البشريّة بوصفه وخصائصه الشرّيرة المعيّنة: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10)} والحلاّف مبالغة في كثرة الحلف، وامتهان القسم فيما رخص وسفل وهان واستهين، ولا يقع ذلك إلا ممن تولّى حياة الدناءات، وعاش فيها، وهانت عليه إنسانيّته، وانثلمت كرامته، وانعدمت من النفوس الثقة به، وشهر بينهم بالكذب والغشّ والخداع والخيانة، وخبث الطويّة، وملاحاة الناس في معاشرتهم والتحايل عليهم بما يكون وما لا يكون، وما ينبغي وما لا ينبغي!
وليس وراء ذلك وضاعة أو مهانة أو زراية بالنفس أو حقارة، أو ذلة ودناءة، أو رذالة أو نذالة، فالتلازم بين المبالغة في الحلف وكثرته وامتهان القسم، وبين الوضاعة والمهانة في جميع صورها من رذائل الطباع وسفالة الأخلاق من تلازم لا تنفك روابطه النفسيّة، حتى صار عنواناً على فساد الفطرة ودنس الطبيعة!
-
المعْلم الثاني:
ثم جاء بعد هذا الوصف وصف آخر يحمل خصيصة دامغة لهذا الطاغية في صورته النموذجيّة، ومعه قرينه الذي لا يفارقه، فكانا في تمثيل نموذج الإفساد في الأرض كأنهما غصنان من عوسجة الشرّ الوخيم، يرتبطان بما قدّمته الأولى من وصفَيْ المهانة والمبالغة في كثرة الحلف ارتباط الفرع بالأصل:{هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11)} والهمّاز هو العيّاب الذي يتسقط العيوب فيلصمها بالبرآء، ويتلقطها من أفواه الشرّيرين ليضعها على هامات الخيرين، حتى يتساووا معه في شرّيته، كما قال تعالى في وصف طبيعة هؤلاء الباغين للناس التورّط في حمأة الشر والفساد معهم، حتى تعالوا في سوء أطماعهم أن يتناولوا الشمس بأيديهم ليطفئوا نورها بأفواههم، فعتوا عتوًّا كبيراً، وودّوا لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مالأهم ليمالئوه، وداهنهم فيداهنوه، بعد أن دمغهم بتكذيب الأنبياء والمرسلين:{وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)} .
قال ابن عباس وعطية والضحاك والسدي: ودّوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم، وعن ابن عباس أيضاً: ودُّوا لو تُرخَّص لهم فيرخَّصون لك، وقال الفراء وغيره: لو تلين فيلينون لك، والآدّهان: التليين لمن لا ينبغي له التليين!
وقال مجاهد: المعنى ودّوا لو ركَنْت إليهم وتركت الحق فيمالئونك، وقال الربيع بن أنس: ودّوا لو تكذب فيكذبون، وقال قتادة: ودّوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبون معك، ونقل القرطبي اثني عشر قولاً! (1)
وقد أخبر الله تعالى في سورة نزلت برسم هؤلاء المفسدين العيّابين،
(1) تفسير القرطبي: 8: 230، وانظر: تفسير الشوكاني: 5: 268.
الهمازين للناس، بأن لهم الويل، أي الخزي والنكال في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة، فقال تعالى:{وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1)} [الهمزة]. والذي يشغل نفسه بتسقط ما يعيب به الناس ليشينهم في مجتمعهم، ويحقرهم بين قومهم، ويسقط مروءاتهم في بيئاتهم لا يزال رأيه الإفساد بين كل متوافقين، والتفريق بين كل متحابّين، والتعكير بين كل متصافين؛ لأن ارتباط الناس بالتوافق والمحبّة ومعاشراتهم بالمصافاة والمودّة يغيظ الهمّاز المشاء بالنميمة، لسوء مخبره، وكراهيته لكل خيريرى عليه الناس!
وهذا هو المشاء بالنميمة الهمّاز اللماز، وصاحب هذه الخليقة الدنيئة مبغض محقور في الدنيا، مطرود من رحمة الله في الآخرة، وهنا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يدخل الجنّة قتات"(1).
والقتّات هو النمّام، وهو الذي ينقل الحديث على وجه الإغراء بين المرء وصاحبه!
قال العلماء: وينبغي لمن حملت إليه نميمة ألا يصدّق من نمّ له، ولا يظن بمن نمّ عنه ما نقل عنه، ولا يبحث عن تحقيق ما ذكر له، وأن ينهاه، ويقبح له فعله، وأن يبغضه إن لم ينزجر، وألا يرضى لنفسه ما ينهى النمّام عنه، فينمّ هو على النمّام، فيصير نماماً. وهذا كله إذا لم يكن في الفعل مصلحة شرعيّة، وإلا
(1) البخاري: 78 - الأدب (6056)، والأدب المفرد (322)، ومسلم (105)، والحميدي (443)، وأحمد: 5: 397، 332، 389، 392، 397، 402، 404، والطيالسي (421)، وأبو داود (4871)، والترمذي (2026)، وابن أبي الدنيا: الصمت (254)، وابن حبان (5765)، والطبراني: الكبير (3021)، والأوسط (4204)، والصغير (561)، والقضاعي (876)، والبيهقي: 8: 166، 10: 247، والآداب (137)، والبغوي (3569).
فهي مستحبّة أو واجبة، كمن اطلع على شخص يريد أن يؤدي شخصاً ظلماً، فحذّره منه! (1)
-
المعلم الثالث:
ثم عقبت الآية من سورة (القلم) هذه الأوصاف بثلاثة أوصاف تصم الطاغية العربيد بأخبث أوصاف نماذج الطبيعة الشرّيرة: {مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13)} {مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ} وهو قادر عليه يمسكه عن مواضع البرّ والإصلاح، وينفقه تبذيراً وإسرافاً في مواطن السوء والإفساد، فهو في حقيقته شحيح بخيل، لا تنتفع الحياة الصالحة من وجوده بشيء، ولا يصل إلى أحد منه خير يصدّ عن الحق، ويعاند الهدى، ثم هو بعد ذلك {مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} ظلوم كفّار، لا يقف في ظلمه وتعدّيه عند حد!
-
المعْلم الرابع:
وهو في بطشه واستبداده متجاوز لكل حد، مبطل كذوب، فاجر عنيد، كثير الإثم في محاربته لله ورسوله، لا يتوقى شراً، ولا يتحذّر من بغي، ولا يتحرّز من عتوّ، فهو مجمع القبائح والفضائح، وموئل الدنايا والرذائل!
ولا تنهي الآيات وصفها بهذه الأوصاف المهينة، حتى تتلقّاه مما شوّه خلق الله في صورته وسمته، وسحنته الخلقية {عُتُلٍّ} أي جاف، غليظ الطبع، شره، بطن، أكول شروب، فاحش العشرة، متفحش سيء المعرفة، لئيم النفس، خبيث الطبع، حقود كنود، يخاصم في غير حق فيفجر، ويعتدي فلا يبالي أن يخون ويغدر، ثقيل الظل جحود، كفور لكل نعمة، نكّار لكل إحسان!.
(1) الإحسان: 13: 79، وانظر: فتح الباري: 10: 473.
-
المعْلَم الخامس:
وهو بعد ذلك الذي تقدّم من أوصاف السوء والقبائح (زَنِيمٍ) أي مشهر بلؤم الطبع، ودناءة النفس، وسوء الخلق، يتحامى الناس القرب منه اتقاء بغيه وعدوانه وبذائه، وهذا الوصف القبيح الذي أربى في فحشه على فحش ما سبقه من نعوت الخبث والشرّ، يجعل المتصف به يستشعر المهانة في نفسه، فيتكلف التعاظم الكذوب ليداري سوآته، ويشمخ مستكبراً ليخفي مهانته، ويسرع إلى الظلم يرتكبه، وإلى الطغيان يدّرعه ليغطي حقارته وضآلة شخصيّته، فالزنيم هو الشرّير الظلوم عظيم الشرّ الجفور، الذي يأكل فلا يشبع، ويمنع الخير أن يصل إلى غيره، ولو كان آتياً من غيره، يمنع غيره أن يصل في سعيه إلى خير!
وهذان الوصفان {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13)} متلازمان في وجودهما، فالزنيم عتلّ، والعتلّ زنيم، وهما جماع الرذائل والقبائح، وهنا نذكر ما رواه الشيخان عن حارثة بن وهب الخزاعي، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا أخبركم بأهل الجنة؟ ""كل ضعيف، لو أقسم على الله لأبرَّه، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ"(1).
قال القرطبي: (2) هذا التفسير من النبي صلى الله عليه وسلم في العتلّ قد أربى على أقوال
(1) البخاري: 78 - الأدب (6071)، وانظر (6657)، ومسلم (2853)، وأحمد: 4: 306، وابن أبي شيبة: 8: 516، وأبو داود (4801)، والترمذي (2605)، وابن ماجه (4116)، والبغوي: شرح السنة؛ (3593)، والطيالسي (1238)، والبيهقي: 10: 194، والشعب (8173، 1874، 10484)، والطبراني: الكبير (3236) من طريق الأعمش، (3257) من طريق مسعر، كلاهما عن معبد، والنسائي: الكبرى (11615)، والتفسير (635)، وأبو يعلى (1477)، وابن حبان (5679)، والمزّي: تهذيب الكمال: 28: 233.
(2)
تفسير القرطبي: 18: 234 بتصرف.
المفسرين، ووقع في كتاب أبي داود في تفسير الجوّاظ أنه الفظّ الغليظ .. ثم قال: ففيه تفسيران مرفوعان .. وقد قيل: إنه الجافي القلب .. والزنيم: الملصق بالقوم الدعي .. وكان الوليد دعيًّا في قريش وليس من سنخهم (1). وأيّاماً كان فنكاح الجاهلية فيه أشياء لا تدخل تحت ضبط اجتماعي يَضبطها، ولا تتقيّد بوضع ديني يوجهها!
- مجمع الخبائث:
وفي قوله تعالى: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13)} إشارة إلى أن وصف هذا الطاغية بالعتل الزنيم، بعد وصفه بما تقدم من النقائص والقبائحِ قد جمعت له مخابث الصفات ومقابحها، قال الفخر الرازي:(2) قوله {بَعد ذَلِكَ} معناه أنه بعد ما عدّ له من المثالب والنقائص فهو عتلّ زنيم، وهذا يدل على أن هذين الوصفين، وهو كونه عتلاً زنيماً أشدّ معايبه؛ لأنه إذا كان جافياً غليظ الطبع قسا قلبه، واجترأ على كل معصية!
-
المعْلَم السادس:
ثم جاء بعد هذه الأوصاف والمثالب ما يبين أن ما أوتيه هذا الطاغية من النعمِ، فكفره وجحد إحسان الله إليه فيه، وذلك قوله تعالى:{أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14)} هو الوصف الذي كان مظهر طغيانه وفجوره، واغتراره بما أوتي من نعم، وكفران النعمة إذا انضم إلى كفران المنعم كان من أعظم النقم الموجبة لسخط الله وبطشه، والتي تؤدي بصاحبها فتهلكه من حيث يريد السلامة، وتذله من حيث يريد العزّة!
(1) السنخ: الأصل.
(2)
التفسير الكبير: 30: 85.
وهذا الوصف كان هو الوصف المعيّن في سورة (القلم) لإرادة الوليد ابن المغيرة بموضوعيّته لأوصاف الآيات، كإرادته بموضوعية أوصاف آيات (المدثر)؛ لأن هذا الوصف كنفسه إذ جاء هناك في أوصاف الطاغية بصورة الامتنان في قوله تعالى:{وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13)} ولم يشتهر في قريش بكثرة المال والبنين أحد شهرة الوليد بهما، وكل الذين ذكرهم المفسرون لنزول آيات (القلم) فيهم: الأخنس بن شريق، والأسود بن عبد المطلب الأسدي، وعبد الرحمن بن الأسود، وأبو جهل، ولم يكن فيهم من عرف بما عرف به الوليد في كثرة المال والبنين!
فالوليد بن المغيرة هو نموذج الأوصاف والقبائح التي ذكرت في السورتين:
سورة (المدثر) وسورة (القلم)، فلا ينبغي العدول عن هذا الظاهر إلى أقاويل أخرى!
ثم عقّبت الآيات هذه الأوصاف وما ختمت به من الغرور الفاجر بنعمة الله التي أضفاها عليه من المال الوفير وكثرة البنين -وهما نعمة النعم في الدنيا وزينتها التي يتنافس عليها أهلها- بما كان نتيجة طبيعيّة لتلك المثالب والنقائص الخُلُقيّة والخَلْقيّة والقبائح الاجتماعيّة، من اجترائه على خبيثة الخبائث بوصف آيات الله إذا تليت وسمعها بأنها أساطير الأولين وخرافاتهم، وتكذبهم في أسمارهم، وهذا كالذي جاء في سورة (المدثر) من قول الطاغية فيما حكاه الله عنه:{إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25)} .
وهذا التوافق في المعنى بين ما جاء في سورة (المدثر) من وصف القرآن باطلاً بأنه سحر يؤثر، وبين ما جاء في سورة (القلم) من وصفه باطلاً بأنه
أساطير الأوّلين، هو الدليل على أن الآيات في السورتين تعني نموذجاً واحداً للشرور، تمثل في شخص الوليد بن المغيرة المخزومي؛ لما كان متوافراً فيه من عتوّ الطغيان وفجور الكفر والاغترار بما أوتي من مال وبنين!
36 - إشهار نموذج الشر:
ثم بعد أن أنهت الآيات وصف الطاغية في عناده بالقبائح التي لازمته في حياته، ووصمته في تاريخه، وطاردته بعد هلاكه، ذكر الله تعالى ما توعّده به باعتباره نموذجاً لتلك القبائح من الخزي في الدنيا والعذاب المهين في الآخرة، فقال:{سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16)} .
ومعنى النموذجيّة في تصوير من اتصف بهذه القبائح أن كل ما يتصوّر أن يقع على الصورة الفرديّة لهذا النموذج هو واقع في الدنيا والآخرة بجميع من كان على شاكلته من الوثنيّن، أينما وجدوا وحيثما كانوا في أي زمان ومكان ومن أي جيل!
والوسم في اللغة: العلامة المحسوسة، تكون في الحيوان من كيّه بالنار، أو خدش في عضو من أعضائه، أو قطع في أذنه يُعلَّم بها ليعرف، والخرطوم هو أنف الحيوان، ثم استعير لأنف الإنسان كما يستعار المشفر للشفة، وهذا لتقبيح الوصف به!
قال المبرد (1): الخرطوم ها هنا الأنف، وإنما ذكر هذا اللفظ على سبيل الاستخفاف به؛ لأن التعبير عن أعضاء الناس بالأسماء الموضوعة، لأشباه تلك
(1) تفسير الفخر الرازي: 29: 86 بتصرف.
الأعضاء من الحيوانات يكون استخفافاً، كما يعبر عن شفاه الناس بالمشافر، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافز!
والوجه أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه، لارتفاعه عليه، ولذلك جعلوه مكان العز والحميّة، واشتقّوا منه الأنفة، وقالوا: الأنف في الأنف، وحمي أنفه، وفلان شامخ العرنين، وقالوا في الذليل: جدع أنفه، ورغم أنفه، فعبّر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة؛ لأن السمة على الوجه شيخ، فكيف على أكرم موضع من الوجه!
والآية من قبيل الكناية، فالمقصود التعبير بالوسم وإرادته لازمة، وهو الشهرة، وهي هنا شهرة بالمذام والقبائح؛ لإفادة غاية الإذلال والمهانة في الدنيا والنكال والخزي وسوء العذاب في الآخوة!
قال الرازي: وفي الآية احتمال آخر عندي، وهو أن ذلك الكافر إنما بلغ في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي الطعن في الدّين الحق، بسبب الأنفة والحميّة، فلما كان منشأ هذا الإنكار هو الأنفة والحميّة كان منشأ عذاب الآخرة هو هذه الأنفة والحميّة، فعبّر عن هذا الاختصاص بقوله:{سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16)} !
فالمقصود بهذا الوعيد إشهار قبائح الطاغية وكسر شهوة عنجهيّته وغروره بتعرية نقائصه وكشف سوآته، حتى يتعالمه الناس ويعرفونه بما دفعه به القرآن، فلا يخفى أمره على أحد، كما لا تخفى الحيوانات الموسومة على خراطيمها!
ولا شك أن هذه المبالغة في مذمة هذا الطاغية العنيد بقيت على وجه الدهر تلازمه وتلاحقه بالخزي والإذلال في حياته، وباللعنات والنكال بعد هلاكه!
قال القرطبي: (1) وهذا كله نزل في الوليد بن المغيرة، ولا نعلم أن الله تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغه منه، فألحقه به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة!
وهنا نبصر توافقاً في المعنى وموافقة لقول معظم المفسرين .. ومع هذا فهناك كثيرون من أهل الفجور الذين يضيق المقام بذكرهم، قد ذكرهم المفسرون وأصحاب السير! (2)
37 - منح في ثنايا المحن:
هذا، وقد كانت هذه الفترة من سير الرسالة مشحونة (3) بشدائد الحق، وفوادح البلاء، وقف فيها الرسول صلى الله عليه وسلم وحده، يكافح في سبيل دعوته، وتبليغ رسالته، صابراً محتسباً، لا يكلّ له عزم، ولا تضعف له إرادة، ولا يملّ ولا يفتر، ولا يهاب مجموع أعدائه على كثرتهم الهائلة، ولا يبالي طغيان قوتهم الفاجرة، ولا يهتمّ بفجور مقاومتهم الطاغية، ولكنه صلى الله عليه وسلم كان نقاذاً إلى هدفه، لا يكاد يخرج من محنة حتى يدخل في بلاءً أشدّ وأعظم، ولا يلبث أن يودع حادثاً حتى تواجهه أحداث، وقوى الشرّ والجبريّة الطاغية تتابعه أينما حلّ وحيثما توجّه بدعوته، وأصحابه قلة يسومها طغيان الماديّة الوثنيّة سوء العذاب، ويذيقونها شديد الأذى، وهم صابرون محتسبون تأسّياً برسول الله صلى الله عليه وسلم في صبره وقوّة عزمه، انتظاراً للفرج من الله في وعده!
(1) تفسير القرطبي: 18: 237.
(2)
انظر: محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 254 وما بعدها.
(3)
المرجع السابق: 265 وما بعدها بتصرف.
38 - إذاعة الإرجاف:
وقد استنفد المشركون معهم كل لون من ألوان العذاب، فلم يصرفهم ذلك عن دينهم وعقيدتهم، كما استنفدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كل عتوّ فاجر، وكل حيلة وتهاون، وكل ترغيب وترهيب، فلم يقعده ذلك عن المضيّ قدماً في نشر دعوته، وتبليغ رسالته، حتى استيأس الطغاة البغاة العتاة من عزيمته أن تقف دون غايته، فعمدوا إلى تعويق سير الرسالة بنشر الإشاعات الكاذبة، والإرجاف الخبيث، يذيعونه في وفود القبائل العربيّة الوافدة على مكة لحضور الموسم، ولكن الله تعالى كان لهم بالرصاد، فجعل من تدبير شرورهم وإفسادهم خيراً وإصلاحاً، وعادت الوفود إلى قبائلها وبطونها، وعشائرها في منازلهم ومواطنهم، ومعهم ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدعو إليه من الخير والهدى، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، وإقامة موازين العدل، وإخلاص العبادة لله تعالى وحده!
وسرى مع ذلك الحديث عناد قريش وطغيانها إلى الآذان في المواسم والمحافل التي تجمع مجموع الخطباء والشعراء والتجار المتحنفين، وتسرّبت إليهم الأنباء عن هدْي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمته، ومقابلة الأذى بالعفو والصفح الجميل!
وسدّت قريش بطغيانها على نفسها منافذ الإيمان وتقبّل الحق، وعتت عن أمر ربَّها ورسالته، وبغت في الأرض بغير الحق، فلم يبق لديها مسرب للاهتداء، وهنا نقر:{إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10)} ! (يس).
ونبصر بياناً من الله تعالى يعلن على مسامع الدنيا أن هؤلاء الأخباث من طغاة الماديّة الوثنيّة قد طبع الله على قلوبهم، فلن يهتدوا أبداً، وختم على سمعهم فلن يسمعوا سماع هداية وإرشاد أبداً، وطمس على أبصارهم فلن يبصروا دلائل عظمة الله ووحدانيّته قائمةَ في مظاهر الطبيعة وآياته الكونيّة، وهي تنادي بلسان حالها قويّةَ قاهرةً، فهم عمي، بكمٌ، صمُّ، لا يرجعون عن غيّهم، وعتوّ كفرهم .. وقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعرض عنهم، وأن يتركهم إلى ما أقاموا أنفسهم له، وما وقفوا حياتهم عليه من العكوف على إرادة الدنيا وحطامها لا يريدون غيرها، فهم لا يرغبون في هدى، ولا يريدون حقاً، ولا يرضون أن يسود حياة الناس عدل ولا أن تتداركها رحمة؛ لأن الدنيا وجمعها كانت مبلغ علمهم بالحياة، ومنتهى غايتهم منها، فهم في جهالة جاهلة، ووثنيّة بليدة، وماديّة مظلمة، فقال الله عزّ شأنه لنبيّه صلى الله عليه وسلم:{فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (30)} (النجم)، قيل: نزلت في النضر بن الحارث، شيطان الأساطير والخرافات، والوليد بن المغيرة، طاغية السحر المأثور (1)، وهي من باب النماذج الممثلة لصور الشرّ والفساد المركوز في بعض الطبائع البشريّة!
39 - توجيه إلهي:
وكان هذا توجيهاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الانتقال بدعوته، وتبليغ رسالته، بعيداً عن عنجهيّة غطارفة قريش، وهم غارقون في وثنيّتهم الفاجرة التي
(1) انظر: تفسير القرطبي: 17: 105.
يتاجرون بها العرب من وراء أسوار التنفّج المستكبر، والتعالي العتي بأنهم سدنة البيت الحرام، ومطعمو الحاج، وكان هذا التوجيه نقطة تحوّل في سير الرسالة، انطلقت منه إلى آفاق أرحب من آفاق مكة وقريشها، إلى جوّ أفسح من جوّ الطغيان الفاجر الذي كانت تعيشه قريش في بلدها، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه ودعوته على الناس في منازلهم، ويبلغهم رسالة ربهم في مجتمعات مواسمهم وأسواقهم، وقد أصبحوا في ذكر منه صلى الله عليه وسلم، وذكر من دعوته بما أحدثه طيش ملأ قريش في ترصّدهم لقبائل العرب، يحذّرونهم منه صلى الله عليه وسلم، ومن سحر كلامه، وفي الناس عقول، وللعقول وزن لما تسمع وما ترى، وقد أبى على كثير من العقلاء كرم إنسانيّتهم أن يلغي عقله، من أجل صيحات حاقدة، تطلقها حناجر بعض الدعاة إلى الشيطان من سفهاء قريش هنا وهناك، يعيبون بها محمداً صلى الله عليه وسلم، ويشوّهون بها دعوته، وما جاء به من الهدى والإصلاح، فليسمع العقلاء من محمَّد صلى الله عليه وسلم، ثم يحكموا .. أما أن يقول الحاقدون من غثاء الماديّة الوثنيّة قولاً، ثم يطلب إلى الناس من غير إعطائهم فرصة النظر الفاحص، والتدبر الباحث، أن يأخذوا هذا القول مقطع الفصل، فهذا ما لا ينبغي للعاقل أن يقبله، وأن يأخذ به نفسه!
وقد كان لهذا التوجيه بالخروج إلى الدعوة إلى مجالها الفسيح، ومواجهة العقول بها مواجهة مباشرة، بعيدةً عن التأثير التقليدي لمواريث الوثنيّة المتحمسة في قريش وملأ طغاتها أثر واسع المدى، عظيم الخطر، وإن كان مختلفاً اختلافاً بعيد الأطراف، ولكنه كان على ما لقي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من شدّة ومحن كانت في بعض صورها أشدّ وأعنف مما لقوه من قريش في مكّة -مليئاً بالخير والتقدّم بالدعوة إلى خطواتها القويّة الرصينة التي
كانت أساساً لدعائم تكوين المجتمع المسلم، وتحديد خصائصه، وتحصين كيانه، وحماية وجوده! وقد كان هذا التوجيه منفذاً من منافذ سريان الدعوة إلى العقول والقلوب، اتخذ فيه سَيْرُ الرسالة سَمْته إلى تبيث أقدامها راسخةً هادئة، في صبر لا ينفد، وعزائم لا تفتر!
40 - إسلام الطفيل الدوسي:
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما يرى من قومه، يبذل لهم النصيحة، ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه، وجعلت قريش، حين منعه الله منهم، يحذّرونه الناس، ومن قدم عليهم من العرب!
وكان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدّث: أنه قدم مكّة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلاً شريفاً شاعراً لبيباً، فقالوا له: يا طفيل، إنك قَدمْتَ بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا، قد أعضل (1) بنا، وقد فرّق جمَاعتنا، وشتّت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرّق بين الرجل وأبيه، وبين الرجل وأخيه، وبين الرجل وزوجته، وإنما نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنّه ولا تسمعن منه شيئاً!
قال: فوالله ما زالوا بي، حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئاً، ولا أكلمه، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كُرْسفاً (2)، فَرقاً من أن يبلغني شيء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه!
قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول صلى الله عليه وسلم قائمٌ يصلّي عند الكعبة،
(1) أي: اشتد أمره، يقال: أعضل الأمر إذا اشتد ولم يوجد له وجه، ومنه الداء المعضل.
(2)
أي قطناً.
قال: فقمت منه قريباً، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، قال: فسمعت كلاماً حسناً، قال: فقلت في نفسي وا ثُكْلَ أمّي، والله إني لرجل شاعر ما يخفى عليّ الحسنُ من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول! فإن كان الذي يأتي به حسناً قبلته، وإن كان قبيحاً تركته!
قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته فاتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمَّد، إن قومك قد قالوا لي كذا، وكذا، للذي قالوا، فوالله ما برحوا يخوّفونني أمرك حتى سددت أذني بكُرْسف، لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعت قولاً حسناً، فأعرض عليّ أمرك، قال: فعرض عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، وتلا عليّ القرآن، فلا والله ما سمعت قولاً قطّ أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه، قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبيّ الله، إنّي امرؤٌ مُطاعُ في قومي، وأنا راجع إليهم، وداعيهم إلى الإِسلام، فادْع الله أن يجعل لي آيةً تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال:"اللهم اجعل له آية" قال: فخرجت إلى قومي، حتى إذا كنت بثنيّة (1)، تطلعني على الحاضر (2)، وقع نورٌ بين عينيَّ مثل الصباح، فقلت: اللهم في غير وجهي، إني أخشى أن يظنوا أنها مُثْلة وقعت في وجهي لفراقي دينهم، قال: فتحوّل فوقع في رأس سوطي، قال: فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنيّة، قال: حتى جئتهم فأصبحت فيهم!
قال: فلما نزلت أتاني أبي، وكان شيخاً كبيراً، قال: فقلت: إليك
(1) الثنية: الفرجة بين الجبلين.
(2)
الحاضر: القوم النازلون على الماء.
عني يا أبت، فلستُ منك ولستَ منّي، قال: ولمَ يا بنيّ؟ قلت: أسلمت وتابعت دين محمَّد، قال: أي بنيّ، فديني دينك، قال: فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك، ثم تعال حتى أعلّمك ما عُلِّمت، قال: فذهب فاغتسل، وطهرّ ثيابه، قال: ثم جاء فعرضت عليه الإِسلام فأسلم، قال: ثم أتتني صاحبتي فقلت: إليك عنّي، فلستُ منك ولست منّي، قالت: لم؟ بأبي أنت وأميّ، قال: قلت قد فرق بيني وبينك الإسلام، وتابعت دين محمَّد صلى الله عليه وسلم، قالت: فديني دونك، قال: قلت: فاذهبي إلى حنا ذي الشَّرى -قال ابن هشام: ويقال: حمى ذي الشّرى- فتطهري منه! قَال: وكان ذو الشّرى صَنَماً لدوس، وكان الحمَى حمَى حَمَوْهُ له، وبه وشل (1) من ماء يهبط من جبل! قال: فقلت بأبِي أنتَ وأمي، أتخشى على الصبيّة من ذي الشّرى شيئاً، قال: قلت: لا، أنا ضامن لذلك، فذهبت فاغتسلت، ثم جاءت فعرضت عليها الإِسلام، فأسلمت! (2)
ويروي الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة قال: قدم طفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! إِن دوساً عَصَتْ وأبتْ فادْع الله، فقيل: هلكت دوس، قال:"اللهم! اهد دوساً وائْتِ بهم"(3).
(1) الوشل: الماء القليل.
(2)
السيرة النبوية: ابن هشام: 2: 25 - 28 رواه ابن إسحاق معلقاً، وأبو نعيم: الدلائل: 1: 238 - 240 من طريق ابن إسحاق، والبيهقي: الدلائل: 5: 365 - 363، وابن سعد: 4: 237 - 239، وفيه الواقدي!
(3)
البخاري: 56 - الجهاد (2937)، وانظر (4292، 6397)، والأدب المفرد (611)، ورفع اليدين (89)، ومسلم (2524)، وأحمد: 2: 243، 448، 502، والشافعي: 2: 199 - 200، والحميدي (1050)، والبيهقي: الدلائل: 5: 359، والبغوي (1352)، والطبراني:(8218، 8219، 8220، 8221، 8222، 8223، 8224).
قال ابن إسحاق: قال: فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإِسلام، حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق، ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن أسلم معي من قومي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، حتى نزلت المدينة، بسبعين أو ثمانين بيتاً من دوس، ثم لحقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين. (1)
41 - نور الهداية:
تلك واحدة من الأحداث التي كانت أثراً من آثار العتوّ الوثنيّ الذي ادّاركه ملأ قريش وطغاتها في موقفهم من النبي صلى الله عليه وسلم (2)، وهم يحذّرون الناس منه، فجعلهم الله تعالى وهم راغمون كارهون ألسنة دعاية ونشر لدعوته وتبليغ رسالته، فانقلب عليهم قصدهم، وردّ الله كيدهم في نحورهم! وكان الطفيل الدوسي واحداً من ألبّاء العرب وعقلائهم الذين لم يرضوا لأنفسهم الذلّة والخنوع لطغيان ملأ قريش؛ إذ تلقفوه في قَدَماته مكّة وهم يعرفونه لبيباً حكيماً، ذا مكانة مرموقة في قومه، وكلمة مسموعة فيهم، فخافوا عليه وعلى قومه أن تبلغهم دعوة محمَّد صلى الله عليه وسلم وهداية رسالته، وأن يسمعوا شيئاً مما ينزّل عليه من كلام ربّه نوراً وهدًى للناس ورحمة للعالمين، وهم أعلم الناس بروعة البيان القرآني، وسحر هدايته، وأثرها في العقول والقلوب، فاستقبلوا الطفيل محذّرين، مخوّفين، مرجفين بالباطل والزور .. ولكن الخداع المضلّل، إذا غَشَّى بصيرة العقل المستبصر لحظة أو لحظات فسرعان ما ينبلج في آفاقه ضوء الحقيقة ونور الهداية .. وبهذا كانت دوسٌ وزعيمها الطفيل كتيبةً من كتائب الإِسلام التي
(1) السيرة النبوية: ابن هشام: 2: 28.
(2)
محمَّد رسول الله- صلى الله عليه وسلم: 2: 270، وما بعدها بتصرف.
شاركت في هزيمة الماديّة الوثنيّة هزيمة منكرة، ونشرت راية التوحيد، وكسرت قناة الطغيان في ملأ قريش كسرة لم تقم لهم بعدها قائمة .. حيث طهرت البلد الحرام من رجس طغيانهم، وأخرج الله من أصلابهم بطولات الدعوة والهداية والفتح المبين!
42 - مضاء العزيمة:
وهذا نموذج من سياسة الحكمة التي انتهجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبليغ رسالته، ونشر دعوته بعزيمة لا تعرف التردّد في الأمور، وصبر يحتمل ما لا تحتمل شمّ الراسيات، أوذي ويؤذى فصبر، ويصبر على أذى السفهاء من غوغاء قريش، وسيم بالبلاء من ملئها فلم تفل له عزيمة، ومضى قدماً في عزيمة ماضية، وصبر صبور، فكان ذلك من أعظم عوامل نشر الدعوة بين مجتمعات العرب في مواسمهم ومنازلهم، وكان هذا الصبر قوّة تدفع بالدعوة إلى آفاق أوسع وأفسح من آفاق مكة وقريشها، وكأنما كان هذا الصبر المكافح يحمل الدعوة إلى الله في أشدّ أزماتها على أجنحة النصر المؤزر على رغم قوى الشرّ المؤلبة لمقاومتها، وكان هذا الصبر الصبور مدداً من القوة لا ينفد، يمدّ الدعوة بقوّة العزائم التي تنهض بها لتبليغ غايتها من العقول والقلوب في غير عجلة متسرّعة، وكان هذا الصبر الجميل يزيد قريشاً طغياناً وكفراً وعتوًّا وعناداً، ويضاعف من أحقاد ملأ الطغاة وأضغانهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أصحابه، ولكنه كان يزيد في قوة إيمان المؤمنين، ويشجّع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج بدعوته من حصار مكة وأهلها وعشائرها التي تقودها الوثنيّة العمياء بزمام العتوّ والكفور!
43 - حوار عقول:
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصابر القوم، ويصبر على جفوة الجفاة منهم، ويقدّر المهذّبين منهم قدرهم، ويعرف لهم مكانتهم، ولو لم يجيبوه إلى دعوته تشرّعاً بمكارم الأخلاق!
ومن القبائل التي عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه عليها، ودعاها إلى الإسلام فأبوا: كندة، وفيهم سيّدهم مليح -أو فليح (1) - وبنو عبد الله بن كلب، وبنو حنيفة، وكان ردّهم عليه قبيحاً، (2) وبنو عامر بن صعصعة، وقال رجل منهم يُدعى بيحرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب .. أرأيت إن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال:"الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء" قال: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك! (3)
ومحارب بن حصفة، وفزارة، وغسّان، ومرّة، وسليم، وعبس، وبنوا النضر، وبنو البكاء، وعذرة، والحضارمة (4)، وربيعة، وبنو شيبان الذين كان فيهم وعلى رأسهم: مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، وقد تعلّلوا بحجج، منها الرغبة في التريّث لحين أخذ مشورة -من وراءهم- من قومهم!
(1) ابن إسحاق بإسناد منقطع: ابن هشام: 2: 73، والسير والمغازي: 232، والسيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية:242.
(2)
السابق.
(3)
السابق، ناقلاً عن: ابن سعد: 1: 216 - 217 من حديث الواقدي.
(4)
عيون الأثر: 1: 153 وما بعدها بتصرف، وانظر: محمَّد رسول الله: 2: 275 وما بعدها.
وكان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يصحبه في لقاءاته وفود العرب في منازلهم من الموسم أبو بكر الصديق، وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما!
ففي حديث عبد الله بن عباس عند صاحب عيون الأثر وغيره (1) عن عليّ ابن أبي طالب في خروجهما هو وأبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك، قال عليّ: وكان أبو بكر في كل خير مقدّماً فقال: ممن القوم؟ فقالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأبي أنت وأمّي، هؤلاء غرر في قومهم، وفيهم مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، ومثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، وكان مفروق بن عمرو قد غلبهم جمالاً ولساناً، وكانت له غديرتان، وكان أدنى القوم مجلساً من أبي بكر رضي الله عنه، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: كيف العدد فيكم؟ فقال مفروق: إنا لنزيد على الألف، ولن تغلب الألف من قلّة، فقال أبو بكر: كيف المنعة فيكم؟ فقال مفروق: علينا الجهد ولكل قوم جد، فقال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوّكم؟ فقال مفروق: إنا لأشدّ ما نكون غضباً حين نلقى، وإنا لأشدّ ما نكون لقاءً حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله، يديلنا مرّة، ويديل علينا أخرى، لعلك أخو قريش، فقال أبو بكر: أو قد بلغكم أنه رسول الله، فها هو ذا، فقال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، فإلام تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّي رسول الله، وأن تؤووني وتنصروني؛ فإن قريشاً قد تظاهرت على أمر الله، وكذبت رسله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد".
(1) المرجع السابق.
فقال مفروق: وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)} (الأنعام).
فقال مفروق: وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريشٍ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)} (النحل).
فقال مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذّبوك، وظاهروا عليك، وكأنه أراد أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة، فقال: هذا هانئ بن قبيصة، شيخنا وصاحب ديننا، فقال هانئ: قد سمعنا مقالتك يا أخا قريش، وإنّي أرى إن تركنا ديننا، واتبعناك على دينك لمجلس جلسته إلينا، ليس له أول ولا آخر، زلّة في الرأي، وقلّة؛ نظر في العاقبة، وإنما تكون الزلّة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقداً، ولكن نرجع وترجع، وننظر وتنظر، وكأنه أحبّ أن يشرك في الكلام المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنى بن حارثة، شيخنا وصاحب حربنا، فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا، واتباعنا دينك، لمجلس جلسته إلينا، ليس له أول ولا آخر، وإنا إنما نزلنا بين صَريي (1) اليمامة والسمامة (2)،
(1) بفتح الصاد تثنية صَرى، وهو الماء الذي يطول اسنقاعه.
(2)
في محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 277 (صيري اليمامة والسماوة).
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما هذان الصريان؟ " فقال: أنهار كسرى، ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول، وأما كان من مياه العرب فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى ألا نحدث حديثاً، ولا نؤوي محدثاً، وإني أرى أن هذا الأمر الذي تدعونا إليه أنت، هو مما يكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤوبك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما أسأتم في الرد، إذ أفصحتم في الصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من أحاط من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً، حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم، ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدّسونه؟ ".
فقال النعمان بن شريك، اللهم لك ذا، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)} (الأحزاب).
ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدي، فقال: يا أبا بكر، يا أبا حسن، أيّة أخلاق في الجاهليّة؟ ما أشرفها، بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض، وبها يتجاوزون فيما بينهم
…
(1)
44 - آيات من العبر:
هذه القصة من غرر أحداث السيرة النبويّة في مرحلة الكفاح الصبور (1)، والصبر المكافح؛ لأنها في إطارها الواقعي تصوّر خطوات من سير الرسالة،
(1) محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 278 وما بعدها بتصرف.
وهي في طريقها إلى الإعلان عن نفسها وأهدافها بين وفود العرب القادمين على مكة لحضور الموسم، بعد أن سبقها ذكرها إلى الناس بما أتته قريش من طيش أحمق، ورعونة بلهاء في ترصدها القادمين أفراداً وجماعات، تحذّرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمعوا منه أو يكلموه، خشية أن يجذبهم حديثه إلى متابعته والإيمان بدعوته، وتصديق رسالته!
وكأنما كان ذلك الطيش الأرعن الذي تورّط فيه ملأ قريش بشؤم مشورة طاغيتهم الوليد بن المغيرة، وشيطانهم اللعين: النضر بن الحارث، وغميز الرجولة، فرعون هذه الأمة أبي جهل بن هشام، إيذاناً من الله تعالى أن تنطلق دعوة محمَّد صلى الله عليه وسلم من حصار قريش، فتطرق أبواب العقول والقلوب، على رغم أنف العتوّ العنيد الذي سيطر على عقليّة ملأ قريش وطغاتها من أحلاس الماديّة الوثنيّة، وقد حاولوا بكل ما يملكون من قوى ماديّة شرّيرة، وفجور دعائي عات عنيد، أن يعوقوا سير الرسالة، ويوقفوا مدّ انسياح الدعوة إلى الله تعالى، وسلكوا في سبيل ذلك كل طريق استطاعوا أن يسلكوه، ولم يتركوا أمراً تخيّلوه عائقاً يمكن أن يصدّ دعوة محمَّد صلى الله عليه وسلم ويردّ تيّارها عن زحفه مزمجراً بقوة الحق وقهره إلا أتَوه وفعلوه! ولكن محمداً صلى الله عليه وسلم وقد حمّله الله تعالى مصباح الهداية مضيئاً، ينير له الطريق، ويكشف له مسالك السير برسالته قدماً، لم يزل دؤوباً وهو منفرد وحيد، يجول في ميدان الكفاح وحده، في قلّة صابرة محتسبة من أصحابه، آمنوا به وبدعوته على خوف من بطش قومهم وجبروتهم، على نشر دعوته إلى توحيد الله ودينه القويم، يدعو إليه كل من لقيه ويلقاه من الناس في أي مكان وزمان ومجتمع!
ولما استيأس رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه، بعد أن بذل في سبيل هدايتهم كل
جهد، فصبر على أذيّتهم، وصابرهم، وحاسنهم، وأغضى على سفاهة سفهائهم، وفجور طغاتهم، خرج -كما عرفنا- ومعه صاحبه وصدّيقه أبو بكر، وربيبه، رضيع ثدي النبوّة، عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما يعرض نفسه ودعوته إلى التوحيد والعدل على الناس، ويدعوهم إلى الإيمان به وإلى أن يؤووه، وينصروه على ظلم قريش وافترائها الكذب على الله. وتظاهرها على رسوله وهو قائم بأمر الله، ينشر دعوته، ويبلغ رسالته، فأفكت عليه وكذّبته، واستغنت بالباطل من الكفر الفاجر والوثنيّة الماديّة البليدة الظالمة المظلمة، وطرحت الحق وراءها ظهرياً، ولم ترفع له رأساً، وأقامت على عتوّها وعنادها تتربّص برسول الله الدوائر، وتمكر به وبأصحابه، وتؤذيهم أبشع الإيذاء -كما أسلفنا- متفنّنة في الإساءة والتعذيب، وهم صابرون محتسبون!
ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الغرّ البهاليل من شيبان بن ثعلبة، الذين يصفهم الصدّيق أبو بكر رضي الله عنه، وهو أعرف العرب بأنساب العرب وشمائلهم، فيقول وقد التفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن استخبرهم فانتسبوا له: هؤلاء غرر في قومهم، وهذا التعبير في صدقه ودقته مليء بالصور التي تسترعي الانتباه، فهو لم يقل: غرر قومهم، تحفّظاً أن يوغر صدر من عسى أن يكون في مستواهم أو أرفع قدراً منهم ولم يشهدهم! وهو بهذا الأسلوب البارع قد أدّى حقّ الروعة البيانيّة التي تفتح قلوب هؤلاء الغرّ الميامين؛ لما يرد عليهم من أحاديث الهداية والحق والعدل، ومكارم الأخلاق، ولا توصد باب النظر دون غيرهم! وكان في المقدمة مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، وبدأ أبو بكر فأدار الحديث مع مفروق بن عمرو، لغلبته على القوم جمالًا وبياناً، وكان أدنى القوم مجلساً من أبي بكر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصغي
ويسمع، ولا يتكلم، وقرناء مفروق في زعامة قومهم في تنبّه يقظ يسمعون! وسأل أبو بكر مفروقاً عن عدد قومه، وهو لا يريد بالطبع إحصاءً عدديًّا لهم، ولكنه يريد أن يتعرّف على مصدر القوّة فيهم، وفي حروبهم، ليسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يعلم علم ما إليه قصد من منعة وحماية ونصرة وإيواء! ومن البداهة أن مصدر القوّة لتحقيق هذا الهدف إنما هم الرجال الأشدّاء، ذوو البأس والقوّة وصدق اللقاء في معمعان الوغي ومواقع النضال!
وأجاب مفروق بأن عدد المنعة والحميّة فيهم يزيد على الألف -ولن يغلب الألف من قلّة- وكان لعدد الألف عند العرب روعة في التزيد به والتكثر، وهذا ما كانت بيئاتهم تقتضيه؛ فهم لم تكن لهم حروب عامة جامعة، وإنما كانت حروبهم جزئيّة محصورة متكافئة الأعداد، وسأل أبو بكر رضي الله عنه مفروقاً عن المنعة والحميّة فيهم ليعرف مقدار حرصهم على غيرة الجوار وحماية البيضة وحفظ الذمار، فأجاب مفروق جواب الرجل العاقل الذي لا يستفزّه الغرور الأهوج، ولا يتوثبه الطيش الأرعن، ولا تملكه الكبرياء الحمقاء، فلم يندفع إلى التكذّب والإعاء لما ليس هو بكائن عنده وعند قومه، فقال: علينا أن نبذل ما نستطيع من جهد وصبر، وإذا كان لكل قوم جدّ يدّرعونه في مواقفهم، فلنا جدّنا في جهدنا وصبرنا!
وسأل أبو بكر رضي الله عنه مفروقاً عن الحرب بينهم وبين عدوّهم، ليستبين خصيصة قومه في لقائهم عدوّهم، فوصف مفروق قومه وصفاً من أبدع ما يوصف به قوم في ميدان البطولة والشجاعة التي لا تتهوّر، ولا تتقاعس، ولكنها بطولة جدّ ساعة الجدّ، فتربو على أمدها في توجيه رحى الحرب إلى مصافّهم في مصافّ الأبطال، فهم غضاب أشدّ ما يكون الغضب إذا لاقوا عدوّهم،
والغضب شعلة من النار، وهم أشدّ ما يكونون اندفاعاً إلى اللقاء حين يغضبون، فلا يقوم لهم عدوّ، ولا يهزمون وهم سالمون، وزاد مفروق في وصف قومه وصفاً يعرف به أنهم يحبون الوغي في حومته، وأنهم يستعذبون الاقتحام فيه وتقبيل السيوف عند اللقاء، نشأة عليها نشؤوا وتربية بها تربّوا يحبّون السلاح والجياد أكثر من حبهم أفلاذ الأكباد، وكان مفروق رجلاً عاقلاً رزيناً، لا تستفزه رعونة الزعامة في قومه، ولا يغرّه شرف محتده، بل يعلن أن النصر من عند الله، لا يجلبه قوة ولا شجاعة، ولا تجربة، وهو إلى أصحاب الجهد الصبور أقرب منه إلى أصحاب القوة الرعناء، والله تعالى يداول بين الناس، فيوم لك ويوم عليك، يديلنا مرّة فينصرنا، ويديل علينا مرّة أخرى، فينصر عدوّنا علينا، سنة الله في خلقه!
ثم التفت مفروق إلى أبي بكر، بعد أن أنهى حديثه معه، وقال له: لعلك أخو قريش؟ -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن مفروق قد سبق له أن عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل هذا المجلس، ولكن مفروقاً بدر أبا بكر بهذا التوقّع لما كان قد بلغه من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر دعوته ورسالته، وهنا تتجلّى براعة أبي بكر رضي الله عنه في استرعاء الأنظار إلى التعرف على رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرّفاً يمكّن له في القلوب والأبصار، حتى إذا أجرى الحديث معه جرى في واديه وقصده، إذ يتولاه صاحب دعوته، فقال أبو بكر رضي الله عنه ليؤكد هذا التعرّف، ويوجّه الأسماع إلى الهدف الذي كان له هذا اللقاء، فقال: أوقد بلغكم أنه رسول الله؟ فها هو ذا مشيراً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم!
فقال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، وفي هذه الجملة يتجلّى صدق اليقين، وأدب النفس، ورصانة العقل، وامتلاك زمام الأمر؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه إذ
قال: أو قد بلغكم أنه رسول الله، كان يتكلم بمنطق الإيمان الذي وقر في قلبه برسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم، أما مفروق بن عمرو إذ قال: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، فإنما كان يتكلّم بمنطق عقله وأدبه، فهو لم يؤمن على كلام أبي بكر بأنهم بلغهم أن محمداً رسول الله ولم ينف ما بلغهم من رسالته، ولم يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يخدش ذكره أنه رسول الله، ولكنه قارب الصدق مع نفسه، فقال: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، وهذا لا يدخل مفروقاً في ساحة الإيمان برسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم ولا يخرجه من ساحة صدق الإخبار!
ثم أخذ مفروق في استكشاف حقيقة ما بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكره أنه رسول الله، أرسله ليدعو الناس إلى توحيده، وخلع الأنداد والشركاء، بعد أن عرف شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إلى أي شيء تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأخذ بزمام الحوار الذي وصل إلى جوهره وغايته، فقال صلى الله عليه وسلم:
"أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وأن تؤوونى وتنصروني".
وهذا تصديق وتأكيد لقول مفروق: قد بلغنا أنه يذكر أنه رسول الله، وها هو ذا صلى الله عليه وسلم يذكر على سمع القوم وبصرهم، بل على سمع الدنيا وبصرها أنه رسول الله، ولكن الظالمين جحدوا رسالته، فكذّبوه، وتظاهروا على أمر الله، واستغنوا بالباطل عن الحق، وهذا هو ما دعا إليه قومه، لم يدعهم إلى شيء غيره، وهو ما دعا إليه الناس جميعاً، هي كلمة إذا قالوها سعدوا وأفلحوا، فهو صلى الله عليه وسلم لم يطلب بدعوته مالاً وثراء، ولا شرفاً ولا سيادة ولا ملكاً وسلطاناً، ولكن الظالمين تظاهروا على أمرِ الله، فكذّبوا رسوله إذ دعاهم إلى توحيد خالقهم فقالوا:{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)} (ص).
أيهما العجاب، أمركم الذي تعبدون فيه آلهة شتى، أم أمر محمَّد صلى الله عليه وسلم الذي يدعوكم إلى عبادة الله الواحد الأحد:
{أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)} (يوسف).
ورسالة الله دعوة إلى الحق، لا تقف إذا نوهضت من أعداء الحق، ولا تستكين إذا حوصرت، بل يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبحث لرسالته عن أرض خصبة التوبة، ليحرثها بدعوته، ومن الله تعالى الإنباث والزرع:
{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64)} (الواقعة).
وهكذا كان هذا اللقاء بحثاً عن التربة الخصبة التي تؤوي الرسول صلى الله عليه وسلم، وتنصر الرسالة، إذا آمنت واهتدت .. وسمع مفروق وصحبه من رسول الله صلى الله عليه وسلم الأساس الذي قامت عليه دعائم دعوته، وسمعوا الأساس الذي له خرج من بلده، وعن قومه، ليلقى الناس به في منازلهم، ليجد من يؤويه وينصره على من ظلمه وكذبه وتظاهر على أمر الله! ولكن مفروقاً انطلق يسأل ويستكشف ما وراء هذه الدعوة التوحيديّة التي تخلعهم من وثنيّتهم، فقال: وإلى أي شيء تدعو يا أخا قريش؟ فانتقل به رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديث والحوار، وبمن يسمع من الشاهدين إلى أمر جامع بين دعوة التوحيد، والأمر بعليا الفضائل، ومواطن الإحسان، وإلى النهي عن أصول الرذائل والشرور في المجتمع، فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ولا
وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)} (الأنعام)!
وظل مفروق وصحبه على موقفهم مع وثنيتّهم وتقاليدهم الجاهليّة جامدين، لا تهتزّ مشاعرهم، ولا تتحرّك عواطفهم، وانتقل مفروق يستزيد من أمور دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يسأل: وإلى أيّ شيء -أيضاً- تدعو يا أخا قريش؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)} (النحل)!
وهنا فقط اهتزّت أريحيّة كرم النحيزة في الرجل، وثارت عواطفه، وتحرّك وجدانه، وتأثّرت مشاعره لمعاني الآية الكريمة، وتذوّقاً لمكارمها وآدابها، فقال وهو منفعل بأثر ما مسّ قلبه: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد كذب قوم كذبوك وظاهروا عليك، ولكن هذا الانفعال بمعنى الآية شيء والإيمان بالرسالة شيء آخر؛ لأن الإيمان بالرسالة يعتمد على إسلام الوجه لله تعالى، والإذعان المطلق لأمره ونهيه، والدخول في ساحة طاعته دخولاً لا يخالجه شك، ولا تردّد، ولا يحتاج إلى مشورة أحد، ولا إلى استئذان أحد، وموقف مفروق بن عمرو إلى هنا موقف تكرّم مع نفسه، وأدب خلقي مع حياته، بيد أنه لا يرقى إلى آفاق الإيمان بالله ورسوله، ولذلك التفت إلى صحبه وقرنائه في زعامته، وبدأ بصاحب دينهم وسادن وثنيّتهم: هانئ بن قبيصة، لأن الأمر في هذا الحوار كان أمر دين ودعوة إلى رسالة إلهيّة جاءت إلى الناس بدين جديد، يقتضيهم إذا آمنوا به أن يتركوا دينهم الذي هم عليه، والذي تقلّدوه وراثةً عن آبائهم، فكان لابدّ مشاركة صاحب دينهم في الحوار والحديث، ليعرف رأيه فيما سمع من صاحب الدعوة الجديدة الذي سمعوا أنه
يذكر عن نفسه أنه رسول الله، وأنهم سمعوا في هذا المجلس دعوة إلى جانب توحيد الله تعالى أنه رسول الله، وها هم أولاء يرون رأي العين والقلب فيه، وفي سمْته، وفيما يدعو إليه جديداً كل الجدة على ما اعتنقوه من وثنيّة بليدة مظلمة، وعلى ما ألفوه وعرفوه في الناس من أخلاق وشيم، فما عسى أن يكون رأي صاحب دينهم فيما رأى وفيما سمع؟!
فليتكلّم هانئ بن قبيصة شيخ شيبان في سنه، وصاحب دينهم في معرفته وعلمه بتقاليد جاهليّتهم، وشدّة حرصهم على التمسّك بوثنيّتهم، وقد قدّمه مفروق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا، ولعل مفروق بن عمرو أراد مع ذلك أن يستبين أثر ما جرى من الحوار بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنفس قرنائه في زعامة قومه، ولعله كان يطوي بين جوانحه شيئاً من الرضا بالدعوة الجديدة والدّين الجديد، ولم يكن وهو مغلل بسلاسل الوثنيّة والزعامة يستطيع أن يبوح جهرةً بمكنون سرّه، فأراد أن يعرف ما اختلج في أنفس أصحابه دون أن ينفرد بخلافهم!
وتكلم هانئ بن قبيصة، وكان عاقلاً متأنّياً، متّزناً حكيماً، أحكمته التجارب، فقال: إن تركهم دينهم الذي نهدوا في ظلّه، وشبّوا على تقاليده، وشابوا عليه، إلى دين جديد، مهما يكن شأن ما جاء به من مكارم الأخلاق، ومحاسن العمل، لمجرّد مجلس جلسه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرض عليهم دعوته، وأبان عن شمائلها، وفضائل أصولها، ومحا من آدابها لم تكن له مقدّمات ممهّدات، ولا كانت له نهاية ينتهي إليها، وإنما كان أشبه بمجلس تعارف وتلاق، جمعتهم فيه برسول الله صلى الله عليه وسلم المصادقة التي لم يكونوا هم يقصدونها، وقد سمعوا عنه وسمع منهم، وقالوا وقيل لهم، وعرفوا منه وعرف منهم، ولم
يكن ذلك بكاف في نظرهم، لبتِّ الحكم في أمر قد يكون من أخطر أمور حياتهم، وحياة قومهم، يرونه زلة في الرأي، وقلّة نظر في العاقبة، والأمر أكبر من أن يؤخذ بالسرعة، لاحتياجه إلى أناة وتريّث ونظر، تقلّب فيه وجوه الرأي، ويجول في أنحائه العقل جولات توزن فيها الأمور بأشباهها، وتقاس المنافع بالمضارّ، وإنما تكون الزلّة مع العجلة!
ثم بيّن هانئ أن هذا الأمر لعظم خطره لا يعنيهم وحدهم، ولا يخصّهم من بين قومهم، بل هو أمرهم وأمر قومهم من ورائهم، والزعامة العادلة هي التي لا تغتاب على الجمهرة فيما يعنيها من الأحداث في حياتها، ولا تستبد في تقرير مصير من قلّدوهم قلائد زعامتهم! ولعل هانئ بن قبيصة أراد أن يعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة تمثّل زعامتهم لقومهم، ولذلك قال: ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقداً، لم يشهدوه ولم يبدوا فيه رأياً؛ لأن ذلك من المفاسد الاجتماعيّة التي تشتّت جمع الجماعة، وتفرّق شملها، وتبدّد وحدتها، وتمزّق روابط الزعامة، وتحلّ عقدتها، وكان هانئ -كما كان صاحبه مفروق- وقّافاً مع وثنيّة لم يقارب الإيمان بالدّين الجديد، ولم يشرد منه، وسكت عن (لا)، و (نعم)، ولكنه أخذ لنفسه الحيطة، وأعطى الرسول صلى الله عليه وسلم النَّصَف في عرف تقاليدهم الجاهليّة، وهو في هذا العرف لا تثريب عليه؛ لأنه رجل ما يزال سابحاً في غمرة زعامته الوثنيّة، فقال: ولكنّا نرجع إلى مستقرّنا بين قومنا، ومستودع أسرارنا في ديارنا، وننظر فيما سمعنا منذ اليوم، وينظر معنا قومنا، ويرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رأيه في عرض دعوته، وتبليغ رسالته، إلى كل من يلقاه من الناس، أداء لموجبات القيام بحق التبليغ، وينظر فيما سمع منّا، فلعلّ الله يجعل له منا ردْءًا يصدقه، ويجمع
بيننا وبينه في ظلّ رأي قد غبَّ واستوى، والله من وراء ذلك بحكمته وعلمه وتدبيره!
وتكلّم المثنى -وقادة الحرب من أقلّ الناس كلاماً في غير اختصاصهم- ولذلك أمّن المثنى على كلام هانئ، ولكنه زاد على كلام هانئ ما يخصّه في معرفته تقدير القوة الحربيّة التي يخشونها إذا أجابوا دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤووه وينصروه، وبيّن المثنى أن منازل قومه تقع بين أنهار كسرى ومياه العرب، وأن أنهار كسرى لا سبيل إلى اقتحامها، والاعتداء على حرمتها وكسر حدودها، فلذلك إذا وقع كان ذنباً لا يغفر، ولا يقبل فيه عذر لمعتذر، وأما مياه العرب فأمرها سهل، وذنبها مغفور، وعذرها مقبول. والقوّة عليها مقدورة، ثم بيّن المثنى السبب في صعوبة أمر أنهار كسرى، وأنها جاءت من قبل الوفاء بالعهد، والمحافظة على زمام العقد، فهم قد نزلوا منازلهم على عهد أخذه عليهم كسرى: ألّا يحدثوا حدثاً، وألًا يؤوا محدثاً، والعرب -كما أسلفنا- من أوفى الأمم بالعهد، وأحفظهم لحرمة عقد، وأبعدهم عن الخيانة والغدر، ثم بيَّن المثنى أن دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قامت عليه من توحيد الله تعالى، وإخلاص العبادة .. وخلع الشرك والوثنيّة بكافة ضروبها، وسائر ألوانهما، وإقامة موازين العدل والمساواة بين أبناء البشر في أرجاء الأرض وأقطارها، أمر يكرهه الملوك، وخاصة الأكاسرة الذين كانوا -كما عرفنا- يستعبدون شعوبهم استعباد عبوديّة، يتألهون بها عليهم، فكسرى كان في قومه معبوداً من دون الله تعالى، وكان ملكه قائماً على الاستعباد المطلق، والعرب ولا سيما المصاقبون للفرس يعلمون ذلك، ويعلمون شدّة حرص الأكاسرة على ملكهم في صورته الاجتماعيّة القائمة التي خضع لها
شعبهم، وارتضاها حياةً لهم، حتى أخرجهم الإِسلام من ضيقها إلى سعة عدل الله ورحمته!
وقد حفظ تاريخ الدعوة الإِسلاميّة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما سيأتي- صورة من هذا الفجور الاستعبادي، وذلك حينما كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى يدعوه إلى الإِسلام فيمن كتب إليهم من ملوك الأرض، فكبر على كسرى أن يقوم لله تعالى قائم من العرب يدعو إلى توحيده، ويأتي بدين جديد، يجعل هذا المستكبر على أسوة مع سائر البشر في المساواة والعدالة، فمزّق كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتغضب وثار وانتفخت أوداج الكبرياء فيه، وزمجر، وهدر وأرعد وأزبد، وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم موقفه هذا فدعا عليه أن يمزّق الله ملكه، فمزّق الله ملك كسرى، وصارت فارس ملكاً إسلاميًّا، يحمل راية العالم الإِسلامي والمعرفة الإِسلامية، والدعوة إلى الله تعالى! وسيأتي بيان ذلك .. (1)
هذا، والكلام الذي ذكره المثنى في صدد أنهار كسرى وتهيبهم لها يقصد به في صراحة لا تعرف الالتواء والمواربة، وهي خلق يغلب على القادة الحربيّن، بعد أن مهّد له بوجوب المحافظة على العهد أن قوّتهم لا تستطيع أن تقف أمام قوّة كسرى في جبروته، والعهد الذي بينه وبين جيرانه العرب، يعطيه حق أخذ من تحدّثه نفسه بالاعتداء على أنهاره وما وراءها من أرض كسرويه!، كأن هذا جاء اعتذاراً قدّمه المثنى صاحب شيبان وقائدهم عن عدم إمكان إيواء محمَّد صلى الله عليه وسلم وحمايته ونصرته على كسرى وقومه فيما يقع على حدود أنهاره وبلاده! أما إذا
(1) انظر البخاري: 64 - المغازي (4424)، وفتح الباري: 8: 127، وشرح المواهب اللدنية: 3: 341، والطبري: التاريخ: 2: 655، وابن سعد: 1: 260، ومجموعة الوثائق السياسية 53، وسفراء النبي صلى الله عليه وسلم: 1: 94 وما بعدها.
كان الأمر خاصًّا بمياه العرب فهم قادرون على حمايته في دائرتها، وهم على أكمل استعداد لإيوائه في ديارهم، وحمايته، ونصرته على من يعاونه من العرب كافة، قريش فمن سواها!
45 - قوّة الإيمان:
وهنا موقف للنبوّة، يمثل عظمتها، ويصوّر قوّة إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم برسالته، التي لا تتوقّف عند حدّ أمّة من الأمم، أو شعب من الشعوب، أو جنس من الأجناس، أو طائفة من البشر، أو نظام من النظم الاجتماعيّة في أي شكل من شكول الحكم، فذلك كله يجب أن يدخل في دائرة رسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم، فيجب أن تكون في سيرها منطلقة في وجوه الأرض تنشر دعوتها مهما كانت العقبات التي تواجهها في طريقها، ومهما تكن قوّة العتوّ والجبروت التي تحاول تعويقها عن أهدافها!
ولهذا لما بيّن المثنى بن حارثة صاحب حرب شيبان أنه لا سبيل إلى القدرة على اقتحام أنهار كسرى، وحماية من يتخطّاها بأيّة دعوة -ولا سيما إذا كانت دعوة يكرهها الملوك، وفي طليعتهم الأكاسرة كدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن حماية شيبان إذا رأوه في ديارهم تكون حماية جزئيّة خاصة بمياه العرب- تجلّت عظمة النبوّة، وتعاظم جلال الرسالة، وترجم إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم برسالة نفسه عن قوّته ونفاذ عزيمته، وهذا الإيمان هو المعجزة العملية الخالدة لتبليغ الرسالة بلاغاً كاملاً واضحاً، والسير بها إلى غايتها، لتخرج الناس من ظلمات الجهالة والاستعباد إلى نور العلم وحريّة العقيدة والعمل في الحياة، وقد كان بيان المثنى صريحاً متعقلاً، مقدّراً للموقف من وجهة نظرهم، فكان صورة صادقة في
صورته المعبّرة عن صدق القصد، بأنه وقومه لا يستطيعون إيواء رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمايته ونصرته على كسرى، وهو -كما يعلمون- في قوّته الحربيّة الهائلة، لكنهم قادرون على حمايته ونصرته مما يلي مياه العرب، وهذه حماية جزئيّة لا سلطان لها إلا على أضعف جوانب الحماية والنصرة، ودعوة محمَّد صلى الله عليه وسلم ورسالته دين الله الذي يعمّ أقطار الأرض في شرقها وغربها، ويعمّ جميع الأمم والشعوب والأجناس البشريّة، وممالكهم ودولهم، ويعمّ مقاومة القوى التي تقف في سبيل نشر الدعوة، مهما كانت، وكيفما كانت، ولا يمكن أن تتحقق نصرة دين الله وهو بهذا العموم إلا بحياطة عامّة شاملة. لا تهاب أعظم القوى، ولا ترهب سلطاناً لأحد في الأرض غير سلطان الله تعالى!
ولهذا جاء ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المثنى رداً جميلاً حازماً، مقدّراً للقوم صدق صراحتهم، وهم يعلمون موقفه في وحدته، والتماس الإيواء والنصرة أينما وجد لها سبيلاً، فقد حدّد صلى الله عليه وسلم في ردّه مهمة من ينبري لنصرة دين الله، وأنها يجب أن تكون عامةً شاملةً قويّةً قاهرةً، لا تهاب قوةً من قوى الأرض والبشر! فالنبي صلى الله عليه وسلم قدّر للقوم إحسانهم في أسلوب حوارهم معه، وردّهم عليه، وبيّن لهم أن جهدهم الجزئي في نصرة دين الله تعالى لن ينصره في دعوته وتبليغ رسالته؛ لأن دين الله في عمومه وخلوده وقوة سلطانه، وما جاء به من توحيد الله تعالى، وإخلاص العبوديّة له، وطرح عباده المخلوقين كيفما كانوا، لن ينصره نصراً يحقق له أهدافه إلا من حاطه من جميع جوانبه، لا يترك منه جانباً مكشوفاً، ولا ثغرةً مهدرة، لا تحرسها قوة قادرة، تملك الدفاع عنها وتردّ اعتداء من يحاول اقتحامها مهما كانت قوته وسلطانه!
46 - المستقبل للإسلام:
وقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعالج بحكمته مرض الخوف الذي ملأ صدور زعماء شيبان من كسرى وعتوّه وجبروت قوّته الحربيّة، ويهون عليهم شأن هذه القوة التي يرهبونها، ويخافون سطوتها وبطشها، لينزع من قلوبهم المهابة منهم، فهي قوّة منهارة أمام قوّة الإيمان بعقيدة الحق، بل هي قوّة ينخر فيها سوس الفناء، وستتهاوى أمام قوّة الحق والعدل!
ولعل هؤلاء العرب الذين استضعفوا أنفسهم أمام قوّة الأكاسرة سيكون لهم إسهام في كسر حدّة هذه القوّة الماديّة الباطشة بزمجرتها، الجوفاء في حقيقتها؛ لأنها لا ترتبط بقوّة الإيمان بعقيدة الحق والعدل والإصلاح، وتحرير الإنسانيّة من براثن الاستعباد، وكذلك كل قوّة لا تملك في روحانيّتها هذا الارتباط العلوي محكوم عليها بالتفتت والزوال، وسيرثها الذين يقيمون دعائم قواهم على أسس من الإيمان والحق والعدل والإِسلام!
وقد قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الكون وسنن الله في حياة المجتمع الإنساني أن قوى الشرّ لا بقاء لها، وقد أراد صلى الله عليه وسلم أن يرفع هؤلاء القوم الذين أخلدوا إلى الأرض، لا يريحونها على أجنحة الأمل الفسيح، ليعدّهم نفسيًّا ليوم يأتيهم وهم يخوضون معارك الشرف والكرامة مع هؤلاء الأكاسرة باسم الإِسلام والعدل، وأنهم سيكسرونهم ويورثهم الله تعالى أرضهم وديارهم وأموالهم، ويفرشهم نساءهم، يستولدونهم جيلاً يجري في عروقهم دمهم من أكرم ناحيتيه، ولا يكون ذلك إلا بقوة الإيمان بعقيدة الحق التي لا تطلب من صاحبها إلا حوْطها بما يحفظها، ويستديم صلتها بالله القويّ الأعلى، مالك
الملك. الذي يؤتي ملكه من يشاء من عباده، وينزعه ممن يشاء، ويعزّ من يشاء، ويذلّ من يشاء، فسبحانه تقدّس، بنعمه وحمده، لا يطلب من عباده على إنعامه غير تسبيحه وتقديسه، فهل أنتم كذلك؟
وهنا بدر النعمان بن شريك -وكان يصغي ويسمع، ويعي ولا يتكلّم- ورأى أن الحوار بلغ نهايته بهذه البشرى الكريمة، فقال: اللهم لك ذا، وعند ذلك أراد النبي صلى الله عليه وسلم إنباءهم إعجازاً؛ ليجعل ذلك واقعاً وعداً من الله، فتلا عليهم ما خصّه الله به من نعوت الحمد والكمال، والمجد والنصر المؤزر في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)} (الأحزاب).
وقد تحقق ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتحت فارس، وكان قائد فتحها الأول قائد شيبان، وصاحب حربها المثنى بن حارثة، وكان أبو بكر الصدّيق في خلافته، تأتيه أخباره في غمرة حياة فارس بغاراته عليها، واقتطاع أرضها، فيعجب به قبل أن يعرفه!
ولما انتهى هذا المجلس إلى غايته نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم طيّب النفس بما سمع ورأى من القوم، ليترك أثر المجلس يعتلج في صدورهم، لعلّهم وعساهم!
وقد أعرب صلى الله عليه وسلم في أرفع بيان، وأبلغ أسلوب، وأصدق كلام، عن محاسن الأخلاق التي رآها في القوم، وهي من أخلاق العرب في جاهليّتهم، وعن أدبهم الاجتماعي بعضهم مع بعض في حوارهم وإصغائهم وحسن استماعهم لما يجري من الحديث، وفي أسلوب مخاطبتهم له صلى الله عليه وسلم، وهم لمّا يؤمنوا به بعد، وحسن تناولهم للحديث معه صلى الله عليه وسلم، وفي صدق صراحتهم، وصراحة
صدقهم، وفي تعقلهم، وتأتيهم للأمور من مداخلها في ريث وأناة، فقال صلى الله عليه وسلم وهو يشدّ على أيدي صاحبيه: الصدّيق أبي بكر، وعلي بن أبي طالب: أيّة أخلاق كانت للعرب في الجاهلية؟ ما أشرفها .. بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم"!
47 - درس للدعاة:
هذا لون من الأحداث التي عرضت للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو يعرض نفسه على الناس في منازلهم، يدعوهم إلى توحيد الله، ويبلّغهم رسالة الله، وقد اخترنا ونختار منها ما كان له أثر قويّ في دفع سير الرسالة إلى أهدافها أو كان له أثر في بيان صور الكفاح الصبور، الذي درج عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أطوار دعوته، ليكون من ذلك نماذج لورثة تبليغ الدعوة من بعده صلى الله عليه وسلم، يحتذونها، ومُثُلاً يتقلّدونها، أداء لما قلّدوه من وجوب القيام بنشر دين الله في أرجاء العالم!
وسبق أن عرفنا في تلك الساعات الأولى التي أشرقت فيها شمس الرسالة، قول ورقة: (يا ليتني فيها جذعاً، ليتني كون حياً إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أو مخرجيّ هم؟! " قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت بها إلا عُودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزَّراً
…
).
ونتصوَّر مرّة بعد مرّة صور الإيذاء والتعذيب، والسخرية والاستهزاء -كما سبق- مما يعجز الخيال الشاخص عن تصوّره، تتوالى وتتواكب، تهزّ النفوس هزًّا، ولا يتلقّى الحس ذلك إلا بهول وروع!
ألا إنه لأمرٌ أمرّ من كل أمر!
ونتصوّر مشقّة الصبر أمام انتعاش الاضطهاد والتعذيب وانتفاخ الباطل وتورّمه .. وإمساك النفس على هذا راضيةً مطمئنّة إلى قدر الله -كما عرفنا- لا تتلفّت ولا تتردّد، يقيناً بوعد الله. وطلباً لمرضاته، وحنيناً إلى رضوانه .. ترقب رعاية القدرة التي لا أمن إلا في جوارها، والتي لا تقرب المخاوف من حماها!
ومن ثُمَّ أبصرنا استعلاء النفس المطمئنّة على الضرَّاء، فلا تصغر، والسرَّاء فلا تبطر، واللأواء، فلا تجزع ولا تضجر .. حيث تشرئب الأعناق، وتهفو القلوب. وتأنس النفوس، وترفرف الأرواح!
ويطالعنا قول الله تعالى: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)} (العنكبوت).
ونبصر استفهاماً استنكارياً لمفهوم الناس للإيمان، وحسبانهم أنه كلمة تقال باللسان ليس لها في الجَنان مكان .. ونبصر الإيمان أمانة الله في الأرض، لا يحملها إلا من هم لها أهل، وفيهم على حملها قدرة، وفي قلوبهم تجرّد وإخلاص!
ونبصر الحق أصيلاً في طبيعة الكون، عميقاً في تكوين الوجود .. ونبصر الباطل، لا أصالة فيه، ولا سلطان له، يطارده الحق فيدمغه، ولا بقاء لشيء يقذفه الحق فيدمغه:{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} (الأنبياء: 18)!
{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)} (يوسف)!
الجامع الصحيح للسيرة النبوية [5]
«طريق جهاد الدعوة في ضوء سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
-»
تأليف
الدكتور سعد المرصفي
بسم الله الرحمن الرحيم
(في علم المغازي خير الدنيا والآخرة)!
الزهري
(كنا نعلّم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما نعلم السورة من القرآن الكريم)!
زين العابدين علي بن الحسين
(كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، ويقول:
يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيّعوا ذكرها)!
إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص
مقدمة
الحياة صراع بين الحق والباطل، يصهر المؤمنين، فيهب نفوسهم قوة، ويرفعهم عن ذواتهم، ويطهّرهم في بوتقة الألم، فيصفو عنصرهم ويضيء، فتتلألأ دعوة الحق حتى في أعين الأعداء والخصوم!!
وحين يسفر طغيان الباطل عن وجهه لا يجادل ولا يناقش ولا يفكّر ولا يتعقّل، فيغترّ بالقوّة الماديّة الغليظة التي لا يملك غيرها!!
حينها يشتد الابتلاء للفئة المؤمنة لتواجه المحنة والدفاع، والصبر والثبات!
ومن ثمَّ تتوجه إلى الله، فيجيء النصر، ويجيء التمكين!!
وها هي الفئة المؤمنة الأولى التي قادها خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم تقدم النموذج البشري الذي سيظل ماثلاً أمام أعين السالكين، طريق جهاد الدعوة إلى الدين الحق، فيفتح لها من نفحاته، ويضيء لها من نبراسه، لتبصر جادتها. فإلى معالم طريق جهاد الدعوة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، نقبس، وننهل، ونبصر!
رجاء أن تعود إلينا سيرتنا الأولى ..
والله أسأل: التوفيق والسداد!
والعون والرشاد!
إنه سميع مجيب!
الكويت في: 16 من المحرم 1430 هـ 19 من يناير 2009 م
راجي عفو ربه
سعد محمد محمد الشيخ (المرصفي)
أستاذ الحديث وعلومه
كلية الشريعة والدراسات الإِسلامية جامعة الكويت - سابقاً
هذا هو الطريق
هذا هو الطريق
° أشدُّ النَّاس بلاءً
° مفرق الطريق
° ضرورة الابتلاء
° قيمة العقيدة
° حقيقة الابتلاء
° ابتلاءٌ أشدّ
° تمحيص المؤمنين
° تربية إيمانيّة
° توكّل على الله
° نهاية الظالمين
° إعداد وثبات
° معالم في الطريق:
المعلم الأول:
المعلم الثاني:
المعلم الثالت:
° زلزالٌ شديد
° مناجاة في ليلة القدر
° الله والطاغوت
° شظايا من الإيمان
أشدّ الناس بلاء:
الإيمان أمانة الله في الحياة، لا يحملهما إلا من هم لها أهل، وفيهم على حملها قدرة، وفي قلوبهم تجرّد لها وإخلاص .. وإلا الذين يؤثرونها على الراحة والدّعة، وعلى الأمن والسلامة، وعلى المتاع والإغراء ..
وإنها لأمانة الخلافة في الأرض (1)، وقيادة الناس إلى طريق الله، وتحقيق كلمته في عالم الحياة.
فهي أمانة كريمة، وهي أمانة ثقيلة، وهي من أمر الله يضطلع بها الناس، ومن ثمّ تحتاج إلى طراز خاص يصبر على الابتلاء!
ولا يكفي أن يقول الناس آمنّا، وهم لا يتركون لهذه الدعوى، حتى يتعرّضوا للفتنة. فيثبتوا عليها، ويخرجوا منها صافية عناصرهم، خالصة قلوبهم، كما تفتن النار الذهب، لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به - وهذا هو أصل الكلمة اللغوي، وله دلالته وظلّه وإيحاؤه- وكذلك تصنع الفتنة، بالقلوب:
إنه الإيقاع الأول في سورة العنكبوت المكية في قول الجمهور (2)، والمدنيّة في أحد قولي ابن عباس وقتادة، وقيل بعضها مدني، وروى الطبري والواحدي في أسباب النزول عن الشعبي أن الآيتين الأوليين منها إلى {وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}
(1) في ظلال القرآن: 5: 2720 وما بعدها بتصرف.
(2)
التحرير والتنوير: 20: 199 وما بعدها بتصرف.
نزلتا بعد الهجرة في أناس من أهل مكّة أسلموا، فكتب إليهم أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم من المدينة ألا يُقبل منهم إسلامٌ حتى يهاجروا إلى المدينة، فخرجوا مهاجرين فأتبعهم المشركون فردّوهم.
وهي السورة الخامسة والثمانون في ترتيب نزول سور القرآن، نزلت بعد سورة (الروم)، وقيل سورة (المطفّفين)، فتكون من أخريات السور المكيّة، بحيث لم ينزل بعدها بمكّة إلا سورة (المطفّفين).
وهذا الإيقاع يساق في صورة استفهام استنكاري لمفهوم الناس للإيمان، وحسبانهم أنه كلمة تقال باللسان ليس لها في الجَنَان مكان:{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)} !
والتَّرْك هنا مستعمل في حقيقته؛ لأن الذين آمنوا قد كانوا مخالطين للمشركين ومن زمرتهم، فلمَّا آمنوا اختصّوا بأنفسهم، وخالفوا أحوال قومهم، وذلك مظنّة أن يتركهم المشركون وشأنهم، فلمّا أبي المشركون إلا منازعتهم طمعاً في إقلاعهم عن الإيمان وقعٍ ذلك منهم موقع المباغتة والتعجّب وذكر الترك المجازي في قوله تعالى:{وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)} (البقرة)!
والمعنى: أحسب الذين قالوا آمنّا أن يتركهم أعداء الدّين دون أن يفتنوهم .. وهذه الفتنة مراتب: أعظمها التعذيب، كما فُعل بـ (بلال، وعمّار بن ياسر، وأبويه) كما سبق أن ذكرنا.
ومن الفتنة أن يتعرّض المؤمن للأذى من الباطل وأهله، ثمّ لا يجد النصير الذي يسانده ويدفع عنه، ولا يملك النصرة لنفسه ولا المنعة، ولا يجد القوّة التي
يواجه بها الطغيان، وهذه هي الصورة البارزة للفتنة، المعهودة في الذهن حين تذكر الفتنة، ولكنها ليست أعنف صور الفتنة، فهناك فتن كثيرة في صور شتّى ربما كانت أمرّ وأدهى.
هناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه، وهو لا يملك عنهم دفعاً، وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم، زينادونه باسم الحبّ والقرابة، واتّقاء الله في الرّحم التي يعرّضها للأذى أو الهلاك. وقد أشير في هذه السورة إلى لون من هذه الفتنة مع الوالدين، وهو شاقّ عسير.
وهناك فتنة إقبال الدنيا على المبطلين، ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين، تهتف لهم الدّنيا، وتصفّق لهم الجماهير، وتتحطّم في طريقهم العوائق، وتصاغ لهم الأمجاد، وتصفّق لهم الحياة، وهو مُهْمَل مُنْكَر لا يحس به أحد، ولا يحامي عنه أحد، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئاً.
وهناك فتنة الغربة في البيئة والاستيحاش بالعقيدة، حين ينظر المؤمن فيرى كل ما حوله وكل من حوله غارقاً في تيّار الضلالة، وهو وحده موحش غريب طريد.
وهناك فتنة من نوع آخر قد نراها بارزة في هذه الأيّام .. فتنة أن يجد المؤمن أمماً غارقةً في الرذيلة، وهي مع ذلك راقيّة ماديًّا في مجتمعها، متحضّرة في حياتها هذه .. يجد الفرد فيها من الرعاية والحماية ما يناسب قيمة الإنسان، ويجدها غنيّة قويّة، وهي مشاقّة الله.
وهنالك الفتنة "الكبرى" أكبر من هذا كله وأعنف .. فتنة النفس والشهوة،
وجاذبيّة الأرض، وثقلة اللحم والدم، والرغبة في المتاع والسلطان، أو في الدّعة والاطمئنان، وصعوبة الاستقامة على صراط الإيمان والاستواء على مرتقاه، مع المعوّقات والمثبّطات في أعماق النفس، وفي ملابسات الحياة، وفي منطق البيئة، وفي تصوّرات أهل الزمان!
فإذا طال الأمد، وأبطأ نصر الله، كانت الفتنة أشدّ وأقسى، وكان الابتلاء أشدّ وأعنف، ولم يثبت إلا من عصم الله. . وهؤلاء هم الذين يحقّقون في أنفسهم حقيقة الإيمان، ويؤتمنون على تلك الأمانة الكبرى، أمانة السماء في الأرض، وأمانة الله في ضمير الإنسان.
وحاشا لله أن يعذّب المؤمين بالابتلاء، وأن يؤذيهم بالفتنة، ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمّل الأمانة، فالأمانة تحتاج إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العمليّة للمشاقّ، وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات، وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام، وإلا بالثقة الحقيقيّة في نصر الله وفي ثوابه، على الرغم من طول الفتنة وشدّة الابتلاء.
والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث، وتستجيش كامن قواها المذخورة فتستيقظ وتتجمّع، وتطرقها بعنف وشدّة فيشتدّ عودها ويصلب ويصقل، وكذلك تفعل الشدائد بالجماعات فلا يبقى صامداً إلا أصلبها عوداً، وأقواها طبيعة، وأشدّها اتصالاً بالله، وثقة فيما عنده من الحسنيين: النصر أو الأجر، وهؤلاء هم الذين يسلّمون الراية في النهاية، مؤتمنين عليها، بعد الاستعداد والاختبار.
وانهم ليتسلّمون الأمانة وهي عزيزة على نفوسهم: بما أدّوا من غالي الثمن، وبذلوا لها من الصبر على المحن، وذاقوا في سبيلها من الآلام والتضحيات.
.
والذي يبذل من دمه وأعصابه، وميت راحته واطمئنانه، ومن رغائبه ولذّاته، ثم يصبر على الأذى والحرمان، لا شك يشعر بقيمة الأمانة التي بذل فيها ما بذل، فلا يسلمها رخيصة بعد كل هذه التضحيات والآلام.
أمّا انتصار الإيمان والحق في النهاية فأمر تكفّل به وعد الله، وما يشك مؤمن في وعد الله، فإن أبطأ فلحكمة مقدّرة، فيها الخير للإيمان وأهله، وليس أحد بأغير على الحق وأهله من الله. . وحسب المؤمنين الذين تصيبهم الفتنة، ويقع عليهم البلاء، أن يكونوا هم المختارين من الله، ليكونوا أمناء على حق الله، وأن يشهد الله لهم بأن في دينهم صلابة فهو يختارهم للبلاء.
ويطالعنا ما رواه الترمذي وغيره عن مصعب بن سعد عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله! أيّ الناس أشد بلاءً؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإِن كان دينه صُلْباً اشتدَّ بلاؤه، وإِن كان في دينه رِقَّة ابتلي على حسب دينه، فما يبوح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة". (1)
وفي رواية عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: "ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة". (2)
(1) الترمذي (2398)، وقال هذا حديث حسن صحيح، وصحيح الترمذي (1956)، والطيالسي (215)، وابن سعد: 2: 209، وابن أبي شيبة: 3: 233، وأحمد: 1: 172، 173، 185، وعبد بن حميد (146)، والدارمي (2786)، وابن ماجه (4023)، والبزار (1150، 1154، 1155)، وانظر: تاريخ واسط: 253، وأبو يعلى (830)، والشاشي (69)، وابن حبان (290، 2921)، والحاكم: 1، 41، وأبو نعيم: الحلية: 1: 368، والبيهقي: 3: 372، والشعبي (9775)، والبغوي (1434).
(2)
الترمذي (2399) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن أبي شيبة: 3: 231، وأحمد: =
وفي رواية عن أبي سعيد الخدري قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يوعك، فوضعت يدي عليه، فوجدت حَرَّهُ بين يديّ، فوق اللّحاف، فقلت يا رسول الله! ما أشدّها عليك! قال:"إِنّا كذلك، يُضَعَّفُ لنا البلاء، ويضعَّفُ لنا الأجر" قلت: يا رسول الله! أيُّ الناس أشدّ بلاء؟ قال: "الأنبياء" قلت: يا رسول الله! ثمَّ مَنْ؟ قال: "ثُمَّ الصالحون، إِن كان أحدُهم ليبْتَلى بالفقر، حتى ما يجد أحدُهمُ إِلا العباءة يحوبها، وإِن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدُكم بالرّخاء". (1)
ونبصر التنويه بذلك لأجل الإيمان بالله، بأنه سنَّةٌ الله في سالف أهل الإيمان، وتأكيد الجملة بلام القسم وحرف التحقيق، لتنزيل المؤمنين حين استعظموا ما نالهم من الفتنة من المشركين، واستبطؤوا النصر على الظالمين، وذهولهم عن سنّة الكون في تلك الحياة لتنزيلهم منزلة من ينكر أن من يخالف الدهماء في ضلالهم، ويتجافى عن أخلاقهم ورذالتهم لابدّ أن تلحقه منهم فتنة.
ولما كان هذا السنَن من آثار ما طبع الله عليه عقول غالب البشر، وتفكيرهم غير المعصوم بالدلائل، وكان حاصلاً في الأمم السابقة أسندت فتن تلك الأمم إلى الله تعالى إسناداً مجازيًّا؛ لأنه خالق الأسباب، كما خلق
= 2: 287، 450، والبخاري: الأدب الفرد (494)، والحاكم: 1: 346، 4: 314، وأبو نعيم: الحلية: 7: 91، 8: 212، والبيهقي: 3: 374، والبغوي (1436)، وابن حبان (2913، 2924).
(1)
ابن ماجه (4024) ويحوبها من احتبى الثوب، أي اشتمله، وهي هيئة من الارتداء. وابن سعد: 2: 208، والبخاري: الأدب المفرد (510)، وأبو يعلى (1045)، والطحاوي: شرح المشكل (2210)، وعبد الرزاق (20626)، وأحمد: 3: 94، وعبد بن حميد (960) عن أبي سعيد نحوه.
أسباب العصمة منها، لمن كان أهلاً للعصمة، وفي هذا الإسناد إيماء إلى أن الذي خلق أسباب تلك الفتن قريبها وبعيدها قادر على صرفها بأسباب تضادها، والإشارة إلى هذا المعنى في دعاء موسى عليه السلام:{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88)} (يونس)!
فسأل الله أن يخلق ضدّ الأسباب التي غرَّت فرعون وملأه وغشيت على قلبه بالضلال!
والمقصود التذكير بما لحق صالحي الأمم السالفة من الأذى والاضطهاد، كما لقي صالحو النصارى من مشركي الرومان في عصور المسيحيّة الأولى، وقد قصَّ القرآن بعض ذلك في سورة (البروج).
ويطالعنا إرهاب أصحاب الأخدود، فيما يرويه مسلم وغيره عن صهيب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان مَلِكٌ فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلمَّا كَبِر قال للملِك:
إِنّي قد كبِرت، فابعثْ لي غلاماً أُعلِّمْه السِّحر، فبعث إِليه غلاماً يُعلِّمه، فكان في طريقه إِذا سلك راهبٌ، فقعَد إِليه وسمع كلامه: فكان إِذا أتى الساحر مرّ بالرّاهب، وقعَد إليه، فإِذا أتى الساحر ضَربه، فشكا ذلك إِلى الرّاهب، فقال: إِذا خشيتَ الساحر فقُلْ: حبسني أهلي، وإِذا خشيت أهلك فقُل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إِذْ أتى على دابّة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم آلساحرُ أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرًا فقال:
اللهم! إِن كان أمر الراهب أحبّ إِليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابّة، حتى يمضي الناس فرماها فقتلها، ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أيْ بُنَيَّ! أنت اليوم أفضلُ منّي، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإِنك سَتُبْتَلَى، فإِن ابتليت فلا تدلّ عليّ، وكان الغلام يبرئ الأكمه (1) والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدْواء، فسمع جليسٌ للملك كان قد عَمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هاهنا لك أجمع، إِن أنت شفيتني، فقال: إِنّي لا أشفي أحداً، إِنما يَشْفي الله، فإِن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن بالله، فشفاه الله، فأتى الملِكَ فجلس إِليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من ردّ عليك بصرَك؟ قال: ربّي، قال: ولك ربٌّ غيْري؟ قال: ربّي وربّك الله، فأخذه فلم يزَل يُعذِّبُه حتى دلّ على الغلام!
فجيء بالغلام، فقال له الملك: أيْ بنيِّ! قد بلغ من سحرِك ما تبرئ الأكْمه والأبرص، وتفعل ما تفعل، فقال: إِنّي لا أشفي أحدًا، إِنما يشفي الله، فأخذه فلم يزلْ يعذبُه حتى دلّ على الراهب!
فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبَى، فدعا بالمنشار (2)، فوضع المنشار في مَفرقِ رأسه، فشقّه حتى وقع شقّاه!
ثم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إِلى نفرٍ من أصحابه، فقال: اذهوا به إِلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإِذا
(1) الأكمه: الذي خلق أعمى!
(2)
المنشار: مهموز، ويجوز تخفيف الهمزة بقلبها ياء، وروي: المنشار، بالنون!
بلغتم ذروته (1)، فإِن رجع عن دينه، وإِلا فاطرحوه، فذهبوا به، فصعدوا به الجبل، فقال:
اللهم! اكفِنِيهمْ بما شئت، فرجَفَ بهم (2) الجبل، فسقطوا!
وجاء يمشي إِلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال:
كفانيهم الله، فدفعه إِلى نفرٍ من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قُرقُور (3)، فتوسّطوا به البحر، فإِن رجع عن دينه، وإِلا فاقذفوه، وذهبوا به، فقال: اللهم! اكْفِنِيهمْ بما شئت، فانكفأت بهم السفينة (4)، فغرقوا، وجاء يمشي إِلى الملك، فقال له الملك:
ما فَعَل أصحابك؟ قال:
كفانيهم الله، فقال للملك:
إِنك لستَ بقاتلي حتى تفعل ما آمُرُك به، قال: وها هو؟ قال:
تجمع الناس في صعيد واحد (5)، وتَصلبُني على جذع، ثم خُذ سهماً من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس (6)، ثم قُلْ: بسم الله! ربِّ الغلام!
ثم ارمني، فإِنك إِذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيدٍ واحد،
(1) ذروة الجبل: أعلاه!
(2)
أي اضطرب وتحرك حركة شديدة!
(3)
أي السفينة الصغيرة، وقيل: الكبيرة، واختار القاضي الصغيرة.
(4)
أي انقلبت!
(5)
الصعيد هنا: الأرض البارزة!
(6)
كبد القوس: مقبضها عند الرمي!
وصلبه على جذعٍ، ثم أخذ سهماً من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله! ربِّ الغلام!
ثم رماه فوقع السهم في صُدغِه، فوضع يده في صُدْغِهِ في موضع السهم، فمات، فقال الناس:
آمنّا بربِّ الغلام!
آمنّا بربِّ الغلام!
آمنّا بربِّ الغلام!
فأتي الملك، فقيل له: أرأيت ما كنتَ تحذر؟ قد، والله! نزل بك حذرك (1)!
قد آمن الناسُ، فأمر بالأخدود (2) في أفواه السكك (3)، فخدِّد وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها (4)، أو قيل له: اقْتَحِم، ففعلوا، حتى جاءت امرأةٌ ومعها صبيٌّ لها، فتقاعست (5) أن تقع فيها، فقال لها الغلامُ:
يا أمَّه! اصبري، فإِنك على الحق!
(1) أي ما كنت تحذر وتخاف!
(2)
الأخدود: الشق العظيم في الأرض، وجمعه أخاديد!
(3)
أي أبواب الطرق!
(4)
(فأحموه فيها) هكذا في عامة النسخ، بهمزة قطع بعدها حاء ساكنة، ونقل القاضي اتفاق النسخ على هذا، ووقع في بعض نسخ بلادنا، (فأقحموه) بالقاف، ومعناه اطرحوه فيها كرهاً، ومعنى الرواية الأولى: ارموه فيها، من قولهم: أحميت الحديدة وغيرها، إذا أدخلتها النار لتحمى!
(5)
أي توقفت ولزمت موضعها، وكرهت الدخول في النار!
وفي رواية: فجعل يلقيهم في تلك الأخدود، قال:
يقول الله تبارك وتعالى فيه:
قال: فأماّ الغلام فإِنه دُفن، قال:
فيُذكر أنه أُخرج في زمن عُمر بن الخطّاب رضي الله عنه، إِصبعه على صُدغه، كما وضعها يوم قتل (1)!
تلك قصة أصحاب الأخدود، التي نزلت في شأنها تلك الآيات من سورة (البروج). . وهي التي وردت في تثبيت المؤمنين (2)، وتصبيرهم على أذى أهل مكّة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدّمهم من التعذيب على الإيمان، حتى
(1) مسلم: 53 - الزهد والرقائق (3005)، وأحمد: 6: 17 - 18، وعبد الرزاق (9751)، والترمذي (3340)، وصحيح الترمذي (2661)، والبزار (2091)، والطبري: التفسير: 30: 133 - 134، والنسائي: التفسير (681)، والكبرى (11661)، وابن حبان (7319)، والطبراني (7319)، وأيضاً (7320) من طريق معمر، وأبو عوانة، كما في إتحاف المهرة: 6: 315 من طريق سليمان بن المغيرة، كلاهما عن ثابت به!
وسياق معمر ليس فيه صراحة أن سياق هذه القصة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الحافظ ابن كثير: التفسير: 8: 389، وقال: قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزّي: فيحتمل أن يكون من كلام صهيب الرومي، فإنه كان عنده علم من أخبار النصارى، والله أعلم!
وقال الحافظ ابن حجر: الفتح: 8: 698 صرّح برفع القصة بطولها حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، ومن طريقه أخرجه مسلم، والنسائي، وأحمد، ووقفها معمر، عن ثابت، ومن طريقه أخرجه الترمذي!
(2)
تفسير الفخر الرازي: 31 - 116 وما بعدها بتصرف.
يقتدوا بهم، ويصبروا على أذى قومهم، ويعلموا أن كفّار مكّة عند الله بمنزلة أولئك الذين كانوا في الأمم السابقة، يحرقون أهل الإيمان بالنار، وأحقّاء بأن يقال فيهم (قُتلت قريش) كما {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ} !
وقد ذكروا قصة أصحاب الأخدود على طرق متباينة .. منها:
أنه وقع إلى (نجران) رجلٌ ممن كان على (دين عيسى)، فدعاهم، فأجابوه، فصار إليهم (ذو نواس اليهودي) بجنود من (حمير)، فخيّرهم بين النار واليهوديّة، فأبوا، (فأحرق منهم اثني عشر ألفاً في الأخاديد)، وقيل (سبعين ألفاً)، وذكر أن (طول الأخدود أربعون ذراعاً وعرضه اثنا عشر ذراعاً)!
وقيل: كان في (ثلاث طوائف) - (ثلاث مرات):
مرة باليمن!
ومرة بالعراق!
ومرة بالشام!
ولفظ الأخدود، وإن كان واحداً إلا أن المراد هو الجمع، وهو كثير في القرآن!
وقال القفال: ذكروا في قصة أصحاب الأخدود روايات مختلفة .. !
وهي متفقة في أنهم قوم من المؤمنين .. !
تلك قصة أصحاب الأخدود، أكبر دليل من الواقع التاريخي على الإرهاب الذي مارسه الكفار والمشركون ضدّ المؤمنين بالله جلّ شأنه!
وتطالعنا سورة البروج بقول الله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3)} (البروج)!
وهنا نبصر حقائق العقيدة، وقواعد التصوّر الإيماني .. ونبصر أضواء قويّة بعيدة المدى، وراء المعاني والحقائق المباشرة التي تعبّر عنها تلك الآيات .. حتى لتكاد كل آية -وأحياناً كل كلمة في الآية- أن تفتح كوّةً على عالم مترامي الأطراف من الحقيقة. (1)!
والحادث المباشر هو حادث أصحاب الأخدود!
والموضوع هو أن فئة من المؤمنين السابقين على الإِسلام الذي بعث الله به محمداً خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم وعلى إخوانه من الرسل والأنبياء .. قيل: إنهم من النصارى الموحّدين (2)، ابتلوا بأعداء لهم طغاة بغاة عتاة، أرادهم على ترك دينهم -كما أسلفنا- فأبوا وتمنعوا بعقيدتهم، فشق الطغاة البغاة العتاة لهم شقًّا في الأرض، وأوقدوا فيه النار، وكبّوا فيه جماعة المؤمنين فماتوا حرقاً، على مرأى من المجموع التي حشدها المتسلّطون، لتشهد مصرع الفئة المؤمنة بهذه الطريقة البشعة!
ونعود إلى مفتتح السورة .. نعود فنجد الارتباط بين الأمور الثلاثة المقسم بها (3): {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} !
ونجد الإقسام بها متناولاً لكل موجود في الدنيا والآخرة .. وكلٌّ منها آية
(1) في ظلال القرآن: 6: 3871.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 30: 132، والشوكاني: 5: 413.
(3)
بدائع التفسير: 5: 170 وما بعدها بتصرف.
مستقلّة دالة على ربوبيّته وإلهيّته، فأقسم بالعالم العلوي، وهي السماء وما فيها من البروج، التي هي أعظم الأمكنة وأوسعها!
ثم أقسم بأعظم الأيام وأجلّها قدرًا الذي هو مظهر ملكه، وأمره ونهيه، وثوابه وعقابه، ومجمع أوليائه وأعدائه، والحكم بينهم بعلمه وعدله!
ثم أقسم بما هو أعم من ذلك كله، وهو الشاهد والمشهود .. وناسب هذا القسم ذكر أصحاب الأخدود الذين عذّبوا أولياءه، وهم شهود على ما يفعلون بهم، والملائكة شهود عليهم بذلك، والجوارح تشهد به عليهم، وأيضاً فالشاهد هو المطّلع والرقيب، والمخبر والمشهود، وهو المطلع عليه المخبر به، المشاهد!
فمن نوّع الخليقة إلى شاهد ومشهود، وهو أقدر القادرين، كما نوّعها إلى مرئي وغير مرئي، كما قال سبحانه:
{فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)} (الحاقة)!
كما نوعها إلى أرض وسماء، وليل ونهار، وذكر وأنثى!
وهذا التنويع والاختلاف من آياته سبحانه - كذلك نوعها إلى شاهد ومشهود!
وفيه سرّ آخر: وهو أن من المخلوقات ما هو مشهود عليه، ولا يتم نظام العالم إلا بذلك، فكيف يكون المخلوق شاهداً رقيباً حفيظاً على غيره، ولا يكون الخالق تبارك وتعالى شاهداً على عباده مطلعاً عليهم رقيباً؟!
وأيضاً فإن ذلك يتضمّن القسم بملائكته وأنبيائه ورسله؛ فإنهم شاهدون على العباد، فيكون من باب اتحاد المقسم به والمقسم عليه، كما أقسم باليوم
الموعود، وهو المقسم به وعليه، وأيضاً فيوم القيامة مشهود، كما قال تعالى:
{ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103)} (هود)!
يشهده الله وملائكته والإنس والجن، والوحش، من آياته، والمشهود من آياته!
وأيضاً فكلامه مشهود، كما قال تعالى:
{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78)} (الإسراء)!
تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، فالمشهود من أعظم آياته، وكذلك الشاهد، فكل ما وقع عليه اسم شاهد ومشهود فهو داخل في هذا القسم؛ فلا وجه لتخصيصه ببعض الأنواع أو الأعيان، إلا على سبيل التمثيل!
وأيضاً فكتاب الأبرار في عليّين يشهده المقربون، فالكتاب مشهود والمقربون شاهدون!
والأحسن، أن يكون هذا القسم مستغنياً عن الجواب؛ لأن القصد التنبيه على القسم به، وأنه من آيات الربّ العظيمة، ويبعد أن يكون الجواب:
{قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ} !
وهم الذين فتنوا أولياءه وعذّبوهم بالنار ذات الوقود!
ثم وصف حالهم القبيحة بأنهم قعود على جانب الأخدود، شاهدين ما يجري على عباد الله تعالى وأوليائه عياناً، ولا تأخذهم بهم رأفة ولا رحمة، ولا يعيبون عليهم ديناً سوى إيمانهم بالله العزيز الحميد، الذي له ملك السموات والأرض!
وهذا الوصف كان يقتضي إكرامهم وتعظيمهم ومحبّتهم، فعاملوهم ضدّ ما يقتضي أن يعاملوا به!
وهذا شأن أعداء الله دائماً، ينقمون على أوليائه ما ينبغي أن يحبّوا ويكرموا لأجله، كما قال تعالى:
مفرق الطريق:
وفي سورة العنكبوت أيضاً يطالعنا قوله تعالي:
(العنكبوت).
وهنا نبصر ذلك النموذج من النفوس في استقبال فتنة الإيذاء بالاستخذاء، ثم الادعاء العريض عند الرخاء، في كلمات معدودات .. صورة واضحة الملامح، بارزة السمات!
نبصر ذلك النموذج من الناس، يعلن كلمة الإيمان في الرخاء يحسبها خفيفة العمل، هيّنة المؤونة، لا تكلف إلا نطقها باللسان، {فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ} ! بسبب الكلمة التي قالها وهو آمن معافى {جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} ! فاستقبلها في جزع، واختلّت في نفسه القيم، واهتزّت في ضميره العقيدة، وتصوّر أن لا عذاب بعد هذا الأذى الذي يلقاه -حتى عذاب الله! وقال
في نفسه: ها هو ذا عذاب شديد أليم، ليس وراءه شيء، فعلام أصبر على الإيمان، وعذاب الله لا يزيد على ما أنا فيه من العذاب؟ وإن هو إلا الخلط بين أذى يقدر على مثله البشر، وعذاب الله الذي لا يعرف أحد مداه.
هذا موقف ذلك النموذج من الناس في استقبال الفتنة في ساعة الشدّة: {وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} ! إنا كنا معكم .. وذلك كان موقفهم في ساعة العسرة من التخاذل والتهافت والتهاوي، وسوء التصوير وخطأ التقدير، ولكن حين يجيء الرخاء تنبث الدعوى العريضة، وينتفش المنزوون المتخاذلون، ويستأسد الضعفاء المنهزمون فيقولون:{إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} .. {أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10)} ؟!
أوَليس يعلم ما تنطوي عليه تلك الصدور من صبر أو جزع، ومن إيمان أو نفاق؟ فمن الذي يخدعه هؤلاء، وعلى من يموّهون؟
{وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11)} ! وليكشفنّهم فيُعرفون، فما كانت الفتنة إلا ليتبيَّن الذين آمنوا ويتبيَّن المنافقون!
ونقف لحظة أمام التعبير القرآني الدقيق، وهو يكشف عن موضع الخطأ في هذا النموذج من الناس حين يقول:{جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} !
فليس الأمر أن صبرهم قد ضعف عن احتمال العذاب، فمثل هذا يقع للمؤمنين الصادقين في بعض اللحظات -وللطاقة البشريّة حدود- ولكنهم يظلُّون يفرقون تفرقةً واضحةً في تصوّرهم وشعورهم بين كل ما يملكه البشر لهم من أذى وتنكيل، وعذاب الله العظيم، فلا يختلط في حسّهم أبداً عالم الفناء الصغير وعالم الخلود الكبير، حتى في هذه اللّحظة التي يتجاوز عذاب الناس
لهم مدى الطاقة وجهد الاحتمال .. إن الأمر في حس المؤمن لا يقوم له شيء، مهما تجاوز الأذى طاقته واحتماله .. وهذا هو مفرق الطريق بين الإيمان في القلوب والنفاق!
وفي نفس السورة يطالعنا قول الله تعالى:
بعد ذكر مصارع الطغاة البغاة العتاة من الكفرة والظلمة والفسقة على مدار القرون .. وبعد الحديث في مطلع السورة عن الفتنة والابتلاء، والإغراء -كما أسلفنا (1) - يطالعنا المثل لحقيقة القوى المتصارعة في هذا المجال .. وهنا نبصر قوة واحدة، هي قوة الله .. وما عداها فهو هزيل واهن .. من تعلَّق به أو احتمى فهو كالعنكبوت الضعيفة تحتمي ببيت من خيوط واهية، فهي وما تحتمي به سواء.
إنه تصوير عجيب صادق لحقيقة القوى في هذا الوجود .. الحقيقة التي غفل عنها الناس أحياناً، فيسوء تقديرهم لجميع القيم، ويفسد تصورهم لجميع الارتباطات، وتختلّ في أيديهم جميع الموازين، ولا يعرفون إلى أين يتوجّهون .. ماذا يأخذون، وماذا يدعون؟
وعندئذ تخدعهم قوّة الحكم والسلطان .. يحسبونها القوّة القادرة التي
(1) السابق: 2736 بتصرف.
تعمل في هذه الأرض، فيتوجهون إليها بمخاوفهم ورغائبهم، ويخشونها ويفزعون منها، ويترضّونها ليكفّوا عن أنفسهم أذاها، أو يضمنوا لأنفسهم حماها!
وتخدعهم قوّة المال، يحسبونها القوة المسيطرة على أقدار الناس وأقدار الحياة، ويتقدّمون إليها في رغب وفي رهب، ويسعون للحصول عليها، ليستطيلوا بها، ويتسلّطوا على الرقاب، كما يحسبون!
وتخدعهم قوّة العلم، يحسبونها أصل القوّة، وأصل الإيمان، وأصل سائر القوى التي يصول بها من يملكها ويجول، ويتقدّمون إليها خاشعين، كأنهم عباد في المحاريب!
وتخدعهم هذه القوى الظاهرة .. تخدعهم في أيدي الأفراد، وأيدي الجماعات، وأيدي الدول، فيدورون حولها، ويتهافتون عليها، كما يدور الفراش على المصباح، وكما يتهافت الفراش على النار!
وينسون القوّة الوحيدة التي تخلق سائر القوى الصغيرة، وتملكها، وتمنحها، وتوجّهها، وتسخّرها كما تريد حينما تريد!
وينسون أن الالتجاء إلى تلك القوى، سواء كانت في أيدي الأفراد، أو الجماعات أو الدول .. كالتجاء العنكبوت إلى بيت العنكبوت .. حشرة ضعيفة رخوة واهنة، لا حماية لها من تكوينها الرخو، ولا وقاية لها من بيتها الواهن!
وليس هنالك إلا حماية الله، وإلا حماه، وإلا ركنه القويّ الركين!
هذه الحقيقة الضخمة هي التي عُني القرآن بتقريرها في نفوس الفئة المؤمنة،
فكانت بها أقوى من جميع القوى التي وقفت في طريقها، وداست بها على كبرياء الجبابرة في الأرض، ودكَّت بها المعاقل والحصون!
لقد استقرّت هذه الحقيقة الضخمة في كل نفس، وعمرت كل قلب، واختلطت بالدم، وجرت معه في العروق، ولم تعد كلمة تقال باللسان، ليس لها في الجَنان مكان، ولا قضيّة تحتاج إلى جدل؛ بل بديهة مستقرة في النفس، لا يجول غيرها في حسّ ولا خيال!
قوّة الله وحدها هي القوّة .. وولاية الله وحدها هي الولاية .. وما عداها فهو واهن ضئيل هزيل، مهما علا واستطال، ومهما تجبّر وطغى، ومهما ملك من وسائل البطش والطغيان والتنكيل!
إنها العنكبوت .. وما تملك من القوى ليست سوى خيوط العنكبوت: {وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)} !
وإن أصحاب الدعوات الذين يتعرّضون للفتنة والأذى، وللإغراء والإغواء -كما أسلفنا- لجديرون أن يقفوا أمام هذه الحقيقة الضخمة، ولا ينسوها لحظة، وهم يواجهون القوى المختلفة، هذه تضرّ بهم، وتحاول أن تسحقهم .. وهذه تستهويهم، وتحاول أن تشتريهم .. وكلها خيوط العنكبوت في حساب الله، وفي حساب العقيدة حين تصحّ العقيدة، وحين تعرف حقيقة القوى، وتحسنُ التقويم والتقدير:{إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} !
إنهم يستعينون بأولياء يتخذونهم من دون الله، والله يعلم حقيقة هؤلاء الأولياء .. وهي الحقيقة التي صوَّرت في المثل السابق .. عنكبوت تحتمي بخيوط العنكبوت! {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} !
هو وحده العزيز القادر الحكيم المدبّر لهذا الوجود! {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} .
فلقد اتخذها جماعة من المشركين المغلقي القلوب والعقول مادّة للسخرية والتهكّم، وقالوا: إن ربَّ محمد يتحدّث عن الذباب والعنكبوت، ولم يهزّ مشاعرهمِ هذا التصوير العجيب؛ لأنهم لا يعقلون ولا يعلمون:{وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43)} !
ضرورة الابتلاء:
ويطالعنا قوله عز وجل:
إنها سنّة العقائد والدعوات .. لابدّ من بلاء (1)، ولا بدّ من أذى في الأموال والأنفس، ولا بدّ من صبر ومقاومة واعتزام .. إنه الطريق إلى الجنّة، وقد حفّت الجنّة بالمكاره، وحفّت النَّار بالشهوات .. يروي مسلم وغيره عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حُفَّت الجنَّة بالمكاره، وحُفَّت النَّار بالشهوات"(2).
(1) السابق: 1: 539 وما بعدها بتصرف.
(2)
مسلم: 51 - الجنة (2822)، وأحمد: 3: 153، 254، 284، والبغوي (4114) والترمذي (2559)، وعبد بن حميد (1311)، وابن حبان (716، 718)، والقضاعي: الشهاب (568)، والدارمي: 2: 339.
وفي رواية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حُفَّت النار بالشهوات، وحُفَّت الجنَّة بالمكاره". (1)
وفي الآية قبل التي معنا قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)} (آل عمران)!
وهنا نبصر توجيه القرآن إلى الجماعة المسلمة، يحدثّها عن القيم التي ينبغي أن تحرص عليها، وتضحي من أجلها، ويحدثها عن أشواك الطريق ومتاعبها وآلامها، ويهيب بها إلى الصبر والتقوى والعزم والاحتمال!
إنه لا بدّ من استقرار هذه الحقيقة في النفس: حقيقة أن الحياة في هذه الأرض موقوتة، محدودة بأجل، ثم تأتي نهايتها حتماً .. يموت الصالحون، ويموت الطالحون .. يموت المجاهدون، ويموت القاعدون .. يموت المستعلون بالعقيدة، ويموت المستذلون للعبيد .. يموت الشجعان الذين يأبون الضيم، ويموت الجبناء الحريصون على الحياة بأي ثمن .. لموت ذوو الاهتمامات الكبيرة والأهداف العالية، ويموت التافهون الذين يعيشون فقط للمتاع الرخيص!
الكل يموت .. {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} ! كل نفس تذوق هذه الجريمة، وتفارق هذه الحياة، وهنا نذكر ما رواه أحمد وغيره بسند صحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِن الميّت تحضره الملائكة، فإِذا كان الرجل الصالح،
(1) مسلم (2823)، والبخاري (6487) بلفظ "حُجبت النار بالشهوات، وحُجبت الجنّة بالمكاره"، وابن المبارك: الزهد (650، 925)، والقضاعي: الشهاب (567)، وأحمد: 2: 260، 380، وأبو داود (4744)، والترمذي (2560) من حديث طويل، والنسائي: 7: 3، والبغوي: شرح السنة (4115)، وابن حبان (719).
قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيّبة، كانت في الجسد الطيّب، اخرجي حميدة، وأبشري بروْح وروْحان وربٍّ غير غضبان. قال: فلا يزال يقال ذلك، حتَّى تخرج، ثم يُعرج بها إِلى السماء، فيُستفتح لها فيُقال: مَنْ هذا؟ فيُقال: فلان، فيقولون: مرحباً بالنّفس الطّيِّبَة كانت في الجسد الطّيّب، ادْخُلي حميدة، وأبشري بروْح وريْحان وربٍّ غير غضبان، قال: فلا يزال يقال لها حتّى يُنتَهَى بها إِلى السماء التي فيها الله عز وجل!
وإِذا كان الرّجُلُ السّوء، قالوا: اخْرجي أيَّتُها النّفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرُجي ذميمةً، وأبشري بحميم وغَسَّاق، وآخر مِنْ شكله أزواج، فلا تزال تخرج ثم يُعرجُ بها إِلى السماء، فَيُسْتفتح لها فيُقال: مَنْ هذا؟ فيُقال: فلان، فيُقال: لَا مَرحباً بالنَّفس الْخَبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذَميمةً، فإِنه لا يُفْتح لك أبواب السماء، فَترْسَلُ من السماء، ثم تصير إِلى الْقَبْر فَيُجْلَس الرجل الصالح، فيقال له مثل ما قيل له في الحديث الأول، ويُجلَسُ الرّجلُ السَّوْء، فيُقال له مثل ما قيل في الحديث الأول". (1)
وهنا نبصر خروج النفس الطيّبة، والنفس الخبيثة .. والفارق في المصير الأخير:{وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} !
هذه هي القيمة التي يكون فيها الافتراق .. وهذا هو المصير الذي يفترق فيه
(1) أحمد: 2: 364 - 365، وابن ماجه (4262، 4268)، والنسائي: الكبرى (11442)، وابن خزيمة: التوحيد: 1: 276 - 277، والطبري: التفسير: 8: 177، والآجري: الشريعة: 392، وابن منده: الإيمان (1068)، وانظر: أحمد: 6: 139، والنسائي: 4: 8 - 9، ومسلم بنحوه مختصراً (2872)، وابن منده: الإيمان (1069)، والحاكم: 1: 353، وابن حبان (3013).
إنسان عن آخر .. القيمة الباقية التي تستحق السعي والكد، والمصير المخوف الذي يستحق أن يحسب له ألف حساب:{فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} !
ولفظ: {فَازَ} ! بذاته يصوّر معناه بجرسه، ويرسم هيئته ويلقي ظله، وكأنما للنار جاذبيّة تشدّ إليها من يقترب منها، ويدخل في مجالها! فهو في حاجة إلى من يزحزحه قليلاً قليلاً ليخلصه من جاذبيّتها المنهومة! فمن أمكن أن يزحزح عن مجالها، ويستنقذ من جاذبيّتها، ويدخل الجنّة فقد فاز!
صورة قويّة، بل مشهد حيّ، فيه حركة وشد وجذب! وهو كذلك في حقيقته وفي طبيعته، فللنار جاذبيّة!
أليست للمعصية جاذبيّة؟!
أليست النفس في حاجة إلى من يزحزحها عن جاذبيّة المعصية؟ بلي!
وهذه هي زحزحتها عن النار!
أليس الإنسان -حتى مع المحاولة واليقظة الدائمة- يظل أبداً مقصّراً في العمل .. إلا أن يدركه فضل الله؟ بلى!
وهذه هي الزحزحة عن النار، حين يدرك الإنسان فضل الله، فيزحزحه عن النار! {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} !
إنها متاع .. ولكنه ليس متاع الحقيقة، ولا متاع الصحوة واليقظة؛ بل متاع الغرور .. المتاع الذي يخدع الإنسان فيحسبه متاعاً .. المتاع الذي ينشئه الغرور والخداع!
وعندما تكون هذه الحقيقة قد استقرّت في النفس وتكون النفس قد
أخرجت من حسابها الحرص على الحياة -إذ كل نفس ذائقة الموت على كل حال- وأخرجت من حسابها متاع الغرور الزائل .. عندما يبيّن الله للمؤمنين ما ينتظرهم من بلاء في الأموال والأنفس، وقد استعدت نفوسهم للبلاء فمن ثمَّ تتبيّن معالم الطريق كما يصوّرها الكتاب والسنّة، ويثبت على هذه الدعوة أصلب أصحابها عوداً، إذ هؤلاء هم الذين يصلحون لحملها والصبر عليها، إذن فهم مؤتمنون!
وذلك لكي تعزّ هذه الدعوة عليهم وتغلو، بقدر ما يصيبهم في سبيلها من عنت وبلاء، وبقدر ما يضحّون في سبيلها من عزيز وغال، فلا يفرطون فيها بعد ذلك، مهما تكن الأحوال!
وذلك لكي يصلب عود الدعاة في تبليغ الدعوة؛ فالمقاومة هي التي تستثير القوى الكامنة، وتنمّيها وتجمعها وتوحّدها، وهي في حاجة إلى استثارة هذه القوى، لتتأصّل جذورها وتتعمّق، وتتّصل بالتربة الخصبة الغنيّة في أعماق الفطرة!
وذلك لكي يعرف أصحاب الدعوة حقيقتهم، وهم يزاولون الحياة والجهاد مزاولة عمليّة واقعيّة، ويعرفون حقيقة النفس البشريّة وخباياها ويعرفون حقيقة الجماعات والمجتمعات وهم يرون كيف تصطرع مبادئ دعوتهم، مع الشهوات في أنفسهم وفي أنفس الناس .. ومداخل الشيطان إلى هذه النفوس، ومزالق الطريق، ومسارب الضلال!
ثم لكي يشعر المعارضون لها في النهاية أنه لابدّ فيها من خير، ولابدّ فيها منْ سرٍّ يجعل أصحابها يلاقون في سبيلها ما يلاقون وهم صامدون .. فعندئذ قد ينقلب المعارضون لها إليها أفواجاً في نهاية المطاف!
إنها سنّة الدعوات، وكي يصبر المؤمن على ما فيها من مشقّة، ويحافظ في ثنايا الصراع المرير على تقوى الله، فلا يشط فيعتدي وهو يردّ الاعتداء، ولا ييأس من رحمة الله ويقطع أمله في نصره وهو يعاني الشدائد، وما يصبر على هذا كله إلا أولو العزم الأقوياء:{وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)} !
وهكذا علمت الجماعة المسلمة اللأولى ما ينتظرها من تضحيات وآلام، وما ينتظرها من أذى وبلاء في الأنفس والأموال، من أهل الكتاب من حولها، ومن المشركين أعدائها .. ولكنها سارت في الطريق، ولم تتخاذل، ولم تتراجع، ولم تنكص على أعقابها!
لقد كانت تستيقن أن كل نفس ذائقة الوت، وأن توفية الأجور يوم القيامة، وأنه من زحزح عن النار وأدخل الجنّة فقد فاز، وأن الحياة الدنيا ما هي إلا متاع الغرور .. على هذه الأرض الصلبة المكشوفة كانت تقف، وفي هذا الطريق القاصد الواصل كانت تخطو!
والأرض الصلبة المكشوفة باقية في كل زمان، والطريق القاصد الواصل مفتوح يراه كل إنسان، وأعداء الدعوة هم أعداؤها .. تتوالى القرون والأجيال، وهم ماضون في الكيد لها من وراء القرون والأجيال .. والقرآن هو القرآن!
وهبها كانت القاضية .. فهذا هو الأمل والرجاء، وهنا يطالعنا ما رواه أحمد وغيره بسند قويّ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما يجد الشهيد من مَسِّ الموت، إِلا كما يجدُ أحدُكم مسَّ الْقَرْصَة". (1)
(1) أحمد: 2: 297، والدارمي (2413)، والترمذي (1668)، والنسائي: 6: 36، وابن ماجه (2802)، وابن أبي عاصم (190، 191)، وأبو نعيم: الحلية: 8: 264، والبيهقي: 9: 164، والبغوي: شرح السنة (2630)، والتفسير: 1: 373، وابن حبان (4655).
وفي رواية للشيخين وغيرهما عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما من عبدٍ يموت له عند الله خير، يسرّه أن يرجع إِلى الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد، لِمَا يرى من فضل الشهادة، فإِنه يسرّه أن يرجع إِلى الدّنيا مرةً أخرى".
وفي رواية: "ما أحد يدخل الجنّة يحبّ أن يرجع إِلى الدنيا، يتمنّى أن يرجع إِلى الدنيا، وله ما على الأرض من شيء، إِلا الشهيد، يتمنّى أن يرجع إِلى الدّنيا، فيقتَل عشر مرّات، لِمَا يرى من الكرامة". (1)
ولنا حديث عن فضل الجهاد ومكانة الشهيد في حينه بعون الله وتوفيقه!
وتختلف وسائل الابتلاء والفتنة باختلاف الزمان .. وتختلف وسائل الدعاية ضدّ الجماعة المسلمة، ووسائل إيذائها في سمعتها وفي مقوماتها وفي أعراضها وفي أهدافها وفي أغراضها .. ولكن الأصول واحدة:
ويبقى هذا التوجيه القرآني رصيداً للجماعة المسلمة، كلما همّت أن تتحرّك بهذه العقيدة، وأن تحاول تحقيق منهج الله في الحياة، تَجَمَّعتْ عليها وسائل الكيد والفتنة، ووسائل الدعاية الخبيثة، لتشويه أهدافها، وتمزيق أوصالها!!
(1) البخاري: 56 - الجهاد (2795، 2817)، ومسلم (1877)، وأحمد: 3: 103، 173، 276، والترمذي (1643)، والبغوي (2628)، وابن حبان (4661، 4662).
ويبقى هذا التوجيه القرآني حاضراً يجلو لأبصارها طبيعة هذه الدعوة، وطبيعة طريقها، وطبيعة أعدائها الراصدين لها في الطريق، ويبث في قلبها الطمأنينة لكل ما تلقاه من وعد الله، فتعرف حين تتناوشها الذئاب بالأذى، وحين تعوى حولها بالدعاية، وحين يصيبها الابتلاء والفتنة .. أنها سائرة في الطريق، وأنها ترى معالم الطريق!
ومن ثمَّ تستبشر بالابتلاء والأذى والفتنة، والادعاء الباطل عليها وإسماعها ما يُكره، وما يؤذي .. تستبشر بهذا كله؛ لأنها تستيقن منه أنها ماضية في الطريق التي وصفها الله لها من قبل، وتستيقن أن الصبر والتقوى هما زاد الطريق، ويبطل عندها الكيد والبليّة، ويصغر عندها الابتلاء والأذى، وتمضي في طريقها الموعود إلى الأمل المنشود .. في صبر وفي تقوى .. وفي عزم أكيد!
قيمة العقيدة:
ويطالعنا قول الله تعالى:
وهنا نبصر نموذجاً من الناس يزن العقيدة بميزان الربح والخسارة، ويظنها صفقة في سوق التجارة .. والعقيدة هي الركيزة الثابتة في حياة المؤمن، تضطرب الدنيا من حوله فيثبت هو على هذه الركيزة (1)، وتتجاذبه الأحداث
(1) السابق: 4: 2412 وما بعدها بتصرف.
والدوافع فيتشبّث هو بالصخرة التي لا تتزعزع، وتتهاوى من حوله الإسناد فيستند هو إلى الأصول التي لا تحول ولا تزول!
هذه هي قيمة العقيدة في حياة المؤمن، ومن ثمَّ يجب أن يستوي عليها، متمكّناً منها، واثقاً بها، لا يتلجلج ولا ينتظر عليها جزاء، فهي في ذاتها جزاء؛ ذلك أنها الحمى الذي يلجأ إليه، والسند الذي يستند عليه .. أجل هي في ذاتها جزاء على تفتّح القلب للنور وطلبه للهدى .. ومن ثمَّ يهبه الله العقيدة ليأوي إليها، ويطمئن بها .. هي في ذاتها جزاء يدرك المؤمن قيمته حين يرى الحيارى الشاردين من حوله تتجاذبهم الرياح، وتتقاذفهم الزوابع، ويستبدّ بهم القلق؛ بينما هو بعقيدته مطمئن القلب، ثابت القدم، هادئ البال، موصول بالله، مطمئن بهذا الاتصال!
وأمّا ذلك الصنف من الناس الذي يتحدث عنه القرآن هنا فيجعل العقيدة صفقة في سوق التجارة: {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ} ! وقال: إن الإيمان خير، فها هو ذا يجلب النفعِ ويدر الضرع، وينمّي الزرع، ويربح التجارة، ويكفل الرواج {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ} !
خسر الدنيا بالبلاء الذي أصابه فلم يصبر عليها، ولم يتماسك له، ولم يرجع إلى الله فيه .. وخسر الآخرة بانقلابه على وجهه، وانكفائه عن عقيدته، وانتكاسه عن الهدي الديني الذي كان ميسّراً له!
والتعبير القرآني يصوّر عبادته لله {عَلَى حَرْفٍ} ؛ لأنه غير متمكّن من العقيدة، ولا متثبّت في العبادة .. يصوره في حركة جسديّة متأرجحة قابلة للسقوط عند الدفعة الأولى، ومن ثمّ ينقلب على وجهه عند مسّ الفتنة ووقفته المتأرجحة تمهّد من قبل لهذا الانقلاب!
إن حساب الربح والخسارة يصلح للتجارة؛ ولكنه لا يصلح للعقيدة، فالعقيدة حقّ يعتنق لذاته، بانفعال القلب المتلقّي للنور والهدى الذي لا يملك إلا أن ينفعل بما يتلقّى .. والعقيدة تحمل جزاءها في ذاتها، بما فيها من طمأنينة وراحة ورضى، فهي لا تطلب جزاءها خارجاً عن ذاتها!
والمؤمن يعبد ربّه شكراً له على هدايته إليه، وعلى اطمئنانه للقرب منه والأنس به جلَّ شأنه!
والمؤمن لا يجرّب إلهه، فهو قابل ابتداء لكل ما يقدره له، مستسلم ابتداء لكل ما يجريه عليه، راض ابتداء بكل ما يناله من السرّاء والضرّاء .. وليست هي صفقة في السوق بين بائع ومشترٍ .. إنما إسلام الخلوق للخالق صاحب الأمر فيه، ومصدر وجوده من الأساس!
والذي ينقلب على وجهه عند مسّ الفتنة يخسر الخسارة التي لا شبهة فيها ولا ريب: {ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11)} !
يخسر الطمأنينة والثقة والهدوء والرضى، إلى جوار خسارة المال أو الولد، أو الصحة، أو أعراض الحياة الأخرى التي يفتن الله بها عباده، ويبتلي بها ثقتهم فيه، وصبرهم على بلائه، وإخلاصهم أنفسهم له، واستعدادهم لقبول قضائه وقدره .. ويخسر الآخرة وما فيها من نعيم وقُربى ورضوان، فياله من خسران!
وإلى أين يتجه هذا الذي يعبد الله على حرف؟ إلى أين يتّجه بعيداً عن الله؟ إنه {يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ} ! يدعو صنماً أو وثناً على طريقة الجاهليّة الأولى، ويدعو شخصاً أو جهة أو مصلحة على طريقة
الجاهليّات المتناثرة في كل زمان ومكان وجيل وقبيل، وعصر ومصر، كلما انحرف الناس عن الاتجاه إلى الله وحده، والسير على صراطه ومنهجه .. فما هذا كله؟ إنه الضلال عن المتجه الوحيد الذي يجدي فيه الدعاء:{ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12)} ! المغرق في البعد عن الهدى والاهتداء .. {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ} ! من وثن أو شيطان، أو سند من بني الإنسان .. وهذا كله لا يملك ضرًا ولا نفعاً، وهو أقرب لأن ينشأ عنه الضرّ، وضرره أقرب من نفعه .. ضرره في عالم الضمير بتوزيع القلب، وإثقاله بالوهم، وإثقاله بالذل، وضرره في عالم الواقع .. وكفى بما يعقبه في الآخرة من ضلال وخسران {لَبِئْسَ الْمَوْلَى} ! ذلك الضعيف لا سلطان له في ضرّ أو نفع {وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13)} ! من بني الإنسان، ممن يتّخذهم بعض الناس آلهة أو أشباه آلهة في كل زمان ومكان!
والله عز وجل يدّخر للمؤمنين به ما هو خير من عرض الحياة الدنيا كله، حتى لو خسروا ذلك العرض كله في الفتنة والابتلاء:
فمن مسّه الضرّ في فتنة من الفتن وفي ابتلاء من الابتلاءات فليثبت ولا يتزعزع، وليستبق ثقته برحمة الله وعونه، وقدرته على كشف الضرّاء، وعلى العوض والجزاء!
فأما من يفقد ثقته في نصر الله، ويقنط من عون الله له في المحنة حين تشتد المحنة فليفعل بنفسه ما يشاء، وليذهب بنفسه كل مذهب، فما شيء من ذلك بمبدل ما به من البلاء:
وهو مشهد متحرّك لغيظ النفس، وللحركات المصاحبة لذلك الغيظ يجسّم هذه الحالة التي يبلغ فيها الضيق بالنفس أقصاه .. عندما ينزل بها الضرّ وهي على غير اتصال بالله!
والذي ييأس في الضرّ من عون الله يفقد كل نافذة مضيئة، وكل نسمة رخيّة، وكل رجاء في الفرج .. ويستبدّ به الضّيق، ويثقل على صدره الكرب، فيزيد هذا كله من وقع الكرب والبلاء!
فمن كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بحبل إلى السماء يتعلّق به أو يختنق، ثم ليقطع الحبل فيسقط أو ليقطع النفس فيختنق .. ثم لينظر هل ينقذه تدبيره ذلك مما يغيظه!
ألا إنه لا سبيل إلى احتمال البلاء إلا بالرجاء في نصر الله، ولا سبيل إلى الفرج إلا بالتوجّه إلى الله، ولا سبيل إلى الاستعلاء على الضرّ، والكفاح للخلاص إلا بالاستعانة بالله .. وكل حركة يائسة لا ثمرة لها ولا نتيجة إلا زيادة الكرب، ومضاعفة الشعور به، والعجز عن دفعه بغير عون الله .. فليستبق المكروب تلك النافذة المضيئة التي تنسم عليه من روح الله!
حقيقة الابتلاء:
ويطالعنا قول الله تبارك وتعالى:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى
بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)} (الأنعام)!
وهنا نبصر حقيقة قدر الله أن يكون لكل نبيّ عدوّهم شياطين الإنس والجن، وأن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول، ليخدعوهم به، ويغروهم بحرب الرسل وحرب الهُدى، وأن تصغى إلى هذا الزخرف أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، ويرضوه، ويقترفوا ما يقترفونه من العداوة للرسل وللحق، ومن الضلال والفساد في الأرض (1) .. كل ذلك إنما جرى بقدر الله، وفق مشيئته، ولو شاء ربك ما فعلوه، ولمضت مشيئته بغير هذا كله، ولجرى قدره بغير هذا الذي كان، فليس شيء من هذا بالمصادفة، وليس شيء من هذا بسلطان من البشر كذلك أو قدرة!
فإذا تقرّر أن هذا الذي في الأرض من المعركة الناشبة التي لا تهدأ بين الرسل والحق الذي معهم، وشياطين الإنس والجنّ وباطلهم وزخرفهم وغرورهم .. إذا تقرّر أن هذا الذي يجري في الأرض إنما يجري بمشيئة الله، ويتحقق بقدر الله، فإن المسلم ينبغي أن يتّجه إذن إلى تدبّر حكمة الله من وراء ما يجري في الأرض، بعد أن يدرك طبيعة هذا الذي يجري والقدرة التي وراءه:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} ! بإرادتنا وتقديرنا، جعلنا لكل نبي عدوًّا .. هذا العدوّ هو شياطين الإنس والجن .. والشيطنة وهي التمرّد والغواية والتمحّض للشرّ صفة
(1) السابق: 3: 1188 وما بعدها بتصرف.
تلحق الإنس كما تلحق الجنّ .. وكما أن الذي يتمرّد من الجنّ ويتمحّضُ للشرِّ والغواية يسمّى شيطاناً، فكذلك الذي يتمرّد من الإنس ويتمحّض للشر والغواية .. وقد يوسف بهذه الصفة الحيوان إذا شرس واستشرى أذاه، وقد روى مسلم وغيره مرفوعاً من حديث طويل عن أبي ذر:"الكلب الأسود شيطان". (1)
هؤلاء الشياطن -من الإنس والجن- الذين قدّر الله أن يكونوا أعداء لكل نبيّ، يخدع بعضهم بعضاً بالقول المزخرف، الذي يوحيه بعضهم إلى بعض -ومن معاني الوحي التأثير الداخلي الذي ينتقل به الأثر من كائن إلى كائن آخر- ويغر بعضهم بعضاً، ويحرّض بعضهم بعضاً على التمرّد والغواية والشرّ والمعصية .. وشياطين الإنس أمرهم معروف ومشهود لنا في هذه الأرض، ونماذجهم ونماذج عدائهم لكل نبيّ، وللحق الذي معه، وللمؤمنين به معروفة يمكن أن يراها الناس في كل زمان!
فأمّا الجن فهم غيب من غيب الله، لا نعرف عنه إلا ما يخبرنا به مَن عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو .. ومن ناحية مبدأ وجود خلائق أخرى في هذا الكون غير الإنسان وغير الأنواع والأجناس المعروفة في الأرض من الأحياء .. نقول من ناحية المبدأ نحن نؤمن بقول الله عنها، ونصدق بخبره في الحدود التي
(1) مسلم: 4 - الصلاة (510)، والطيالسي (453)، وأحمد: 5: 149، 151، 155، 158، 160، 161، 164، والدرامي (1421)، وأبو داود (702)، والترمذي (338)، والنسائي: 2: 163، والكبرى (737)، وابن خزيمة (806، 830، 831)، وأبو عوانة: 2: 47، والطحاوي: 1: 458، وابن حبان (2385)، والطبراني: الكبير (1635، 1636)، والصغير (195، 505)، وابن ماجه (952، 3210).
قرَّرها .. فأمّا أولئك الذين يتترسون بـ (العلم) لينكروا ما يقرّره الله في هذا الشأن، فلا ندري علامَ يرتكنون؟
إن عليهم البشريّ لا يزعم أنه أحاط بكل أجناس الأحياء في هذا الكوكب الأرضي! كما أن علمهم هذا لا (يعلم) ماذا في الأجرام الأخرى! وكل ما يمكن أن (يفترضه) أن نوع الحياة الموجود في الأرض يمكن أو لا يمكن أن يوجد في بعض الكواكب والنجوم .. وهذا لا يمكن أن ينفي -حتى لو تأكّدت الفروض- أن أنواعاً أخرى من الحياة وأجناساً أخرى من الأحياء يمكن أن تعمر جوانب أخرى في الكون، لا يعلم هذا (العلم) عنها شيئاً! فمن التحكّم والتبجّح أن ينفي أحد باسم (العلم) وجود هذه العوالم الحيّة الأخرى!
وأمّا من ناحية طبيعة هذا الخلق المسمّى بـ (الجن)، والذي يتشيطن بعضه ويتمخّض للشرّ والغواية -كإبليس وذرّيّته-كما يتشيطن بعض الإنس .. من ناحية طبيعة هذا الخلق المسمَّى بـ (الجن)، فنحن لا نعلم عنه إلا ما جاءنا الخبر الصادق به عن الله سبحانه، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم!
ونحن نعرف أن هذا الخلق مخلوق من مارج من نار، وأنه مزوّد بالقدرة على الحياة في الأرض وغيرها، وأنه يملك الحركة في هذه المجالات بأسرع مما يملك البشر، وأن منه ما هو مؤمن، وما هو متمرّد، وأنه يرى بني آدم، وبنو آدم لا يرونه -في هيئته الأصليّة- وكم من خلائق ترى الإنسان ولا يراها الإنسان! وأن الشياطين منه مسلّطون علي بني الإنسان يغرونهم ويضلّونهم، وهم قادرون على الوسوسة لهم، والإيحاء بطريقة لا نعلمها، وأن هؤلاء الشياطين لا سلطان لهم على المؤمنين الذاكرين، وأن الشيطان مع المؤمن إذا ذكر الله خنس وتوارى، وإذا غفل برز فوسوس له! وأن المؤمن أقوى بالذكر
من كيد الشيطان الضعيف، وأن عالم الجنّ يحشر مع عالم الإنس، ويحاسب، ويجازى بالجنّة وبالنار كالجنس الإنساني، وأن الجن حين يقاسون إلى الملائكة يبدون خلقاً ضعيفاً لا حول له ولا قوة!
ونبصر في هذه الآية أن الله تبارك وتعالى قد جعل لكل نبيٍّ عدوًّا شياطين الإنس والجن .. والله تعالى قادر -لو شاء- على ألا يفعلوا شيئاً من هذا .. وألا يتمرّدوا، وألا يتمحّضوا للشر، وألا يعادوا الأنبياء، وألا يؤذوا المؤمنين، وألا يضلّوا الناس عن سبيل الله .. إن الله قادر أن يقهرهم قهراً على الهُدى، أو أن يهديهم لو توجّهوا للهدى، أو أن يعجزهم عن التصدّي للأنبياء والحق والمؤمنين به .. ولكنه سبحانه ترك لهم هذا القدر من الاختيار وأذن لهم أن تمتد أيديهم بالأذى لأولياء الله -بالقدر الذي تقضي به مشيئته ويجري به قدره- وقدّر أن يبتلي أولياءه بأذى أعدائه، كما يبتلي أعداءه بهذا القدر من الاختيار والقدرة الذي أعطاهم إيّاه، فما يملك هؤلاء أن يوقعوا بأولياء الله من الأذى إلا ما قدّره الله {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} !
ترى، ما الذي يخلص لنا من هذه التقريرات؟
يخلص لنا ابتداءً:
أن الذين يقفون بالعداوة لكل نبيّ، ويقفون بالأذى لأتباع الأنبياء هم (شياطن)! شياطين من الإنس ومن الجنّ .. وأنهم يؤدّون جميعاً -شياطين الإنس والجنّ- وظيفة واحدة! وأن بعضهم يخدع بعضاً ويضلّه كذلك، مع قيامهم جميع أبو ظيفة التمرّد والغواية وعداء أولياء الله!
ويخلص لنا ثانياً:
أن هؤلاء الشياطين لا يفعلون شيئاً من هذا كله، ولا يقدرون على شيء من عداء الأنبياء، وإيذاء أتباعهم بقدرة ذاتيّة فيهم، إنما هم في قبضة الله وهو يبتلي بهم أولياءه لأمر يريده من تمحيص هؤلاء الأولياء،
وتطهير قلوبهم، وامتحان صبرهم على الحق الذي هم عليه أمناء، فإذا اختاروا الامتحان بقوّة كفّ الله عنهم الابتلاء، وكفّ عنهم هؤلاء الأعداء، وعجز هؤلاء الأعداء أن يمدّوا إليهم أيديهم بالأذى وراء ما قدّر الله، وآب أعداء الله بالضعف والخذلان، وبأوزارهم كاملة، يحملونها على ظهورهم:{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} !
ويخلص لنا ثالثاً:
أن من حكمة الله الخالصة أن يترك لشياطن الإنس والجن أن يتشيطنوا -فهو إنما يبتليهم في القدر الذي تركه لهم من الاختيار والقدرة- وأن يدعهم يؤذون أولياءه فترةً من الزمان فهو إنما يبتلي أولياءه كذلك لينظروا: أيصبرون؟ أيثبتون على ما معهم من الحق، بينما الباطل ينتفش عليهم ويستطيل؟ أيخلصون من حظ أنفسهم في أنفسهم، ويبيعونها بيعة واحدة لله، على السراء وعلى الضرّاء سواء، وفي المنشط والمكره؟ وإلا فقد كان الله قادراً على ألا يكون شيء من هذا الذي كان!
ويخلص لنا رابعاً:
هَوَان الشياطن من الإنس والجنّ، وهَوَانُ كيدهم وأذاهم، فما يستطيعون بقوّة ذاتيّة لهم، وما يملكون أن يتجاوزوا ما أذن الله به على أيديهم
…
والمؤمن الذي يعلم أن ربّه هو الذي يقدر، وهو الذي يأذن، خليق أن يستهين بأعدائه من الشياطين، مهما تبلغ قوّتهمِ الظاهرة، وسلطانهم المدَّعى .. ومن هنا هذا التوجيه العلوي:{فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)} !
دعهم وافتراءهم، فأنا من ورائهم قادر على أخذهم، مدّخر لهم جزاءهم!
وهناك حكمة أخرى غير ابتلاء الشياطين، وابتلاء المؤمنين .. لقد قدّر الله أن يكون هذا العداء، وأن يكون هذا الإيحاء وأن يكون هذا الغرور بالقول
والخداع .. لحكمة أخرى: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)} !
أي لتستمع إلى ذلك الخداع والإيحاء قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة .. فهؤلاء يحصرون همّهم كله في الدنيا، وهم يرون الشياطين في هذه الدنيا يقفون لكل نبيّ، وينالون بالأذى أتباع كل نبيّ، ويزين بعضهم لبعض القول والفعل، فيخضعون للشياطين، معجبين بزخرفهم الباطل، معجبين بسلطانهم الخادع، ثم يكسبون ما يكسبون من الإثم والشرّ والمعصية والفساد، في ظلّ ذلك الإيحاء، وبسبب هذا الإصغاء!
وهذا أمر أراده الله كذلك، وجرى به قدرة، لما وراءه من التمحيص والتجربة؛ ولما فيه من إعطاء كل أحد فرصته، ليعمل لما هو ميسّر له، ويستحق جزاءه بالعدل والقسطاس!
ثم لتصلح الحياة بالدفع، ويتميّز الحق بالمفاصلة، ويتمحّض الخير بالصبر، ويحمل الشياطين أوزارهم كاملة يوم القيامة .. وليجري الأمر كله وفق مشيئة الله .. أمر أعدائه وأمر أوليائه على السواء .. إنها مشيئة الله، والله يفعل ما يشاء!
والمشهد الذي يرسمه القرآن الكريم للمعركة بين شياطين الإنس والجنّ من ناحية، وكل نبيّ وأتباعه من ناحية أخرى، ومشيئة الله المهيمنة وقدره النافذ من ناحية ثالثة .. هذا المشهد بكل جوانبه جدير بأن نقف أمامه وقفة قصيرة!
إنها معركة تتجمع فيها قوى الشر في هذا الكون .. شياطين الإنس والجن .. تتجمّع في تعاون وتناسق لإمضاء خطة مقرّرة، هي عداء الحق الممثّل
في رسالات الأنبياء وحربه .. خطة مقرّرة فيها وسائلها: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} !
يمدّ بعضهم بعضاً بوسائل الخداع والغواية، وفي الوقت ذاته يغوي بعضهم بعضاً! وهي ظاهرة ملحوظة في كل تجمّع للشرّ في حرب الحق وأهله .. إن الشياطين يتعاونون فيما بينهم، ويعين بعضهم بعضاً على الضلال أيضاً! إنهم لا يهدون بعضهم بعضاً إلى الحق أبداً، ولكن يزيّن بعضهم لبعض عداء الحق وحربه، والمضيّ في المعركة معه طويلاً!
ولكن هذا الكيد كله ليس طليقاً؛ إنه محاط به بمشيئة الله وقدره؛ لا يقدر الشياطين على نبيّ إلا بالقدر الذي يشاؤه الله وينفذه بقدره .. ومن هنا يبدو هذا الكيد -على ضخامته وتجمّع قوى الشرّ العالميّة كلها عليه- مقيّداً مغلولاً!
إنه لا ينطلق كما يشاء بلا قيد ولا ضابط، ولا يصيب من يشاء بلا معقّب ولا مراجع، كما يحبّ الطغاة البغاة العتاة أن يلقوا في روع من يعبدونهم من البشر، ليعلّقوا قلوبهم بمشيئتهم وإرادتهم!
كلا! إن إرادتهم مقيّدة بمشيئة الله، وقدرتهم محدودة بقدر الله .. وما يضرون أولياء الله بشيء إلا بما أراده الله -في حدود الابتلاء- ومرد الأمر كله إلى الله!
ومشهد التجمّع على خطّة مقرّرة من الشياطين جدير بأن يسترعي وعي أصحاب الحق، ليعرفوا طبيعة الخطة ووسائلها .. ومشهد إحاطة مشيئة الله وقدره بخطّة الشياطين وتدبيرهم، وجدير كذلك بأن يملأ قلوب أصحاب الحق بالثقة والطمأنينة واليقين، وأن يعلّق قلوبهم وأبصارهم بالقدرة القاهرة والقدر النافذ، وبالسلطان الحق الأصيل في هذا الوجود، وأن يطلق وجدانهم من
التعلّق بما يريده أو لا يريده الشياطين! وأن يمضوا في طريقهم يبنون الحق في واقع الخلق، بعد بنائه في قلوبهم هم وفي حياتهم .. أمّا عداوة الشياطين، وكيد الشياطين، فليدعوهما للمشيئة المحيطة، والقدر النافذ:{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)} !
ويطالعنا قوله تعالى:
إنها سنة جارية (1)، أن ينتدب في كل قرية (وهي المدينة الكبيرة والعاصمة) نفر من أكابر المجرمين فيها، يقفون موقف العداء من دين الله، ذلك أن دين الله يبدأ من نقطة تجريد هؤلاء الأكابر من السلطان الذي يستطيلون به على الناس، ومن الربوبيّة التي يتعبّدون بها الناس، ومن الحاكميّة التي يستذلّون بها الرقاب، ويردّ هذا كله إلى الله وحده .. ربّ الناس .. ملك الناس .. إله الناس!
إنها سنة من أصل الفطرة .. أن يرسل الله رسله بالحق .. بهذا الحق الذي يجرّد مدّعي الألوهية من الألوهيّة، والربوبيّة، والحاكميّة، فيجهر هؤلاء بالعداوة لدين الله ورسل الله، ثم يمكرون مكرهم في القرى، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، ويتعاونون مع شياطين الجنّ في المعركة مع الحق والهدى، وفي نشر الباطل والضلال، واستخفاف الناس بهذا الكيد الظاهر والخافي!
إنها سنّة جارية، ومعركة محتومة؛ لأنها تقوم على أساس التناقض الكامل
(1) السابق: 1202 بتصرف.
بين القاعدة الأولى في دين الله -وهي ردّ الحاكميّة كلها لله- وأطماع المجرمين في القرى، بل بين وجودهم أصلاً!
معركة لا مفرّ للرسول صلى الله عليه وسلم أن يخوضها، فهو لا يملك أن يتّقيها، ولا مفرّ للمؤمنين بالنبيّ أن يخوضوها، وأن يمضوا إلى النهاية فيها .. والله سبحانه يطمئن أولياءه .. إن كيد أكابر المجرمين -مهما ضخم واستطال- لا يحيق إلا بهم في نهاية المطاف .. إن المؤمنين لا يخوضون المعركة وحدهم فالله وليّهم فيها، وهو حسبهم، وهو يردّ على الكائدين كيدهم:{وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123)} فليطمئن المؤمنون!
ويطالعنا قوله عز وجل:
ولله الحكمة البالغة (1) فإن بروز المجرمين لحرب الأنبياء والدعوات يقوّي عودها، ويطبعها بطابع الجدّ الذي يناسب طبيعتها .. وكفاح أصحاب الدعوات للمجرمين الذين يتصدّون لها -مهما كلّفهم من مشقة، ومن تعويق- هو الذي يميّز الدعوات الحقّة من الدعوات الزائفة .. وهو الذي يمحص القائمين عليها، ويطرد الزائفين منهم، فلا يبقى بجوارها إلا العناصر المؤمنة القويّة المتجرّدة، التي لا تبتغي مغانم قريبة، ولا تريد إلا الدعوة خالصة، تبتغي بها وجه الله تعالى!
(1) السابق: 5: 2561 بتصرف.
ولو كانت الدعوات سهلة ميسورة، تسلك طريقاً ممهّدة مفروشة بالأزهار، ولا يبرز لها في الطريق خصوم ومعارضون، ولا يتعرّض لها المكذّبون والمعاندون لسهل على كل إنسان أن يكون صاحب دعوة، ولاختلطت الدعوات .. ووقعت البلبلة والفتنة، ولكن بروز الخصوم والأعداء للدعوات، هو الذي يجعل الكفاح لانتصارها حتماً مقضيًّا، ويجعل الآلام والتضحيات لها وقوداً، فلا يكافح ويناضل، ويحتمل الآلام والتضحيات إلا أصحاب دعوة الحق الجادون المؤمنون، الذين يؤثرون دعوتهم على الراحة والمتاع، وأعراض الحياة الدنيا؛ بل على الحياة نفسها حين تقتضيهم دعوتهم أن يستشهدوا في سبيلها، ولا يثبت على الكفاح المرير إلا أصلبهم عوداً، وأشدّهم إيماناً، وأكثرهم تطلعاً إلى ما عند الله، واستهانةً بما عند الناس .. عندئذ تتميّز دعوة الحق من دعاوى الباطل، وعندئذ تُمَحّص الصفوف، فيتميّز الأقوياء من الضعفاء، وعندئذ تمضي دعوة الحق في طريقها برجالها الذين ثبتوا عليها، واجتازوا امتحانها وبلاءها .. أولئك هم الأمناء عليها، الذين يحتملون تكاليف النصر وتبعاته، وقد نالوا هذا النصر بثمنه الغالي، وأدوا ضريبته صادقين مؤثرين .. وقد علَّمتهم التجارب والابتلاءات كيف يسيرون بدعوتهم بين الأشواك والصخور .. وقد حفزت الشدائد والمخاوف كل طاقاتهم ومقدراتهم، فنما رصيدهم من القوّة، ونمت ذخيرتهم من المعرفة، فيكون هذا رصيداً للدعوة التي يحملون رايتها على السرّاء والضرّاء!
والذي يقع غالباً أن كثرة الناس تقف مشاهدة للصراع بين المجرمين وأصحاب الدعوات، حتى إذا تضخم رصيد التضحيات والآلام في صفّ أصحاب الدعوات، وهم ثابتون على دعوتهم، ماضون في طريقهم، أدركت
الكثرة المشاهدة تمسك أصحاب الدعوة بدعوتهم، فعلى الرغم من التضحيات والآلام، إلا أن في هذه الدعوة ما هو أغلى مما يضحّون به وأثمن .. وعندئذ تتقدّم الكثرة المشاهدة لترى هذا العنصر الغالي الثمين الذي يرجح كل أعراض الحياة، ويرجح الحياة ذاتها عند أصحاب الدعوة، وعندئذ يدخل المشاهدون أفواجاً في هذه العقيدة بعد طول مشاهدة لأحداث الصراع!
ومن أجل هذا كله جعل الله لكل نبيّ عدوًّا من المجرمين، وجعل المجرمين يقفون في وجه دعوة الحق، وحملة الدعوة يكافحون المجرمين، فيصيبهم ما يصيبهم وهم ماضون في الطريق، والنهاية مقدّرة من قبل، ومعروفة لا يخطئها الواثقون بالله .. إنها الهداية إلى الحق؛ لأنه الانتهاء إلى النصر:{وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)} !
وبروز المجرمين في طريق الأنبياء أمر معتاد؛ فدعوة الحق إنما تجيء في أوانها لعلاج فساد واقع في الجماعة أو في البشريّة .. فساد في القلوب؛ وفساد في النظم؛ وفساد في الأوضاع .. ووراء هذا الفساد يكمن المجرمون، الذين ينشئون الفساد من ناحية، ويستغلّونه من ناحية، والذين تتفق مشاربهم مع هذا الفساد، وتتنفّس شهواتهم في جوّه الوبيء، والذين يجدون فيه سنداً للرغبات الزائفة التي يستندون هم في وجودهم إليها .. فطبيعي إذن أن يبرزوا للأنبياء وللدعوات دفاعاً عن وجودهم واستبقاءً للجوّ الذي يستطيعون أن يتنفّسوا فيه، وبعض الحشرات يختنق برائحة الأزهار العبقة، ولا يستطيع الحياة إلا في المستنقع الآسن، وكذلك المجرمون .. فطبيعي إذن أن يكونوا أعداء لدعوة الحق، ويستميتون في كفاحها .. وطبيعي أن تنتصر دعوة الحق في النهاية؛ لأنها تسير في خط الحياة، وتتّجه إلى الأفق الكريم الوضيء الذي تتّصل فيه
بالله، والذي تبلغ عنده الكمال المقدّر لها، كما أراده الله:{وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)} !
ابتلاء شديد:
ويطالعنا قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)} (الأنبياء)!
وهنا نبصر الابتلاء بالخير -كما أسلفنا- نبصره أشدّ وطأة، وإن خيّل للناس أنه دون الابتلاء بالشرّ .. إن كثيرين يصمدون للابتلاء بالشرّ، ولكن القلّة القليلة هي التي تصمد للابتلاء بالخير! (1)
كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف، ولكن القليلين هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة، ويكبحون جماح القوّة الهائجة في كيانهم، الجامحة في أوصالهم!
كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان، فلا تتهاوى نفوسهم ولا تذل، ولكن القليلين هم الذين يصبرون على الثراء والجدة، وما يغريان به من متاع، وما يثيرانه من شهوات وأطماع!
كثيرون يصبرون على التعذيب والإيذاء فلا يخيفهم، ويصبرون على التهديد والوعيد فلا يرهبهم، ولكن القليلين هم الذين يصبرون على الإغراء بالرغائب والناصب والمتاع والثراء!
كثيرون يصبرون على الكفاح والجراح، ولكن القليلين هم الذين يصبرون
(1) السابق: 4: 2377 بتصرف.
على الدعة والسعة، ثم لا يصابون بالحرص الذي يذلّ أعناق الرجال. وبالاسترخاء الذي يقعد الهمم ويكبت الأرواح!
إن الابتلاء بالشدة قد يثير الكبرياء، ويستحث المقاومة، ويجنّد الأعصاب، فتكون القوى كلها معبّأة لاستقبال الشدّة والصمود لها، أما الرّخاء فيوخي الأعصاب ويُنيمُها ويفقدها القدرة على اليقظة والمقاومة!
لذلك يجتاز الكثيرون مرحلة الشدّة بنجاح، حتى إذا جاءهم الرخاء سقطوا في الابتلاء! وذلك شأن البشر، إلا من عصم الله فكانوا ممن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم وغيره عن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجباً لأمر المؤمن، إِن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إِلا للمؤمن إِن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإِن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيراً له". (1)
واليقظة للنفس في الابتلاء بالخير أولى من اليقظة لها في الابتلاء بالشرّ .. والصلة بالله في الحالية هي وحدها الضمان!
يروي الشيخان وغيرهما عن عروة بن الزبير، أن المسور بن مخرمة أخبره أن عمرو بن عوف -هو حليف لبني عامر بن لؤي، كان قد شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجرّاح إِلى البحرين، يأتي بجزيتها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صالح أهل البحرين، وأمّر عليهم العلاء بن الحضْرميّ، فقدم أبو عبيدة بمال من البَحْرين، فسمعت الأنصار بقدومه، فوافقت صلاة الصبح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمّا
(1) مسلم: 53 - الزهد (2999)، وأحمد: 4: 332، 333، 6: 15، 16، والدارمي: 2: 318، والطبراني (7316، 8317)، وابن حبان (2896)
انصرف تعرّضوا له، فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم، وقال:"أظنّكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة، وأنه جاء بشيء" قالوا: أجل يا رسول الله! قال: "فأبشروا وأمّلوا ما يسرّكم، فوالله! ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسَط عليكم الدنيا، كما بُسطَتْ على مَن كان قبلكم، فتنافَسُوها كما تنافَسُوهَا، وتُلْهِيكَم كما أَلْهَتْهُمْ". (1)
ويطالعنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِن أكثر ما أخاف عليكم ما يُخرج الله لكم من بركات الأرض" قيل: وما بركات الأرض؟ قال: "زهرةُ الدنيا" فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشر؟ فَصَمَتَ النبي صلى الله عليه وسلم، حتى ظننت أنه يُنزَلُ عليه ثم جعل يمسح عن جبينه، فقال:"أين السائل"؟ قال: أنا، قال أبو سعيد: لقد حَمِدنَاهُ حِينَ طَلَع لذلك. قال: "لا يأتي الخير إِلا بالخير، إِن هذا المال خَضرَةٌ حُلْوَةٌ، وإِن كل ما أنبت الرَّبِيع يَقتُل حَبَطاً أو يلِمّ، إِلا آكلة الْخَضرَةِ، أَكَلَتْ حتى إِذا امتَدَّت خاصِرتَاهَا استقبلت الشّمس فاجْتَرَّت وثَلَطَتْ وبَالَتْ، ثم عادتْ فأَكَلَتْ، وإِن هذا المال حُلْوَةٌ: مَنْ أَخَذَهُ بحقِّه، ووضَعه في حقّه، فَنِعمَ المعُونَة هو، وإِن أخذه بغير حقّه كان كالذي يأكل ولا يشبع"(2)
(1) البخاري: 81 - الرقاق (6425)، ومسلم (2961)، وأحمد: 4: 137، 327، والترمذي (2462)، وابن ماجة (3997)، والنسائي: الكبرى (8766)، والقاسم بن سلام: الأموال (83)، وابن زنجويه (129)، وابن أبي عاصم: الآحاد والمثاني (1767)، والطحاوي: شرح مشكل الآثار (2027)، والطبراني: الكبير: 17 (38 - 41)، والبيهقي: 9: 19 - 191، والدلائل: 6: 319.
(2)
البخاري: 81 - الرقاق (6427)، وانظر (921، 1465، 2842)، ومسلم (1052)، وأحمد: 3: 21، 91، والنسائي: 5: 90، والطيالسي (2180)، وعبد الرزاق (20028)، والبغوي (4051)، وابن حبان (3225).
قال ابن حجر (1): الرزق ولو كثر هو من جملة الخير، وإنما يعرض له الشرّ بعارض البخل به عين يستحقه، والإسراف في إنفاقه فيما لم يشرع، وأن كل شيء قضى الله أن يكون خيراً فلا يكون شرًّا، وبالعكس، ولكن يخشى على مَن رُزق الخير أن يعرض له في تصرّفه فيه ما يجلب له الشرّ.
ووقع في مرسل سعيد المقبري عند سعيد بن منصور: "أو خير هو؟ ثلاث مرات"، وهو استفهام إنكار، أي أن هذا المال ليس خيراً حقيقيًّا، وإن سمّي خيراً؛ لأن الخير الحقيقيّ هو ما يعرض له من الإنفاق في الحق، كما أن الشرّ الحقيقيّ فيه ما يعرض له من الإمساك عن الحق، والإخراج في الباطل، وما ذكر في الحديث بعد ذلك من قوله:"إِن هذا المال خَضِرة حلوة" كضرب المثل بهذه الجملة.
وفي رواية الدارقطني: "ولكن هذا المال .. . إِلخ" ومعناه أن صورة الدنيا حسنة مونقة، والعرب تسمّي كل شيء مشرق ناضر أخضر!
وقال ابن الأنباري: قوله: "المال خضرة حلوة" ليس هو صفة المال، وإنما هو للتشبيه، كأنه قال: المال كالبقلة الخضراء الحلوة، والتاء، في قوله:"خضرة وحلوة" باعتبار ما يشتمل عليه المال من زهرة الدنيا، أو على معنى فائدة المال، أي أن الحياة به أو العيشة، أو أن المراد بالمال هنا الدنيا؛ لأنه من زينتها، قال الله تعالى:{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (الكهف: 46).
ووقع في حديث أبي سعيد -أيضاً- المخرج في السن: "الدّنيا خضرة حلوة"، فيتوافق الحديثان.
(1) فتح الباري: 11: 246 وما بعدها بتصرف.
ويحتمل أن تكون التاء فيهما للمبالغة .. ثم قال: "أما حبطاً" فبفتح المهملة والموحدة، والطاء المهملة أيضاً، والحبط: انتفاخ البطن من كثرة الأكل، يقال: حبطت الدّابّة تحبط حبطاً، إذا أصابت مرعى طيّباً فأمعنت في الأكل، حتى تنتفخ فتموت، وروي بالخاء المعجمة من التخبط وهو الاضطراب، والأوّل المعتمد!
وقوله: "يُلِم" بضم أوّله، أي يقرب من الهلاك!
ثم قال: قوله: "اجترت" بالجيم، أي استرفعت ما أدخلته في كرشها من العلف فأعادت مضغه، "وثَلَطَت" بمثلثة ولام مفتوحتين ثم طاء مهملة، وضُبطت بكسر اللام، أي ألقت ما في بطنها رقيقاً، زاد الدارقطني:"ثم عادت فأكلت" والمعنى أنها إذا شبعت فثقل عليها ما أكلت تحيّلت في دفعه بأن تجترّ فيزداد نعومة، ثم تستقبل الشمس فتحمي بها فيسهل خروجه، فإذا خرج زال الانتفاخ فسلمت، وهذا بخلاف من لم تتمكّن من ذلك، فإن الانتفاخ يقتلها سريعاً!
قال الأزهري: هذا الحديث إذا فُرّق لم يكد يظهر معناه، وفيه مثلان: أحدهما: للمفرط في جمع الدنيا، المانع من إخراجها في وجهها، وهو ما تقدّم، أي الذي يقتل حَبَطاً.
والثاني: المقتصد في جمعها، وفي الانتفاع بها، وهو آكلة الخضر، فإن الخضر ليس من أحرار البقول التي ينبتها الربيع، ولكنها الحبّة، والحبّة ما فوق البقل ودون الشجر التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول، فضرب آكلة الخضر من المواشي مثلاً لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها، ولا منعها من مستحقّها،
فهو ينجو من وبالها، كما تحبّ آكلة الخضر، وأكثر ما تحبط الماشية إذا انحبس رجيعها في بطنها!
وقال الزين بن المنير: آكلة الخضر هي بهيية الأنعام التي ألف المخاطبون أحوالها في سومها ورعيها، وما يعرض لها من البشم وغيره، والخضر: النبات الأخضر، وقيل: حرار العشب التي تستلذ الماشية أكله، فتستكثر منه، وقيل: هو ما ينبت بعد إدراك العشب وهياجه، فإن الماشية تقتطف منه مثلاً شيئاً فشيئاً، ولا يصيبها منه ألم، وهذا الأخير فيه نظر، فإن سياق الحديث يقتضي وجود الحبط للجميع، إلا لمن وقعت منه المداومة، حتى اندفع عنه ما يضرّه، وليس المراد أن آكلة الخضر لا يحصل لها من آكله ضرر البتّة، والمستثنى آكلة الخضر بالوصف المذكور، لا كل من اتّصف بأنه آكلة الخضر، ولعل قائله وقعت له رواية فيها:"يقتل أو يلم إِلا آكلة الخضر"، ولم يذكر ما بعده، فشرحه على ظاهر هذا الاختصار!
ثم قال: قوله: "كالذي يأكل ولا يشبع" زاد هلال: "ويكون شهيداً عليه يوم القيامة" يحتمل أن يشهد عليه حقيقة بأن ينطقه الله تعالى، ويجوز أن يكون مجازاً، والمراد شهادة الملك الموكّل به!
ويؤخذ من الحديث التمثيل لثلاثة أصناف:
لأن الماشية إذا رعت الخضر للتغذية إمّا أن تقتصر منه على الكفاية، وإمّا أن تستكثر، الأول: الزهاد، والثاني: إمّا أن يحتال على إخراج ما لو بقي لضرّ، فإذا أخرجه زال الضرّ واستمرّ النفع، وإمّا أن يهمل ذلك!
الأوّل: العاملون في جميع الدّنيا بما يحب من إمساك وبذل!
والثاني: العاملون في ذلك، بخلاف ذلك!
وقال الطّيبي: يؤخذ منه أربعة أصناف:
فمن أكل منه أكل مستلذّ مفرط منهمك، حتى تنتفخ أضلاعه، ولا يقلع فيسرع إليه الهلاك.
ومن أكل كذلك، لكنه أخذ في الاختيال لدفع الداء، بعد أن استحكم فغلبه فأهلكه!
ومن أكل كذلك؛ لكنه بادر إلى إزالة ما يضّره، وتحيّل في دفعه حتّى انهضم فيسلم!
ومن أكل غير مفرط ولا منهمك؛ وإنما اقتصر على ما يسدّ جوعته ويمسك رمقه!
فالأول مثال الكفار!
والثاني مثال العاصي الغافل عن الإقلاع والتوبة، إلا عند فوتها!
والثالث مثال للمخلط المبادر للتوبة، حيث تكون مقبولة!
والرابع مثال الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة.
وبعضها لم يصرّح به في الحديث، وأخذه عنه محتمل!
ثم قال: وقال الزين بن المنير: في هذا الحديث وجوه من التشبيهات بديعة:
أوّلها: تشبيه المال ونموّه بالنبات وظهوره!
ثانيها: تشبيه المنهمك في الاكتساب والأسباب بالبهائم المنهمكة في الأعشاب!
وثالثها: تشبيه الاستكثار منه، والإدخال له، بالشره في الأكل والامتلاء منه!
ورابعها: تشبيه الخارج من المال، مع عظمته في النفوس، حتى أدى إلى البالغة في البخل به، بما تطرحه البهيمة من السلح، ففيه إشارة بديعة إلى استقزاره شرعاً!
وخامسها: تشبيه المتقاعد عن جمعه وضمه؛ بالشاة إذا استراحت؛ وحطَّت جانبها، مستقبلة عين الشمس؛ فإنها من أحسن حالاتها سكوناً ومسكينة، وفيه إشارة إلى إدراكها لمصالحها!
وسادسها: تشبيه موت الجائع المانع بموت البهيمة الغافلة عن دفع ما يضرها!
وسابعها: تشبيه المال بالصاحب الذي لا يؤمن أن ينقلب عدوًّا، فإن المال من شأنه أن يحرز، ويشدّ وثاقه، حبًّا له، وذلك يقتضي منعه من مستحقّه، فيكون سبباً لعقاب مقتنيه!
وثامنها: تشبيه آخذه بغير حق بالذي يأكل ولا يشبع!
وقال الغزالي: مثل المال مثل الحيّة التي فيها ترياق نافع، وسمٌّ ناقعٌ، فإن أصابها العارف الذي يحترز عن شرّها، ويعرف استخراج ترياقها، كان نعمة، وإن أصابها الغبيّ فقد لقي المهلك!
قال ابن حجر: وفيه التحذير من المنافسة في الدّنيا، وفيه استفهام عما يشكل، وطلب الدليل لدفع المعارضة، وفيه تسمية المال خيراً، ويؤيده قوِله تعالى:{وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8)} (العاديات)! وقوله تعالى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا
…
} (البقرة: 180)!
وفيه ضرب المثل بالحكمة، وإن وقع في اللفظ ذكر ما يستهجن، كالبول، فإن ذلك يغتفر لما يترتب على ذكره من المعاني اللائقة بالمقام!
وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كان ينتظر الوحي، عند إرادة الجواب، عما يُسأل عنه، وهذا على ما ظنّه الصحابة!
ويجوز أن يكون سكوته، ليأتي بالعبارة الوجيزة الجامعة المفهمة.
وقد عدّ ابن دريد هذا الحديث، وهو قوله:"إِن مما ينبت الرّبيع يقتل حبطاً أو يلم" من الكلام المفرد الوجيز، الذي لم يُسبق صلى الله عليه وسلم إلى معناه، وكل من وقع شيء منه في كلامه، فإنما أخذه منه!
ويستفاد منه: ترك العجلة في الجواب، إذا كان يحتاج إلى التأمل!
وفيه لوم من ظن به تعنّت في السؤال، وحمد من أجاد فيه!
وفيه تفضيل الغنيّ على الفقير، ولا حجّة فيه؛ لأنه يمكن التمسّك به، لمن لم يرجّح أحدهما على الآخر!
والعجيب أن النووي قال: وفيه حجّة لمن يرجّح الغنيّ على الفقير. (1)
قال ابن حجر: ولا حجّة فيه؛ لأنه يمكن التمسّك به لمن لم يرجّح الغنيّ على الفقير .. ثم قال: والتحقيق أنه لا حجّة فيه لأحد القولين!
وفيه أن المكتسب المال من غير حله لا يبارك له فيه، لتشبيهه بالذي يأكل ولا يشبع!
وفيه ذمّ الإسراف، وكثرة الأكل والنهم فيه، وأن اكتسابه من غير حلّه،
(1) السابق: 249، ومسلم بشرح النووي: 7: 144.
وكذا إمساكه عن إخراج الحق منه سبب لمحقه، فيصير غير مبارك كما قال تعالى:{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} (البقرة: 276)!
تلك معالم هذا الحديث، رأيت ضرورة ذكرها لأهميتها!
ومعلوم أن القرآن الكريم يخاطب الكينونة البشريّة (1)، بما يعلم خالقها من تركيبها الخفيّ، وبما يطلع منها على الظاهر والباطن، وعلى المنحنيات والدروب والمسالك!
وهو سبحانه يعلم مواطن الضعف في هذه الكينونة، ويعلم أن الحرص على الأموال وعلى الأولاد من أعمق مواطن الضعف فيها، ومن هنا ينبّهنا إلى حقيقة هبة الأموال والأولاد .. لقد وهبها الله للناس ليبلوهم بها ويفتنهم فيها، فهي من زينة الحياة الدنيا التي تكون موضع امتحان وابتلاء، ليرى الله فيها صنيع العبد وتصرّقه .. أيشكر عليها ويؤدّي حق النعمة فيها؟ أم يشغل بها حتى يغفل عن أداء حق الله فيها؟:{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} (الأنبياء: 35)!
فالفتنة -كما أسلفنا- لا تكون بالشدّة والحرمان وحدهما .. إنها كذلك تكون بالرّخاء وبالعطاء أيضاً! ومن الرّخاء والعطاء هذه الأموال والأولاد .. هذا هو التنبيه الأول: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)} (الأنفال)!
فإذا انتبه القلب إلى موضع الامتحان والاختبار كان ذلك عوناً له على الحذر واليقظة والاحتياط، أن يستغرق وينسى ويخفق في الامتحان والفتنة .. ثم لا يدعه الله بلا عون منه ولا عوض .. فقد يضعف عن الأداء -بعد الانتباه-
(1) في ظلال القرآن: 3: 1498 بتصرف.
لثقل التضحية وضخامة التكليف، وبخاصة في مواطن الضعف في الأموال والأولاد إنما يلوّح له بما هو خير وأبقى، ليستعين به على الفتنة ويتقوّى:{وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)} !
إنه سبحانه هو الذي وهب الأموال والأولاد .. وعنده وراءهما أمر عظيم لمن يستعلي على هذه الفتنة والأولاد، فلا يقعد أحد إذن عن تكليف الأمانة وتضحيات الجهاد .. وهذا هو العون والمدد للإنسان الضعيف، الذي يعلم خالقه مواطن الضعف فيه:{وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)} (النساء)!
إنه منهج متكامل في الاعتقاد والتصوّر، والتربية والتوجيه، والفرض والتكليف .. منهج الله الذي يعلم؛ لأنه هو الذي خلق:{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)} (الملك)!
ويطالعنا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)} (الأنفال)!
ونبصر الهتاف بالتقوى، فما تنهض القلوب بهذه الأعباء الثقال، إلا وهي على بيّنة من أمرها، ونور يكشف لها الشبهات، ويزيل الوساوس، ويثبّت الأقدام على الطريق الشائك الطويل، وما يكون لها هذا الفرقان إلا بحساسية التقوى وإلا بنور الله!
هذا هو الزاد، وهذه هي عدة الطريق .. زاد التقوى التي تحيي القلوب وتوقظها، وتستجيش فيها أجهزة الحذر والحيطة والتوقي، وعدّة النور الهادي الذي يكشف منحنيات الطريق ودروبه على مدّ البصر، فلا تغبشه الشبهات التي
تحجب الرؤية الكاملة الصحيحة .. ثم هو زاد المغفرة للخطايا .. الزاد المطمئن الذي يسكب الهدوء والقرار .. وزاد الأمل في فضل الله العظيم يوم تنفد الأزواد، وتقصر الأعمال!
إنها حقيقة: أن تقوى الله تجعل في القلب فرقاناً يكشف له منعرجات الطريق، ولكن هذه الحقيقة -ككل حقائق العقيدة- لا يعرفها إلا من ذاقها فعلاً!
إن الوصف لا ينقل مذاق هذه الحقيقة لمن لم يذوقوها!
إن الأمور تظلّ متشابكة في الحسّ والعقل، والطرق تظلّ متشابكة في النّظر والفكر، والباطل يظلّ متلبّساً بالحق عند مفارق الطريق!
وتظلّ الحجّة تُفحم ولكن لا تُقنع، وتُسكت ولكن لا يستجيب لها القلب والعقل، ويظلّ الجدل عبثاً، والمناقشة جهداً ضائعاً .. وذلك ما لم تكن التقوى!!
فإذا كانت استنار العقل، ووضح الحق، وتكشّف الطريق، واطمأنّ القلب، واستراح الضمير، واستقرّت القدم وثبتت على الطريق!
إن الحق في ذاته لا يخفى على الفطرة .. إن هناك اصطلاحاً من الفطرة على الحق الذي فطرت عليه، والذي خلقت به السماوات والأرض .. ولكنه الهوى الذي يحول بين الحق والفطرة .. الهوى هو الذي ينشر الغبش، ويحجب الرؤية، ويُعمي المسالك، ويُخفي الدروب .. والهوى لا تدفعه الحجّة إنما تدفعه التقوى .. تدفعه مخافة الله، ومراقبته في السرّ والعلن .. ومن ثمَّ هذا الفرقان الذي يُنير البصيرة، ويرفع اللبس، ويكشف الطريق!
وهو أمر لا يقدّر بثمن .. ولكنه فضل الله العظيم، يضيف إليه تكفير الخطايا ومغفرة الذنوب!
ألا إنه العطاء العميم الذي لا يعطيه إلا الله: {وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)}
وهنا نبصر التفاتة واقعيّة إلى الفتنة المستكنّة في المتاع المتاح في هذه الأرض للكفّار والعصاة المعادين لمنهج الله (1) .. التفاتة لإعطاء هذا المنهج وزنه الصحيح، وقيمته الصحيحة، كي لا تكون فتنة لأصحابه، ثم لا تكون فتنة للمؤمنين، الذين يعانون ما يعانون، من أذى وإخراج من الديار، وقتل وقتال!
وقبل ذلك نبصر تكاليف العقيدة في النفس والمال، كما نبصر طبيعة الأرض التي يقوم عليها، وطبيعة الطريق وما فيه من عوائق وأشواك، وضرورة مغالبة العوائق، وتكسير الأشواك، وتمهيد التربة للنبتة الطيّبة، والتمكين لها في الأرض، أيًّا كانت التضحيات، وأيًّا كانت العقبات:{فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)} (آل عمران)!
وقد كانت هذه صورة الداعين المخاطبين بهذا القرآن أوّل مرَّة .. الذين هاجروا من مكّة، وأخرجوا من ديارهم، في سبيل العقيدة، وأوذوا في سبيل الله، لا في أيّ غاية سواء، وقاتلوا وقُتلوا .. ولكنها صورة أصحاب هذه
(1) السابق: 1: 549 بتصرف
العقيدة في صميمها في كل أرض، وفي كل زمان .. صورتها وهي تنشأ في الجاهليَّة -أيّة جاهليّة- في الأرض المعادية لها -أيّة أرض- وبين القوم المعادين -أىّ قوم- فتضيق بها الصدور، وتتأذّى بها الأطماع والشهوات، وتتعرّض للأذى والمطاردة، وأصحابها -في أوّل الأمر- قلّة مستضعفة، ثم تنمو النبتة الطيّبة -كما لا بد أن تنمو- على الرغم من الأذى، وعلى الرغم من المطاردة، ثم تملك الصمود والمقاومة والدفاع عن نفسها، فيكون القتال، ويكون القتل .. وعلى هذا الجهد الشاق المرير يكون تكفير السيّئات، ويكون الجزاء ويكون الثواب!
هذا هو الطريق
.. طريق هذا المنهج الربّانيّ، الذي قدّر الله أن يكون تحقّقه في واقع الحياة بالجهد البشري .. وعن طريق هذا الجهد، وبالقدر الذي يبذله المؤمنون المجاهدون في سبيل الله، ابتغاء وجه الله!
وهذه هي طبيعة هذا المنهج ومقوّماته
، وتكاليفه، ثم هذه هي طريقة المنهج في التربية، وطريقته في التوجيه، للانتقال من مرحلة التأثّر الوجدانيّ بالتفكّر والتدبّر في خلق الله، إلى مرحلة العمل الإيجابي وفق هذا التأثّر تحقيقاً للمنهج الذي أراده الله! (1)
ونبصر في تقلّب الذين كفروا في البلاد مظهراً من مظاهر النعمة والوجدان، ومن مظاهر المكانة والسلطان، وهو مظهر يحيك في القلوب منه شيء لا محالة .. يحيك منه شيء في قلوب المؤمنين، وهم يعانون الشظف والحرمان، ويعانون الأذى والجهد، ويعانون المطاردة أو الجهاد .. وكلها مشقات وأهوال، بينما أصحاب الباطل ينعمون ويستمتعون! .. ويحيك منه شيء في قلوب الجماهير الغافلة، وهي ترى الحق وأهله يعانون هذا العناء،
(1) انظر: منهج التربية الإِسلامية: تربية العقل - محمد قطب.
والباطل وأهله في منجاة، بل في مسلاة! .. ويحيك منه شيء في قلوب الضالّين المبطلين أنفسهم، فيزيدهم ضلالاً وبطرًا ولجاجاً في الشر والفساد!
هنا تأتي هذه اللمسة: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)} !
متاع قليل .. ينتهي ويذهب .. أما المأوى الدائم الخالد، فهو جهنم .. وبئس المهاد!
وفي مقابل المتاع القليل الذاهب جنّات وخلود وتكريم من الله: {جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)} (آل عمران)!
وما يشك أحدٌ في أن ما عند الله خير للأبرار، وما تبقى في القلب شبهة في أن كفّة الذين اتقوا أرجح من كفّة الذين كفروا في هذا الميزان، وما يتردّد ذو عقل في اختيار النصيب الذي يختاره لأنفسهم أولو الألباب!
وفي موضع التربية، ومجال إقرار القيم الأساسية، في التصوّر الإِسلامي لا يعد المؤمنين هنا بالنصر، ولا يعدهم بقهر الأعداء، ولا يعدهم بالتمكن في الأرض، ولا يعدهم شيئاً من الأشياء في هذه الحياة ممَّا يعدهم به في مواضع أخرى، وممّا يكتب على نفسه لأوليائه في صراعهم مع أعدائهم!
إنه يعدهم شيئاً واحداً، هو {مَا عِنْدَ اللَّهِ} ! فهذا هو الأصل في هذه الدعوة، وهذه هي نقطة الانطلاق في هذه العقيدة: التجرّد المطلق من كل هدف، ومن كل غاية، ومن كل مطمع -حتى رغبة المؤمن في غلبة عقيدته،
وانتصار كلمة الله، وقهر أعداء الله- حتى هذه الرغبة يريد الله من المؤمنين أن يتجرّدوا منها، ويكلوا أمرها إليه، وتتخلّص قلوبهم من أن تكون هذه شهوة لها، ولو كانت لا تخصّها!
هذه العقيدة: عطاء ووفاء وأداء .. فقط، وبلا مقابل من أعراض هذه الأرض، وبلا مقابل كذلك من نصر وغلبة وتمكين واستعلاء .. ثم انتظار كل شيء هناك!
ثم يقع النصر، ويقع التمكين، ويقع الاستعلاء .. ولكن هذا ليس داخلاً في البيعة .. ليس جزءاً من الصفقة .. ليس في الصفقة مقابل في هذه الدنيا، وليس فيها إلا الأداء والوفاء والعطاء .. والابتلاء!
على هذا كانت البيعة، والدعوة مطاردة في مكّة .. وعلى هذا كان البيع والشراء .. ولم يمنح الله المسلمين النصر والتمكين والاستعلاء .. ولم يسلمهم مقاليد الأرض وقيادة البشريّة، إلا حين تحرّدوا هذا التجرّد ووفّوا هذا الوفاء!
وهنا نذكر ما رواه أحمد وغيره بسند صحيح من حديث طويل عن جابر .. وفيه: "فقمنا إِليه وبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة"! (1)
هكذا "الجنة" .. والجنة فقط! لم يقل: النصر، والعزّ، والوحدة، والقوّة، والتمكين، والقيادة، والمال، والرخاء -مما منحه الله وأجراه على أيديهم- فذلك كله خارج عن الصفقة!
(1) أحمد: 3: 322 - 323، والبيهقي: 8: 146، والبزار (1755، 1756) كشف الأستار، وأبو يعلى (1887)، وابن حبان (6274، 7012).
لقد أخذوها صفقة بين متبايعين، أنهي أمرها، وأمضي عقدها، ولم تعد هناك مساومة حولها!
وهكذا ربّى الله الجماعة التي قدّر أن يضع في يدها مقاليد الأرض، وزمام القيادة، وسلّمها الأمانة الكبرى بعد أن تجرّدت من كل أطماعها، وكل رغباتها، وكل شهواتها، حتى ما يختص بالدعوة التي تحملها، والمنهج الذي تحققه، والعقيدة التي تموت من أجلها، فما يصلح لحمل هذه الأمانة الكبرى من بقي له أرب لنفسه في نفسه، أو بقيت فيه بقيّة لم تدخل في السلم كافة! (1)
ويطالعنا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)} (آل عمران)!
إنه النداء العلوي للذين آمنوا (2) نداؤهم بالصفة التي تربطهم بمصدر النداء، والتي تلقي عليهم هذه الأعباء، والتي تؤهّلهم للنداء، وتؤهّلهم للأعباء، وتكرمهم في الأرض كما تكرمهم في السماء:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ} !
النداء لهم، للصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى.
والصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة .. إنه طريق طويل شاقّ، حافل بالعقبات والأشواك. مفروش بالدماء والأشلاء، وبالإيذاء والابتلاء .. الصبر على أشياء كثيرة: الصبر على شهوات النفس ورغائبها، وأطماعها ومطامحها، وضعفها ونقصها، وعجلتها وملالها من قريب!
(1) انظر: 206 - 212 في ظلال القرآن.
(2)
السابق: 551 بتصرف.
والصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصوّرهم، وانحراف طباعهم، وأثرتهم، وغرورهم، والتوائهم، واستعجالهم للثمار!
والصبر على تنفج الباطل، ووقاحة الطغيان، وانتفاش الشرّ، وغلبة الشهوة، وتصغير الغرور والخيلاء!
والصبر على قلّة الناصر، وضعف المعين، وطول الطريق، ووساوس الشيطان في ساعات الكرب والضّيق!
والصبر على مرارة الجهاد لهذا كله، وما تثيره في النفس من انفعالات متنوعة، من الألم، والغيظ، والحنق، والضيق، وضعف الثقة أحياناً في الخير.
وقلّة الرَّجاء أحياناً في الفطرة البشريّة، والملل والسأم واليأس أحياناً والقنوط!
والصبر بعد ذلك كله على ضبط النفس في ساعة القدرة والانتصار والغلبة. واستقبال الرخاء في تواضع وشكر، وبدون خيلاء وبدون اندفاع إلى الانتقام، وتجاوز القصاص الحق إلى الاعتداء! والبقاء في السرّاء والضرّاء على صلة بالله، واستسلام لقدره، وردّ الأمر إليه كله في طمأنينة وخشوع!
الصبر على هذا كله -وعلى مثله- مما يصادف السالك في هذا الطريق الطويل لا تصوّره حقيقة الكلمات، فالكلمات لا تنقل المدلول الحقيقي لهذه المعاناة، إنما يدرك هذا المدلول من عانى مشقّة الطريق، وتذوّقها انفعالات وتجارب ومرارات!
والذين آمنوا كانوا قد ذاقوا جوانب كثيرة من ذلك المدلول الحقيقي، فكانوا أعرف بمذاق هذا النداء!
كانوا يعرفون معنى الصبر الذي يطلب الله إليهم أن يزاولوه!
والمصابرة
(وهي مفاعلة من الصبر) مصابرة هذه المشاعر كلها، ومصابرة الأعداء الذين يحاولون جاهدين أن يفلّوا من صبر المؤمنين .. مصابرتها ومصابرتهم، فلا ينفد صبر المؤمنين على طول المجاهدة، بل يظلّون أصبر على أعدائهم وأقوى: أعدائهم من كوامن الصدور، وأعدائهم من شرار الناس سواء .. فكأنما هو رهان وسباق بينهم وبين أعدائهم، يدعون فيه إلى مقابلة الصبر بالصبر، والدفع بالدفع. والجهد بالجهد، والإصرار بالإصرار، ثم تكون لهم عاقبة الشوط أن يكونوا أثبت وأصبر من الأعداء .. وإذا كان الباطل يصرّ ويصبر ويمضي في الطريق، فما أجدر الحق أن يكون أشدّ إصراراً وأعظم صبراً على المضيّ في الطريق!
والمرابطة
.. الإقامة في مواقع الجهاد، وفي الثغور المعرّضة لهجوم الأعداء .. وقد كانت الجماعة المسلمة لا تغفل عيونها أبداً، ولا تستسلم للرّقاد! فما هادنها أعداؤها قطّ، منذ أن نوديت لحمل أعباء الدعوة، والتعرّض بها للناس، وما يهادنها أعداؤها قطّ في أيّ زمان أو في أيّ مكان، وما تستغني عن المرابطة للجهاد، حيثما كانت إلى آخر الزمان!
إن هذه الدعوة تواجه الناس بمنهج حياة واقعي .. منهج يتحكّم في ضمائرهم، كما يتحكّم في أموالهم، كما يتحكّم في نظام حياتهم ومعايشهم .. منهج خير عادل مستقيم .. ولكن الشرّ لا يستريح للمنهج الخيّر العادل المستقيم، والباطل لا يحبّ الخير والعدل والاستقامة .. والطغيان لا يسلم للعدل والمساواة والكرامة .. ومن ثم ينهد لهذه الدعوة من أصحاب الشرّ والباطل والطغيان .. ينهد لحربها المستنفعون المستغلون الذين لا يريدون أن يتخلّوا عن الاستنفاع والاستغلال .. وينهد لحربها الطغاة البغاة العتاة
المستكبرون الذين لا يريدون أن يتخلّوا عن الطغيان والاستكبار .. وينهد لحربها المستهترون المخلّون؛ لأنهم لا يريدون أن يتخلّوا عن الانحلال والشهوات .. ولابدّ من مجاهدتهم جميعاً، ولابدّ من الصبر والمصابرة، ولابدّ من المرابطة والحراسة، كي لا تؤخذ الأمّة المسلمة على غرّة من أعدائها الطبيعيّين، الدائمين في كل أرض وفي كل جيل عبر التاربخ!
هذه طبيعة الدعوة، وهذا طريقها .. إنها لا تريد أن تعتدي، ولكن تريد أن تقيم في الأرض منهجها القويم ونظامها السليم .. وهي واجدة أبداً من يكره ذلك المنهج وهذا النظام، ومن يقف في طريقها بالقوّة والكيد، ومن يتربّص بها الدوائر، ومن يحاربها باليد والقلب واللسان .. ولابدّ لها أن تقبل المعركة بكل تكاليفها .. ولابدّ لها أن ترابط وتحرس ولا تغفل لحظةً ولا تنام!
والتقوى .. التقوى تصاحب هذا كله؛ فهي الحارس اليقظ في الضمير يحرسه أن يغفل، ويحرسه أن يضعف، ويحرسه أن يعتدي، ويحرسه أن يحيد عن الطريق من هنا ومن هناك!
ولا يدرك الحاجة إلى هذا الحارس اليقظ، إلا من يعاني مشاق هذا الطريق، ويعالج الانفعالات المتناقضة المتكاثرة المتواكبة في شتّى الحالات وشتّى اللحظات!
إنه الإيقاع الأخير .. وهو جماعها كلها، وجماع التكاليف التي تفرضها هذه الدعوة في عمومها؛ ومن ثم يعلق الله بها عاقبة الشوط الطويل، وينوط بها الفلاح في هذا المضمار:{لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} !
تمحيص المؤمنين:
والتمحيص عمليّة كشف لمكنونات الشخصية، وتسليط الضوء على هذه المكنونات، تمهيداً لإخراج ما علق بها من دخل ودغل .. وهو درجة بعد الفرز والتمييز، (1) وعمليّة تتمّ في داخل النفس، وفي مكنون الضمير .. عمليّة كشف لمكنونات الشخصية، وتسليط الضوء على هذه المكنونات، تمهيداً لإخراج الدخل والدغل والأوشاب، وتركها نقيّةً واضحةً مستقرّةً على الحق، بلا غبش ولا ضباب!
وكثيراً ما يجهل الإنسان نفسه، ومخابئها ودوروبها ومنحنياتها .. وكثيراً ما يجهل حقيقة ضعفها وقوّتها، وحقيقة ما استكنّ فيها من رواسب، لا تظهر إلا بمثير:{وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)} (آل عمران)!
وفي هذا التمحيص الذي يتولاه الله سبحانه بمداولة الأيّام بين الناس بين الشدّة والرخاء يعلم المؤمنون من أنفسهم ما لم يكونوا يعلمونه قبل هذا المحكّ المرير، محكّ الأحداث والتجارب والمواقف العمليّة الواقعيّة!
ولقد يظن الإنسان في نفسه القدرة والشجاعة والتجرّد والخلاص من الشحّ والحرص .. ثم إذا هو يكشف -على ضوء التجربة العمليّة وفي مواجهة الأحداث الواقعيّة- أن في نفسه عقابيل لم تمحص، وأنه لم يتهيّأ لمثل هذا المستوى من الضغوط!
ومن الخير أن يعلم هذا من نفسه، ليعاود المحاولة في سبكها من جديد،
(1) السابق: 482 بتصرف.
على مستوى الضغوط التي تقتضيها طبيعة الدعوة، وعلى مستوى التكاليف التي تقتضيها هذه العقيدة!
والله سبحانه يربّي هذه الجماعة المختارة لقيادة البشريّة، ويريد بها أمراً في هذه الأرض، فمحّصها هذا التمحيص، الذي تكشّفت عنه الأحداث في (أُحُد) -كما سيأتي-، لترتفع إلى مستوى الدور المقدّر لها. وليتحقّق على يديها قدر الله الذي ناطه بها:{وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)} !
تحقيقاً لسنّته في دمغ الباطل بالحق، متى استعلن الحق، وخلص من الشوائب والتمحيص!
وفي سؤال استنكاري يصحح القرآن تصوّرات المسلمين عن سنّة الله في الدعوأت، وفي النصر والهزيمة، وفي العمل والجزاء، ويبيّن لهم أن طريق الجنة محفوف بالمكاره -كما أسلفنا- وزاده الصبر على مشاقّ الطريق، وليس زاده التمنّي والأماني الطائرة التي لا تثبت على المعاناة والتمحيص:
إن صيغة السؤال الاستنكاريّة يقصد بها إلى التنبيه بشدّة إلى خطأ هذا التصوّر .. تصوّر أنه يكفي الإنسان أن يقولها كلمة باللسان: أسلمت وأنا على استعداد للموت، فيبلغ بهذه الكلمة أن يؤدي تكاليف الإيمان، وأن ينتهي إلى الجنّة والرضوان!
إنما هي التجربة الواقعيّة، والامتحان العملي .. وإنما هو الجهاد وملاقاة
البلاء، ثم الصبر على تكاليف الجهاد، وعلى معاناة البلاء .. ونبصر لفتة ذات مغزى:{وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)} !
فلا يكفي أن يجاهد المؤمنون .. بل لا بد لهم من الصبر.
الصبر على تكاليف هذه الدعوة أيضاً، التكاليف المستمرّة المتنوّعة التي لا تقف عند الجهاد في الميدان، فربما كان الجهاد في الميدان أخفّ تكاليف هذه الدعوة التي يطلب لها الصبر، ويختبر بها الإيمان .. إنما هنالك المعاناة اليوميّة التي لا تنتهي: معاناة الاستقامة على أفق الإيمان، والاستقرار على مقتضياته في الشعور والسلوك!
والصبر في أثناء ذلك على الضعف الإنساني: في النفس وفي الغير، ممن يتعامل معهم المؤمن في حياته اليوميّة!
والصبر على الفترات التي يستعلي فيها الباطل وينتفش ويبدو كالمنتصر!
والصبر على طول الطريق وبعد المشقة وكثرة العقبات!
والصبر على وسوسة الراحة وهفوة النفس لها في زحمة الجهد والكرب والنضال!
والصبر على أشياء كثيرة، ليس الجهاد في الميدان إلا واحداً منها في الطريق المحفوف بالمكاره، طريق الجنّة التي لا تنال بالأماني وبكلمات اللسان:{وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143)} !
وهكذا يقفهم السؤال وجهاً لوجه مرّة أخرى أمام الموت الذي واجهوه في المعركة، وقد كانوا من قبل يتمنون لقاءه، ليوازنوا في حسّهم بين وزن الكلمة التي يقولها اللسان، ووزن الحقيقة في العيان، فيعلّمهم بهذا أن يحسبوا حساباً لكل كلمة تطلقها ألسنتهم، ويزنوا حقيقة رصيدها الواقعي في نفوسهم، على ضوء ما واجهوه من حقيقتها حين واجهتهم!
وبذلك يقدرون قيمة الكلمة، وقيمة الأمنية، وقيمة الوعد، في ضوء الواقع الثقيل! ثم يعلمهم أن الكلمات الطائرة، والأمانيّ المرفرفة ليست هي التي تبلغهم الجنّة، إنما هو تحقيق الكلمة، وتحسيم الأمنية، والجهاد الحقيقي، والصبر على المعاناة، حتى يعلم الله منهم ذلك كله واقعاً كائناً في دنيا الناس!
ولقد كان الله سبحانه قادراً على أن يمنح النصر لنبيه صلى الله عليه وسلم ولدعوته ولدينه ولمنهجه منذ اللحظة الأولى، وبلا كدّ من المؤمنين ولا عناء .. وكان قادرًا على أن ينزل الملائكة تقاتل معهم دائماً -أو بدونهم- وتدمرّ المشركين، كما دمرّت على عاد وثمود وقوم لوط!
ولكن المسألة ليست هي النصر .. إنما هي تربية الجماعة المسلمة، التي تعدّ لتتسلّم قيادة البشريّة .. البشريّة بكل ضعفها ونقصها، وبكل شهواتها ونزاوتها، وبكل جاهليّتها وانحرافها .. وقيادتها قيادة راشدة تقتضي استعداداً عالياً من القادة .. وأول ما تقتضيه صلابة في الخلق، وثبات على الحق، وصبر على المعاناة .. ومعرفة بمواطن الضعف ومواطن القوّة في النفس البشريّة، وخبرة بمواطن الزلل ودواعي الانحراف، ووسائل العلاج .. ثم صبر على الرخاء كالصبر على الشدّة .. وصبر على الشدّة بعد الرخاء، وطعمها يومئذ لاذع مرير!
وهذه التربية هي التي يأخذ الله بها الجماعة المسلمة، حين يأذن بتسليمها مقاليد القيادة، ليعدّها بهذه التربية للدور العظيم الهائل الشاق، الذي ينوطه بها في هذه الأرض .. وقد شاء سبحانه أن يجعل هذا الدور من نصيب (الإنسان) الذي استخلفه في هذا الملك العريض!
وقدَرُ الله في إعداد الجماعة المسلمة للقيادة يمضي في طريقه، بشتّى الأسباب والوسائل، وشتى الملابسات والوقائع .. يمضي أحياناً عن طريق النصر الحاسم للجماعة المسلمة، فتستبشر، وترتفع ثقتها بنفسها -في ظلّ العون الإلهيّ- وتجرب لذة النصر، وتصبر على نشوته، وتجرب قوتها على مغالبة البطر والزهو والخيلاء، وعلى التزام التواضع والشكر لله .. ويمضي أحياناً عن طريق الهزيمة والكرب والشدّة، فتلجأ إلى الله، وتعرف حقيقة قوّتها الذاتيّة، وضعفها حين تنحرف أدنى انحراف عن منهج الله، وتجرب مرارة الهزيمة، وتستعلي مع ذلك على الباطل، بما عندها من الحقّ المجرّد، وتعرف مواضع نقصها وضعفها، ومداخل شهواتها، ومزالق أقدامها، فتحاول أن تصلح من هذا كله في الجولة القادمة .. وتخرج من النصر، ومن الهزيمة بالزاد والرصيد .. ويمضي قَدَرُ الله وفق سنّته لا يتخلف ولا يحيد!
ويمضي السياق في تقرير حقائق التصوّر الإِسلامي الكبيرة، وفي تربية الجماعة المسلمة بهذه الحقائق، متخذاً من أحداث المعركة محوراً لتقرير تلك الحقائق، ووسيلة لتربية الجماعة المسلمة بها على طريقة المنهج القرآنيّ العزيز:
{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)} (آل عمران)!
الآية الأولى تشير إلى واقعة معيّنة، حدثت في (غزوة أحد) كما سيأتي، ومحمد صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله، جاء ليبلغ كلمة الله، والله باق لا يموت، وكلمته باقية لا تموت، وما ينبغي أن يرتدّ المؤمنون على أعقابهم إذا مات النبي الذي جاء ليبلغهم هذه الكلمة أو قتل .. وهذه كذلك حقيقة أوّلية بسيطة غفلوا عنها في زحمة الهول، وما ينبغي للمؤمنين أن يغفلوا عن هذه الحقيقة الأوّلية البسيطة!
إن البشر إلى فناء، والعقيدة إلى بقاء، ومنهج الله للحياة مستقلّ في ذاته عن الذين يحملونه ويؤدّونه إلى الناس، من الرسل والدعاة على مدار التاريخ .. والمسلم هو الذي يحبّ رسول صلى الله عليه وسلم، وقد كان أصحابه صلى الله عليه وسلم يحبّونه الحبّ الذي لم تعرف له النفس البشريّة في تاريخها كله نظيراً .. الحبّ الذي يفدونه معه بحياتهم أن تشوكه شوكة .. ومن ثم هذا الاستنكار، وهذا التهديد، وهذا البيان المثير:{أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)} !
ويلمس القرآن مكمن الخوف من الموت في النفس البشريّة، لمسةً موحيةً، تطرد ذلك الخوف، عن طريق بيان الحقيقة الثابتة في شأن الموت وشأن الحياة، وما بعد الحياة والموت من حكمة لله وتدبير، ومن ابتلاء للعباد وجزاء:{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145)} !
إن لكل نفس كتاباً مؤجّلاً إلى أجل مرسوم .. ولن تموت نفس حتى تستوفي هذا الأجل المرسوم، فالخوف والهلع، والحرص والتخلّف، لا تطيل آجلاً، والشجاعة والثبات، والإقدام والوفاء، لا تقصر عمراً، فلا كان الجن، ولا نامت أعين الجبناء، والأجل المكتوب لا ينقص منه ولا يزيد!
بذلك تستقرّ حقيقة الأجل في النفس، فتترك الاشتغال به، ولا تجعله في الحساب .. وهي تفكّر في الأداء والوفاء بالالتزامات والتكاليف الإيمانيّة .. وبذلك تنطلق من عقال الشحّ والحرص، كما ترتفع على وهلة الخوف والفزع، وبذلك تستقيم على الطريق بكل تكاليفه وبكل التزاماته، في صبر وطمأنينة، وتوكّل على الله الذي يملك الآجال وحده!
ثم ينتقل بالنفس خطوة وراء هذه القضيّة التي حسم فيها القول .. فإنه إذا كان العمر مكتوباً، والأجل مرسوماً .. فلتنظر نفسر ما قدّمت لغد؟ ولتنظر نفس ماذا تريد؟ أتريد أن تقعد عن تكاليف الإيمان، وأن تحصر همّها كله في هذه الأرض، وأن تعيش لهذه الدنيا وحدها؟ أم تريد أن تتطلّع إلى أفق أعلى، وإلى اهتمامات أرفع، وإلى حياة أكبر من هذه الحياة؟ .. مع تساوي هذا الهمّ وذاك فيما يختصّ بالعمر والحياة:{وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} !
وشتّان بين حياة وحياة! وشتان بين اهتمام واهتمام! -مع اتحاد النتيجة بالقياس إلى العمر والأجل- والذي يعيش لهذه الأرض وحدها، ويريد ثواب الدنيا وحدها .. إنما يحيى حياة الديدان والدوابّ والأنعام! ثم يموت في موعده المضروب بأجله المكتوب! والذي يتطلّع إلى الأفق الآخر .. إنما يحيا حياة الإنسان الذي كرّمه الله واستخلفه، وأفرده بهذا المكان ثم يموت في
موعده المضروب بأجله المكتوب: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145)} !
الذين يدركون نعمة التكريم الإلهيّ للإنسان، فيرتفعون عن مدارج الحيوان، ويشكرون الله على تلك النعمة، فينهضون بتبعات الإيمان!
وهكذا يقرّر القرآن حقيقة الموت والحياة، وحقيقة الغاية التي ينتهي إليها الأحياء، وفق ما يريدونه لأنفسهم، من اهتمام قريب كاهتمام الدود، أو اهتمام بعيد كاهتمام الإنسان!
وبذلك ينقل النفس من الانشغال بالخوف من الموت، والجزع من التكاليف -وهي لا تملك شيئاً في شأن الموت والحياة- إلى الانشغال بما هو أنفع للنفس، في الحقل الذي تملكه، وتملك فيه الاختيار، فتختار الدنيا أو تختار الآخرة، وتنال من جزاء الله ما تختار!
ثم يضرب الله للمسلمين المثل من إخوانهم المؤمنين قبلهم، من موكب الإيمان اللاحب الممتدّ على طول الطريق، الضارب في جذور الزمان .. من أولئك الذين صدقوا في إيمانهم، وقاتلوا مع أنبيائهم، فلم يجزعوا عند الابتلاء، وتأدّبوا -وهم مقدمون على الموت- بالأدب الإيمانيّ في هذا المقام .. مقام الجهاد .. فلم يزيدوا على أن يستغفروا ربّهم، وأن يجسّموا أخطاءهم، فيروها {إِسْرَافاً} في أمرهم، وأن يطلبوا من ربّهم الثّبات والنصر على الكفّار .. وبذلك نالوا ثواب الدّارين جزاء إحسانهم في أدب الدّعاء، وإحسانهم في موقف الجهاد، وكانوا مثلاً يضربه الله للمسلمين:
موعده المضروب بأجله المكتوب: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145)} !
الذين يدركون نعمة التكريم الإلهيّ للإنسان، فيرتفعون عن مدارج الحيوان، ويشكرون الله على تلك النعمة، فينهضون بتبعات الإيمان!
وهكذا يقرّر القرآن حقيقة الموت والحياة، وحقيقة الغاية التي ينتهي إليها الأحياء، وفق ما يريدونه لأنفسهم، من اهتمام قريب كاهتمام الدود، أو اهتمام بعيد كاهتمام الإنسان!
وبذلك ينقل النفس من الانشغال بالخوف من الموت، والجزع من التكاليف -وهي لا تملك شيئاً في شأن الموت والحياة- إلى الانشغال بما هو أنفع للنفس، في الحقل الذي تملكه، وتملك فيه الاختيار، فتختار الدنيا أو تختار الآخرة، وتنال من جزاء الله ما تختار!
ثم يضرب الله للمسلمين المثل من إخوانهم المؤمنين قبلهم، من موكب الإيمان اللاحب الممتدّ على طول الطريق، الضارب في جذور الزمان .. من أولئك الذين صدقوا في إيمانهم، وقاتلوا مع أنبيائهم، فلم يجزعوا عند الابتلاء، وتأدّبوا -وهم مقدمون على الموت- بالأدب الإيمانيّ في هذا المقام .. مقام الجهاد .. فلم يزيدوا على أن يستغفروا ربّهم، وأن يجسّموا أخطاءهم، فيروها {إِسْرَافاً} في أمرهم، وأن يطلبوا من ربّهم الثّبات والنصر على الكفّار .. وبذلك نالوا ثواب الدّارين جزاء إحسانهم في أدب الدّعاء، وإحسانهم في موقف الجهاد، وكانوا مثلاً يضربه الله للمسلمين:
وكم من نبيّ قاتلت معه جماعات كثيرة، فما ضعفت نفوسهم لما أصابهم من النبلاء والكرب والشدّة والجراح، وما ضعفت قواهم عن الاستمرار في الكفاح، وما استسلموا للجزع ولا للأعداء .. فهذا شأن المؤمنين المنافحين عن عقيدة ودين:{وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)} !
الذين لا تضعف نفوسهم، ولا تتضعضع قواهم، ولا تلين عزائمهم، ولا يستكينون أو يستسلمون .. والتعبير بالحبّ من الله للصابرين له وقعه، وله إيحاؤه، فهو الحبّ الذي يأسو الجراح، ويمسح على القرح، ويعوض ويربو عن الضرّ والقرح والكفاح المرير!
وإلى هنا كان السياق قد رسم الصورة الظاهرة لهؤلاء المؤمنين في موقفهم من الشدّة والابتلاء، فهو يمضي بعدها ليرسم الصورة الباطنة لنفوسهم ومشاعرهم .. صورة الأدب في حق الله، وهم يواجهون الهول الذي يذهل النفوس، ويقيّدها بالخطر الراهق لا تتعدّاه؛ ولكنه لا يذهل نفوس المؤمنين عن التوجّه إلى الله .. لا لتطلب النصر أول ما تطلب -وهو ما يتبادر عادة إلى النفوس- ولكن لتطلب العفو والمغفرة، ولتعترف بالذنب والخطيئة، قبل أن تطلب الثبات والنصر على الأعداء:{وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147)} (آل عموان)!
إنهم لم يطلبوا نعمة ولا ثراء، بل لم يطلبوا ثواباً ولا جزاء .. لم يطلبوا ثواب الدّنيا ولا ثواب الآخرة .. لقد كانوا أكثر أدباً مع الله، وهم يتوجّهون إليه، بينما هم يقاتلون في سبيله، فلم يطلبوا منه سبحانه إلا غفران الذنوب، وتثبيت الأقدام .. والنصر على الكفّار .. حتى النصر لا يطلبونه لأنفسهم؛
إنما يطلبونه هزيمةً للكفر، وعقوبةً للكفار .. إنه الأدب اللاّئق بالمؤمنين في حق الله الكريم!
وهؤلاء الذين لم يطلبوا لأنفسهم شيئاً، أعطاهم الله من عنده كل شيء .. أعطاهم من عنده كل ما يتمنّاه طلاّب الدنيا وزيادة .. وأعطاهم كذلك كل ما يتمنّاه طلاّب الآخرة ويرجونه:{فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)} (آل عمران)!
تربية إيمانيّة:
والحماسة الجماعيّة قد تخدع القادة لو أخذوا بمظهرها، فيجب أن يضعوها على محكّ التجربة، قبل أن يخوضوا بها المعركة الحاسمة (1) .. لأن هذه الحماسة البالغة ما تلبث أن تنطفئ شعلتها وتتهاوى على مراحل الطريق .. والتفرق في منتصف الطريق ظاهرة بشرية في الجماعات التي لم تبلغ تربيتها الإيمانيّة مبلغاً عالياً من التدريب .. وهي خليقة بأن تصادف قيادة الجماعة المسلمة في أيّ جيل .. فيحسن الانتفاع فيها بتجربة بني إسرائيل:
ومن ذلك أن اختبار الحماسة الظاهرة، والاندفاع الغائر في نفوس الجماعات
(1) السابق: 262 وما بعدها بتصرف.
ينبغي ألا يقف عند الابتلاء الأول .. فإن كثرة بني إسرائيل هؤلاء قد تولّوا بمجرّد أن كتب عليهم القتال استجابة لطلبهم، ولم تبق إلا قلّة مستمسكة بعهدها مع نبيّها، وهم الجنود الذين خرجوا مع (طالوت) بعد الحجاج والجدال حول جدارته بالملك والقيادة، ووقوع علامة الله باختياره لهم، ورجعة تابوتهم وفيه مخلفات أنبيائهم تحمله الملائكة
…
! ومع هذا فقد سقطت كثرة هؤلاء الجنود في المرحلة الأولى، وضعفوا أمام الامتحان الأوّل الذي أقامه لهم قائدهم:
وهذا القليل لم يثبت كذلك إلى النهاية، فأمام الهول الحيّ، أمام كثرة الأعداء وقوّتهم، تهاوت العزائم، وزلزلت القلوب:{فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} !
وأمام هذا التخاذل ثبتت الفئة القليلة المختارة .. اعتصمت بالله ووثقت، وقالت:{كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)} !
وهذه هي التي رجحت الكفّة، وتلقّت النصر، واستحقّت العزّ والتمكين!
وفي ثنايا هذه التجربة تكمن عبرة القيادة الحازمة المؤمنة .. وكلها واضحة في قيادة طالوت، تبرز منها خبرته بالنفوس، وعدم اغتراره بالحماسة الظاهرة، وعدم اكتفائه بالتجربة الأولى، ومحاولته اختبار الطاعة والعزيمة في نفوس
جنوده قبل المعركة، وفصله للذين ضعفوا وتركهم وراءه .. ثم -وهذا هو الأهم - عدم تخاذله، وقد تضاءل جنوده تجربة بعد تجربة، ولم يثبت معه في النهاية إلا تلك الفئة المختارة، فخاض بها المعركة ثقة منه بقوّة الإيمان الخالص، ووعد الله الصادق للمؤمنين!
والعبرة الأخيرة التي تكمن في مصير المعركة .. أن القلب الذي يتّصل بالله تتغيّر موازينه وتصوّراته؛ لأنه يرى الواقع الصغير المحدود بعين تمتدّ وراءه إلى الواقع الكبير الممتدّ الواصل، وإلى أصل الأمور كلها وراء الواقع الصغير المحدود، فبهذه الفئة المؤمنة الصغيرة التي ثبتت وخاضت المعركة وتلقّت النصر، كانت ترى من قلّتها وكثرة عدوّها ما يراه الآخرون الذين قالوا:{لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} ! ولكنها لم تحكم حكمهم على الموقف، إنما حكمت حكماً آخر، فقالت:{كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)} !
هكذا .. {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً} ! بهذا التكثير، فهذه هي القاعدة في حسّ الذين يوقنون أنهم ملاقو الله .. القاعدة: أن تكون الفئة المؤمنة قليلة؛ لأنها هي التي ترتقي الدرج الشاقّ، حتى تنتهي إلى مرتبة الاصطفاء، والاختيار .. ولكنها تكون الغالبة .. لأنها تتّصل بمصدر القوى، ولأنها تمثّل القوَّة الغالبة، قوة الله الغالب على أمره، القاهر فوق عباده. محطّم الجبّارين، ومخزي الظالمين، وقاهر التكبّرين!
وهمِ يكون هذا النصر لله: {بِإِذْنِ اللَّهِ} ! ويعلّلون بعلّته الحقيقية: {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} ! .. فيدلون بهذا كله على أنهم المختارون من الله لمعركة الحق الفاصلة بين الحق والباطل!
وإذا الفئة القليلة الواثقة بلقاء الله، التي تستمدّ صبرها كله من اليقين بهذا اللقاء، وتستمدّ قوتها كلها من الله، وتستمدّ يقينها كله من الثقة في الله {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} !
إذا هذه الفئة القليلة الواثقة الصابرة، الثابتة التي لم تزلزلها كثرة العدوّ وقوّته، مع ضعفها وقلّتها .. هذه الفئة هي التي تقرّر مصير المعركة، بعد أن تجدّد عهدها مع الله، وتتّجه بقلوبها إليه، وتطلب النصر منه وحده وهي تواجه الهول الرهيب:
هكذا .. {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} .. وهو تعبير يصوّر مشهد الصبر فيضاً من الله يفرغه عليهم فيغمرهم، وينسكب عليهم سكينة وطمأنينةً، واحتمالاً للهول والشقّة .. {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} ! فهي في يده سبحانه يثبتها فلا تزحزح، ولا تتزلزل ولا تحيد .. {وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} ! فقد وضح الموقف .. إيمان تجاه كفر، وحقّ إزاء باطل، ودعوة إلى الله لينصر أولياءه المؤمنين على أعدائه الكافرين، فلا تلجلج في الضمير، ولا غبش في التصوّر، ولا شكّ في سلامة القصد، ووضوح الطريق!
وكانت النتيجة التي ترقبوها واستيقنوها:
ويؤكد النص هذه الحقيقة: {بِإِذْنِ اللَّهِ} ! ليعلمها المؤمنون أو ليزدادوا بها علماً، وليتضح التصوّر الكامل لحقيقة ما يجرى في هذا الكون ولطبيعة القوّة التي تجريه!
إن المؤمنين ستار القدرة، يفعل الله بهم ما يريد، وينفذ بهم ما يختار .. بإذنه .. ليس لهم من الأمر شيء، ولا حول لهم ولا قوة، ولكن الله يختارهم لتنفيذ مشيئته، فيكون منهم ما يريده بإذنه .. وهي حقيقة خليقة بأن تملأ قلب المؤمن بالسلام والطمأنينة واليقين .. إنه عبد الله، اختاره الله لدوره، وهذه منّة من الله وفضل .. وهو يؤدي هذا الدور المختار، ويحقّق قدر الله النافذ، ثم يكرمه الله -بعد كرامة الاختيار- بفضل الثواب .. ولولا فضل الله ما فعل، ولولا فضل الله ما أثيب .. ثم إنه يستيقن من نبل الغاية. وطهارة القصد، ونظافة الطريق .. فليس له في شيء من هذا كله أرب ذاتي .. إنما هو منفذ لمشيئة الله الخيرة، قائم بما يريد .. استحق هذا كله بالنيّة الطيّبة، والعزم على الطاعة، والتوجّه إلى الله في خلوته!
ويبرز السياق دور داود: {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} !
وداود كان فتى صغيراً من بني إسرائيل، وجالوت كان ملكاً قويًّا وقائداً مخوفاً .. ولكن شاء الله أن يرى القوم وقتذاك أن الأمور لا تجري بظواهرها، إنما تجري بحقائقها، وحقائقها يعلمها هو، ومقاديرها في يده وحده، فليس عليهم إلا أن ينهضوا هم بواجبهم، ويفوا الله بعهدهم .. ثم يكون ما يريده الله بالشكل الذي يريده. وقد أراد أن يجعل مصرع هذا الجبّار الغشوم على يد هذا الفتى الصغير، ليرى الناس أن الجبابرة الذين يرهبونهم ضعاف ضعاف يغلبهم الفتية الصغار حين يشاء الله أن يقتلهم!
وكانت هنالك حكمة أخرى مغيّبة يريدها الله. فلقد قرر أن يكون داود هو الذي يتسلّم الملك بعد طالوت، ويرثه ابنه سليمان، فيكون عهده هو العهد الذهبي لبني إسرائيل في تاريخهم الطويل، جزاء انتفاضة العقيدة في نفوسهم بعد الضلال والانتكاس والشرود:{وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} !
وكان داود ملكاً نبيًّا، وعلّمه الله صناعة الزرد وعدّة الحرب، مما يفصله القرآن في مواضعه في سور أخرى!
ويتجّه السياق إلى هدف آخر من وراء القصة جميعاً .. وحين ينتهي إلى هذه الخاتمة، ويعلن النصر الأخير للعقيدة الواثقة، لا للقوة الماديّة، وللإرادة المستعلية، لا للكثرة العدديّة .. حينئذ يعلن عن الغاية العليا من اصطراع تلك القوى .. إنها ليست المغانم والأسلاب، وليست الأمجاد والهالات .. إنما هو الصلاح في الأرض، وإنما هو التمكين للخير باندحار الشر:
وهنا تتوارى الأشخاص والأحداث، لتبرز من خلال النص القصير حكمة الله العليا في الأرض، من اصطراع القوى، وتنافس الطاقات، وانطلاق السعي في تيّار الحياة المتدفّق الصاخب الموّار .. وتتكشف على مدّ البصر ساحة الحياة المترامية لأطراف تموج بالناس، في تداقع وتسابق وزحام إلى الغايات .. ومن ورائها جميعاً تلك اليد الحكيمة المدبّرة تمسك بالخيوط جميعاً، وتقود الموكب المتزاحم المتصارع المتسابق، إلى الخير والصلاح والنماء، في نهاية المطاف!
لقد كانت الحياة كلها تأسن وتتعفّن، لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض .. ولولا أن في طبيعة الناس التي فطرهم الله عليها أن تتعارض مصالحهم واتجاهاتهم الظاهريّة القريبة، لتنطلق الطاقات كلها تتزاحم وتتغالب وتتدافع، فتنفض عنها الكسل والخمول، وتستجيش ما فيها من مكنونات مذخورة، وتظل أبداً يقظة عاملة مستنبطة لذخائر الأرض، مستخدمة قواها وأسرارها الدفينة .. وفي النهاية يكون الصلاح والخير والنماء .. يكون بقيام الجماعة الخيّرة المتجرّدة، تعرف الحق الذي بيّنه الله لها. وتعرف طريقها إليه واضحاً، وتعرف أنها مكلّفة بدفع الباطل، وإقرار الحق في الأرض، وتعرف أن لا نجاة لها من عذاب الله إلا أن تنهض بهذا الدور النبيل، وإلا أن تحتمل في سبيله ما تحتمل في الأرض طاعةً لله وابتغاءً لرضاه .. !
وهنا يمضي الله أمره، وينفذ قدره، ويجعل كلمة الحق والخير والصلاح في العليا، ويجعل حصيلة الصراع والتنافس والتدافع في يد القوّة الخيّرة البانية، التي استجاش الصراع أنبل ما فيها وأكرمه، وأبلغها أقصى درجات الكمال المقدّر لها في الحياة!
ومن هنا كانت الفئة القليلة المؤمنة الواثقة بالله تغلب في النهاية وتنتصر؛ ذلك أنها تمثّل إرادة الله العليا في دفع الفساد عن الأرض، وتمكين الصلاح في الحياة .. إنها تنتصر؛ لأنها تمثل غاية عليا تستحق الانتصار!
ويطالعنا خطاب الله للجماعة المسلمة الأولى، يوجهها إلى تجارب الجماعات المؤمنة قبلها، وإلى سنته سبحانه في تربية عباده المختارين، الذين يكل إليهم رايته، وينوط بهم أمانته في الأرض ومنهجه وشريعته، وهو خطاب مطرد لكل من يجتاز هذا الدور العظيم:
وإنها لتجربة عميقة جليلة مرهوبة (1) .. إن هذا السؤال من الرسول والذين آمنوا معه .. من الرسول الموصول بالله، والمؤمنين الذين آمنوا بالله .. إن سؤالهم:{مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} ! ليصوّر مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة، ولن تكون إلا محنة فوق الوصف، تلقي ظلالها على مثل هاتيك القلوب، فتبعث منها ذلك السؤال الكروب:{مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} !
وعندما تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة .. عندئذ تتمّ كلمة الله، ويجيء النصر من الله:{أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} !
إنه مدّخر لمن يستحقّونه، ولن يستحقّه إلا الذين يثبتون حتى النهاية .. الذين يثبتون على البأساء والضرّاء .. الذين يصمدون للزلزلة .. الذين لا يحنون رؤوسهم للعاصفة .. الذين يستيقنون أن لا نصر إلا نصر الله، وعندما يشاء الله .. وحتّى حين تبلغ المحنة ذروتها، فهم يتطلعون فحسب إلى {نَصْرَ اللَّهِ} !، لا إلى شيء آخر، ولا إلى نصر لا يجيء من عند الله، ولا نصر إلا من عند الله!
بهذا يدخل المؤمنون الجنّة، مستحقّين لها، جديرين بها، بعد الجهاد والامتحان، والصبر والثبات، والتجرّد لله وحده، والانقياد له وحده، وإغفال كل ما سواه وكل من سواه!
(1) السابق: 218 وما بعدها بتصرف.
إن الصراع والصبر عليه يهب النفوس قوّةً، ويرفعها عند ذواتها، ويطهرها في بوتقة الألم، فيصفو عنصرها ويضيء، ويهب العقيدة عمقاً وقوّة وحيويّة، فتتلألأ حتى في أعين أعدائها وخصومها، وعندئذ يدخلون في دين الله أفواجاً كما وقع، وكما يقع في كل قضيّة حق، يلقى أصحابها ما يلقون في أوّل الطريق، حتى إذا ثبتوا للمحنة انحاز إليهم من كانوا يحاربونهم، وناصرهم أشدّ المناوئين وأكثر المعاندين!
على أنه -حتى إذا لم يقع هذا- يقع ما هو أعظم منه في حقيقته .. يقع أن ترتفع أرواح الدعوة على كل قوى الأرض وشرورها وفتنتها، وأن تنطلق من إسار الحرص على الدعة والراحة، والحرص على الحياة نفسها في النهاية .. وهذا الانطلاق كسب للبشريّة كلها، وكسب للأرواح التي تصل إليه عن طريق الاستعلاء .. كسبٌ يرجح جميع الآلام، وجميع البأساء والضرّاء التي يعانيها المؤمنون، المؤتمنون على راية الله وأمانته ودينه وشريعته!
وهذا الانطلاق هو المؤهّل لحياة الجنّة في نهاية المطاف، وهذا هو الطريق .. هذا هو الطريق كما يصفه الله للجماعة المسلمة الأولى، وللجماعة المسلمة في كل جيل!
هذا هو الطريق: إيمان وجهاد .. ومحنة وابتلاء .. وصبر وثبات .. وتوجّه إلى الله وحده .. ثم يجيء النصر، ويجيء النعيم!
ولنا مزيد بيان عمليّ للتربية الإيمانيّة في واقع الحياة، في ضوء الكتاب والسنة، بعون الله وتوفيقه!
توكّل على الله:
والإيمان بالله تعالى نور يكشف ظلمات الوهم والخرافة، وظلمات الأوضاع والتقاليد، وظلمات الحيرة في تنبيه الأرباب المتفرّقة .. وفي اضطراب التصوّرات والقيم والموازين، يخرج البشريّة من هذه الظلمات كلها إلى النور الذي يكشف تلك الظلمات في عالم الضمير ودنيا التفكير .. وفي واقع الحياة والقيم والأوضاع والتقاليد! (1)
نور يشرق في القلب، فيشرق به هذا الكيان البشري، المركّب من الطينة الغليظة ومن روح الله؛ فإذا ما خلا من إشراق هذه النفخة، وإذا ما طمست فيه هذه الإشراقة استحال طينة معتمة .. طينة من لحم ودم كالبهيمة، فاللحم والدم وحدهما من جنس طينة الأرض ومادتها، لولا تلك الإشراقة التي تنبض فيه من روح الله، يرفرفها الإيمان ويجلوها، ويطلقها تشف في هذا الكيان المعتم، ويشف بها هذا الكيان المعتم!
نور تشرق به النفس، فترى الطريق .. ترى الطريق واضحة إلى الله، لا يشوبها غبش، ولا يحجبها ضباب .. غبش الأوهام وضباب الخرافات، وغبش الشهوات، وضباب الأطماع .. ومتى رأت الطريق سارت على هدى، لا تتعثَّر ولا تضطرب ولا تتردّد ولا تحتار!
نور تشرق به الحياة، فإذا الناس كلهم عباد متساوون، تربط بينهم آصرتهم في الله، وتتمحّض دينونتهم له دون سواه، فلا ينقسمون إلى عبيد وطغاة. وتربطهم بالكون كله رابطة المعرفة .. معرفة الناموس المسيّر لهذا الكون وما فيه ومن فيه، فإذا هم في سلام مع الكون وما فيه ومن فيه!
(1) السابق: 4: 2085 بتصرف.
نور العدل، ونور الحريّة، ونور المعرفة، ونور الأنس بجوار الله، والاطمئنان إلى عدله ورحمته وحكمته في السرّاء والضرّاء .. ذلك الاطمئنان الذي يستتبع الصبر في الضرّاء والشكر في السرّاء، على نور من إدراك الحكمة في البلاء!
والإيمان بالله وحده إلهاً وربًّا، منهج حياة، لا مجرّد عقيدة تغمر الضمير وتسكب فيه النور .. منهج حياة يقوم على قاعدة العبوديّة لله وحده، والدينونة لربوبيّته وحده، والتخلّص من ربوبيّات العبيد، والاستعلاء على حاكميّة العبيد!
وفي هذا المنهج من المواءمة مع الفطرة البشريّة، ومع الحاجات الحقيقية لهذه الفطرة ما يملأ الحياة سعادة ونوراً، وطمأنينة وراحة، كما أن فيه من الاستقرار والثبات عاصماً من التقلبات والتخبطات التي تتعرّض لها المجتمعات التي تخضع لربوبيّة العبيد، وحاكميّة العبيد، ومناهج العبيد في السياسة والحكم وفي الاقتصاد والاجتماع، وفي الخلق والسلوك، وفي العبادات والتقاليد .. وذلك فوق صيانة هذا المنهج للطاقة البشريّة أن تبذل في تأليه العبيد، والإشادة والطاعة العمياء للطواغيت!
وصدق الله العظيم: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1)} (إبراهيم)!
وإن وراء هذا التعبير لآفاقاً بعيدة، لحقائق ضخمة عميقة في عالم العقل والقلب، وفي عالم الحياة والواقع، لا يبلغها التعبير البشري، ولكنه يشير! فليس في قدرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا البلاغ، وليس من وظيفته إلا البيان .. أمّا إخراج
الناس من الظلمات إلى النور، فإنّما يتحقّق بإذن الله، وفق سنّته التي ارتضاها الله بمشيئته، وما الرسول إلا رسول!
والصراط بدل من النور .. وصراط الله: طريقه، وسنّته، وناموسه الذي يحكم الوجود، وشريعته التي تحكم الحياة، والنور الذي يهدي إلى هذا الصراط، أو النور هو الصراط وهو أقوى في المعنى، فالنور المشرق في ذات النفس هو المشرق في ذات الكون، هو السنّة. هو الناموس، هو الشريعة .. والنفس التي تعيش في هذا النور لا تخطئ الإدراك، ولا تخطئ التصوّر، ولا تخطئ السلوك، فهي على صراط مستقيم:{صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1)} ! مالك القوّة القاهر المسيطر المحمود المجيد!
والقوّة تبرز هنا لتهديد من يكفرون .. والحمد يبرز لتذكير من يشكرون .. ثم يعقبها التعريف بالله سبحانه .. إنه مالك ما في السموات وما في الأرض، الغنيّ عن الناس، المسيطر على الكون وما فيه ومن فيه:{اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (3)} (إبراهيم)!
واستحباب الحياة الدنيا على الآخرة يصطدم بتكاليف الإيمان، ويتعارض مع الاستقامة على الصراط، وليس الأمر كذلك حين تستحبّ الآخرة؛ لأنه عندئذ تصلح الدنيا، ويصبح المتاع بها معتدلاً، ويراعى فيه وجه الله، فلا يقع التعارض بين استحباب الآخرة ومتاع هذه الحياة!
إن الذين يوجّهون قلوبهم للآخرة، لا يخسرون متاع الحياة الدنيا -كما يقوم
في الأخيلة المنحرفة- فصلاح الآخرة في الإِسلام يقتضي صلاح هذه الدنيا .. والإيمان بالله يقتضي حسن الخلافة في الأرض، وحسن الخلافة في الأرض هو استعمارها والتمتّع بطيّباتها .. إنه لا تعطيل للحياة في الإِسلام انتظاراً للآخرة، ولكن تعمير للحياة بالحق والعدل والاستقامة ابتغاء رضوان الله، وتمهيداً للآخرة .. هذا هو الإِسلام!
فأما الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، فلا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم من الاستئثار بخيرات الأرض، ومن الكسب الحرام، ومن استغلال الناس وغشّهم واستعبادهم .. لا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم هذه في نور الإيمان بالله، وفي ظل الاستقامة على هداه .. ومن ثم يصدّون عن سبيل الله، ويبغونها عوجاً لا استقامة فيها ولا عدالة، يصدّون أنفسهم ويصدّون الناس .. وحين يفلحون في صدّ أنفسهم وصدّ غيرهم عن سبيل الله، وحين يتخلّصون من استقامة سبيله وعدالتها، فعندئذ فقط يستطيعون أن يظلموا وأن يطغوا وأن يغشّوا وأن يخدعوا وأن يغروا الناس بالفساد، فيتم لهم الحصول على ما يبغونه من الاستثناء بخيرات الأرض والكسب الحرام .. والمتاع المرذول، والكبرياء في الأرض، وتعبيد الناس بلا مقاومة ولا استنكار!
وفي نفس السورة يطالعنا قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)} (إبراهيم)!
ونبصر التوكل على الله حقيقة دائمة (1)، يطلقها الرسل عليهم السلام، وعلى الله وحده يتوكل المؤمن، لا يتلفّت قلبه إلى سواه. ولا يرجو عوناً إلا منه،
(1) السابق: 2091 بتصرف.
ولا يرتكن إلا إلى حماه .. ويواجه المؤمنون الطغيان بالإيمان، والأذى بالثبات، ويسألون للتقرير والتوكيد:{وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} !
إنها كلمة المطمئن إلى موقفه وطريقه، المالئ يديه من وليّه وناصره، المؤمن بأن الله يهدي السبيل لابدَّ أن ينصر وأن يعين .. وماذا يهمّ حتى لو لم يتمّ في الحياة الدنيا نصر إذا كان العبد قد ضمن هداية السبيل؟
والقلب الذي يستشعر أن يد الله سبحانه تقود خطاه، وتهديه السبيل، هو قلب موصول بالله، لا يخطئ الشعور بوجوده سبحانه، وألوهيّته القاهرة المسيطرة، وهو شعور لا مجال معه للتردّد في المضيّ في الطريق، أيًّا كانت العقبات في الطريق، وأيًّا كانت قوى الطاغوت التي تتربّص في هذا الطريق .. ومن ثم هذا الربط في ردّ الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، بين شعورهم بهداية الله لهم وبين توكّلهم عليه في مواجهة التهديد السافر من الطواغيت، ثم إصرارهم على المضيّ في طريقهم في وجه هذا التهديد!
وهذه الحقيقة -حقيقة الارتباط في قلب المؤمن بين شعوره بهداية الله بديهية التوكّل عليه- لا تستشعرها إلا القلوب التي تزاول الحركة فعلاً في مواجهة طاغوت الجاهليّة، والتي تستشعر في أعماقها يد الله سبحانه، وهي تفتح لها كُوى النور فتبصر الآفاق المشرقة، وتستروح أنسام الإيمان والمعرفة، وتحسّ الإنس والقربى .. وحينئذ لا تحفل بما يتوعّدها به طواغيت الأرض، ولا تستجيب للإغراء ولا للتهديد، وهي تحتقر طواغيت الأرض وما في أيديهم من وسائل البطش والتنكيل .. وماذا يخاف القلب الموصول بالله على هذا النحو؟ وماذا يخيفه من أولئك العبيد؟! {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا} !
لنصبرن، لا نتزحزح ولا نضعف، ولا نتراجع ولا نهن، ولا نتزعزع ولا نشك ولا نفرط ولا نحيد:{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)} !
وهنا يسفر الطغيان عن وجهه، لا يجادل ولا يناقش، ولا يفكّر ولا يتعقّل، لأنه يحسّ بهزيمته أمام انتصار العقيدة، فيسفر بالقوة الماديّة الغليظة التي لا يملك المتجبّرون غيرها:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13)} (إبراهيم).
هنا تتجلّى حقيقة المعركة وطبيعتها بين الإِسلام والجاهليّة .. إن الجاهليّة لا ترضى من الإِسلام أن يكون له كيان مستقل عنها .. ولا تطيق أن يكون له وجود خارج عن وجودها!
ولذلك لا يرغب الذين كفروا من رسلهم في مجرّد الكفّ عن دعوتهم، ولكن يطلبون منهم أن يعودوا في ملّتهم الباطلة، وأن يندمجوا في تجمّعهم الجاهليّ، وأن يذوبوا في مجتمعهم، فلا يبقى لهم كيان مستقل .. وهذا ما تأباه طبيعة هذا الدّين لأهله، وما يرفضه الرسل من ثمَّ ويأبونه، فلا ينبغي لمسلم أن يندمج في التجمع الجاهليّ مرّة أخرى بعد إذ هداه الله للإسلام!
وعندما تسفر القوّة الغاشمة عن وجهها الصلد لا يبقى مجال لدعوة، ولا يبقى مجال لحجة، ولا يسلم الله الرسل إلى الجاهليّة!
إن التجمّع الجاهليّ -بطبيعة تركيبه العضوي- لا يسمح لعنصر مسلم أن يعمل من داخله، إلا أن يكون عمل المسلم وجهده وطاقته لحساب التجمّع الجاهليّ، ولتوطيد جاهليّته! والذين يخيّل إليهم أنهم قادرون على العمل لدينهم من خلال التسرّب في المجتمع الجاهليّ، والتميّع في تشكيلاته وأجهزته
هم ناس لا يدركون الطبيعة العنصريّة للمجتمع الجاهلي، هذه الطبيعة التي ترغم كل فرد داخل المجتمع أن يعمل لحساب هذا المجتمع، ولحساب منهجه وتصوره .. لذلك يرفض الرسل الكرام أن يعودوا في ملّة قومهم بعد إذ نجّاهم الله منها .. وهنا تتدخل القوّة الكبرى فتضرب ضربتها المدمّرة القاضية، التي لا تقف لها قوّة البشر المهازيل، وتضرب الطغاة البغاة العتاة المتجبّرين:{فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14)} (إبراهيم)!
ولابدّ أن ندرك أن تدخّل القوّة الكبرى للفصل بين الرسل وقومهم إنما يكون دائماً بعد مفاصلة الرسل لقومهم .. بعد أن يرفض المسلمون أن يعودوا إلى ملّة قومهم بعد إذ نجّاهم الله منها .. عندئذ تتدخّل القوّة الكبرى لتضرب ضربتها الفاصلة، ولتدمّر على الطواغيت الذين يتهدّدون المؤمنين، ولتمكّن للمؤمنين في الأرض ولتحقّق وعد الله لرسله بالنّصر والتمكين:{فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13)} !
ونون العظمة ونون التوكيد .. كلتاهما ذات ظل في هذا الموقف الشديد .. لنهلكنّ المتجبّرين المهدّدين، والمشركين الظالمين لأنفسهم وللحق وللرسل وللناس بهذا التهديد:{وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ} !
لا محاباة ولا جزافاً، إنما هي السنّة الجارية العادلة:{ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14)} !
ذلك الإسكان والاستخلاف لمن خاف مقامي، فلم يتطاول، ولم يستكبر، ولم يتجبّر، وخاف وعيد، فحسب حسابه، واتقى أسبابه، فلم يفسد في
الأرض، ولم يظلم في الناس، فهو من ثم يستحق الاستخلاف، ويناله باستحقاق!
وهكذا تلتقي القوّة الصغيرة الهزيلة -قوّة الطغاة البغاة العتاة الظالمين- بالقوّة الجبّارة الطامة -قوّة الجبّار المهيمن المتكبّر- ووقف الطغاة البغاة العتاة بقوّتهم الهزيلة الضئيلة في صفّ، ووقف الرسل الداعون المتواضعون، ومعهم قوّة الله سبحانه في صف، ودعا كلاهما بالنّصر والفتح .. وكانت العاقبة كما يجب أن تكون:{وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)} (إبراهيم)!
والمشهد هنا عجيب .. إنه مشهد الخيبة لكل جبّار عنيد .. مشهد الخيبة في هذه الأرض .. ولكنه يقف هذا الموقف، ومن ورائه تخايل جهنّم وصورته فيها، وهو يُسقى من الصديد السائل من الجسوم، يسقاه بعنف فيتجرّعه غصباً وكرهاً، ولا يكاد يسيغه، لقذارته ومراراته، والتقزّز والتكرّه باديان نكاد نلمحهما من خلال الكلمات! ويأتيه الموت بأسبابه المحيطة به من كل مكان، ولكنه لا يموت، ليستكمل عذابه:{وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)} !
إنه مشهد عجيب، يرسم الجبّار الخائب ووراءه مصيره يخايل له على هذا النحو المروعّ الفظيع، وتشترك كلمة {غَلِيظٌ} ! في تقطيع المشهد، تنسيقاً له مع القوّة الغاشمة التي كانوا يهدّدون بها دعاة الحق والخير والصلاح واليقين!
نهاية الظالمين:
وفي نفس السورة يطالعنا قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)} (إبراهيم)!
والرسول صلى الله عليه وسلم لا يحسب الله غافلاً عمّا يعمل الظالمون .. ولكن ظاهر الأمر يبدو هكذا لبعض من يرون الظالمين يتمتّعون ويسمع بوعيد الله، ثم لا يراه واقعاً بهم في هذه الحياة الدّنيا، فهذه الصيغة تكشف عن الأجل المضروب لأخذهم الأخذة الأخيرة، التي لا إمهال بعدها، ولا فكاك منها .. أخذهم في اليوم العصيب التي تشخص فيه الأبصار من الفزع والهلع، فتظل مفتوحة مبهوتة مذهولة، مأخوذة بالهول لا تطرف ولا تتحرّك .. ثم يرسم مشهداً للقوم في زحمة الهول، مشهدهم مسرعين لا يلوون على شيء، ولا يلتفتون إلى شيء .. رافعين رؤوسهم، لا عن إرادة، ولكنها مشدودة لا يملكون لها حراكاً، يمتدّ بصرهم إلى ما يشاهدون من الرعب، فلا يطرف ولا يرتدّ إليهم، وقلوبهم من الفزع خاوية خالية، لا تضم شيئاً يعونه أو يحفظونه أو يتذكرونه، فهي هواء خواء!
هذا هو اليوم الذي يؤخّرهم الله إليه، حيث يقفون هذا الموقف، ويعانون هذا الرعب، الذي يرتسم من خلال المقاطع الأربعة مذهلاً آخذاً بهم كالطائر الصغير في مخالب الباشق الرعيب:{إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)} !
فالسرعة المهرولة المدفوعة، في الهيئة الشاخصة المكرهة المشدودة، مع
القلب المفزع الطائر الخاوي من كل وعي ومن كل إدراك .. كلها تشي بالهول الذي تشخص فيه بالأبصار!
هذا هو اليوم الذي يؤخرّهم الله إليه، والذي ينتظرهم بعد الإمهال هناك، فأنذر الناس أنه إذا جاء فلا اعتذار إلى الله يومئذ ولا فكاك منه .. وهنا يرسم مشهداً آخر لليوم الرعيب المنظور:{وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45)} (إبراهيم)!
أنذرهم يوم يأتيهم ذلك العذاب المرسوم آنفاً، فيتوجه الذين ظلموا يومئذ إلى الله بالرجاء، يقولون:{رَبَّنَا} !
الآن وقد كانوا يكفرون به من قبل، ويجعلون له أنداداً! {أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ} !
وهنا ينقلب السياق من الحكاية إلى الخطاب .. كأنهم ماثلون شاخصون ويطلبون .. وكأننا في الآخرة، وقد انطوت الدّنيا وما كان فيها، فها هو الخطاب يوجّه إليهم من الملأ الأعلى بالتبكيت والتأنيب، والتذكير بتفريطهم في تلك الحياة:{أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} !
فكيف ترون الآن؟! زلتم يا ترى أم لم تزالوا؟! ولقد قلتم قولتكم هذه وآثار الغابرين شاخصة أمامكم مثلاً بارزاً للظالمين ومصيرهم المحتوم: {وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45)} !
فكان عجيباً أن تروا مساكن الظالمين أمامكم، خالية منهم، وأنتم فيها خلفاء، ثم تقسمون مع ذلك:{مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44)} !
وعند هذا التبكيت ينتهي المشهد، وندرك أين صاروا، وماذا كان بعد الدعاء وخيبة الرَّجاء!
وإن هذا المثل ليتجدّد في الحياة، ويقع كل حين .. فكم من طغاة بغاة عتاة يسكنون مساكن الطغاة الذين هلكوا من قبلهم، وربما يكونون قد هلكوا على أيديهم، ثم هم يطغون بعد ذلك ويتجبّرون، ويسيرون حذو النّعل بالنّعل سيرة الهالكين، فلا تهزّ وجدانهم تلك الآثار الباقية التي يسكنونها، والتي تتحدّث عن تاريخ الهالكين، وتصوّر مصائرهم للناظرين، ثم يؤخذون أخذة الغابرين، ويلحقون بهم، وتخلو منهم الديار بعد حين!
ثم يلتفت السياق بعد أن يسدل عليهم الستار هناك، إلى واقعهم الحاضر، وشدّة مكرهم بالرسول والمؤمنين، وتدبيرهم الشرّ في كل نواحي الحياة، فيلقي في الرّوع أنهم مأخوذون إلى ذلك الضمير، مهما يكن مكرهم من العنف والتدبير:{وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)} !
إن الله محيط بهم وبمكرهم، وإن كان مكرهم من القوّة والتأثير حتّى ليؤدّي إلى زوال الجبال، أثقل شيء وأصلب شيء، وأبعد شيء عن تصوّر التحرّك والزّوال، فإن مكرهم هذا ليس مجهولاً، وليس خافياً، وليس بعيداً عن متناول القدرة، بل إنه لحَاضر {عِنْدَ اللَّهِ} يفعل به كيفما يشاء:{فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} !
فما لهذا المكر من أثر، وما يعوق تحقيق وعد الله لرسله بالنصر، وأخذ الماكر أخذ عزيز مقتدر:{إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)} !
لا يدع الظالم يفلت، ولا يدع الماكر ينجو .. وكلمة الانتقام هنا تلقي الظلّ المناسب للظلم والمكر، فالظالم الماكر يستحق الانتقام، وهو من الله تعالى يعني تعذيبهم جزاء ظلمهم وجزاء مكرهم، تحقيقاً لعدل الله في الجزاء، وسيكون ذلك لا محالة:{يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} !
ولا ندري نحن كيف يتمّ هذا، ولا طبيعة الأرض الجديدة، وطبيعة السماوات، ولا مكانها، ولكن النصّ يلقي ظلال القدرة التي تبدّل الأرض وتبدّل السماوات، وفي مقابل ذلك المكر الذي مهما اشتدّ فهو ضئيل عاجز حسير! وفجأة ترى ذلك قد تحقّق:{وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48)} !
وأحسّوا أنهم مكشوفون لا يسترهم ساتر، ولا يقيهم واق .. ليسوا في دورهم، وليسوا في قبورهم .. إنما هم في العراء أمام الواحد القهّار .. ولفظة {الْقَهَّارِ} هنا تشترك في ظلّ التهديد بالقوّة القاهرة التي لا يقف لها كيد الجبابرة، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال!
ثم ها نحن أولاء أمام مشهد من مشاهد العذاب العنيف القاسي المذل، يناسب ذلك المكر وذلك الجبروت:{وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ} !
فمشهد المجرمين: اثنين اثنين مقرونين في الوثاق، يمرّون صفًّا وراء، صفٍّ .. مشهد مذلّ دالّ كذلك على قدرة القهّار .. ويضاف إلى قرنهم في
الوثاق أن سرابيلهم وثيابهم من مادة شديدة القابليّة للالتهاب، وهي في ذات الوقت قذرة سوداء {مِنْ قَطِرَانٍ} ففيها الذلّ والتحقير، وفيها الإيحاء بشدّة الاشتعال بمجرد قربهم من النار:{وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ} !
فهو مشهد العذاب المذلّ المتلظي المشتعل، جزاء المكر والاستكبار:{لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51)} !
ولقد كسبوا المكر والظلم فجزاؤهم القهر والذلّ .. والسرعة في الحساب هنا تناسب المكر والتدبير الذي كانوا يحسبونه يحميهم ويخفيهم، ويعوق انتصار أحد عليهم .. فها هم أولاء يجزون جزاء ما كسبوا ذلاً وألماً وسرعة حساب!
إعداد وثبات:
ويطالعنا قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80) وَيَقُولُونَ
طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81)} (النساء)!
وهنا نذكر ما رواه الحاكم وغيره بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا نبيّ الله: كنا في عزّة، ونحن مشركون، فلمّا آمنّا صرنا أذلّة، فقال:"إِني أُمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم"، فلمّا حوّله إِلى المدينة، أمره بالقتال، فكفّوا، فأنزل الله تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ} ! (1) واختلف في سبب النزول! (2) ويتضح ذلك فيما يلي:
في هذه الآيات نبصر أمر هؤلاء الذين كانوا يتدافعون حماسة إلى القتال (3)، ويستعجلونه وهم في مكة، يتلقون الأذى والاضطهاد، والفتنة من المشركين، حين لم يكن مأذوناً لهم في القتال، للحكمة التي يريدها الله، فلمّا أن جاء الوقت المناسب الذي قدّره الله، وتهيأت الظروف المناسبة، وكُتب عليهم القتال -في سبيل الله- إذا فريق منهم شديد الجزع، شديد الفزع، حتى ليخشى الناس الذين أمروا بقتالهم -وهم ناس من البشر- كخشية الله، القهار الجبّار، الذي لا يعذّب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد {كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} !
(1) الحاكم: 2: 66، 67، 307، وقال: على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، والنسائي: 6: 3، والتفسير (132)، وابن جرير: 5: 108، والبيهقي: 9: 11.
(2)
انظر: تفسير الشوكاني: 1: 579، والواحدي: أسباب النزول: 65، 96.
(3)
في ظلال القرآن: 2: 712 وما بعدها بتصرف.
وإذا هم يقولون -في حسرة وخوف وجزع- {رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ} ؟! .. وهو سؤال غريب من مؤمن، وهو دلالة على عدم وضوح تصوّره لتكاليف هذا الدّين، ولوظيفة هذا الدّين أيضاً .. ويتبعون ذلك التساؤل بأمنية حسيرة مسكينة! {لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} ! وأمهلتنا بعض الوقت قبل ملاقاة هذا التكليف الثقيل المخيف!
إن أشدّ الناس حماسةً واندفاعاً وتهوّراً، قد يكونون هم أشدّ الناس جزعاً وانهياراً وهزيمة عندما يجدّ الجدّ، وتقع الواقعة .. بل إن هذه قد تكون القاعدة! ذلك أن الاندفاع والتهوّر والحماسة الفائقة غالباً ما تكون منبعثةً عن عدم التقدير لحقيقة التكاليف، لا عن شجاعة واحتمال وإصرار .. كما أنها قد تكون منبعثة عن قلة احتمال الضّيق والأذى والهزيمة، فتدفعهم قلّة الاحتمال إلى طلب الحركة والدفع والانتصار بأيّ شكل، دون تقدير لتكاليف الحركة والدفع والانتصار، حتى إذا وُوجهوا بهذه التكاليف كانت أثقل مما قدّروا، وأشقَّ مما تصوّروا، فكانوا أوّل الصفّ جزعاً ونكولاً وانهياراً .. على حين يثبت أولئك الذين كانوا يمسكون أنفسهم، ويحتملون الضّيق والأذى بعض الوقت، ويعدّون للأمر عدّته، ويعرفون حقيقة تكاليف الحركة، ومدى احتمال النفوس لهذه التكاليف، فيصبرون ويتمهّلون ويعدّون للأمر عدّته .. والتهوّرون المندفعون المستحمسون يحسبونهم إذ ذاك ضعافاً، ولا يعجبهم تمهّلهم ووزنهم للأمور! وفي المعركة يتبيّن أيّ الفريقين أكثر احتمالاً، وأيّ الفريقين أبعد نظراً كذلك!
وأغلب الظنّ أن هذا الفريق الذي تعنيه هذه الآيات كان من ذلك الصنف، الذي يلذعه الأذى في مكّة فلا يطيقه، ولا يطيق الهوان وهو ذو عزّة، فيندفع
يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأذن بدفع الأذى، أو حفظ الكرامة .. والرسول صلى الله عليه وسلم يتبع في هذا أمر ربّه بالتريّث والانتصار، والتربية والإعداد، وارتقاب الأمر في الوقت المناسب، فلمّا أن آمن هذا الفريق في (المدينة)، ولم يعد هناك أذى ولا إذلال، وبعد لسع الحوادث عن الذوات والأشخاص، لم يعد يرى القتال مبرّراً، أو على الأقلّ لم يعد يرى للمسارعة به ضرورة! {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} !
وقد يكون هذا الفريق مؤمناً فعلاً، بدليل اتجاههم إلى الله في ضراعة وأسى! وهذه الصورة ينبغي أن تكون في حسابنا .. فالإيمان الذي لم ينضج بعد، والتصوّر الذي لم تتّضح معالمه، ولم يتبين صاحبه وظيفة هذا الدّين في الأرض، وأنها أكبر من حماية الأشخاص، وحماية الأقوام، وحماية الأوطان .. إذ إنها في صميمها إقرار منهج الله في الحياة، وإقامة نظامه العادل في ربوع العالم، وإنشاء قوّة عليا في هذه الأرض ذات سلطان، يمنع أن تغلق الحدود دون دعوة الله، ويمنع أن يحال بين الأفراد والاستماع للدعوة في أيّ مكان على سطح الأرض، ويمنع أن يفتن أحد من الأفراد عن دينه إذا هو اختاره بكامل حرّيته -بأيّ لون من ألوان الفتنة- ومنها أن يطارد في رزقه أو في نشاطه حيث هو -وهذه كلها مهام خارجة عن وقوع أذى على أشخاص بعينهم أو عدم وقوعه .. وإذن فلم يكن الأمن في المدينة- حتى على فرض وجوده كاملاً غير مهدّد- لينهي مهمة المسلمين هناك، وينهى عن الجهاد!
إن الإيمان الذي لم ينضج بعد ليبلغ بالنفس درجة إخراج ذاتها من الأمر، والاستماع فقط إلى أمر الله، واعتباره هو العلّة والمعلول، والسّبب والمسبّب،
والكلمة الأخيرة -سواء عرف المكلّف حكمتها أم لم تتّضح له- والتصوّر الذي لم تتّضح معالمه بعد، ليعرف المؤمن مهمة هذا الدّين في الأرض، ومهمته -شأن المؤمن- بوصفه قدراً من أقدار الله، ينفذ الله به ما يشاؤه في هذه الحياة .. لا جرم أنه ينشأ عنه مثل هذا الوقف، الذي يصوّره السياق القرآنيّ هذا التّصوير، ويعجّب منه هذا التعجيب! وينفر منه هذا التنفير!
أمّا لماذا لم يأذن الله للمسلمين -في مكّة- بالانتصار من الظلم، والردّ على العدوان، ودفع الأذى بالقوّة .. وكثير منهم كان يملك هذا، حيث لم يكن ضعيفاً ولا مستضعفاً، ولم يكن عاجزاً عن ردّ الصاع صاعين .. مهما يكن المسلمون في ذلك الوقت قلّة!
أمّا حكمة هذا، والأمر بالكفّ عن القتال، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والصبر والاحتمال .. حتى وبعض المسلمين يلقى من الأذى والعذاب مالا يطاق، وبعضهم يتجاوز العذاب طاقته -كما أسلفنا- وبعضهم لا يحتمل الاستمرار في العذاب فيستشهد تحت وطأته!
أمّا حكمة هذا فلسنا في حلّ من الجزم بها؛ لأننا حينئذ نتألّى على الله ما لم يبين لنا من حكمة، ونفرض على أوامره أسباباً وعللاً، قد تكون هي الأسباب والعلل الحقيقيّة، أو لا تكون، ولكن وراءها أسباباً وعللاً أخرى لم يكشف لنا عنها، ويعلم سبحانه أن فيها الخير والمصلحة .. وهذا هو شأن المؤمن أمام أيّ تكليف، أو أيّ حكم في شريعة الله -لم يبيّن الله سببه محدّداً جازماً حاسماً- فمهما خطر للمؤمن من الأسباب والعلل لهذا الحكم أو لذلك التكليف، أو لكيفيّة تنفيذ هذا الحكم، أو طريقة أداء ذلك التكليف، مما يدركه عقله ويحسن فيه .. فينبغي أن يعتبر هذا كله مجرّد احتمال .. ولا يجزم -مهما بلغت ثقته
بعلمه وعقله وتدبّره لأحكام الله بأن ما رآه هو الحكمة التي أرادها الله .. نصًّا .. وليس وراءها شيء، وليس دونها شيء! فهذا التحرّج هو مقتضى الأدب الواجب مع الله، ومقتضى الفارق ما بين علم الله ومعرفة الإنسان من اختلاف في الطبيعة والحقيقة!
وبهذا الأدب الواجب نتناول حكمة عدم فرض الجهاد في مكّة وفرضيته في المدينة .. ونذكر ما يتراءى لنا من حكمة وسبب .. على أنه مجرّد احتمال .. وندع ما وراءه لله .. لا نفرض على أمره أسباباً وعللاً، لا يعلمها إلا هو .. ولم يحدّدها لنا ويطلعنا عليها بنصّ صريح!
إنها أسباب اجتهاديّة .. تخطئ وتصيب، وتنقص وتزيد، ولا نبغي بها إلا مجرّد تدبرّ أحكام الله، وفق ما تظهره لنا الأحداث في مجرى الزمان:
أولاً:
ربما كان ذلك لأن الفترة المكيّة كانت فترة تربية وإعداد في بيئة معيّنة، لقوم معيّنين، وسط ظروف معيّنة .. ومن أهداف التربية والإعداد في مثل هذه البيئات خاصة، تربية نفس الفرد العربيّ على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضّيم يقع على شخصه أو على من يلوذون به، وذلك كي يخلص من شخصه، ويتجرّد من ذاته، ولا تعود ذاته ولا من يلوذون به، محور الحياة في نظره، ودافع الحركة في حياته .. وتربيته كذلك على ضبط أعصابه؛ فلا يندفع لأوّل مؤثّر -كما هي طبيعته- ولا يهتاج لأوّل مهيّج، ليتمّ الاعتدال في طبيعته وحركته .. وتربيته على أن يتبع مجتمعاً منظّماً له قيادة يرجع إليها في كل أمر من أمور حياته، ولا يتصرّف إلا وفق ما تأمره -مهما يكن مخالفاً لمألوفه وعادته-
وقد كان هذا هو حجر الأساس في إعداد شخصيّة العربي، لإنشاء (المجتمع المسلم) الخاضع لقيادة موجّهة، المترقّي المتحضّر، غير الهمجيّ!
ثانياً:
وربما كان ذلك أيضاً؛ لأن الدّعوة السلميّة أشدّ أثراً وأنفذ، في مثل بيئة قريش ذات العنجهيّة والشرف، والتي قد يدفع قتالها معها -في مثل هذه الفترة- إلى زيادة العناد، وإلى إنشاء ثارات دمويّة جديدة، كثارات العرب المعروفة، والتي أثارت حرب (داحس والغبراء)، و (حرب البسوس) -أعواماً طويلة، تفانت فيها قبائل برمّتها- وتكون هذه الثارات الجديدة مرتبطة في أذهانهم وذكرياتهم بالإِسلام، فلا تهدأ بعد ذلك أبداً .. ويتحوّل الإِسلام من دعوة إلى ثارات تنسى الفكرة الأساسيّة وهو ناشئ في مبدئه، فلا تذكر أبداً!
ثالثاً:
وربما كان ذلك أيضاً، اجتناباً لإنشاء معركة ومقتلة في داخل كل بيت .. فلم تكن هناك سلطة نظاميّة عامة، هي التي تعذّب المؤمنين وتفتنهم .. إنما كان ذلك موكولاً إلى أولياء كل فرد، يعذّبونه هم ويفتنونه و (يؤدّبونه)!
ومعنى الإذن بالقتال -في مثل هذه البيئة- أن تقع معركة ومقتلة في كل بيت .. ثم يقال: هذا هو الإِسلام! ولقد قيلت حتى والإِسلام يأمر بالكفّ عن القتال! فقد كانت دعاية قريش في الموسم، في أوساط العرب القادمين للحج والتجارة: إن محمداً يفرّق بين الوالد وولده!
رابعاً:
وربما كان ذلك أيضاً، لا يعلمه الله من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون
أوائل المسلمين عن دينهم، ويعذبونهم ويؤذونهم، هم أنفسهم سيكونون من جنود الإِسلام المخلصين، بل من قادته، ألم يكن عمر بن الخطاب من بين هؤلاء؟
خامساً:
وربما كان ذلك أيضاً؛ لأن النخّوة العربيّة، في بيئة قبليّة، من عادتها أن تثور للمظلوم، الذي يحتمل الأذى، ولا يتراجع! وبخاصة إذا كان الأذى واقعاً على كرام الناس فيهم .. وقد وقعت ظواهر كثيرة تثبت صحة هذه النظرة في هذه البيئة، فابن الدغنة -كما سبق- لم يرض أن يترك أبا بكر -وهو رجل كريم- يهاجر ويخرج من مكّة، ورأى في ذلك عاراً على العرب! وعرض عليه جواره وحمايته .. وآخر هذه الظواهر -كما سيأتي- نقض صحيفة (الحصار) لبني هاشم في (شعب أبي طالب)، بعد ما طال عليهم الجوع، واشتدّت المحنة .. بينما في بيئة أخرى من البيئات ذات الحضارة القديمة التي مردت على الذّل، قد يكون السكوت على الأذى .. وتعظيم المؤذي الظالم المعتدي!
ونبصر استخفاف الطغاة البغاة العتاة للعامة .. وهم يعزلونهم عن كل سبل المعرفة، ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها، ولا يعودوا يبحثون عنها، ويلقون في روعهم ما يشاؤون من المؤثرات، حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثّرات المصطنعة، ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك، ويلين قيادهم، فيذهبوا بهم ذات اليمين وذات الشمال مطمئنّين!
ولا يملك الطاغية أن يفعل بالعامة هذه الفعلة إلا وهم فاسقون، لا يستقيمون على طريق، ولا يمسّكون بحبل الله، ولا يزنون بميزان الإيمان، فأما المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في مهب الريح، ومن هنا يعلّل القرآن استجابة العامة لفرعون فيقول: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (56)} (الزخرف)!
وقد سجّل التاريخ قديماً وحديثاً سكوتاً على الأذى، بل وتعظيم المؤذي الظالم المعتدي!!
سادساً:
وربما كان ذلك أيضاً، لقلّة عدد المسلمين حينذاك، وانحصارهم في مكّة، حيث لم تبلغ الدعوة بقيّة الجزيرة، أو بلغت أخبارها متناثرةً، إذ كانت القبائل تقف على الحياد، من معركة داخليّة بين قريش وبعض أبنائها، حتى ترى ماذا يكون مصير الموقف .. ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة، إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة -حتى ولو قتلوا هم أضعاف من سيقتل منهم- ويبقى الشرك، وتنمحي الجماعة المسلمة، ولا يقوم في الأرض للإسلام نظام، ولا يوجد له كيان واقعي .. وهو الدين الذي جاء ليكون منهجاً، نظاماً واقعيًّا عمليًّا للحياة!
سابعاً:
في الوقت ذاته، لم تكن هناك ضرورةٌ قاهرةٌ ملحةٌ، لتجاوز هذه الاعتبارات كلها، والأمر بالقتال ودفع الأذى؛ لأن الأمر الأساسي في هذه الدعوة كان قائماً وقتها ومحقّقاً .. هذا الأمر الأساسي هو (وجود الدعوة) .. وجودها في شخص الداعية الأول صلى الله عليه وسلم. وشخصه في حماية سيوف بني هاشم، فلا تمتدّ إليه يد إلاّ وهي مهدّدة بالقطع!
والنظام القبليّ السائد يجعل كل قبيلة تخشى أن تقع في حرب مع بني
هاشم، إذا هي امتدّت يدها لأذى محمد صلى الله عليه وسلم، فكان شخص الداعية صلى الله عليه وسلم من ثمّ محميًّا حمايةً كافيةً .. وكان الداعية يبلغ دعوته -إذن- في حماية سيوف بني هاشم ومقتضيات النظام القبلي، ولا يكتمها، ولا يخفيها، ولا يجرؤ أحدٌ على منعه من إبلاغها وإعلانها، في ندوات قريش في الكعبة، ومن فوق جبل الصفا، وفي اجتماعات عامة -كما سبق-، ولا يجرؤ أحد على منعه من الجهر بدعوته، ولا يجرؤ أحدٌ على أن يفرض عليه كلاماً بعينه يقوله، يعلن فيه بعض حقيقة دينه، ويسكت عن بعضها .. وحين طلبوا إليه أن يكف عن سبّ آلهتهم وعيبها لم يكف .. وعلى الجملة كان للدعوة (وجودها الكامل) في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وفي إبلاغه لدعوة ربّه كاملة في كل مكان .. ومن ثم لم تكن هناك الضرورة القاهرة لاستعجال المعركة، والتغاضي عن كل هذه الاعتبارات البيئيّة التي هي في مجموعها مساندةً للدعوة، ومساعدة في مثل هذه البيئة!
هذه الاعتبارات كلها -فيما نحسب- كانت بعض ما اقتضت حكمة الله، أن يأمر المسلمين بكفّ أيديهم، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة .. لتتم تربيتهم ويتم إعدادهم، ولينتفع بكل إمكانيّات الخطّة في هذه البيئة، وليقف المسلمون في انتظار أمر القيادة في الوقت المناسب، وليخرجوا أنفسهم من المسألة كلها، فلا يكون لذواتهم فيها حظّ، لتكون خالصةً لله، وفي سبيل الله .. (والدعوة لها وجودها)، وهي قائمة ومؤدّاة ومحميّة ومحروسة!
وأيًّا ما كانت حكمة الله من وراء هذه الخطة، فقد كان هناك المتحمّسون يبدون لهفتهم على اللحظة التي يؤذن لهم فيها بالقتال:{فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} !
وكان وجود هذه الطائفة في الصف المسلم ينشئ حالة من الخلخلة، وينشئ فيه حالة من عدم التناسق بين هذه الطائفة الجزوع الهلوع، وبين الرجال المؤمنين، ذوي القلوب الثابتة الطمئنة، المستقبلة لتكاليف الجهاد -على كل ما فيها من مشقّة- بالطمأنينة والثقة والحماسة أيضاً، ولكن في موضعها المناسب .. فالحماسة في تنفيذ الأمر حين يصدر هي الحماسة الحقيقيّة .. أمّا الحماسة قبل الأمر فقد تكون مجرّد اندفاع وتهوّر، يتبخّر عند مواجهة الخطر!
والقرآن يعالج هذه الحالة بمنهجه الربّاني: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} !
إنهم يخشون الموت، ويريدون الحياة .. ويتمنّون في حسرة مسكينة لو أن الله قد أمهلهم بعض الوقت، ومدّ لهم شيئاً من المتاع بالحياة!
والقرآن يعالج هذه المشاعر في منابتها، ويجلو غبش التصوّر لحقيقة الموت والأجل:{قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} !
متاع الدنيا كله، والدنيا كلها، فما بال أيّام، أو أسابيع، أو شهور، أو سنين؟!
ما قيمة هذا الإمهال لأجل قصير، إذا كان متاع الحياة الدنيا بطولها في جملته قليلاً؟!
ما الذي يملكون تحقيقه من المتاع في أيّام، أو أسابيع، أو شهور، أو سنين، ومتاع الدنيا كله والدنيا بطولها قليل؟! {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى} !
فالدنيا أوّلاً ليست نهاية المطاف ولا نهاية الرحلة .. إنها مرحلة .. ووراءها
الآخرة، والمتاع فيها هو المتاع -فضلاً عن أن المتاع فيها طويل كثير- فهي {خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى} !
وتذكر التقوى هنا والخشية والخوف في موضعها .. التقوى لله، فهو الذي يُتقى، وهو الذي يُخشى، وليس الناس -كما سبق:{إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} !
والذي يعمر قلبه الخوف من الله لا يخاف أحداً، فماذا يملك أحد إذا كان الله لا يريد؟! {وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)} !
فلا غبن ولا ضير ولا بخس، إذا فاتهم شيء من متاع الدنيا، فهناك الآخرة، وهناك الجزاء الأوفى، الذي لا يبقى معه ظلم ولا بخس في الحساب الختامي والآخرة جميعاً!
ولكن بعض الناس قد تهفو نفسه -مع هذا كله- إلى أيَّام تطول به، في هذه الأرض! حتى وهو يؤمن بالآخرة، وهو ينتظر جزاءها الخير .. وبخاصة حين يكون في المرحلة الإيمانيّة التي كانت فيها هذه الطائفة!
هنا تجيء اللمسة الأخرى .. اللمسة التي تصحّح التصور عن حقيقة الموت والحياة، والأجل والقدر، وعلاقة هذا كله بتكليف القتال، الذي جزعوا له هذا الجزع، وخشوا الناس فيه هذه الخشية:{أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} !
فالموت حتم في موعده المقدّر، ولا علاقة له بالحرب والسلم، ولا علاقة له بحصانة المكان الذي يحتمي به الفرد أو قلة حصانته، ولا يؤخّره أن يؤخَّر عنهم تكاليف القتال إذن، ولا هذا التكليف والتعرّض للناس في هذا الجهاد يعجله عن موعده!
هذا أمر وذاك أمر، ولا علاقة بينهما .. إنما العلاقة هناك بين الموت والأجل، بين الموعد الذي قدّره الله وحلول ذلك الموعد .. وليست هناك علاقة أخرى .. ولا معنى إذن لتمنّي تأجيل القتال، ولا معنى إذن لخشية الناس في قتال أو في غير قتال!
وبهذه اللمسة الثانية يعالج المنهج القرآنيّ كل ما يهجس في الخاطر عن هذا الأمر، وكل ما ينشئه التصوّر المضطرب من خوف ومن ذعر!
وليس معنى هذا ألا يأخذ الإنسان حذره وحيطته، وكل ما يدخل في طوقه من استعداد وأهبة ووقاية .. فقد أمر الله عز وجل بأخذ الحذر .. وأمر بالاحتياط في صلاة الخوف .. وأمر باستكمال العدّة والأهبة .. ولكن هذا كله شيء، وتعليق الموت والأجل به شيء آخر .. والتصوّر الصحيح لحقيقة العلاقة بين الموت والأجل المضروب -رغم كل استعداد واحتياط- أمر آخر يجب أن يطاع، وله حكمته الظّاهرة والخفيّة ووراءه تدبير الله!
توازن واعتدال، وإلمام بجميع الأطراف، وتناسق بين جميع الأطراف! هذا هو الإِسلام .. وهذا هو منهج التربية الإِسلامية للأفراد والجماعات!
ويبدأ الحديث عن طائفة أخرى من الطوائف المنبثّة في المجتمع الإِسلامي، والتي يتألف منها الصف المسلم .. وإن كان السياق لا انقطاع فيه، ولا فصل:{وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80)} !
إن الذين يقولون هذا القول، وينسبون ما يصيبهم من الخير إلى الله، وما يصيبهم من الضرّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل فيهم وجوه:
الوجه الأول:
إنهم يتطيّرون بالنبي صلى الله عليه وسلم فيظنونه -حاشاه- شؤماً عليهم، يأتيهم السوء من قبله، فإن أجدبت السنة، ولم تنسل البهيمة، أو إذا أصيبوا في موقعة، تطيّروا بالرسول صلى الله عليه وسلم، فأمّا حين يصيبهم الخير فينسبون هذا إلى الله!
الوجه الثاني:
إنهم يريدون عامدين تجريح قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم، تخلّصاً من التكاليف التي يأمرهم بها .. وقد يكون تكليف القتال منها أو أخصها، فبدلاً من أن يقولوا: إنهم ضعاف يخشون مواجهة القتال، يتّخذون ذلك الطريق الملتوي الآخر! ويقولون: إن الخير يأتيهم من الله، وإن السوء لا يجيئهم إلا من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أوامره، وهم يعنون بالخير أو السوء النفع أو الضرّ القريب الظاهر!
الوجه الثالث:
هو سوء التصوّر فعلاً لحقيقة ما يجري لهم وللناس في هذه الحياة، وعلاقته بمشيئة الله، وطبيعة أوامر النبي صلى الله عليه وسلم لهم، وحقيقة صلة الرسول بالله سبحانه وتعالى!
وهذا الوجه الثالث -إذا صحّ- ربما يكون قابلاً لأن يوسم به ذلك الفريق الذي كان سوء تصوّرهم لحقيقة الموت ولأجل يجعلهم يخشون الناس كخشية الله أو أشدّ خشية، ويقولون:{رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} !
غير أننا ما نزال نميل إلى اعتبار المتحدث عنهم هنا طائفة أخرى .. تجتمع فيها تلك الأوجه كلها أو بعضها، وهذا الوجه الثالث منها!
إن القضية التي تتناولها هذه الآيات، هي جانب من قضيّة كبيرة .. القضيّة المعروفة في تاريخ الجدل والفلسفة في العالم كله باسم (قضية القضاء والقدر) أو (الجبر والاختيار) .. وقد وردت في أثناء حكايته ذلك الفريق من الناس، ثم في الردّ عليهم، وتصحيح تصوّرهم .. والقرآن يتناولها ببساطة واضحة، لا تعقيد فيها ولا غموض .. فلنعرضها كما وردت، وكما ردّ عليها القرآن الكريم:{وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78)} !
إن الله هو الفاعل الأول، والفاعل الواحد، لكل ما يقع في الكون، وما يقع للناس، وما يقع من الناس، فالناس يملكون أن يتّجهوا وأن يحاولوا، ولكن تحقّق الفعل -أي فعل- لا يكون إلا بإرادة من الله وقدره؛ فنسبة إنشاء الحسنة أو إنشاء السيّئة وإيقاعها بهم للرسول صلى الله عليه وسلم وهو بشر منهم مخلوق مثلهم نسبة غير حقيقيّة، تدلّ على عدم فقههم شيئاً في هذا الموضوع!
إن الإنسان قد يتّجه ويحاول تحقيق الخير بالوسائل التي أرشد الله إلى أنها تحقّق الخير، ولكن تحقّق الخير فعلاً يتمّ بإرادة الله وقدره؛ لأنه ليست هناك قدرة -غير قدرة الله- تنشئ الأشياء والأحداث، وتحقّق ما يقع في هذا الكون من وقائع، وإذن يكون تحقُّق الخير -بوسائله التي اتخذها الإنسان وباتّجاه الإنسان وجهده- عملاً من أعمال القدرة الإلهيّة!
وإن الإنسان قد يتّجه إلى تحقيق السوء، أو يفعل ما من شأنه إيقاع السوء،
ولكن وقوع السوء فعلاً ووجوده أصلاً لا يتمّ إلا بقدرة الله وقدر الله؛ لأنه ليس هناك قدرة منشئة للأشياء والأحداث في هذا الكون غير قوّة الله!
وفي الحالتين يكون وجود الحدث وتحقّقه من عند الله .. وهذا ما تقرّره الآية الأولى!
أما الآية الثانية: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} !
فإنها تقرر حقيقة أخرى، ليست داخلة ولا متداخلة مع مجال الحقيقة الأولى .. إنها في واد آخر .. والنظرة فيها من زاوية أخرى:
إن الله سبحانه قد سنَّ منهجاً، وشرع طريقاً، ودلَّ على الخير، وحذّر من الشرّ .. فحين يتبع الإنسان هذا المنهج، ويسير في هذا الطريق، ويحاول الخير، ويحذر الشر .. فإن الله يعينه على الهدى كما قال:
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)} (العنكبوت)!
ويظفر الإنسان بالحسنة، ولا يهم أن يكون من الظواهر التي يحسبها الناس من الخارج كسباً .. إنما هي الحسنة فعلاً في ميزان الله تعالى .. وتكون من عند الله؛ لأن الله هو الذي سنَّ المنهج، وشرع الطريق، ودلَّ على الخير، وحذَّر من الشرّ .. وحين لا يتبع الإنسان منهج الله الذي سنّه، ولا يسلك الطريق الذي شرعه، ولا يحاول الخير الذي دلّ عليه، ولا يحذر الشرّ الذي حذّره منه .. حينئذ تصيبه السيئة الحقيقيّة، سواء في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معاً، ويكون هذا من عند نفسه؛ لأنه هو الذي لم يتبع منهج الله وطريقه!
وهذا معنى غير المعنى الأوّل، ومجال غير المجال الأوّل!
ولا يغيّر هذا من الحقيقة الأولى شيئاً، وهي أن تحقِّق الحسنة، وتحقّق السيّئة، ووقوعها لا يتم إلا بقدرة الله وقدره؛ لأنه المنشئ لكل ما ينشأ، المحدث لكل ما يحدث، الخالق لكل ما يكون .. أيًّا كانت ملابسة إرادة الناس وعملهم في هذا الذي يحدث، وهذا الذي يكون!
أمَّا القضيّة التي تمثّل هذه النصوص جانباً منها، أو التي تذكر بها، فهي (قضيّة الجبر والاختيار)، وإلى أيّ حدّ تعمل إرادة الإنسان فيما يحدث منه أو يحدث له؟ وكيف تكون له إرادة يقوم عليها الحساب والجزاء، بينما إرادة الله هي المنشئة لكل ما يحدث، ومنه إرادة الإنسان نفسه واتجاهه وعمله، إلى آخر هذه القضيّة
…
وكل ما يحدث بإرادة الله وقدره .. والإنسان يريد ويعمل، ويحاسب على إرادته وعمله .. والقرآن كله كلام الله، ولن يعارض بعضه بعضاً، فلا بدّ إذن أن تكون هناك نسبة معيّنة بين هذا القول وذاك، ولا بدّ إذن أن يكون هناك مجال لإرادة الإنسان وعمله، يكفي لحسابه عليه وجزائه، دون أن يتعارض هذا مع مجال الإرادة الربّانيّة والقدر الإلهيّ .. كيف؟ هذا ما لا سبيل لبيانه؛ لأن العقل البشري غير كفء لإدراك كيفيّات عمل الله!
ونبصر حدود وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم وعمله، وموقف الناس منه، وموقفه من الناس، ورد الأمر كله إلى الله في النهاية:{وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80)} !
إن وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم هي أداء الرسالة، لا إحداث الخير، ولا إحداث
السوء، فهذا من أمر الله .. والله شهيد على أنه أرسل النبي صلى الله عليه وسلم لأداء هذه الوظيفة. {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79)} !
وأمر الناس مع الرسول صلى الله عليه وسلم أن من أطاعه فقد أطاع الله، فلا تفرقة بين قول الله وقول رسوله .. ومن تولّى معرضاً مكذباً فأمره إلى الله من ناحية حسابه وجزائه، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يرسل ليجبر أحداً على الهدى، ويكرهه على الدّين، وليس موكلاً بحفظ أحد من العصيان والضلال، فهذا ليس داخلاً في وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا داخلاً في قدرته!
بهذا البيان يصحّح تصوّرهم عن حقيقة ما يقع لهم .. فكله لا ينشأ ولا يتحقق إلا بإرادة الله وقدره .. وما يصيبهم من حسنة أو سيّئة -بأيّ معنى من معاني الحسنة أو السيّئة، سواء حسب ما يرونه هم في الظاهر، أو ما هو في حقيقة الأمر والواقع- فهو من عند الله؛ لأنه لا ينشئ شيئاً ولا يحدثه ولا يخلقه ويوجده إلا الله .. وما يصيبهم من حسنة حقيقيّة -في ميزان الله- فهو من عند الله؛ لأنه بسبب منهجه وهدايته، وما يصيبهم من سيّئة حقيقيّة -في ميزان الله- فهو عند أنفسهم؛ لأنه بسبب تنكّبهم عن منهج الله والإعراض عن هدايته!
والرسول صلى الله عليه وسلم وظيفته الأولى والأخيرة أنه رسول، لا ينشئ ولا يحدث ولا يخلق، ولا يشارك الله في خاصّيّة الألوهيّة .. وهي الخلق والإنشاء والإحداث .. وهو يبلّغ ما جاء به من عند الله، فطاعته فيما يأمر به إذن هي طاعة لله، وليس هناك طريق آخر لطاعة الله غير طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس الرسول مكلَّفاً أن يحدث الهدى للمعرضين المتولّين، ولا أن يحفظهم من الإعراض والتولّي بعد البلاغ والبيان!
حقائق هذا واضحة مريحة، بيّنة صريحة، تبني التصوّر، وتريح الشعور، وتمضي شوطاً مع تعليم الله لهذه الجماعة، وإعدادها لدورها الكبير الخطير!
ونبصر السياق يحكي عند حال طائفة أخرى -في الصفّ المسلم- لعلّها هي طائفة المنافقين، يذكر عنها فعلاً جديداً، وفصلاً جديداً! ومع الحكاية التنفير من الفعلة، ومع التنفير التعليم والتوجيه والتنظيم .. كل ذلك في آيات قليلة، وعبارات معدودة:{وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)} (النساء).
إن هذا الفريق من الناس إذا كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع منه القرآن وما فيه من التكاليف قالوا {طَاعَةٌ} قالوها هكذا جامعة شاملة .. طاعة مطلقة، لا اعتراض ولا استفهام، ولا استيضاح ولا استثناء! ولكن ما إن يخرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تبيّت طائفة منهم غير الذي تقول، وتروح فيما بينها تتآمر على عدم التنفيذ، وعلى اتخاذ خطّة للتخلص من التكليف!
ولعل النص يصوّر حال الجماعة المسلمة كلها، ويستثني منها هذه الطائفة ذات الشأن الخاص .. ويكون المعنى: أن المسلمين يقولون {طَاعَةٌ} بجملتهم .. ولكن طائفة -وهي هذه الطائفة المنافقة- إذا خرجت بيّت أفرادها غير ما قالوا .. وهي صورة ترسم تلك الخلخلة بعينها في الصف المسلم، فإن هؤلاء مندسّون فيه على كل حال، وتصرّفهم على هذا النحو يؤدي الصفّ ويخلخله، والجماعة المسلحة تخوض المعركة في كل ميادينها وبكل قوتها!
والله عز وجل يطمئن النبي صلى الله عليه وسلم والمخلصين في الصفّ .. يطمئنهم بأن عينه على هذه الطائفة التي تبيّت وتمكر .. وشعور المسلمين بأن عين الله على المبيِّتين الماكرين يثبت قلوبهم، ويسكب فيها الطمأنينة إلى أن هذه الطائفة لن تضرّهم شيئاً بتآمرها وتبييتها .. ثم هو تهديد ووعيد للمتآمرين المبيّتين، فلن يذهبوا مفلحين، ولن يذهبوا ناجين:{وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} !
وكانت الخطّة التي وجّه الله إليها نبيّه صلى الله عليه وسلم في معاملة المنافقين، هي أخذهم بظاهرهم -لا بحقيقة نواياهم- والإعراض والتقاضي عما يبدو منهم .. وهي خطّة فتلتهم في النهاية، وأضعفتهم، وجعلت بقاياهم تتوارى ضعفاً وخجلاً .. وهنا طرف من هذه الخطّة:{فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} !
ومع هذا التوجيه بالإغضاء عنهم، التطمين بكلاءة الله وحفظه مما يبيّتون:{وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81)} !
نعم .. وكفى بالله وكيلاً، لا يضارّ من كان وكيله، ولا يناله تآمر ولا تبييت ولا مكيدة!
وكأنما كان الذي يدفع هذه الطائفة إلى أن تقول في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم مع القائلين: {طَاعَةٌ} فإذا خرجت بيَّتت غير هذا الذي تقول .. كأنما كان هذا بسبب شكهم في مصدر ما يأمرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم، وظنهم أن هذا القرآن من عنده! وحين يوجد مثل هذا الشك لحظة يتوارى سلطان الأمر والتكليف جملة، فهذا السلطان مستمدّ كله من الاعتقاد الجازم الكامل بأن هذا كلام الله، وبأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى .. ومن ثم كان هذا التوكيد الشديد الجازم المكرّر على هذه الحقيقة!
وهنا يعرض عليهم القرآن خطّة، هي غاية ما يبلغه النهج الربّانيّ من تكريم الإنسان، والعقل الإنساني، واحترام هذا الكائن البشري وإدراكه، الذي وهبه الخالق جل شأنه!
يعرض عليهم الاحتكام في أمر القرآن إلى إدراكهم هم وتدبّر عقولهم .. ويعين لهم منهج النظر الصحيح، كما يعين لهم الظاهرة التي لا تخطئ إذا اتبعها ذلك المنهج، وهي ظاهرة واضحة كل الوضوح في القرآن من جهة، ويمكن للعقل البشري إدراكها من جهة أخرى .. ودلالتها على أنه من عند الله دلالة لا تمارى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)} (النساء)!
وفي هذا العرض، وهذا التوجيه، منتهى الإكرام للإنسان وإدراكه وشخصيّته .. كما أن فيه منتهى النصفة في الاحتكام إلى هذا الإدراك في ظاهرة لا يعييه إدراكها، وهي في الوقت ذاته ذات دلالة لا تمارى!
والتناسق المطلق الشامل الكامل هو الظاهرة التي لا يخطئها من تدبّر هذا القرآن أبداً .. ومستوياتها ومجالاتها، مما تختلف القول والأجيال في إدراك مداها، ولكن كل عقل وكل جيل يجد منها -بحسب قدرته وثقافته وتجربته وتقواه- ما يملك إدراكه، في محيط يتكيّف بمدى القدرة والثقافة والتجربة، والتقوى!
ومن تمَّ فإن كل أحد، وكل جيل، مخاطب بهذه الآية، ومستطيع -عند التدبّر وفق منهج مستقيم- أن يدرك من هذه الظاهرة (ظاهرة عدم الاختلاف، أو ظاهرة التناسق) ما تهيّئه له قدرته وثقافته وتجربته وتقواه!
وتلك الطائفة في ذلك الجيل كانت تخاطب بشيء تدركه، وتملك التحقّق منه بإدراكها في حدودها الخاصة!
تتجلَّى هذه الظاهرة .. ظاهرة عدم الاختلاف، أو ظاهرة التناسق .. ابتداء في التعبير القرآني من ناحية الأداء وطرائقه الفنيّة .. ففي كلام البشر تبدو القمم والسفوح، التوفيق والتعثّر، القوة والضعف، التحليق والهبوط والرفرفة والثقلة، الإشراق والانطفاء .. إلى آخر الظواهر التي تتجلَّى معها سمات البشر، وأخصّها سمة (التغيّر)، والاختلاف المستمرّ الدائم من حال إلى حال .. يبدو ذلك في كلام البشر، واضحاً عندما تستعرض أعمال الأديب الواحد، أو المفكّر الواحد، أو الفنّان الواحد، أو السياسي الواحد، أو القائد العسكري الواحد .. أو أيّ كان في صناعته، التي يبدو فيها الوسم البشري واضحاً .. وهو:(التغيّر والاختلاف)!
وواضح كل الوضوح أن هذه الظاهرة عكسها هو (الثبات والتناسق)، وهي الظاهرة الملحوظة في القرآن .. ونحن نتحدّث فقط عن ناحية التعبير اللفظي، والأداء الأسلوبي، فهناك مستوى واحد في هذا الكتاب المعجز تختلف ألوانه باختلاف الموضوعات التي يتناولها؛ ولكن يتّحد مستواه وأفقه، بالإضافة إلى الكمال في الأداء بلا تغيّر ولا اختلاف من مستوى إلى مستوى .. وليس كما هو الحال في كل ما يصنع الإنسان!
إنه كتاب يحمل طابع الصبغة الربّانيّة، ويدلّ على الموجود الذي لا يتغيّر من حال إلى حال، ولا تتوالى عليه الأحوال! (1)
وتتجلّى ظاهرة عدم الاختلاف .. والتناسق المطلق الشامل الكامل .. بعد
(1) انظر: التصوير الفني في القرآن الكريم.
ذلك في ذات المنهج الذي تحمله العبارات، ويؤدّيه الأداء .. منهج التربية للنفس البشريّة والمجتمعات البشريّة .. ومحتويات هذا المنهج في جوانبه الكثيرة (1) .. ومنهج التنظيم للنشاط الإنسانيّ للأفراد وللمجتمع الذي يضمّ الأفراد -وشتّى الجوانب والملابسات التي تطرأ في حياة المجتمعات البشريّة على توالي الأجيال- ومنهج التقويم للإدراك البشري ذاته، وتناول شتّى قواه وطاقاته وإعمالها معاً في عمليّة (الإدراك) ومنهج التنسيق بين الكائن الإنسانيّ بجملته -في جميع مجتمعاته وأحواله ومستوياته- وبين هذا الكون الذي يعيش فيه، ثم بين دنياه وآخرته، وما يشتجر في العلاقة بينهما من ملابسات لا تحصى في عالم كل فرد، وفي عالم (الإنسان) وهو يعيش في هذا الكون بشكل عام!
وإذا كان الفارق بين صنعة الله وصنعة الإنسان واضحاً كل الوضوح في جانب التعبير اللفظي والأداء الفنّي، فإنه أوضح من ذلك في جانب التفكير والتنظيم والتشريع .. فما من نظريّة بشريّة، وما من مذهب بشري إلا وهو يحمل الطابع البشري الذي يتسم بجزئيّة النظر والرؤية، والتأثّر الوقتي بالمشكلات الوقتيّة، وعدم رؤية التناقضات في النظريّة أو المذهب أو الخطّة التي تؤدّي إلى الاصطدام بين مكوّناتها -إن عاجلاً وإن آجلاً- كما تؤدّي إلى إيذاء بعض الخصائص في الشخصيّة البشريّة الواحدة التي لم يحسب حساب بعضها، أو في مجموعة الشخصيات الذين لم يحسب حساب كل واحدة منها .. إلى عشرات ومئات من النقائص والاختلافات الناشئة من طبيعة الإدراك البشري المحدود، ومن الجهل البشريّ بما وراء اللحظة الحاضرة، فوق جهله بكل
(1) انظر: منهج التربية الإِسلامية: محمد قطب.
مكوّنات اللحظة الحاضرة -في أيّة لحظة حاضرة- وعكس ذلك كله هو ما يتّسم به المنهج القرآنيّ الشامل الكامل، الثابت الأصول ثبات النواميس الكونيّة، الذي يسمح بالحركة الدائمة -مع ثباته- كما تسمح بها النواميس الكونيّة!
وتدبّر هذه الظاهرة، في آفاقها هذه، قد لا يتسنّى لكل إدراك، ولا يتسنّى لكل جيل؛ بل المؤكد أن كل إدراك سيتفاوت مع الآخر في إدراكها، وكل جيل سيأخذ بنصيبه في إدراكها، ويدع آفاقاً منها للأجيال المترقية في جانب من جوانب المعرفة أو التجربة؛ إلا أنه يتبقى من وراء كل الاختلاف البشري الكثير في إدراك هذه الظاهرة -كاختلافه الكثير في كل شيء- بقيّة يلتقي عليها كل إدراك، ويلتقي عليها كل جيل .. وهي أن هذه الصنعة شيء وصنعة البشر شيء آخر، وأنه لا اختلاف في هذه الصنعة ولا تفاوت. وإنما (وحدة وتناسق) .. ثم يختلف الناس بعد ذلك ما يختلفون في إدراك آحاد وآفاق وأبعاد وأنواع ذلك التناسق! (1)
وإلى هذا القدر الذي لا يخطئه متدبّر -حين يتدبّر- يكل الله تلك الطائفة، كما يكل كل أحد، وكل جماعة، وكل جيل .. وإلى هذا القدر من الإدراك المشترك يكل إليهم الحكم على هذا القرآن، وبناء اعتقادهم في أنه من عند الله، ولا يمكن أن يكون من عند غير الله!
ويحسن أن نقف هنا وقفةً قصيرةً، لتحديد مجال الإدراك البشري في هذا الأمر وفي أمر الدّين كلّه، فلا يكون هذا التكريم الذي كرّمه الله للإنسان بهذا التحكيم، سبيلاً إلى الغرور، وتجاوز الحدّ المأمون، والانطلاق من السياج الحافظ على المضيّ في التّيه بلا دليل!
(1) انظر (خصائص التصوّر الإِسلامي ومقوماته) و (الإِسلام ومشكلات الحضارة) و (هذا الدين).
إن مثل هذه التوجيهات في القرآن الكريم يساء إدراكها، وإدراك مداها. فيذهب بها جماعة من المفكّرين -قديماً وحديثاً- إلى إعطاء الإدراك البشريّ لمملطة الحكم النهائية في أمر الدّين كله، ويجعلون منه ندًّا للشرع، بل يجعلونه هو المسيطر على شرع الله!
الأمر ليس كذلك .. الأمر أن هذه الأداة العظيمة -أداة الإدراك البشري- هي بلا شك موضع التكريم من الله، ومن ثم يكل إليها إدراك الحقيقة الأولى: حقيقة أن هذا الدّين من عند الله، وهناك ظواهر يسهل إدراكها، وهي كافية بذاتها للدلالة، دلالة هذا الإدراك البشريّ ذاته، على أن هذا الدّين من عند الله .. ومتى أصبحت هذه القاعدة الكبيرة مسلّماً بها أصبح من منطق هذا الإدراك ذاته أن يسلم -بعد ذلك- تلقائيًّا بكل ما ورد في هذا الدّين -لا يهمّ عندئذ أن يدرك حكمته الخفيّة أو لا يدركها، فالحكمة متحقّقةٌ حتماً ما دام من عند الله، ولا يهمّ عندئذ أن يرى (المصلحة) متحقّقة فيه في اللحظة الحاضرة .. والعقل البشري ليس ندًّا لشريعة الله، فضلاً عن أن يكون الحاكم عليها؛ لأنه لا يدرك إلا إدراكاً ناقصاً في المدى المحدود، ويستحيل أن ينظر من جميع الزوايا إلى جميع المصالح -لا في اللحظة الواحدة ولا في التاريخ كله- بينما شريعة الله تنظر هذه النظرة، فلا ينبغي أن يكون الحكم فيها، أو في حكم ثابت قطعي من أحكامها موكولاً إلى الإدراك البشري .. وأقصى ما يتطلّب من الإدراك البشري أن يتحرّى إدراك دلالة النصّ وانطباقه، لا أن يتحرّى المصلحة أو عدم المصلحة فيه! فالمصلحة متحقّقة أصل أبو جود النصّ من قبل الله تعالى .. إنما يكون هذا فيما لا نص فيه، مما يجدّ من الأقضية، وهذا جاء بيان المنهج فيه، وهو ردّه إلى الله والرسول .. وهذا هو مجال الاجتهاد الحقيقي، إلى جانب الاجتهاد في فهم
النصّ، والوقوف عنده، لا تحكيم العقل البشريّ في أن مدلوله يحمل المصلحة أو لا يحملها!
إن مجال العقل البشريّ الأكبر يكمن في معرفة نواميس الكون والإبداع في عالم المادة .. وهو ملك عريض!
ويجب أن نحترم الإدراك البشريّ بالقدر الذي أراده الله له من التكريم في مجاله الذي يحسنه، ثم لا نتجاوز به هذا المجال، كي لا نمضي في التّيه بلا دليل، إلا دليلاً يهجم على ما لا يعرف من مجاهد الطريق .. وهو عندئذ أخطر من المضيّ بلا دليل! (1)
ويمضي السياق يصوّر حال طائفة أخرى، أو يصف فعلة أخرى لطائفة في المجتمع:{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)} (النساء)!
والصورة التي يرسمها النص، هي صورة جماعة في المعسكر الإِسلاميّ، لم تألف نفوسهم النظام، ولم يدركوا قيمة الإشاعة في خلخلة المعسكر، وفي النتائج التي تترتّب عليها، وقد تكون قاصمة؛ لأنهم لم يرتفعوا إلى مستوى الأحداث، ولم يدركوا جدّية الموقف، وأن كلمة عابرة وفلتة لسان، قد تجرّ من العواقب على الشخص ذاته، وعلى جماعته كلها ما لا يخطر له ببال، وما لا يتدارك بعد وقوعه بحال، أو ربما لأنهم لا يشعرون بالولاء الحقيقي الكامل لهذا المعسكر، وهكذا لا يعنيهم ما يقع له من جراء أخذ كل شائعة، والجري بها هنا
(1) انظر: خصائص التصور الإِسلامي ومقوماته: الربانية، والثبات، والتوازن!
وهناك وإذاعتها حين يتلقّاها لسان عن لسان، سواء كانت إشاعة أمن أو إشاعة خوف .. فكلتاهما قد يكون لإشاعتها خطورة مدمّرة!، فإن إشاعة أمر الأمن مثلاً في معسكر متأهّب مستيقظ متوقّع لحركة من العدو .. إشاعة أمر الأمن في مثل هذا المعسكر تحدث نوعاً من التراخي -مهما تكن الأوامر باليقظة- لأن اليقظة النابعة من التحفّز للخطر غير اليقظة النابعة من مجرّد الأوامر! .. وفي ذلك التراخي قد تكون القاضية!
كذلك إشاعة أمر الخوف في معسكر مطمئن لقوّته، ثابت الأقدام بسبب هذه الطمأنينة، قد تحدث إشاعة أمر الخوف فيه خلخلة وارتباكاً، وحركات لا ضرورة لها لاتقاء مظان الخوف .. وقد تكون كذلك القاضية!
وعلى أيّة حال فهي سمة المعسكر الذي لم يكتمل نظامه، أو لم يكتمل ولاؤه لقيادته، أو هما معاً .. ويبدو أن هذه السمة وتلك كانتا واقعتين في المجتمع المسلم حينذاك، باحتوائه على طوائف مختلفة المستويات في الإيمان، ومختلفة المستويات في الإدراك، ومختلفة المستويات في الولاء .. وهذه الخلخلة هي التي كان يعالجها القرآن بمنهجه الرباني!
والقرآن يدلّ الجماعة المسلمة على الطريق الصحيح: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} !
أي لو أنهم ردّوا ما يبلغهم من أنباء الأمن أو الخوف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إن كان معهم، أو إلى أمرائهم المؤمنين، لعلم حقيقته القادرون على استنباط هذه الحقيقة، واستخراجها من ثنايا الأنباء المتناقضة، والملابسات المتراكمة!
فمهمة الجندي في الجيش المسلم، الذي يقوده أمير مؤمن -بشرط الإيمان ذاك وحدّه- حين يبلغ إلى أذنيه خبر أن يسارع فيخبر به نبيّه أو أميره، لا أن ينقله
ويذيعه بين زملائه، أو بين من لا شأن لهم به؛ لأن قيادته المؤمنة هي التي تملك استنباط الحقيقة، كما تملك تقدير المصلحة في إذاعة الخبر- حتى بعد ثبوته أو عدم إذاعته!
وهكذا كان القرآن يربّي .. فيغرس الإيمان والولاء للقيادة المؤمنة، ويعلم نظام الجنديّة في آية واحدة .. بل بعض آية .. فصدر الآية يرسم صورةً منفرةً للجنديّ وهو يتلقّى نبأ الأمن أو الخوف، فيحمله ويجري متنقّلاً، مذيعاً له، من غير تثبّت، ومن غير تمحيص، ومن غير رجعة إلى القيادة .. ووسطها يعلم ذلك التعليم .. وآخرها يربط القلوب بالله في هذا، ويذكرها بفضله، ويحركها إلى الشكر على هذا الفضل، ويحذّرها من اتباع الشيطان الواقف بالمرصاد، الكفيل بإفساد القلوب لولا فضل الله ورحمته:{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)} !
آية واحدة تحمل هذه الشحنة كلها، وتتناول القضيّة من أطرافها، وتتعمّق السريرة والضمير، وهي تضع التوجيه والتعليم! ذلك أنه من عند الله {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)} !
وحين يصل السياق إلى هذا الحدّ من تقويم عيوب الصفّ، التي تؤثّر في موقفه في الجهاد وفي الحياة -ومنذ أول الدرس وهذا التقويم مطرد لهذه العيوب- عندئذ ينتهي إلى قمّة التحضيض على القتال الذي جاء ذكره في ثنايا الدرس .. قمة التكليف الشخصي، الذي لا يُقعد الفردَ عنه تبطئة ولا تخذيل، ولا خلل في الصف، ولا وعورة في الطريق، حيث يوجه الخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقاتل -ولو كان وحيداً- فإنه لا يحمل في الجهاد إلا تبعة شخصه صلى الله عليه وسلم، وفي الوقت ذاته يحرّض المؤمنين على القتال .. وكذلك يوحي
إلى النفس بالطمأنينة ورجاء النصر: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (84)} !
معالم في الطريق:
ومن خلال هذه الآية -بالإضافة إلى ما قبلها- تبرز لنا معالم كثيرة في طريق الجماعة المسلمة يومذاك، كما تبرز معالم كثيرة في النفس البشريّة في كل حين:
المعلم الأول:
يبرز لنا مدى الخلخلة في الصف المسلم، وعمق آثار التبطئة والتعويق والتثبيط فيه، حتى لتكون وسيلة الاستنهاض والاستجاشة، هي تكليف النبي صلى الله عليه وسلم أن يقاتل في سبيل الله -ولو كان وحده- ليس عليه إلا نفسه، مع تحريض المؤمنين، غير متوقّف مُضيه في الجهاد على استجابتهم أو عدم استجابتهم! ولو أن عدم استجابتهم -جملة- أمر لا يكون، ولكن وضع المسألة هذا الوضع يدلّ على ضرورة إبراز هذا التكليف على هذا النحو، واستجاشة النفوس له هذه الاستجاشة، فوق ما يحمله النصّ من حقيقة أساسيّة ثابتة في التصوّر الإِسلاميّ، وهي أن كل فرد لا يكلّف إلا نفسه!
المعلم الثاني:
كما يبرز لنا مدى المخاوف والمتاعب في التعرّض لقتال المشركين يومذاك .. حتى ليكون أقصى ما يعلّق الله رجاء المؤمنين: أن يتولّى هو سبحانه كفّ بأس الذين كفروا، فيكون المسلمون ستاراً لقدرته في كفّ بأسهم عن المسلمين .. مع إبراز قوّة الله سبحانه، وأنه {أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (84)} !
وإيحاء هذه الكلمات واضح عن قوّة بأس الذين كفروا يومذاك، والمخاوف المبثوثة في الصفّ المسلم .. وربما كان هذا بين (أُحُد) و (الخندق) عن قوّة بأس الذين كفروا -كما سيأتي- وأحرج الأوقات التي مرّت بها الجماعة المسلمة في (المدينة)، بين المنافقين، وكيد اليهود (1)، وتحفّز المشركين، وعدم اكتمال التصوّر الإِسلامي ووضوحه وتناسقه بين المسلمين!
المعلم الثالث:
كذلك تبرز لنا حاجة النفس البشريّة، وهي تدفع إلى التكاليف التي تشقّ عليها، إلى شدّة الارتباط بالله وشدّة الطمأنينة إليه، وشدّة الاستعانة به، وشدّة الثقة بقدرته وقوّته .. فكل وسائل التقوية غير هذه لا تجدي، حين يبلغ الخطر قمته .. وهذه كلها حقائق نبصرها في المنهج الرباني .. والله هو الذي خلق هذه النفوس، وهو الذي يعلم كيف تربّى، وكيف تقوّى، وكيف تستجيب!
زلزال شديد:
ومعلوم أن الشخصيّة المسلمة تصاغ في معترك الحياة ومصطرع الأحداث (2)، ويوماً بعد يوم، وحدثاً بعد حدث تنضج وتنمو، وتتضح سماتها .. و (الجماعة المسلمة) تبرز إلى الوجود بمقوّماتها الخاصّة، وقيمها الخاصّة، وطابعها المميّز بين سائر الجماعات!
وكانت الأحداث تشتدّ على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحياناً درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب -كما أسلفنا- تفصل بين الجوهر الأصيل
(1) انظر كتابنا: "الرسول صلى الله عليه وسلم واليهود وجهاً لوجه" أربعة أجزاء.
(2)
السابق: 5: 2831 وما بعدها بتصرف.
والزَبَد الزائف، وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطاً مجهول القيم!
وكان القرآن الكريم يتنزّل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصوّر الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر .. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار .. ويلمس فيها مواضع التأثّر والاستجابة، ويربيّها يوماً بعد يوم، وحادثاً بعد حادث، ويرتّب تأتّراتها واستجاباتها وفق منهجه الرباني!
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزّل بالأوامر والنواهي وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة، إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات، فقد علم الله أن هذه الخليقة البشريّة لا تصاغ صياغةً سليمةً، ولا تنضج نضجاً صحيحاً، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبيّة الواقعيّة، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب. وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث!
إنه يتنزّل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته، وليوجه تلك القلوب وهي منصهرةٌ بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة!
ولقد كانت فترة عجيبة حقًّا، تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم .. فترة اتصال السماء بالأرض اتصالاً مباشراً، مبلوراً في أحداث وكلمات .. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه، وأن كلّ كلمة منه وكلّ حركة، بل كلّ خاطر وكلّ نيّة، قد
يصبح مكشوفاً للناس، يتنزّل في شأنه قرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وحينئذ كان كل مسلم يحسن الصلة المباشرة بينه وبين ربّه، فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غداً أو بعد غد ليتنزّل منها حلّ لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه .. وحينئذ كان الله بذاته العلية يقول: أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا، وأضمرت كذا، وأعلنت كذا، وكن كذا، ولا تكن كذا .. ويا له من آمر هائل عجيب! .. يا له من أمر هائل عجيب أن يوجّه الله خطابه المعيّن إلى شخص معين .. هو وكل من على هذه الأرض وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض ذرّة صغيرة في ملك الله الكبير!
لقد كانت فترة عجيبة حقًّا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصوّر حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع أضخم من كل خيال!
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيّهم، وتنضج شخصيّتهم المسلمة، بل أخذهم بالتجارب الواقعيّة، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي، وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)} (الملك)!
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلاً، ندركها ونتدبّرها، ونتلقّى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير!
ولنا حديث خاص عن (غزوة الأحزاب) نذكر فيه كيف كان الامتحان لـ (الجماعة المسلمة) الناشئة، وتذكير المؤمنين بنعمة الله عليهم في ردّ الجيش الذي همّ أن يستأصلهم، لولا عون الله وتدبيره اللطيف، قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (17)} (الأحزاب)!
وهنا نبصر القيم الثابتة، والسنن الباقية، التي لا تنتهي بانتهاء الحادث، ولا تنقطع بذهاب الأشخاص، ولا تنقضي بانقضاء الملابسات .. ومن ثم تبقى قاعدةً ومثلاً لكل جيل ولكل قبيل .. ونبصر ربط المواقف والحوادث بقدر الله المسيطر على الأحداث والأشخاص .. ونبصر الكشف عن سراديب النفوس ومنحنيات القلوب ومخبّات الضمائر، والأسرار والنوايا والخوالج المستكنّة في أعماق الصدور.
ونبصر القرآن مُعدًّا للعمل في كل وسط بعد ذلك، وفي كل تاريخ .. معدًّا للعمل في النفس البشريّة كلّما واجهت مثل ذلك الحادث أو شبهه في الآماد الطويلة، والبيئات المنوّعة عبر التاريخ!
ونبصر تحوّل النصوص القرآنيّة إلى قوى وطاقات .. تعمل في واقع الحياة، وتدفع إلى حركة حقيقية في عالم الضمير!
إن هذا القرآن ليس كتاباً للتلاوة ولا للثقافة .. وكفى .. إنما هو رصيد من الحيوية الدافعة، وإيحاء متجدّد في المواقف والحوادث! ونصوصه مهيّأة للعمل في كل لحظة، متى وجدت القلب الذي يتعاطف معه ويتجاوب، ووجد الظرف الذي يطلق الطاقة المكنونة في تلك النصوص ذات السرّ العجيب!
وإن الإنسان ليقرأ النصّ القرآني مئات المرّات، ثم يقف الموقف، أو يواجه الحادث، فإذا النصّ القرآنيّ جديد، يوحي إليه بما لم يودع من قبل قطّ، ويجيب على السؤال الحائر ويفتي في المشكلة المعقّدة، ويكشف الطريق الخافي، ويرسم الاتجاه المقاصد، ويفيء بالقلب إلى اليقين الجازم في الأمر الذي يواجهه، وإلى الاطمئنان العميق!
وليس ذلك لغير القرآن في قديم ولا حديث!
وفي الآيات التي معنا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9)} ! نبصر بدء المعركة وختامها، والعناصر الحاسمة فيها .. مجيء جنود الأعداء، وإرسال الريح .. والجنود التي لم يرها المؤمنون، ونصر الله المرتبط بعلم الله بهم، وبصره بعملهم .. ثم يأخذ بعد هذا الإجمال في التفصيل والتصوير:{إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13)} !
إنها صورة الهول الذي روّع المدينة، والكرب الذي شملها، والذي لم ينج منه أحد من أهلها .. وقد أطبق عليها المشركون من قريش وغطفان، واليهود من بني قريظة، من كل جانب، من أعلاها ومن أسفلها، فلم يختلف الشعور بالكرب والهول في قلب عن قلب، وإنما الذي اختلف هو استجابة تلك القلوب، وظنّها بالله، وسلوكها في الشدّة، وتصوّراتها للقيم والأسباب والنتائج .. ومن ثم كان الابتلاء كاملاً، والامتحان دقيقاً، والتمييز بين المؤمنين والمنافقين حاسماً لا تردّد فيه!
وننظر اليوم فنرى الموقف بكل سماته، وكل انفعالاته، وكل خلجاته. وكل حركاته، ماثلاً أمامنا، كأننا نراه من خلال هذا النصّ القصير!
ننظر فنرى الوقف من خارجه: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} !
ثم ننظر فنرى أثر الوقف في النفوس: {وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} !
وهو تعبير مصوّر لحالة الخوف والكربة والضّيق، يرسمها بملامح الوجوه وحركات القلوب:{وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10)} !
ولا يفصّل هذه الظنون، ويدعها مجملة ترسم حالة الاضطراب في المشاعر والخوالج، وذهابها كل مذهب، واختلاف التصوّرات في شتّى القلوب!
ثم تزيد سمات الوقف بروزاً، وتزيد خصائص الهول فيه وضوحاً:{هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11)} !
والهول الذي يزلزل المؤمنين لابدّ أن يكون هولاً مروّعاً رعيباً!
ولقد كان أشدّ الكرب على المسلمين، وهم محصورون بالمشركين داخل الخندق، ذلك الذي كان يجيئهم من انتقاض بني قريظة عليهم من خلفهم، فلم يكونوا يأمنون في أيّة لحظة أن ينقض عليهم المشركون من الخندق، وأن تميل عليهم يهود، وهم قلّة بين هذه المجموع، التي جاءت بنيّة استئصالهم في معركة حاسمة أخيرة!
ذلك كله إلى ما كان من كيد المنافقين والمرجفين في المدينة وبين الصفوف: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12)} !
فقد وجد هؤلاء في الكرب المزلزل، والشدّة الآخذة بالخناق فرصةً للكشف عن خبيئة نفوسهم وهم آمنون من أن يلومهم أحد، وفرصة للتوهن والتخذيل وبثّ الشكّ والرّيبة في وعد الله ووعد رسوله، وهم مطمئنون أن يأخذهم أحد بما يقولون، فالواقع بظاهره يصدّقهم في التوهن والتشكيك .. وهم مع هذا منطقيّون مع أنفسهم ومشاعرهم، فالهول قد أزاح عنهم ذلك الستار الرقيق من التجمّل، وروع نفوسهم ترويعاً لا يثبت له إيمانهم المهلهل! فجهروا بحقيقة ما يشعرون غير مبقين ولا متجمّلين!
ومثل هؤلاء المنافقين والمرجفين قائمون في كل جماعة، وموقفهم في الشدّة هو موقف إخوانهم هؤلاء، فهو نموذج مكرّر في الأجيال والجماعات على مدار الزمان:{وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13)} !
ونبصر صورة نفسيّة لهؤلاء المنافقين والذين في قلوبهم مرض .. صورة
نفسيّة داخليّة لوهن العقيدة، وخور القلب، والاستعداد للانسلاخ من الصفّ بمجرّد مصادفة، غير مبقين على شيء، ولا متجمّلين لشيء:{وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14)} !
هكذا يكشفهم القرآن، ويقف نفوسهم عارية من كل ستار .. ثم يصمهم بعد هذا بنقض العهد، وخلف الوعد، ومع من؟ مع الله الذي عاهدوه من قبل على غير هذا، ثم لم يراعوا معِ الله عهداً:{وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15)} !
ويقرّر القرآن إحدى القيم التي يقرّرها في أداتها، ويصحح التصوّر الذيِ يدعوهم إلى نقض العهد والفرار:{قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (17)} !
إن قدر الله هو المسيطر على الأحداث والمصائر، يدفعها في الطريق المرسوم، وينتهي بها إلى النهاية المحتومة، والموت أو القتل قدر لا مفرّ من لقائه، في موعده، لا يستقدم لحظة ولا يستأخر .. ولن ينفع الفرار في دفع القدر المحتوم عن فارّ، فإذا فرّوا فإنهم ملاقون حتفهم المكتوب، في موعده القريب، وكل موعد في الدنيا قريب، وكل متاع فيها قليل، ولا عاصم من الله ولا من يحول دون نفاذ مشيئته، سواء أراد بهم سوءاً أم أراد بهم رحمة، ولا مولى لهم ولا نصير، من دون الله، يحميهم ويمنعهم من قدر الله!
فالاستسلام الاستسلام، والطّاعةَ الطّاعةَ، والوفاءَ الوفاء بالعهد مع الله، في السرّاء والضرّاء، ورجع الأمر إليه، والتوكّل الكامل عليه!!!
مناجاة في ليلة القدر:
ويطيب لي أن أقدّم هذه المناجاة للأخ العلاّمة الدكتور يوسف القرضاوي، الذي عرفته منذ منتصف الأربعينيات من القرن الماضي وصحبته في أشدّ المحن في السجن الحربي عام 1954 - 1956 م، كما صحبته في المحاكمة الظالمة عام 1955 م. وقد نظم هذه القصيدة ليلة 27 رمضان عام 1369 هـ - 1949 م بمعتقل الطور!
وكان ختامها دعوات ومناجاة إلى الله سبحانه .. وفرّج الله الكرب .. وسقطت وزارة إبراهيم عبد الهادي، وجاء العيد حاملاً معه البشرى، وبدأ الإفراج عن الدعاة المعتقلين!
والقصيدة طويلة .. منها ما يحفظه الأخ الداعية القرضاوي، وهي:(1)
عشقتها فاسترقّت قلبي العاني
…
فقمت أعزف فيها عذب ألحاني
سمّوه شعراً وإِنّي لا أراه سوى
…
آهات قلبي وإِحساسات وجداني
* * *
يا ليلة زانها ربّي وشرّفها
…
تنزيله في دجاها نور قرآنِ
(1) نفحات ولفحات: 38 - 40.
دستورُ حق وتشريع وتربية
…
يبقى وإِن زال هذا العالم الفاني
ربَّى رجالاً مغاوير اهتدوا وغزوا
…
إِن الرجولة من نور ونيرانِ
أمسى بلال به من ذلّة ملكاً
…
وصار سلمان شيئاً غير سلمانِ!
لله فتيان حق لو رأيت فتىً
…
منهم ترى ملكاً في زيّ إِنسانِ!
فمن يداني أبا حفصٍ وصاحبه؟
…
ومن يداني عليًّا وأين عفّانِ؟!
هذا الكتاب غدا في الشرق وا أسفاً
…
شمساً تضيء ولكن بين عُميانِ!
يحاط بالطفل حرزاً من أذىً وردىً
…
وفيه حرز الورى من كل خسرانِ!
يُتلى على ميِّتٍ في جوف مقبَرةٍ
…
وليس يحكم في حيٍّ بديوانِ!
فكيف نرقى ومعراج الرّقِيِّ لنا
…
أمسى يُجَرُّ عليه ذيل نسيانِ؟!
* * *
يا ليلة السِّلم والإِسلام معذرة
…
فالسِّلم في مصر والإِسلامُ لفظانِ
أين السلام؟ أروني أين موضعه
…
قد ضاع ضيعة يُتْمٍ بيبن خُوَّانِ!
أين الدساتير فانظرها معلّقة
…
مثل التمائم في أحضان صبيانِ!
أين الحقوق ولم نلمح لها صوراً
…
إِلا سياطاً كأذناب لثيرانِ!
* * *
نحن النجوم تزين الكونَ طلعتُنا
…
ويهتدي بسنانا كل حيرانِ
نحن النجوم فلا تعجب إِذا انطلقت
…
منّا رجومٌ أخافتْ كل شيطانِ
قالوا اسجنوا واغمروا الأقسام واعتقلوا
…
فجمّعونا على حبٍّ وإِيمانِ
وصادروا ما لنا من جهلهم ونسوا
…
أن يحجروا رزق رزّاق ورحمانِ
وأسرفوا وعَلوْا في الأرض واضطهدوا
…
وعُكِّر النّيلُ من هاماته الثاني
وعذّبوا كي يُذِلوا أنفساً طَمحتْ
…
وعزَّت النفس أن تعنو لسلطانِ
والليث لن تحني الأقفاص هامته
…
وإِن تحكّم فيه ألف سجّانِ
* * *
يا ربِّ إِن الطّغاة استكبروا وبَغَوْا
…
بَغْيَ الذِّئاب على قطعان حُملانِ
يا ربِّ كم يوسفٍ فينا تَقِيِّ يدٍ
…
دانوه بالسّجن والقاضي هو الجاني!
يا ربِّ كم صبيٍّ صفّدوا فمضى
…
يبكي كضفدعة في ناب ثعبانِ!
يا ربِّ كم أسرةٍ باتت مشرّدة
…
تشكو تَجَبُّر فرعون وهامانِ!
يا ربِّ رُحْمَاك انجزْ ما وعدت به
…
وانصر فنصرك من أهل الهُدى دانِ!
* * *
الله والطاغوت:
وتحت هذا العنوان قال الأخ الداعية الشاعر (محمد منلا غزيل): (1)
تاه الدليل! فلا تعجب إِذا تاهوا
…
أو ضيّع الركب أشباح وأشباهُ
تاه الدليل! فلا تعجب إِذا تركوا
…
قصد السبيل وحادوا عن سجاياهُ
تاه الدليل! فلا تعجب إِذا انحرفوا
…
عن الصراط لِلات الشِّرك عُزّاهُ!
والشّعر إِن لم تلح في التّيه جذوته
…
نوراً مبيناً فلا كانت عطاياهُ
إن لفّه الصمت في أكفانه أمداً
…
أو ضمّه الرّمز حيناً في حناياهُ
فالحرف مازال يُذكي وهج شُعلته
…
وقْع الصّراع فيؤتي بعض نجواهُ
هيهات يخبو سنا التّبيان مذ صبغت
…
آيُ الكتاب بلون الحقّ معناهُ
(1) ديوان اللؤلؤ المكنون: 123، وشعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث: 3: 91 - 94.
هيهات ترضي ظلال الزّيف صبغته
…
هيهات يعنو لأغلال حناياهُ
يسمو تضيء له الآيات وجهتَه
…
ويستطير السّنا في أفق مرقاهُ
وكم بدت في الدّجى العاتي كنانته
…
تُرمى بسهم أصاب الليل أصماهُ
* * *
يا ربّ! هيّء لنا من أمرنا رشداً
…
يهدي السبيل فإِنا قد أضعناهُ
وها هو الشرك في أرجاء بقعتنا
…
شركٌ بواحٌ وما انفكّت خفاياهُ!
وا أمّة أخرجت للناس أثخنها
…
مكر العدوّ فكانت من مطاياهُ!
إِن العدوّ هو الطاغوت فانعتقي
…
من كيد (إِبليس) إِن المكر إِيّاهُ!
إِن السبيل سبيل الله فانطلقي
…
نحو الجهاد وخوضي غمر دنياهُ
تبَّت يدا مترفيها ضلّ سعيهم
…
فكيف يطغى عليك المال والجاهُ؟!
* * *
يا إِخوة الدّرب نعم الدّين آصرة
…
للمؤمنين ونعم الحبل أقواهُ
تلك السبيل فلا تنسوا معالمها (1)
…
ولتحذروا أن تضلّوا إِثر من تاهوا!
منهاجنا (الدّين) والتوحيد صبغته
…
والعدل شرعته الكبرى ومبناه
هيهات ترضى بأوثان عقيدته
…
والحق خالصه فيها وأبقاهُ
هيهات ترضى بطغيان شريعته
…
وما علمتُ تقرُّ الظّلم (شوراهُ)!
والفجر مازال وجه الفجر يحجبه
…
وجه الضباب وتخفيه طواياهُ
كم حاول الكيد مسعوراً ليطمسه
…
عَبر الضّلوع فلم يظفر بمسعاهُ
(1) يشير إلى كتاب الشهيد سيد قطب (معالم في الطريق)!
غداً تطلّ على الدنيا طلائقهُ
…
غلاّبةً يا لبشرانا بلقياهُ
قد يزحف الصّفّ مرصوص الكيان غداً
…
يشتدّ بنيانه يمتدّ ركناهُ
إِن طاف في الأرض قلبي في مناكبهما
…
يستقبل التّيه بالإشراق يلقاهُ
فما أحسّ بغير الفجر مؤذنةً
…
أذيالُه يزدهي بالنصر عطفاهُ
يا أيها الليل لن تقوى على أمل
…
عبر الحنايا بإِذن الله نحياهُ
يا أيّها التّيه لن تقوى على قبسٍ
…
من جانب الطور بالحق اقتبسناهُ
يا أيّها الغيّ لن تقوى على رشد
…
في عمق أعماقنا الفرقان آتاهُ
غداً نخوض الوغى تترى كتائبنا
…
ويزهق الباطل الباغي ودعواهُ
غداً سيطوى الهُدى طغيان (قيصره)
…
وتنطفي بالهدى نيران (كسراهُ)!
الكافرون هوى الطاغوت منهجهم
…
والقاصدون الهدى يهديهم اللهُ!
* * *
شظايا من الإيمان:
وقال تحت هذا العنوان: (1)
بعقيدتي بالحق بالإِيمان يعصف في دمي
بالنور بالإِعصار جيّاشاً بوهج الأنجمِ
بالرّوح تزخر بالهُدى بهُدى النبيّ الأعظمِ
بسنا القلوب الظامئات إِلى اللقاء الملهمِ
سيزول ليل الظالمين وليل بغي مجرمِ
سيزول بالنور الظلام ظلام عهد معتمِ
والباطل المنهار فوق دعاة ليل مظلمِ
وسيشرق الفجر المبين ويرتوي القلب الظمي
والدعوة السمحاء تزحف بالهُدى والبلسمِ
بشريعة الله العظيم وبالنظام المحكمِ
بشريعة القرآن دستور الحياة الأكرمِ
(1) مجلة الشهاب السوريّة: 25، 26، عام 1384 هـ، وشعراء الدعوة الإِسلامية في العصر الحديث: 3: 95 - 97.
بالنعمة الكبرى من الربِّ الرحيم المنعمِ
أنا مؤمن بالنصر للإِسلام للنهج السويّ الأقومِ
أنا مؤمن بالنصر للإِيمان للوعي الأبيّ السلمِ
* * *
أنا مؤمن بالزاحف المهدار يجتاح الحنايا
أنا مؤمن بالحقّ بالإِعصار يعصف بالشّظايا
أنا مؤمن بالصبر يهزأ بالخطوب وبالرزايا
أنا مؤمن بالحق يصرع باطلاً ظلم الرعايا
أنا مؤمن بالمجد نزرع دربه أبداً ضحايا
بكتيبة التوحيد يسطع نورها بين البرايا
علويّة المنهاج ربانيّة يا للمزايا
أنا مؤمن وتموج في الأعماق دنيا من رؤايا
فتفجر القمم الظماء دورب مجدٍ أو منايا
وتثور بالشعل الوضاء فيستقي منها غنايا
والآخرون تنكّروا للنور وانتظموا (مطايا)
للشرق أو للغرب يا للعار ويل للمطايا
راموا انطفاء النور نور الله سحقاً للنوايا
هذا لهيب الشِّعر يحرق زيفها يا للشظايا
سحقت ضلال الملحدين وأخرست صوت الدنايا
أنا مؤمن بالحق نزرع دربه أبداً ضحايا
* * *
أنا مؤمن بالزاحف الوضاء عبر الكوّةِ
أنا مؤمن بالحق بالنصر المبين لدعوتي
وبحسب أفئدة تموج بلهفة لله طهر اللهفةِ
وبحسب أفئدة بنجواها لرب الناس أعظم نشوة
وبحسب أفئدة وعَت معنى الفدا والعزّةِ
وبحسب أفئدة رأت في السجن أصدق خلوةِ
فبحسبها الوضاء يزحف رغم أنف الظلمةِ
ليمزّق الطغيان شرّ ممزّق بالحقّ يا للقوّةِ
ويزفّها للأمّة الظمأى شفاء الغلّةِ
سنعيدها غرّاء إِسلامية يا أمّتي
لا الشرق تعرفه ولا الغرب اللئيم الشّرةِ
أنا مؤمن يا أمة الإِسلام تملأ مهجتي
نبضات أمجاد توحّد خافقي للكعبةِ
وتبثّ في الوجدان والأعماق أطهر نفحةِ
فتفيض في الأصداء والأشعار أطهر نغمةِ
بشريعة القرآن تحكم رغم أنف الشهوة
سنعيدها غرّاء إِسلاميّة يا إِخوتي
أنا مؤمن بالفجر يزحف رغم أنف الظلمةِ
بالغد بالفجر المضيء بفجر هذي الدعوةِ
بشريعة القرآن تحكم رغم أنف الثورةِ
* * *
جمعنا الله في مستقر رحمته إخواناً على سرر متقابلين، آمين آمين آمين!
* * *
الهجرة إلى الحبشة
الهجرة إلى الحبشة
• أول هجرة في الإِسلام
• السابقون إلى الإِسلام
• مكانة السابقين
• غيظ قريش وحنقها
• إشارة الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة
• هجرة تبليغ الرسالة
• البعد عن مواطن الفتنة
• البعد عن إثارة المعوقات في طريق الرسالة
• تخفيف الأزمات النفسية
• إفساح طريق التبليغ
• سجل المهاجرين
• حكمة سياسة الاستسرار
• سفارة المشركين إلى النجاشي
• سياسة تبليغ الدعوة
• إخفاق سفارة المشركين
• تملك النجاشي على الحبشة
• إسلام النجاشي
• عالميّة الدعوة الإِسلاميّة
• مكانة المرأة المسلمة
• عودة المهاجرين إلى المدينة
• هجرة مواجهة واختبار
الهجرة إلى الحبشة
أول هجرة في الإِسلام:
سبق أن عرفنا كيف كانت الحياة في مكّة جهاداً للنفس، وصبراً على الأذى .. ومع ذلك مضت الدعوة إلى الله تشقّ طريقها الصعب، بين قبائل قريش رجالاً ونساءً، وقريش تحبس من قدرت على حبسه. وتعذّب من استطاعت تعذيبه!
ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سنتين من الجهر بالدعوة أن الجاهليّة ماضية في عنفها واضطهادها وتعذيبها، مصمّمة على استخدام كل أسلوب لوقف الدعوة الإِسلاميّة، وهي بعد في المهد!
وهنا أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يمنح المضطهدين فترةً من الوقت، يستردّون فيها أنفاسهم، ويعودون ثانيةً إلى ساحة الصراع وهم أقدر وأصلب .. وعسى الله أن يجعل بعد عسر يسراً، فأشار عليهم بالهجرة إلى الحبشة!
روى ابن إسحاق وغيره (1): فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يُصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله، ومن عمه أبي طالب،
(1) ابن هشام: 1: 397 معلقاً، والبيهقي: الدلائل: 2: 283 من طريق موسى بن عقبة، ولم يسمّ من حدثه، والطبري: التاريخ من طريق ابن إسحاق: 2: 230 - 331 قال الذهبي: السيرة: ورواه يحيى بن أبي طالب عن بشار عن عبد الله بن إدريس، ثنا ابن إسحاق، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن وعروة وعبد الله بن أبي بكر وصل الحديث عن أبي بكر عن أم سلمة قالت: وذكر الحديث، قال البغوي: تاسع المخلصيات: وروى ابن عوف عن عمير بن إسحاق عن عمرو بن العاص بعض هذا الحديث: السيرة للذهبي: 183 - 184 فيكون صحيحاً بالسند الذي ذكره الذهبي!
وأنه لا يقدر على أن يمنعهم ممّا هم فيه من البلاء، قال لهم:"لو خرجتم إِلى أرض الحبشة، فإِن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه" فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفراراً إِلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة كانت في الإِسلام!
ويروي أحمد عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلاً، قال في المواهب اللدنية: ثم أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة إِلى الحبشة، وذلك في رجب سنة خمس من النبوة" (1).
وهذا موافق لقول ابن إسحاق من أن وقوع الهجرة الأولى قبل المقاطعة وذلك خلافاً لموسى بن عقبة! (2).
السابقون إلى الإِسلام:
ومعلوم أن السابقين إلى الإِسلام من الأوّلين، لم يكونوا كلّهم ولا أكثرهم من الضعفاء والأرقّاء والفقراء، وحواشي بيوتات مكّة، وأتباعها الملتقطين فتات موائدها -كما شُهر ذلك على ألسنة وأقلام السطحيّين من الباحثين- بل كانوا في كثرتهم الكاثرة من صميم أبناء بيوت قريش وبطونها، وعِلْيَة شبابها! (3)
وهم معروفون بأسمائهم وأنسابهم، وبيوتهم وقبائلهم، فما شُهر من أن
(1) فتح الباري: 7: 188، والفتح الرباني: 20: 225.
(2)
انظر: ابن هشام: 1: 430، وابن كثير: البداية: 3: 74.
(3)
محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 5 وما بعدها بتصرف.
الذين سبقوا إلى الإيمان بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتابعته على دينه، وتصديق رسالته، كانوا الأرقّاء والموالي، والمستضعفين والمحرومين كلام لا تحقيق فيه، فلا يصحّ أن يؤخذ على إطلاقه -اغتراراً بما فيه من بريق مناصرة الإِسلام للضعفاء، وتخليص الأرقّاء من رق العبوديّة الظالمة، وتحرير الفقراء من أغلال الاستغلال الاجتماعيّ الجائر- تأثراً بالمذاهب الاجتماعيّة الضالة الفاسدة التي غرّرت بطوائف الشّعب الغرّيرة الكادحة تحت اسم (العمال والمحرومين)، وأقاموا على دعائم هذا التغرير الخبيث الماكر الثورات الاجتماعيّة الخادعة الشرّيرة المفسدة الملحدة، متمثّلةً في الشيوعيّة الفاجرة التي تسوق الشعوب بسياط من بشاعة القسوة والعذاب الذي لا يطاق!
فهذا وإن كان في واقع الإِسلام ومبادئه وشرائعه التي أنزلها الله لتحقيق العدالة الاجتماعيّة، ونصرة المظلوم، وإتاحة العيش الكريم لكل إنسان على أرض الله، ولكنه ليس هو واقع السابقين الأوّلين من طلائع المؤمنين بدعوة الإِسلام الذين أسلموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستجابوا له أوّل من استجاب لدعوته، فكانوا أوّل من آمن برسالته واهتدوا بهديه، وكانوا اللبنات الأولى في بناء صرح هذا (الدين القيّم) دين الإِسلام!
وليس هو واقع الإِسلام في هدايته العامّة التي جاءت لهداية الإنسانيّة كلها، وتحريرها من ربقة الشرك والوثنيّة، وإدخالها في حظيرة التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبوديّة الخالصة، وتخليصها من ذلّ الظلم الاجتماعيّ الذي فرضه عليها حفنة من الطغاة الظالمين، فساقوها بسياط الظلم إلى مهاوي العبوديّة لهم، ولما في أيديهم من حطام الدنيا!
فهذا رأي -على شهرته- مدخول، وضعه من يريد أن يقول إن الإِسلام
يتملّق الضعفاء والأرقّاء والمحرومين، ليستنصر بهم في نشر دعوته، ويخلّصهم من الاستعباد الاجتماعي، فكانوا أسرع استجابة لدعوته، وأشدّ إقبالاً على اعتناقه!
فلا يصح أن يغفل الذين يكتبون عن صدارة الإِسلام وطلائعه عن لهذه الدخيلة المغلّفة بالبريق في هذا الرأي، ولا يصح أن نُسلّم لقائلها إلا بعد النظر فيها نظرةً فاحصةً، تتبيّن بها دوافعه الاجتماعيّة، وعوامله السياسيّة في سير الدعوة، مما أدى بكثير من كتاب السيرة النبوية قديماً وحديثاً إلى الإيمان بهذه القضيّة المشهّرة، التي يردّها واقع التاريخ، وحقائق الأحداث التي احتفت بها!
مكانة السابقين:
بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً إلى العالمين، وأمره بالإنذار العام -كما عرفنا- في قوله جلّ شأنه:{قُمْ فَأَنْذِرْ (2)} (المدثر).
فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر ربّه، لا يُبالي بما يلقاه من شديد الأذى، وفادح البلاء، لا يتّقي أحداً من الناس!
ورأى صلى الله عليه وسلم بتسديد الله وتوفيقه، وحكمة توجيه دعوته في سيرها، وتبليغ رسالته -كما أسلفنا- أن لا يبادي قومه بعداوة، وأن لا يُعلن إليهم دعوته في أول خطواتها، وهو وحيد منفرد في قومه، ليس معه من ينصره منهم، ولا من غيرهم، وهم جميعاً، ومن ورائهم سائر العرب، بل سائر الدنيا، إلْبٌ على هذه الدعوة الهادية الراشدة، التي تعيب وثنيّتهم، وتَنْعَى عليهم شركهم، وتسفّه أحلامهم .. وتندّد بحياتهم الماديّة الظالمة التي يحبّونها، دون رادع
يردعهم عن فجور ظلم يرتكبونه، أو عتوّ بغي يأتونه، حيث لا قانون ولا دين، ولا نظام ولا ضمير!
ورسول الله صلى الله عليه وسلم ماض في دعوته، لا يصدّه عنها صادّ، ولا يردّه عن سبيلها رادّ، فاستجاب له أوّل من استجاب -بعد زوجه النجيبة الأريبة الحسيبة النسيبة، سيّدة قومها، وسيّدة نساء العالمين إسلاماً، السيّدة خديجة بنت خويلد الأسديّة القرشيّة- أبو بكر الصدّيق، الحليم العليم، أعلم قريش بقريش وأحسابها ومفاخر بطونها، المؤثل ثراء، المؤمّل نجدةً، صاحب حمائل قريش، وأثقالها في دياتها، وما ينوبها في منافراتها، الذي لا يردّ قوله عندها، ولا تخذله إذا تحمّل!
كان أبو بكر رضي الله عنه دخل في الإِسلام قوّاماً بالدعوة إلى الله، ما دعا أحداً إلا استجاب له، وما كان يدعو إلا من يستجيب له من أبناء قمم قريش، وذرا أحسابها، وشباب بيوتها!
غيظ قريش وحنقها:
واتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من دار الأرقم في أصل الصفا -كما سبق- دار دعوته، ومعهد تلقّي رسالته، جعلها مجمع السابقين إلى الإيمان من أصحابه، وأقبل عليه أهل الصّدق من شباب قريش، وغير قريش، مؤمنين بدعوته، متّبعين له في دينه، مصدّقين برسالته، مهتدين بهديه، أعزّةً في قومهم، كرماء على أنفسهم، وكثروا وتكاثروا، وهم مستخفون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشعرت قريش بهم وبخطرهم عليها وعلى حياتها الجاهليّة، ومادت الأرض تحت أقدامها، والتفت رجال كل بيت في قريش إلى أنفسهم وأسرهم، وأبنائهم
وإخوتهم، فإذا بهم يرون أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد اجتذب منهم زهرات شبابهم، ومصدر قوّتهم، وعدّة مستقبلهم، فهم عنده ومعه مسلمون، مؤمنون، واعتنقوا عقيدته، عقيدة التوحيد، وهجروا آلهة آبائهم وأسلافهم .. وأصبحوا جند دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، وكتائب رسالته، ودخلوا معه بشظف العيش، ويبس الحياة وفقرها، بعد الترف والمتعة في بيوتهم بين أهليهم، وفارقوا المال والولد، والإخوة والآباء .. وتبدّلوا بهم محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه .. لا يخالفون عن أمره، يلحظون مواضع إشارته، ويرمقون نظراته، ويتأدّبون بأدبه، يحبّونه أكثر مما يحبّون أنفسهم، لا يتردّدون في تحقيق رغبة من رغباته، ولو كانت فيها حياة أحدهم، فكانوا منه ومعه، بما لم يكونوا به من أمهّاتهم وآبائهم، ومع أولادهم!
وطارت عقول قريش شعاعاً من أدمغتها؛ إذ تمثّلوا هذا في واقعهم، ودارت أفئدتهم في حنايا أضلعهم، وتنفّسوا الصعداء غمًّا وهمًّا وكمداً، وما يغني غمّ الدنيا وهمّها وكمدها شيئاً، فليركبوا رأس الشيطان فجوراً وعتواً، وبغياً وكفراً، وليفكتوا بكل ما يقدرون عليه من فلذات أكابدهم الذين تابعوا محمداً صلى الله عليه وسلم، ولتذهب رحمة الأبوّة، وشفقة البنوَّة راغمةً تحت أقدام آلهتهم، لعلها ترضى عنهم!
إشارة الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة:
وبدأت فوادح البلاء تتوالى على هؤلاء المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم ورسالته .. وشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ينال أصحابه من شديد الأذى وقواصم البلاء .. وأنهم لن يستطيعوا أن يبلّغوا رسالات ربّهم إذا زجّوا بأنفسهم في مضايقات الإثارات،
والتدافع والتقاتل، فليصبروا، وليصابروا، وليعفوا وليصفحوا، وليغضّوا الطرف عن سفاهة السفهاء، وليغمضوا الأعين علي قذى قسوة الآباء والأمّهات، حتى يقضي الله تعالى بالفرج!
ولمعت بارقة الفرج من أفق الغيب، فإذا بها آية من آيات الله لنشر رسالته العامّة الخالدة، في أرض غير أرض العتوّ والجبروت، بطريقة لا تلتزم خطة التبليغ في أرض العتوّ والجبروت!
هجرة تبليغ الرسالة:
فليبق ملأ قريش على كفره وعتوّه، وفجوره وبغيه، ولتبق -إلى حين- قريش كلها في (مكّة) مطموسة البصيرة، منقادة بسلطان ملئها من الطغاة الذين لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم، وليخرج المصطفون لتلقّي آية الفرج، إلى حيث يأمنون على أنفسهم الفتنة في دينهم، يعبدون ربّهم في غير خوف ولا إزعاج، ويبلّغون رسالته بلاغاً ترسم له العناية الإلهيّة طريقه في غير إثارة ولا استفزاز، فلا فرار، ولا هرب، ولكنها نقلة يؤدّى فيها حق الدعوة بصورة من صور تبليغ الرسالة، فلتتصوّرها قريش ومن والاها فراراً وهرباً، وليتصوّرها أصحاب العقول السطحيّة الذين لا يتعمّقون الأحداث، ولا يأخذون في حسابهم النتائج مرتبطةً بالمقدّمات، ولكنهم ينظرون إلى الوقائع فرادى، منقطعة الصلات بين مباديها ونهاياتها، هجرة لمجرّد الراحة من مسّ الأذى ومرّ العذاب، هجرة للأمن والسلام!
والراحةُ والأمنُ قد يكونان مقصودين، ولكن قصدهما لا يمنع أن يؤاخيهما في القصد أساس الإيمان بالدعوة، بل لا يمنع أن يكون الأمن والراحة مقصودين
تبعاً لأساس الإيمان بالدعوة، وهو تبليغها بصورة توائم الجوّ الجديد الذي تتنسّمه الدعوة في رياحين حملتها!
وهل يستطيع من وجد الراحة والأمن وبيده دعوة تكلفه أن لا يختزنها لنفسه، وأن يبلّغها لكل من يستطيع إبلاغها له، أن يقعد دون قيامه بحق هذا التبليغ إذا سنحت له الفرصة، في غير إزعاج أو إثارة لمن آووه، وأمّنوه، وأراحوه؟
إن المؤمنين الذين هاجروا إلى الله، منتقلين من (مكّة) إلى الحبشة، يحملون في أفئدتهم آيات دعوتهم إلى الله -ويحملون معها دلائل حقّها عليهم في تبليغها، أينما وجدوا من أرض الله، فكيف إذا كانت هذه الأرض التي آوَوْا إليها أرض صدق وأمن، لا يجدون فيها ظلماً يزعجهم، ولا عداوة ترعبهم، ولا نفوساً تكره دعوتهم وتناهضها؟
إنهم حينئذ يكونون مسؤولين عن تبليغ هذه الدعوة، كلما وجدوا مجال التبليغ مهيّئاً لكلمتهم كلمة الحق والخير. يجهرون بها في غير عنت لأحد، ولا إثارة للمزعجات، وهم آمنون مطمئنون!
وكذلك كانت الأرض التي وجّههم إلى الهجرة إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله السابق، وهو يرى ما يصبّ عليهم من البلاء:"لو خرجتم إِلى أرض الحبشة، فإِن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه".
البعد عن مواطن الفتنة:
وهنا نبصر البعد عن مواطن الفتنة في الدّين للذين لا يستطيعون ردّ الاعتداء تمسّكاً بعرى الصبر، إلى أن تتمكّن الدعوة من توطيد أقدامها في السير إلى
غايتها قويّة منتصفةً، فهي هجرة إلى عودة، ونقلة إلى رجعة، ومخرج من ضيق إلى فرج!
البعد عن إثارة المعوّقات في طريق الرسالة:
ونبصر البعد عن إثارة العوّقات في طريق سير الرسالة، وتبليغ دعوتها؛ لأن المؤمنين المهاجرين كانوا في كثرتهم من شباب قريش خاصّة، وشباب قبائل العرب عامّةً، تملؤهم النّخوة والحميّة والأنفة من الرضا بالضّيم، والاستسلام للظلم، وربما نفد صبرهم، وضاقت أنفسهم مما يلقونه من جَوْر واستبداد بهم، فتدفعهم طبيعتهم البشريّة، وحميَّتهم العربيّة، إلى مقاومة الظلم، وردّ الاعتداء، كما وقع في قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فيما قال ابن إسحاق:(1)
وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلّوا ذهبوا في الشّعاب فاسْتَخْفَوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعْبٍ من شعاب مكّة، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلّون، فناكَروهم، وعابوا عليهم ما يصنعون، حتّى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلاً من المشركين بلَحْي (2) بعير فشجّه، فكان أوّل دم أهريق في الإِسلام!
فلو تكرّر ذلك (3) -وفي المسلمين كثرة من أمثال سعد حميّة وأنفة- لكان
(1) السيرة النبوية: ابن هشام: 1: 326.
(2)
اللحي: العظم الذي على الخد، وهو من الإنسان العظم الذي تنبت عليه اللحية.
(3)
محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 11 بتصرف.
فيهم شغل شاغل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأصحابه عن السير بالدعوة في طريق التبليغ، بعيدة عن المعوّقات. ولكان فيه مصادمة لحكمة الاستسرار بالدعوة، لتجتذب إلى ساحاتها أصحاب القلوب الواعية، والعقول السليمة، الذين تتكون منهم كتائبها، عندما تسنح الفرصة لظهورها والجهر بها، وهي قويّة الشكيمة، ثابتة الدعائم، وطيدة الأركان!
تخفيف الأزمات النفسيّة:
ونبصر تخفيف الأزمات النفسيّة التي كانت -لو استمرّ المهاجرون في إبقائهم بمكّة، لم يهاجروا- تضيف أعباء جديدة إلى الأعباء التي يتحملها الرسول صلى الله عليه وسلم في تلقي الوحي برسالته، وحمل أمانة تبليغها والإنذار بها، وهو صلى الله عليه وسلم يرى أصحابه رضي الله عنهم يُؤذَوْن أشدّ الأذى، ويعذّبون أقسى العذاب، ولا يستطيع منعهم وحمايتهم مما يلاقون، دون أن يؤذن لهم -كما أسلفنا- في رد الاعتداء!
إفساح طريق التبليغ:
ونبصر إفساح المجال أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم للسير بالدعوة قدُماً في طريق التبليغ، ولا شك أن هجرة من هاجر من المسلمين كان فيها هذا الإفساح الذي يخفّف من الأعباء النفسيّة التي تشغل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتفكّر في أمرهم، وهم يتعرضون للفتنة في دينهم بما ينالهم في أنفسهم من شديد الأذى، وفادح البلاء!
والذين يقرؤون أسماء من هاجر إلى الحبشة أوّلاً وثانياً، يعرفون أنسابهم وبيوتهم، وأحوالهم الاجتماعيّة، ومكانتهم في أقوامهم، يعلم علم اليقين أن
هجرتهم أرفع من أن تكون لمجرد الفرار من الأذى، أو لمجرد الهرب ممّا يلقون من البلاء .. وإنما كانت هجرة قوم آمنوا بالله ربًّا، وبالإِسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولاً، فأوذوا بما لا طاقة لبشر على احتماله، ولم يجدوا للدفاع عن أنفسهم سبيلاً؛ لأنه لم يؤذن لهم في ردّ الاعتداء بل أُمروا بالصبر والصفح، لا عجزاً ولا ضعفاً، ولكن حكمة تدبير، وسياسة تقدير!
وحسبنا في البرهنة على أن الذين هاجروا إلى الحبشة، أوّلاً، وثانياً، كانوا من أعزّ بيوت العرب وقبائلها -قريش فمن دونها- ليس فيهم ضعيف أو مستضعف، ولا مولى، ولا تبع، والقلة التي لم تكن بهذه المثابة نسباً وعصبيّة، كانت منها حلفاً، وحليف القوم منهم نجدة وحماية!
سجل المهاجرين:
قال ابن إسحاق (1): وكان أول من خرج من المسلمين من بني أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف (عثمان بن عفان ومعه امرأته رقيّة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم).
ثم ذكر ابن إسحاق سجلاً مسهباً مفصّلاً بأسماء وأنساب جميع المهاجرين إلى الحبشة، في مرّيتها: الأولى، والثانية، وكانوا سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغاراً أو ولدوا بها ثلاثة وثمانين رجلاً، أكثرهم قرشيّون من طلائع بيوتها وأشراف بطونها!
فهل من المعقول أن يخرج هذا العدد العظيم من الرجال، ذوي الأنفة والحميّة عن بلادهم، وأهليهم وعشائرهم، تاركين ديارهم وأموالهم وأولادهم، لمجرد الفرار والهرب من وجوه المشركين؟
(1) ابن هشام: 1: 398 وما بعدها، وانظر سبل الهدى والرشاد: 2: 485.
أفما كان هذا العدد الكثير بمستطيع أن يتجمع أفراده، ويقفوا في وجه العدوان عليهم، ويردّوه عنهم بقوّة القتال خفيةً وعلانية؟
نعم، إنهم بالقياس إلى أعدائهم قلة عدديّة، وكان أقوامهم وعشائرهم يأخذونهم فرادى، يعذّب كل قوم من يسلم منهم، لكن هؤلاء المؤمنين كانوا مستطيعين -لو أرادوا- أن يكيدوا لأعدائهم، ويجمعوا أمرهم، للدفاع عن أنفسهم، ويغتالوا الكثير من رؤوسهم، ولو واجههم أعداؤهم في قتال لنالوا منهم، وساجلوهم، وانتصفوا، وفي الوقائع الجزئية ما يؤيّد ذلك، وقد أشرنا إلى قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وذكرنا غيرها من الحوادث التي استبسل فيها المؤمنون دفاعاً عن أنفسهم!
حكمة سياسة الاستسرار:
وهذا كله يؤيد أن سياسة الحكمة التي سلكها رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوفيق الله في استسراره بالدعوة، وهي مشرقة في أفق الحياة، كانت سياسة حكيمة محكمة، أثمرت ثمراتها في تجميع قوّة من المؤمنين الراسخين في إيمانهم، الصادقين في يقينهم، الذين تولاّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أوّل ما تولّى بالتربية والتوجيه، حتى فشا الإِسلام في مكّة، وتسامع به الناس في أنديتهم ومحافلهم، وبدأت قريش -وهي سيّدة مكّة- تحس بخطر هذه القوّة يدخل عليها في بيوتها، ويجتذب منها شبابها، ويأخذ بحلاقيمها، فشنت على المؤمنين حرباً خسيسةً، لا مواجهة فيها!
ووقف المؤمنون من هذه الحرب الفاجرة موقف الصبر والاحتمال، بل موقف الصفح والعفو والإجمال، مما أدّى أو كاد يؤدي إلى تجميد حركة الدعوة وإبلاغ الرسالة!
وفي نفوس المؤمنين قوى تتفاعل مكتومة مكبوتة، يراها رسول صلى الله عليه وسلم، ويرى آثارها مرسومةً على وجوه أصحابه، وهم من الشباب المفعم حماسةً وقوةً وحركةً، وتحفّزاً لردّ الاعتداء، وهو صلى الله عليه وسلم لم يؤذن له بالمقاومة وردّ الاعتداء بالقتال، فكان من أحكم التدبير، وحكمة السياسة أن يفتح صلى الله عليه وسلم لأصحابه باب الهجرة، حتى يجدوا لأنفسهم متنفّساً في حركاتهم وهم آمنون على أنفسهم، يعبدون ربّهم وهم مطمئنّون، لا يهيجهم أمر، ولا يفزعهم شيء!
سفارة المشركين إلى النجاشي:
وقد عزّ على المشركين أن يجد المهاجرون مأمناً لأنفسهم (1)، وأغرتهم كراهيتهم للإسلام أن يبعثوا عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد بهدية، فلمّا دخلا على النجاشي سجدا له، ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله، ثم قالا له: إِن نفراً من بني عمّنا نزلوا أرضك، ورغبوا عنّا وعن ملّتنا، قال: فأين هم؟ قالا: في أرضك، فابعث إِليهم، فبعث إِليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم، فاتبعوه، فسلّم ولم يسجد، فقالوا له: ما لك لا تسجد للملك؟ قال: إِنا لا نسجد إِلا لله عز وجل، قال: وما ذاك؟ قال: إِن الله بعث إِلينا رسولاً، ثم أمرنا أن لا نسجد لأحد إِلا لله عز وجل، وأمرنا بالصلاة والزكاة، قال عمرو: فإِنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم، قال: فما تقولون في عيسى ابن مريم وأمه؟ قال: نقول كما قال الله: هو كلمته وروحه ألقاها إِلى العذراء البتول، التي لم يمسّها بشر، ولم يفرضها ولد، قال: فرفع عوداً من الأرض، ثم قال: يا معشر الحبشة والقسّيسين والرهبان، والله! ما يزيدون على الذي نقول: ما سوى هذا، مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه
(1) الهجرة النبويّة ودورها في بناء المجتمع الإِسلامي 92 ط ثانية.
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه الذي نجد في الإِنجيل، وأنه الرسول الذي بشّر به عيسى ابن مريم، انزلوا حيث شئتم، والله! لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته، حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه، وأمر بهديّة الآخرين فردّت إِليهما ..
هذا ما رواه أحمد وابن كثير بإسناد جيد قوي وسياق حسن! (1)
وسيأتي تفصيل ذلك في حديث أم سلمة رضي الله عنها!
سياسية تبليغ الدعوة:
ولا شك أن هذا لون من ألوان السياسة في تبليغ الدعوة، بدأ هادئاً هامساً، فلمّا حُرّك تحرّك معبراً أصدق تعبير عن هداية الإِسلام في أعظم محفل من محافل الحوار، الذي هيّأ الله له أسبابه وعوامله ودوافعه، ونصب له معالمه، وأقام منائره، وقد اقتضى هذا الحوار من المسلمين المهاجرين في أعظم فرصة سانحة أن يعرضوا رسالة نبيّهم صلى الله عليه وسلم وحقيقة دينهم عرضاً حرًّا، أكمل ما تكون الحريّة، صادقاً أبلغ ما يكون الصدق، يعقده ويشهده ملك البلاد التي آوتهم، ويحضره معه بطارقتها وأهل العلم فيها، ويحضره ذوو رأيها ووجوهها، ويحضره راغميْنِ رسولا قريش إلى النجاشي ملك الحبشة، ليردّ عليها هؤلاء المهاجرين، فيسمع هذا الحشد الحافل في صراحة وقوّة صوت الإِسلام، يعلن عن حقيقته، ويشرح دعوته، ويبلّغ رسالته، فيؤمن الملك إيماناً يبخع به بأو الغرور، ويبطّ دمل الحقد في أنفس قريش ورسوليْها إلى النجاشي ..
(1) السابق، والفتح الرباني: 20 - 224 - 226، وابن كثير: البداية: 3: 69.
إخفاق سفارة المشركين:
وروى أحمد وغيره بسند حسن عن أم سلمة ابنة أبي أميّة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت:
لمَّا نزلنا بأرض الحبشة، جاورنا بها خير جار، النجاشيّ، أمِنّا على ديننا، وعبدْنا الله لا نُؤذَى، ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلمّا بلغ ذلك قريشاً، ائْتَمَرُوا أن يبعثوا إِلى النجاشيّ فينا رجلين جلْدَين، وأن يُهْدُوا للنجاشيّ هدايا مما يستطرف من متاع مكّة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إِليه الأَدَم، فجمعوا له أدَماً كثيراً، ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إِلا أهْدَوْا له هديّةً، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو بن العاص بن وائل السّهمي، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعوا إِلى كلّ بطريق هديّته قبل أن تكلّموا النجاشيّ فيهم، ثم قدّموا للنجاشيّ هداياه، ثم سلوه أن يُسلمهم إِليكم قبل أن يكلّمهم!
قالت: فخرجا، فقدما على النجاشي، ونحن عنده بخير داره وعند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إِلا دفعا إِليه هديّته قبل أن يكلّما النجاشيّ، ثم قالا لكل بطريق منهم: إِنه قد صَبَا إِلى بلد الملك منّا غلمانٌ سفهاءُ، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إِلى الملك فيهم أشراف قومهم لنردَّهم إِليهم، فإِذا كلّمْنا الملك فيهم، فتُشيروا عليه بأن يسْلمهم إِلينا، ولا يكلِّمهم، فإِن قومهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم!
ثم إِنهما قرّبا هداياهم إِلى النجاشيّ فقبلها منهما، ثم كلّماه، فقالا له: أيها الملك، إِنه قد صبا إِلى بلدك منا غلمان سفهاءُ، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثَنَا إِليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم، وأعمامهم، وعشائرهم، لتردَّهم إِليهم، فهم أعلى بهم عَيناً، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه، قالت: ولم يكن شيء أبْغض إِلى عبد الله بن ربيعة وعمرو بن العاص، من أن يسمع النجاشيّ كلامهم، فقالت بطارقته حوله: صَدَقوا أيّها الملك، قومهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمْهم إِليهما، فليرُدّاهُم إِلى بلادهم وقومهم، فقالت: فغضب النجاشي، ثم قال: لا هَيْم (1) الله إِذاً لا أُسلمهم إِليهما، ولا أكاد قوماً جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهُم ما يقول هذان في أمرهم، فإِن كانوا كما يقولان، أسْلَمتهم إِليهما وردَدْتُهم إِلى قومهم، وإِن كانوا على غير ذلك، مَنعْتُهم منهما، وأحسنْتُ جوارهم ما جاوروني!
قالت: ثم أرسل إِلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فلمّا جاءهم رسوله، اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إِذ اجئتموه؟ قالوا: نقول والله! ما علمنا، وما أمرنا به نبيّنا صلى الله عليه وسلم، كائنٌ في ذلك ما هو
(1) قال في اللسان: العرب تقول: ايم الله وهيم الله، الأصل: ايمن الله، وقلبت الهمزة هاء، فقيل: هيم الله، وقال الجوهري وأيمن الله: اسم وضع للقسم هكذا بضم الميم والنون، وألفه ألف وصل عند أكثر النحويّين، وهو مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، والتقدير: ايْمُنُ الله قسمي .. وفي رواية ابن إسحاق عند ابن هشام: لاها الله إذاً. قال الجوهري: الصحاح: (ها) للتنبيه، وقد يقسم بها، يقال: لاها الله ما فعلت كذا .. انظر أحمد: 3: 264 - 265 مؤسسة الرسالة.
كائن، فلما جاءوه، وقد دعا النجاشيّ أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم، فقال: ما هذا الدّين الذي فارقْتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا دين أحدٍ من هذه الأمم؟!
قالت: فكان الذي كلّمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهليّة، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القويّ منّا الضعيف، فكنّا على ذلك، حتى بعث الله إِلينا رسولاً منّا نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافَه، فدعانا إِلى الله لنوحِّده ونعبَده، ونخلَعَ ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان!
وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحُسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزّور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة!
وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام -قالت: فعدّد عليه أمور الإِسلام- فصدّقناه، وأمنّا به، واتبعناه على ما جاء به!
فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئاً، وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحلَلْنا ما أحلّ لنا، فَعَدَا علينا قومنا، فعذّبونا وفتنونا عن ديننا، ليرُدُّونا إِلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحلّ ما كنا نستحلّ من الخبائث، فلمّا قهرونا وظلمونا، وشقُّوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إِلى بلدك، واخترناك على مَن سواك، ورغِبنا في جوارك، ورجَوْنا أن لا نُظْلم عندك أيّها الملك!
قالت: فقال له النجاشيّ: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نَعَم، فقال له النجاشي: فاقْرَأْ عليّ، فقرأ عليه صدْراً من {كهيعص} قالت: فبكى، والله! النجاشيّ حتى أخضل لْحيته، وبكتْ أساقفته، حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال له النجاشي: إِن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فوالله! لا أسلمهم إِليكم أبداً، ولا أكاد!
قالت أم سلمة: فلمّا خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله! لأنبئنّه غداً عَيْبَهم عنده، ثم أستأصِل به خضراءهم، قالت: فقال له عبد الله ابن أبي ربيعة، وكان أتْقَى الرجلين فينا: لا تفعل، فإِن لهم أرحاماً، وإِن كانوا قد خالفونا، قال: والله! لأخبرنّه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد، قالت: ثم غدًا عليه الغد، فقال له: أيّها الملك: إِنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً، فأَرْسِلْ إِليهم فاسألهُمْ عما يقولون فيه، قالت: فأرسَل إِليهم يسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إِذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله! فيه ما قال الله وما جاء به نبيّنا، كائناً في ذلك ما هو كائن، فلمّا دخلوا عليه، قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبيّنا: هو عبد الله ورسوله ورُوحه، وكلمته ألقاها إِلى مريم العذراء البتول، قالت: فضرب النجاشيّ يده إِلى الأرض، فأخذ منها غوداً، ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العُودَ. فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإِن نَخَرْتُم والله! اذهبوا فأنتم سيومٌ بأرضي (والسُّيُوم: الآمنون) هَنْ سَبَّكُم غُرِّمَ، ثم من سبّكم
غُرِّم، ثم من سبّكم غُرِّم، فما أحِبُّ أن لي دبْراً ذهباً وإِنِّي آذيت رجلاً منكم (والدّبر بلسان الحبشة: الجبل) رُدّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لنا بها، فوالله! ما أخذ الله منّي الرِّشْوة حين رَدَّ عليّ مُلكي، فآخُذَ الرَّشوة فيه، وما أطاع الناس فيَّ فأطيعهم فيه، قالت فخرجا من عنده مقْبوحين، مردوداً عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار!
قالت: فوالله! إِنا على ذلك إِذْ نَزَل به، يعني من يُنازعه في حُكمه، قالت: فوالله! ما علمنا حُزْناً قطّ كان أشدَّ من حُزن حَزِنّاه، عند ذلك، تخوّفاً أن يظهر ذلك على النجاشيّ، فيأتي رجل لا يعرف من حَقّنا ما كان النجاشيّ يعرف منه، قالت: وسار النجاشيّ وبينهما عرْض النّيل، قالت: فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ رجلٌ يخرج حتى يحضر وقعة القوم، ثم يأتينا بالخبر؟ قالت: فقال الزّبير بن العوام: أنا، قال: وكان من أحدث القوم سِناً، قالت: فنفخوا له قِربةً، فجعلها في صدره، ثم سَبَح عليها، حتى خرج إِلى ناحية النيّل التي بها مَلْتَقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم، قالت: ودعوْنا الله للنجاشيّ بالظّهور على عدوّه، والتمكين له في بلاده، واستَوْسَق عليه أمر الحبشة، فكنّا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة (1).
(1) أحمد: 1: 202 بسند حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير محمد بن إسحاق، فقد روى له مسلم متابعة، وهو صدوق حسن الحديث، إلا أنه مدلس وقد صرح هنا بالتحديث. وابن هشام: 1: 357 - 362، وأبو نعيم: الدلائل: 2: 301 - 304 من طريق يونس ابن بكير. وقسماً منه الطبراني (1479)، وقوله:(هو روح الله وكلمته) قال السهيلي: كلمته: أي قال له كما قال لآدم حين خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون، ولم يقل: فكان، لئلا يتوهّم وقوع الفعل بعد القول بيسير، وإنما هو واقع للحال، فقوله:(فيكون) مشعراً بوقوع =
تملك النجاشيّ على الحبشة:
ونجد أنفسنا أمام قول ابن إسحاق: قال الزهري: فحدّثتُ عروة بن الزبير حديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:
هل تدري ما قوله: ما أخذ الله منّي الرشوة حين ردّ عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه؟ قال: قلت: لا، قال: فإِن عائشة أم المؤمنين حدّثتني أن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولد إِلا النجاشي، وكان للنجاشيّ عمّ، له من صلبه اثنا عشر رجلاً، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة، فقالت الحبشة بينها: لو أنا قتلنا أبا النجاشيّ وملّكنا أخاه، فإِنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإِن لأخيه من صلبه اثني عشر رجلاً، فتوارثوا ملكه من بعده، بقيت الحبشة بعده دهراً، فغدوا على أبي النجاشي فقتلوه وملّكوا أخاه، فمكثوا على ذلك حيناً!
ونشأ النجاشي مع عمه، وكان ليباً حازماً من الرجال، فغلب على أمر عمه، ونزل منه بكل منزلة، فلما رأت الحبشة مكانه منه قالت بينها: والله! لقد غلب هذا الفتى على أمر عمّه، وإِنا لنتخوّف أن يملّكه علينا، وإِن ملّكه علينا لقتلنا أجمعين، لقد عرف أنا نحن قتلنا أباه، فمشوا إِلى عمّه فقالوا: إِمّا أن تقتل هذا الفتى وإِمّا أن تخرجه من بين أظهرنا، فإِنّا قد
= الفعل في حال القول، وتوجه الفعل بيسير على القول، لا يمكن مستقدم ولا مستأخر، فهذا معنى الكلمة، وأما روح الله، فإنه نفخة روح القدس في حبيب الطهارة المقدّسة، والقدس: الطهارة من كل ما يشين أو يعيب أو تقذره نفس، أو يكرهه شرع، وجبريل عليه السلام روح القدس؛ لأنه روح ولم يخلق من منيّ، ولا صدر عن شهوة، وعيسى عليه السلام روح الله على هذا المعنى!
خفنا على أنفسنا، قال: ويلكم! قتلت أباه بالأمس، وأقتله اليوم! بل أخرجه من بلادكم، قالت: فخرجوا به إِلى السوق، فباعوه من رجل من التجار بستمائة درهم، فقذفه في سفينة، فانطلق به، حتى إِذا كان العشيّ من ذلك اليوم، هاجت سحابة من سحائب الحريف، فخرج عمّه يستمطر تحتها، فأصابته صاعقة فقتلته، قالت: ففزع الحبشة إِلى ولده، فإِذا هو محمق (1)، ليس في ولده خير، فمرج (2) على الحبشة أمرهم!
فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك، قال بعضهم لبعض: تعْلموا والله! أن ملككم الذي لا يقيم أمركم غيره للذي بعتم غدوةً، فإِن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه الآن، قالت: فخرجوا في طلبه، وطلب الرجل الذي باعوه منه، حتى أدركوه فأخذوه منه، ثم جاؤوا به، فعقدوا عليه التاج، وأقعدوه على سرير الملك، فملّكوه!
فجاءهم التاجر الذي كانوا باعوه منه فقال: إِما أن تعطوني مالي، وإِما أن أكلّمه في ذلك؟ قالوا: لا نعطيك شيئاً، قال: إِذن والله! أكلّمه، قالوا: فدونك وإِيّاه، قالت: فجاءه فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعتُ غلاماً من قوم بالسوق بستمائة درهم، فأسْلموا إِليّ غُلامي، وأخذوا دراهمي، حتى إِذا سرت بغلامي أدركوني، فأخذوا غلامي، ومنعوني دراهمي، قالت: فقال لهم النجاشي: لتعْطُنَّه دراهمه، أو ليضعَنّ غلامُه يده في يده، فليذهبن به حيث شاء، قالوا: بل نعطيه دراهمه، قالت: فلذلك يقول: ما أخذ الله منّي رشوة حين ردّ عليّ مُلكي، فآخذ الرشوة فيه، وما
(1) المحمق: الذي يلد الحمقى.
(2)
أي قلق واختلط.
أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه، قالت: وكان ذلك أول خبر من صلابته في دينه، وعدله في حُكمه! (1)
إسلام النجاشي:
ولعلّ من أسباب اختيار الحبشة أمل وجود مجال للدعوة فيها، وأن يكون هدف انتداب جعفر بن أبي طالب متصلاً بهذا الأمل .. وإذا كنا قد عرفنا في حديث أم سلمة في إخفاق المشركين، فإنا نذكر ما رواه الحاكم بسند صحيح عن أبي موسى رضي الله عنه قال:
أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق إِلى أرض النجاشي، فبلغ ذلك قريشاً، فبعثوا إِلى عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، وجمعوا للنجاشي هدايا، فقدمنا وقدموا على النجاشي، فأتوه بهدية، فقبّلها وسجدوا له!
ثم قال عمرو بن العاص: إِن قوماً منّا قد رغبوا عن ديننا، وهم في أرضك، فقال لهم النجاشي: في أرضي، قال: نعم، قال: فبعث إِلينا.
فقال لنا جعفر: لا يتكلّم أحد، أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إِلى النجاشي، وهو جالس في مجلسه، وعمرو بن العاص عن يمينه، وعمارة عن يساره، والقسيسون من الرهبان جلوس سماطين (2)، فقال له عمرو وعمارة:
إِنهم لا يسجدون لك، فلما انتهينا إِليه زبرنا من عنده من القسّيسين والرهبان: اسجدوا للملك.
فقال جعفر: لا نسجد إِلا لله، فقال له النجاشي: وما ذاك؟ قال: إِن
(1) السيرة النبويّة: ابن هشام: 1: 418 - 420.
(2)
أي صفّين.
الله بعث فينا رسوله، وهو الرسول الذي بشّر به عيسى برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، فأعجب الناس قوله، فلمّا رأى ذلك عمرو قال له: أصلح الله الملك، إِنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم، فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبك في ابن مريم، قال يقول فيه قول الله، هو روح الله وكلمته، أخرجه من البتول العذراء، لم يقربها بشر، قال:
فتناول النجاشي عوداً من الأرض، فرفعه فقال: يا معشر القسّيسين والرهبان، ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزيد هذه!
مرحباً بكم، وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشّر به عيسى ابن مريم، ولولا أنا ما فيه من الملك لأتيته، حتى أحمل نعليه، امكثوا في أرضي ما شئتم، وأمر لهم بطعام وكسوة وقال: ردّوا على هذين هديتهم (1)!
وقد روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إِلى المصلّى فصفّ بهم وكبر أربعاً!. (2)
(1) المستدرك: 2: 309 - 310 وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي!
(2)
البخاري: 23 - الجنائز (1245)، وانظر (1318، 1327، 1338، 1333، 3880، 3881)، ومسلم (951)، ومالك: 1: 226، وأحمد: 2: 438، 439، والشافعي: 1: 208، وأبو داود (3204)، والنسائي: 4: 69 - 70، 72، وابن الجارود (453)، والبيهقي: 4: 35، والمعرفة (2165)، والطحاوي: شرح معاني الآثار: 1: 495، والبغوي (1489)، وابن حبان (3068، 3098).
وتعددت الروايات فيمن كان رفيقاً لعمرو بن العاص في سفارة المشركين إلى النجاشي .. ونرى أنه يبعد أن يتكرر الحوار بصورته وموضوعه -كما أسلفنا- ولعلّ وحدة الحوار، تفيدنا أن الحوار كان مرّتين: إحداهما في الهجرة الأولى، والثانية في الهجرة الثانية، وأن سفارة المشركين الأولى كانت استطلاعاً وتعرّفاً .. وعلى كل، فهذا ما نراه في هذا المقام!
هذا، وقصة إسلام النجاشي وغلبة وفد المسلمين على الكافرين عنده قصة واضحة الدلالة في أن الجاهليّة قد عقدت العزم على أن تمضي قدماً في عنفها واضطهادها وتعذيبها للمسلمين .. ولعل حادثة انتصار الأحباش لنصارى اليمن التي كانت حاضرةً في أذهان العرب كانت ذات تأثير في توجيه الهجرة إلى هذه البلاد، فالمسلمون يكسبون حليفاً قويًّا، والمشركون يقع في نفوسهم شيء من الخوف والتوجس والجنوح إلى الارعواء؛ بسبب توثّق الصلة بين المسلمين وهذا الحليف القوي! (1)
عالميّة الدعوة الإِسلاميّة:
وبمجرد إلقاء نظرة سريعة على عدد المهاجرين إلى الحبشة تتبدّى لنا سعة الدائرة البشريّة التي امتدت إليها الدعوة الإِسلاميّة؛ لكي تجذب إليها عناصر من شتّى القبائل المكيّة، وتجاوزت بذلك دائرة العصبيّة الضيّقة في طريقها الطبيعي صوب الاتساع والشمول، لتضم الأجناس والألوان. وهذا التنوع يقدّم دليلاً آخر على رفض الدافع المادّي للانتماء إلى الدعوة أو مقاومتها!
ويطالعنا قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)} (الأنبياء)!
(1) الهجرة النبوية: 97 بتصرف.
وقوله عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28)} (سبأ)!
إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عالميّة الدعوة الإِسلامية!
ويروي الشيخان وغيرهما عن جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أعطيتُ خمساً لم يُعطهن أحدٌ قبلي: نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيَّما رجلٍ من أُمتي أدركته الصلاة فلُيصَلِّ، وأحِلَّت لي الغنائمِ ولم تَحِل لأحد قبلي، وأُعْطيتُ الشفاعة، وكان النبيّ يبعث إِلى قومه خاصَّةَ وبعثتُ إِلى الناس عامَّةً"(1).
مكانة المرأة المسلمة:
ولا ننسى مكانة المرأة المسلمة التي تحمّلت أعباء الاضطهاد والهجرة مع الرجل المسلم في سبيل نصرة الحق الذي آمنت به .. ولا ننسى ما قامت به في هذه الهجرة وغيرها في السلم والحرب -كما سيأتي- وهنا يتبدّى لنا المدى الواسع الذي أفسحه (الدّين القيّم) للمرأة، وتتبدّى لنا المكانة العالية التي رفعها إليها!
(1) البخاري: 7 - التيمم (335)، وانظر (438، 3122)، ومسلم (521)، وابن أبي شيبة 2: 402: 11: 432، والدارمي: 1: 322، وأحمد: 3: 304، وعبد بن حميد (1154)، والنسائي: 1: 209 - 211، 2: 56، وأبو عوانة: 1: 395، واللالكائي: أصول الاعتقاد (1438، 1439)، والبيهقي: 1: 212، 2: 329، 433، 6: 291، 9: 4، والدلائل: 5: 472 - 473، والبغوي (3616)، وابن حبان (6398).
وباستثناء النفر من حلفاء قريش ونسائهم لا تذكر الروايات أسماء أرقّاء ومساكين في جملة المهاجرين، وتعليل ذلك يعود إلى أن ضغط زعماء قريش كان أكثر شدّةً على أبناء أسرهم؛ لأنهم تحّسبوا من عواقب إسلامهم بالنسبة لعامة الناس وسائر شباب الأسر، في حين أنه لم يكن ما يخشونه من مثل ذلك من المساكين والأرقاء والفقراء والغرباء، وهذه صورة مخالفة لما قد يكون في الأذهان! (1)
عودة المهاجرين إلى المدينة:
وظل معظم المهاجرين في أرض الحبشة إلى أن وافق قدوم جعفر بن أبي طالب، ومن معه من المهاجرين إلى الحبشة فتح خيبر!
يروي الشيخان وغيرهما عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه: بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إِليه: أنا وأخوان لي، أنا أصغرهم: أحدهما أبو بردة، والآخر أبو رُهم -إِمّا قال: في بضعٍ، وإِمّا قال: في ثلاثة وخمسين، أو اثنين وخمسين رجلاً من قومي- فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إِلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب فأقمنا معه، حتى قدمنا جميعاً، فوافقْنا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر، وكان أناسٌ من الناس يقولون لنا -يعني لأهل السفينة- سبقناكم بالهجرة، ودخلتْ أسماء بنت عُميس -وهي ممن قدم معنا- على حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم زائرةً. وقد كانت هاجرت إِلى النجاشيّ فيمن هاجر، فدخل عُمر على حفصة -وأسماء عندها- فقال عُمر حين رأى أسماء: مَنْ هذه؟ قالت: أسماء بنت عُميس،
(1) دراسة في السيرة: 81 نقلاً عن: سيرة الرسول: 1: 272، وانظر: الهجرة النبوية: 98.
قال عُمر: آلحبشيّة هذه؟ آلبحريّة هذه؟ قالت أسماء: نعم، قال: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله منكم، فغضبَتْ وقالت: كلاّ والله، كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يُطعم جائِعكم، وَيعظُ جاهلكُمْ، وكنّا في دار -أو في أرض- الْبُعَدَاء البُغَضَاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله صلى الله عليه وسلم، وايم الله! لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً، حتّى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن كنّا نُؤْذَى ونُخاف، وسأذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وأسأله، والله لا أكذبُ ولا أزِيغُ ولا أزيدُ عليه!
فلمّا جاء النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا نبيّ الله، إن عُمر قال كذا وكذا. قال:"فما قلت له"؟ قالت: قلت له كذا وكذا، قال:"ليس بأحقّ بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان" قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالاً يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هُمْ به أفرح ولا أعظم في أنفسهم، ممّا قال النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى، وإِنه ليستعيد هذا الحديث منّي.
وتعدَّدت الروايات في ذلك. (1)
وقد سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أيّما سرور لمجيء هؤلاء الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين .. هؤلاء الذين يعودون بعد هذه الفترة الطويلة، وأمر الإِسلام
(1) البخاري: 64 - المغازي (4230، 4231)، ومسلم (2503)، وانظر: أحمد: 4: 395، 412، والطيالسي (526)، والحاكم: 3: 212، وانظر: البخاري: (3136، 3876، 4230، 4232).
يعلو، وسلطانه يمتدّ شمال شبه الجزيرة وجنوبها .. وعندما نزلوا بالمدينة قام الرسول مبتهجاً، وقال فيما يرويه الحاكم بسند صحيح عن جابر رضي الله عنه قال: لمَّا قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما أدري بأيّهما أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر"(1).
وجعفر وإخوانه مكثوا في الحبشة بضعة عشر عاماً، نزل خلالها قرآن كثير، ودارت معارك شتّى مع الكفار، وتقلّب المسلمون قبل الهجرة النبويّة وبعدها في أطوار متباينة -كما سيأتي-، ولم يمض وقت على أولئك العائدين حتى اندمجوا في معارك القتال مع من سبقوهم، وقد أشركهم النبي صلى الله عليه وسلم في مغانم خيبر .. ففي رواية للبخاري عن أبي موسى رضي الله عنه من حديث طويل -كما سبق أن أشرنا في تعدّد الروايات .. - قال:
فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر، فأسهم لنا- أو قال: فأعطانا منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئاً، إِلا لمن شهد معه، إِلا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم! (2)
هجرة مواجهة واختبار:
تلك هي قصة الهجرة إلى الحبشة بإيجاز .. وتلك هي أهم نتائجها .. وهنا نلحظ أنها لم تكن هجرة استقرار لنشر الإِسلام، واتخاذ الحبشة منطلقاً جديداً لدعوة الإِسلام، وإنما كانت هجرة مؤقتة، هجرة إيواء وانتظار، وهجرة اكتشاف وترصّد .. وهجرة امتحان وانتظار .. وهجرة مواجهة بالفكرة .. وهجرة
(1) المستدرك: 2: 624، وقال: صحح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(2)
انظر: البخاري: 57 - فرض الخمس (3136، 3876، 4230، 4232).
اختبار عملي لمدى الصراع بين الحق والباطل في النفوس، ومدى التحمّل للصعاب المرتقبة، والشدائد المنتظرة! ولم تكن الحبشة في عصورها التاريخيّة منطقة انطلاق، بقدر ما هي منطقة إيواء .. ولم تستطع أن تسيطر حتى على السهول الساحليّة التي تقع إلى شرقها أو تتوسَّع في الغرب والشمال الغربي .. أمّا الجنوب فلم يكن هناك ما يدفع الأحباش إلى التوسّع فيه، لوجود نطاق جافّ نسبيًّا، تليه منطقة هضبة شرق أفريقيا المرتفعة .. ولو جاز لنا أن نتخيّل الهجرة إلى الحبشة هجرة استقرار لنشر الإِسلام، واتّخاذها منطلقاً جديداً لدعوة الإِسلام، لتسابقت إلى الذهن عدة أسئلة:
- من يحفظ القرآن العربيّ؟!
- وما عدد هؤلاء الحفظة؟!
- وإلى أيّ مدى سيسمح لهذا الدّين أن ينتشر؟!
- وما موقف الرومان من الحبش حين يعلمون أن فيها ديناً عالميّ الانتشار آوى إليها؟!
- وهل تصلح الحبشة لتكون منطلقاً جديداً، وهي مناطق مزّقتها الأنهار إلى بيئات منعزلة؟!
- أليس من الأقرب إلى الذهن أن يتابع الإِسلام نموّه في مهده الأوّل، الذي اختاره الله له .. ومن ثمَّ يخرج دعاة الإِسلام من هذه البيئة المختارة، ليدخلوا أفريقيا وغيرها من أوسع الأبواب وأقواها؟!
أسطورة الغرانيق
أسطورة الغرانيق
• أكذوبة متزندقة
• المبشّرون والمستشرقون
• المستشرق اليهودي (يوسف شاخت) وأسطورة الغرانيق
• المستشرق (بروكلمان) وغيره
• ردود العلماء
• بطلان الأسطورة سنداً ومتناً
• قول الحافظ ابن حجر
• قول الدكتور (أبو شهبة)
• قول الإِمام محمد عبده
• البطلان من حيث الزمان
• سبب سجود المشركين
• لا سبيل للشيطان
• رأي أهوج للكوراني
• أمران باطلان:
- الأمر الأول
- الأمر الثاني
• مفاسد رأي الكوراني:
- المفسدة الأولى
- المفسدة الثانية
- المفسدة الثالثة
- المفسدة الرابعة
- المفسدة الخامسة
- المفسدة السادسة
• آيات القرآن
• درس للدعاة
• اعتباران:
- الاعتبار الأول
- الاعبتار الثاني
• وصية أخويّة
أسطورة الغرانيق
أكذوبة متزندقة:
أقحم بعض كتّاب السيرة النبويّة، وجماعة من المفسّرين، وطوائف من المحدّثين في كتبهم ودواوينهم ومؤلفاتهم (أقصوصة الغرانيق)(1)، وألصقوها بهجرة الحبشة، وجعلوها سبباً لعودة المهاجرين الأوّلين إلى (مكّة)، وهي (أقصوصة مختلقة باطلة في أصلها وفصلها، وأكذوبة خبيثة في جذورها وأغصانها، وفرية متزندقة) اخترقها (غِرْنَوق) أبله جهول، أو حاقد على الإِسلام زنديق، أو منافق فاجر عربيد، ألقى بها إليه شيطان عابثٌ مريد، يتلعّب بعقول البُلْه المغفَّلين، الذين يتكثّرون تعالماً، ويتلقّفون كل شوهاء فجور، فجرت إلى مجتمعات أعداء الإِسلام، ومن كل يهودي خبيث، وكل ملحد عتيّ، وسرت منهم إلى كل مسلم أبله مغرّر، وكل متعالم مغفّل، وكل جدلي متفيهق، وكل مغرور مخدوع بكواذب المدح والثناء، وكل حفّاظ (صمّام)، وكل جمّاع لا يفقه ولا يتفقّه، وكل جامد مقلّد، وكل حرفيّ متعصّب، وكل ملبّس عليه يزعم أنه مجتهد، وكل خابط هنا وهناك يتكذّب، وكل حاطب في ظلمات الجهل، (يتلقّف العلم) من وراء طنين الأسماء، دون تمحيص ناقد، أو بحث مسددّ، وكل مدّع دعيّ، وكل متسقِّط يزعم أنه مجدّد، وكل ملتقط يزعم أنه متنق، وكل مزهو بالغرور يزعم أنه وحيد دهره، وفريد عصره، بل واحد أمته، لو قيل له إن الشيطان يلبّس عليك في علمك، فيوهمك ما ليس بحق أنه حق لانتفخت أوداجه غضباً لنفسه، ولكنه يقبل ويدافع دفاع المستميت
(1) محمد رسول صلى الله عليه وسلم: 2: 30 وما بعدها بتصرف.
عن قصة مزوّرة تهدم أصول الإِسلام، وتخرق سياج النبوّة، وتحبط عصمة الأنبياء، اعتماداً على مراسيل واهية لا تثبت!
فباضت هذه الأكذوبة البلهاء بين أحضان هؤلاء، وفرّخت في أعشاشهم، وزقزقت أفراخها في أوكارهم، وطارت بأجنحة الافتراء الأبله إلى آفاق التاريخ الإِسلامي المظلوم، فتلقّفها كل (رواندي) ملحد، وحملها كل زنديق مفسد، ليطعن بها في سويداء قلب القرآن الكريم، الحكيم المحكم، ويفتك بخنجرها بالسنة المطهّرة المبيّنة، وهما أصل أصول الإِسلام اللذان قام على دعائمهما شامخ صرح هذا (اللّين القيّم)، ليزعزع الثقة بأصْلَيْه، فينفلت من أيدي المسلمين زمام دينهم الذي أنزله الله تعالى هدىً ورحمةً للعالمين، ليهدم به كل بناء للوثنيّة والإلحاد، ويقضي بهدايته على معالم الشرك والإفساد، ويضعضع بآياته كل تفلسف متزندق، وكل زندقة متفلسفة، ويقيم بشرائعه وأحكامه منائر التوحيد الخالص لله تعالى وحده، وينشر بآدابه في آفاق الحياة نور الحق والخير!
هذه الأكذوبة (الغرنوقيّة الخبيثة) تريد من المسلمين أن يجعلوا من سيّد المرسلين، خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم في يد الشيطان، وأن يجعلوا منه صلى الله عليه وسلم معبثة للشرك والمشركين، وأبطولة يرقص من حولها الملاحدة والحاقدون، ولكن الله تعالى يأبى إلا أن يجعل من دينه، دين الإِسلام الذي رضيه لمحمد صلى الله عليه وسلم حصناً حصيناً، لا تقتحمه الأباطيل والترّهات، ولا تنطلي على حذّاق حملته من الجهابذة زندقة المتزندقين، وقد أخبر سبحانه إخباراً لا يتخالجه الريب، ولا يحوم حول حماه الشك، بأنه هو الذي تولى بنفسه حفظ دستوره (القرآن الحكيم المحكم)، فلا يدخل في ساحته افتراء المفترين، ولا يلج إلى حظيرة قدسه عبث الشياطين، فقال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} (الحجر)!
وليتأمل المتأمّلون في هذه الآية الحكيمة المحكمة، وفي قول الله تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} (المائدة: 44)!
ليروا ما أضفى ربّ العزّة تبارك وتعالى على كتابه القرآن الحكيم المحكم من حفاوة الاختصاص بتولّي حفظه، وإسناد ما أفاضه على التوراة من فضله. فوكل حفظه إلى الربانيّين والأحبار!
قال أبو حيّان في البحر: وقد أخذ الله على العلماء حفظ الكتاب -أي التوراة- من وجهين:
أحدهما: حفظه في صدورهم، ودرسه بألسنتهم!
والثاني: حفظه بالعمل بأحكامه، واتباع شرائعه!
وهؤلاء ضيّعوا ما استحفظوا، حتى تبدّلت التوراة .. وفي بناء الفعل للمفعول، وكون الفعل للطلب ما يدل على أنه تعالى لم يتكفّل بحفظ التوراة، بل طلب منهم حفظها، وكلّفهم بذلك، فغيّروا وبدّلوا، وخالفوا أحكام الله، بخلاف كتابنا فإن الله تعالى تكفّل بحفظه، فلا يمكن أن يقع فيه تبديل ولا تغيير، قال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} !
أفلا يعقل الغِرنوقيّون؟!
هذه الأكذوبة الخبيثة البلهاء كانت إحدى الفرى الحاقدة التي طوّفت ببعض مؤلّفات الجمّاعين للغثّ والسّمين، فرواها في غفلة من العقل والعلم بعض المفسدين، وأدخلت على بعض المحدّثين، مغلّفةً بأغلفة الأسانيد، محاطة
بهالات بريق الأسماء، فردّدها بأساليب مختلفة، وفرطحها كثير ممن تلقّفها بالبله والغفلة، ورتعت في أسفار المؤرخين، فأعادوا فيها وأبدوا، وزادوا ونقصوا، وأثبتوا وحذفوا، وشوّهوا وزيّنوا، ومسخوا وحرّفوا، وتلقّاها القصّاصون فغنّوا بها، وكان إبليس هو عازف موسيقاها في أنديتهم ومجالسهم، وعازفاً لسماع أباطيلها شفاه الجاهلين من غوغاء العامّة، وعامّة الغوغاء الذين تكبر في صدورهم الغرائب والأعاجيب من المضحات المبكيات، فيهشون لها، ويتزاحمون على محافلها!
بيد أن هذه الأقصوصة الخبيثة والأكذوبة البلهاء، لم تفلت من سياط النقد الممحّص، فنهض إليها من الجهابذة المهرة، والحذّاق العيالم من أئمة الإِسلام المشهود لهم بالفضل والصّدق والتبحّر، والتفقّه في الدين مَنْ طعنها في مقاتلها، فبهرج زيفها، وكشف عن سوأتها، وعرّاها شوهاء متزندقة، وجلاّها بلهاء ملحدة، وأظهرها فريةً مستخبثة، ولكنها ظلّت تعيش في أودية الشياطين تتربّص للوثبة، لتفسد على المجتمع المسلم حياته الإيمانيّة بتشكيكه في أصل من أصول دينه، ودستور حياته (القرآن الحكيم المحكم)، وتزعرع ثقته في صدق نبيّه، سيّد الأنبياء والمرسلين، محمد خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم، ليصبح هذا المجتمع المسلم الذي اكتسح حياة الوثنيّة، والإلحاد المشرك، بهُدى قرآنه، وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، فريسة الإلحاد الجديد على ألسنة المستشرقين والمبشّرين الصليبيّين واليهود السبائيّين، والزنادقة الراونديين، والمتحلّلين من فجّار الشيوعيّن الذين عجزوا عن مواجهة القرآن في مواجهة فكريّة، ومحاجّة علميّة، فلاذوا إلى الافتراء يختلقونه، وإلى الأباطيل يزرعونها في أرضه في غفلة من حرّاسه الغرّ الميامين، ليغيّروا معالم هدايته، ويشوّهوا حقائق دستوره -ويخلعوا عن نبيّه سيّد الأنبياء
والمرسلين صلى الله عليه وسلم خلعة العصمة التي حفظه الله بها عن أيّ خطأ فيما يبلّغه الرسول عن الله تعالى من الشرائع والأحكام إلى الخلق كافّةً، فكانت عاصماً له صلى الله عليه وسلم من أن يكون للشيطان عليه سبيل!
والعصمةُ عن الخطأ فيما يبلّغه الرسول عن الله تعالى ثابتة بإجماع طوائف الأمّة خلفاً عن سلف، لم يعرف في هذا مخالف إلا من أوّل وحرّف وبدّل، وذلك أمره إلى الله، يتولّى جزاءه بما يستحقّ من جزاء!
المبشرون المستشرقون:
وقد أصدر المبشّرون والمستشرقون ما يُسمَّى (دائرة المعارف الإِسلاميّة) بعدة لغات، لينشروا بواسطتها طعونهم في القرآن الكريم، والسنة النبويّة، ويعدّ هذا في مقدّمة أخطر عمل لهم!
وأصدروا موجزاً لها بنفس تلك اللغات، كما بدأوا في الوقت الحاضر في إصدار طبعة جديدة، ظهرت في أجزاء .. ومصدر هذه الخطورة أن المستشرقين جمعوا كل ما يستطيعون لإصدار هذه الدائرة التي تعتبر مرجعاً لكثير من المسلمين الجاهلين، وغيرهم في دراساتهم، على ما فيها من خلط وتحريف وتعصبّ سافر ضد الإِسلام والمسلمين!
إنهم يفتحون عيونهم لكل الاتجاهات، وهم يقظون لكل حركة قد تفوق سيرهم أو تفسد خططهم .. فإن حاول أحدهم أن يبدو محايداً، أو يتخفّف من أثقال التعصبّ تجد بقية المستشرقين يهبّون في وجهه .. ولا يعرف العقل ولا النطق حدًّا لا يقوم به هؤلاء من تحريف للتاريخ الإِسلامي، وتشويه لمبادئ الإِسلام وثقافته، وتقديم المعلومات الخاطئة عنه وعن أهله!
والمستشرقون جميعاً فيهم قدر مستشرك من هذا الجانب، والتفاوت -إن وجد بينهم- إنما هو في الدرجة فقط، فبعضهم أكثر تعصّباً ضدّ الإسلام وعدواةً له من البعض الآخر، ولكن يصدق عليهم جميعاً أنهم أعداؤه!
وإذا كان الاستشراق قد قام على أكتاف الرهبان والمبشّرين في أوّل الأمر، ثم اتصل من بعدهم بالمستعمرين، فإنه مازال حتى اليوم يعتمد على هؤلاء وأولئك، ولو أن أكثرهم يكرهون أن تنكشف حقيقتهم، ويؤثرون أن يختفوا وراء مختلف العناوين والأسماء! (1)
المستشرق اليهودي (يوسف شاخت) وأسطورة الغرانيق:
ومن هنا نستطيع أن نتصوّر ما قاله المستشرق اليهودي (يوسف شاخت)، في (دائرة المعارف الإِسلامية) تحت مادة (أصول): إن أول مصادر التشريع في الإسلام، وأكثرها قيمة (هو الكتاب)، وليس هناك من شك في قطعيّة ثوبته وتنزّهه عن الخطأ، على الرغم من إمكان سعى الشيطان لتخليطه .. ثم استشهد بقوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)} (الحج)!
المستشرق (بروكلمان) وغيره:
ولم ينفرد هذا المستشرق بهذا الزعم، فقد شاركه المستشرق (بروكلمان)
(1) المبشرون والمستشرقون في موقفهم من الإِسلام، للدكتور محمد البهي: 2 وما بعدها بتصرف، وانظر: السنة بين أنصارها وخصومها، للمؤلف: 619 وما بعدها.
في كتابه (تاريخ الشعوب الإِسلاميّة)(1)، والمستشرق (الفريد جيوم) في كتابه (الإِسلام)(2) حيث صرّحا بأن اعتمادهما على ما جاء في كتب التفسير .. وحيث ذكرا تلك المزاعم الإسرائيلية المزعومة لإثبات زعمهما!
يقول الدكتور هيكل: (3) الحجج التي يسوقها من يقولون بصحّة حديث الغرانيق، هي حجج واهية، لا تقوم أمام التمحيص، ونبدأ بدفع حجة المستشرق (موير) فالمسلمون الذين عادوا من الحبشة إنما دفعهم إلى العود إلى (مكة) سببان:
السبب الأول:
أن عمر بن الخطاب أسلم بعد هجرتهم بقليل، وقد دخل عمر رضي الله عنه في دين الله بالحميّة التي كان يحاربه من قبل بها، لم يُخف إسلامه ولم يستتر، بل ذهب يعلنه على رؤوس الملأ ويقاتلهم في سبيله، ولم يرض عن استخفاء المسلمين وتسلّلهم إلى شعاب مكّة، يقيمون الصلاة بعيدين عن قريش، بل دأب على نضال قريش حتى صلّى عند الكعبة، وصلّى المسلمون معه، هنالك أيقنت قريش أن ما تنال به محمداً وأصحابه من الأذى يوشك أن يثير حرباً أهليّة، لا يعرف أحد مداها، ولا على من تدور دائرتها، فقد أسلم من مختلف قبائل قريش وبيوتاتها رجال تثور لقتل أيّ واحد منهم قبيلته، وأن كانت على غير دينه؛ فلا مفرّ إذن من الالتجاء في محاربته إلى وسيلة لا يترتّب عليها هذا الخطر!
وإلى أن تتّفق قريش على هذه الوسيلة فقد هادنت المسلمين فلم تنل أحداً
(1) انظر: تاريخ الشعوب الإِسلامية، للمستشرق (بروكلمان): 37 وما بعدها، وأيضاً: السابق: 620 وما بعدها.
(2)
انظر: الإِسلام، للمستشرق (الفريد جيوم): 35 - 36.
(3)
حياة محمد: 162 وما بعدها، ط الثالثة عشرة، النهضة المصرية.
منهم بأذى، وهذا هو ما اتصل بالمهاجرين إلى الحبشة، ودعاهم إلى التفكير في العودة إلى مكة! وربما ترددوا في هذا العود!
السبب الثاني:
الذي ثبّت عزمهم، أن الحبشة شبّت بها يومئذ ثورة على النجاشيّ، لتُهمٍ وُجهت إليه في دينه ولما أبدى من عطف على المسلمين، ولقد أبدى المسلمون أحسن الأمانيّ أن ينصر الله النجاشيّ على خصومه، لكنهم لم يكونوا ليشاركوا في هذه الثورة، وهم أجانب، ولم يك قد مضى على مقامهم بالحبشة زمن قليل، أما وقد ترامت إليهم أنباء الهدنة بين محمد وقريش، هدنة أنجت المسلمين مما كان يصيبهم من الأذى، فخيرٌ لهم أن يدعوا الفتنة وراء ظهورهم، وأن يلحقوا بأهليهم، وهذا ما فعلوه كلّهم أو بعضهم، على أنهم ما كادوا يبلغون (مكّة)، حتّى كانت قريش قد ائتمرت ما تصنع بمحمد وأصحابه، واتفق عشائرها وكتبوا كتاباً تعاقدوا فيه على مقاطعة بني هاشم مقاطة تامة، فلا ينكحوا إليهم -كما سيأتي- وبهذا الكتاب عادت الحرب العنوان بين الفريقين، ورجع الذين عادوا من الحبشة، وذهب معهم من استطاع اللحاق بهم، وقد وجدوا هذه المرّة عنتاً من قريش؛ إذ حاولت أن تمنعهم من الهجرة!
ليس الصلح الذي يشير إليه المستشرق (موير) هو إذن الذي دعا المسلمين إلى العودة من بلاد الحبشة، إنما الذي دعاهم هذه الهدنة التي حدثت على إثر إسلام عمر رضي الله عنه وحماسته في تأييد دين الله، فتأييد حديث الغرانيق إذن بحجّة الصلح تأييد غير ناهض!
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ - فقد تلقّفت ألسن المستشرقين تلك الأباطيل، وقاموا بنشرها، مما يضيق عنه المقام!
ردود العلماء:
هذا، وكتب كثير من علماء التفسير والحديث في ردّ هذه القصة المختلقة المصنوعة الموضوعة، وأثبتوا بطلانها سنداً ومتناً بالأدلة الدامغة والحجج القاطعة، ومن هؤلاء:
1 -
محمد بن إسحاق، فقد صنّف في تفنيدها كتاباً.
2 -
البيهقي، فقد تكلّم في رواة هذه القصة، وأبان أنها غير ثابتة.
3 -
أبو حيّان في (البحر المحيط).
4 -
ابن العربي في (أحكام القرآن).
5 -
القاضي عياض في (الشفا في حقوق المصطفى).
6 -
الفخر الرازي في (مفاتيح الغيب).
7 -
القرطبي في (أحكام القرآن).
8 -
(الكرماني على البخاري) وقد نقل كلامه الحافظ في (الفتح).
9 -
العيني في (عمدة القاري).
15 -
الشوكاني في (فتح القدير).
11 -
الآوسي في (روح المعاني).
12 -
محمد عبده في (مسألة الغرانيق) تفسير الفاتحة مع ثلاث مقالات، المقالة الثانية.
13 -
صديق خان في (فتح البيان).
14 -
محمد ناصر الدين الألباني في (نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق).
بطلان الأسطورة سنداً ومتناً:
يطالعنا في المقدمة بطلان هذه القصة المزعومة سنداً ومتناً .. وسبق أن ذكرت ذلك بالتفصيل في كتاب (السنة بين أنصارها وخصومها)(1).
والخلاصة أن بعض الناس يزعم أن سبب رجوع المهاجرين من الحبشة كان لوقوع هدنة حقيقيّة بين الإِسلام والوثنيّة، أساسها أن محمداً صلى الله عليه وسلم تقرّب إلى المشركين بمدح أصنامهم، والاعتراف بمنزلتها؛ إذ زعموا أنه قرأ على المشركين سورة (النجم) حتى وصل قوله تعالى:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)} (النجم)!
ألقى الشيطان في آذن المشركين قوله: (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى)! فسجد وسجد كفار مكّة، فلمّا بلغهم ذلك في الحبشة ظنوا أن القوم قد أسلموا لهذه القصة المزعومة!
وممن روى هذه القصة المزعومة ابن سعد، والطبري، والبيهقي. (2)
ولم يروها أحد من أصحاب الكتب الستة والإمام أحمد، ولا غيرهم من أصحاب الكتب المعتمدة على التحرير!
قال ابن كثير: (3) وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق،
(1) السنة بين أنصارها وخصومها للمؤلف: 2: 622 وما بعدها، رسالة دكتوراة عام 1976، تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى والتوصية بطبعها على نفقة جامعة الأزهر وتداولها مع الجامعات.
(2)
الطبقات: 1: 205 - 206 من طريق الواقدي، والطبري: التفسير: 17: 131 - 132، وفي إسناده أبو معشر، والبيهقي: الدلائل: 2: 285 - 287 بسند ضعيف.
(3)
التفسير: 3: 229.
ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم!
وللقاضي عياض (1) عدّة مآخذ، وفي ذلك يقول:
أما المأخذ الأول أن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته، وإنما أولع به وبمثله المفسّرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقّفون من الصحف كل صحيح وسقيم!
وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي، حيث قال:
لقد بُلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلّق بذلك الملحدون، مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته، فقائل يقول: إنه في الصلاة، وآخر يقول: قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة!
وآخر يقول: قالها وقد أصابته سنَةٌ!
وآخر يقول: بل حدّث نفسه فسها!
وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والله! ما هكذا نزلت، إلى غير ذلك من اختلاف في الرواة!
ومَن حُكيَتْ هذه الحكاية عنه من المفسّرين والتابعين، لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية، والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن
(1) الشفا: 2: 132 وما بعدها، دار الأرقم.
عباس، قال فيما أحسب -الشك في الحديث- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكّة، وذكر القصة!
قال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا، ولم يسنده عند شعبة إلا أميّة بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير، وإنما يعرف عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، فقد بيّن أبو بكر رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره إلا هذا!
وفيه من الضعف ما نبّه عليه، مع وقوع الشكّ فيه، كما ذكرناه، الذي لا يوثق به، ولا حقيقة معه!
وأما حديث الكلبي فممّا لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره، لضعفه الشديد وكذِبه، كما أشار إليه البزار رحمه الله!
قول الحافظ ابن حجر:
وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر بعض مصادر القصّة وأسانيدها وطرقها (1): وكلها سوى طريق سعيد بن جبير، إمّا ضعيف، وإمّا منقطع، ولكن كثرة الطرق تدلّ على أن للقصة أصلاً، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين، رجالهما على شرط الصحيحين: أحدهما: ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب
…
والثاني: ما أخرجه أيضاً من طريق المعتمر بن سليمان وحماد بن سلمة
…
(1) فتح الباري: 8: 439.
وسبق أن ذكرنا أن للألباني رسالة في هذا المقام خرّج فيها أحاديث هذه القصة وحكم عليها بالبطلان، مشيراً إلى أن هناك عدّة روايات مرسلة أسانيدها صحيحة إلى مرسليها، ومن ثمَّ يتّفق في هذا مع ابن حجر، ولكنه يختلف معه في النتيجة، فقد ذهب ابن حجر إلى تقوية تلك الأحاديث الرسلة، حيث قال: فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دلَّ ذلك على أن لها أصلاً، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتجّ بمثلها من يحتجّ بالرسل، وكذا من لا يحتجّ به لاعتضاد بعضها ببعض! (1)
أما الألباني فإنه يرى أن تقوية الحديث بكثرة الطرق ليست على إطلاقها، وله منطقه وحجته في هذا، وخلص إلى ردّ تلك الآثار المرسلة لكونها لا تعتضد عنده (2).
وهنا قال الدكتور الأعظمي (3): ونقل الألباني (4) عن ابن تيمية في مسألة الاحتجاج بالمرسل ما مفاده (.. وإن جاء المرسل من وجهين، كل من الروايين أخذ العلم عن غير شيوخ الآخر، فهذا يدل على صدقه، فإن مثل ذلك لا يتصور في العادة تماثل الخطأ وتعمّد الكذب
…
).
وهنا نذكر ما قاله السيوطي (5): فإن صحّ مخرج المرسل بمجيئه أو نحوه من وجه آخر، مسنداً أو مرسلاً أرسله من أخذ العلم عن غير رجال المرسل
(1) السابق.
(2)
نصب المجانيق: 20 وما بعدها.
(3)
حاشية مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم لعروة بن الزبير: 107.
(4)
نصب المجانيق: 23.
(5)
تدريب الراوي: 1: 198 - 199، دار الكتب العلمية.
الأول كان صحيحاً، هكذا نص عليه الشافعي في (الرسالة)، مقيّداً له بمرسل كبار التابعين، ومن إذا سمّى من أرسل عنه سمّي ثقة، وإذا شاركه الحفاظ المأمونون لم يخالفوه، وزاد في الاعتضاد أن يوافق قول صحابي أو يفتي أكثر العلماء بمقتضاه، فإن فقد شرط مما ذكر لم يقبل مرسله!
قول الدكتور (أبو شهبة):
ويطالعنا ما ذكره أستاذنا الدكتور أبو شهبة رحمه الله على ما ذكره الحافظ وتابعه عليه السيوطي وغيره قائلاً: (1)
1 -
إن جمهور المحدّثين لم يحتجوا بالمرسل، وجعلوه من قسم الضعيف، لاحتمال أن يكون المحذوف غير صحابي، وحينئذ يحتمل أن يكون ثقة أو غير ثقة، وعلى الثاني فلا يؤمن أن يكون كذّاباً، وقد قرّر الإِمام مسلم هذه الحقيقة فقال:(والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة)(2).
وقال ابن الصلاح (3): (وما ذكرنا من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو الذي استقرّ عليه آراء جماهير حفّاظ الحديث وتداولوه في تصانيفهم، والاحتجاج به مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما في طائفة، أما الشافعي فيحتج به بشروط ذكرها في رسالته، وقد نقلها العراقي في شرح ألفيّته وغيره!
2 -
الاحتجاج بالمرسل إنما هو في فروع اللّين التي يكتفي فيها بالظن، أما الاحتجاج به على شيء يصادم العقيدة، وينافي دليل العصمة فغير
(1) السيرة النبويّة في ضوء القرآن والسنة: 1: 368 - 369.
(2)
مقدمة صحيح مسلم: 1: 3.
(3)
مقدمة ابن الصلاح: 58.
مسلّم، وقد قال علماء التوحيد: إن خبر الواحد لو كان صحيحاً لا يؤخذ به في العقائد؛ لأنه لا يكتفي فيها إلا بما يفيد اليقين، فما بالك بالضعيف أو المختلف فيه!
هذا إضافة إلى أن القصّة لم يروها أحد من أصحاب الكتب الستة أو الإِمام أحمد، ولا غيرهم من أصحاب الكتب المعتمدة على التحرير!
قول الإِمام محمد عبده:
وقال الشيخ محمد عبده: إن وصف العرب لآلهتهم بـ (الغرنيق) لم يرد لا في نظمهم ولا في خطبهم، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جارياً على ألسنتهم، إلا ما جاء في معجم ياقوت من غير سند، ولا معروف بطريق صحيح، والذي تعرفه اللغة أن الغُرنوق والغِرْنوق، والغُرنيق، والغِرنيق اسم لطائر مائي أسود أو أبيض، ومن معانيه الشاب الأبيض الجميل، ويطلق على غير ذلك، ولا شيء من معانيه اللغويّة يلائم معنى الإلهيّة والأصنام، حتى يطلق عليها في فصيح الكلام الذي يعرض على أمراء الفصاحة والبيان!
ووجه آخر لبطلان هذه القصّة من حيث الأسلوب اللغوي السليم هو قول المفترين: إن آيات الغرانيق جاءت بين الآيات: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22)} (النجم)!
ما هذا؟ ذمّ ثم مدح ثم ذمّ لذات الشيء، فلو أن القصّة صحيحة لما كان هناك تناسب بينها وبين ما قبلها وما بعدها، ولكان النظم مفككاً والكلام متناقضاً، وهو مما لا يخفى على المبتدئين في تعلّم اللغة العربيّة، دعك عن عرب قريش، أهل الفصاحة والبيان. (1)
أمّا الآية التي اقترن تفسيرها بقصة الغرانيق: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)} (الحج)!
فخلاصة ما يُقال عنها: إن تفسير البخاري (التمنّي) بما نقله عن ابن عباس غير ملزم لتعيين تفسير (التمنّي) في الآية بـ (التلاوة والقراءة)، وهو التفسير الذي كان مفتاحاً لباب اختراع أكذوبة الغرانيق، وما اشتملت عليه من طامات وبلايا لأن التمنّي جاء في الآية مطلقاً عن قيد الإضافة إلى الكتاب، فلم يذكر له مفعول قيّد به. (2)
البطلان من حيث الزمان:
قال ابن حجر: هذه القصة وقعت بمكّة قبل الهجرة اتفاقاً، فتمسّك بذلك من قال: إن سورة الحج مكّية، لكن تعقّب بأن فيها أيضاً ما يدلّ على أنها مدنيّة .. فالذي يظهر أن أصلها مكّي، ونزل فيها آيات بالمدينة، ولها نظائر! (3)
(1) انظر: السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة: 1: 371 - 372، وفقه السيرة: الغزالي: 118.
(2)
انظر: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 73 وما بعدها.
(3)
فتح البخاري: 8: 440.
وقال الدكتور الشامي: آية التمنّي هذه إن لم تكن مدنيّة، فهي ممّا نزل بين مكّة والمدينة، والحادثة حسب زعم رواتها مكّية، فهل يعقل أن يكون ذلك الزمن غير القصير بين الحادثة وبين نزول الآية التي جاءت تعقيباً عليها؟ (1)
سبب سجود المشركين:
وهنا نذكر ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجنّ والأنس.
تابعه ابن طهمان عن أيوب، ولم يذكر ابن عليّة ابن عباس.
وفي رواية عن عبد الله رضي الله عنه، قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة (والنجم) قال: فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسجد مَن خلفه، إلا رجلاً رأيته أخذ كفًّا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قُتل كافراً، وهو أميّة بن خلف. (2)
قال ابن حجر (3): أما متابعة إبراهيم بن طَهمان فوصلها الإسماعيلي من طريق حفص بن عبد الله النيسابوري عنه بلفظ: (أنه قال حين نزلت السورة التي فيها النجم سجد لها الإنس والجن).
وأما حديث ابن عليّة فالمراد به أنه حدّث به عن أيّوب فأرسله، وأخرجه
(1) معين السيرة: 76.
(2)
البخاري: 65 - التفسير (4862، 4863)، وانظر (1071)، والترمذي (575)، والبغوي (763)، والدارقطني: 1: 409، وابن حبان (2764).
(3)
فتح الباري: 8: 614.
ابن أبي شيبة عنه، وهو مرسل، وليس ذلك بقادح، لاتفاق ثقتين عن أيّوب على وصله، وهما عبد الوارث وإبراهيم بن طَهمان.
وقوله (والجنّ والإنس) إنما أعاد الجنّ والإنس مع دخولهم في المسلمين لنفي توهّم اختصاص ذلك بالإنس .. قال الكرماني: سجد المشركون مع المسلمين؛ لأنها أول سجدة نزلت، فأرادوا معارضة المسلمين بالسجود لمعبودهم، أو وقع ذلك منهم بلا قصد، أو خافوا في ذلك المسجد من مخالفتهم.
قال ابن حجر: والاحتمالات الثلاثة فيها نظر، والأوّل منها لعياض، والثاني يخالفه سياق ابن مسعود، حيث زاد فيه أن الذي استثناه منهم أخذ كفًّا من حصى فوضع جبهته عليه، فإن ذلك ظاهر في القصد، والثالث أبعد؛ إذ المسلمون حينئذ هم الذين خافوا من المشركين لا العكس، قال: وما قيل من أن ذلك بسبب إلقاء الشيطان في أثناء قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صحة له عقلاً ولا نقلاً!
ثم قال: لكن روى النسائي بإسناد صحيح عن المطّلب بن أبي وداعة قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم بمكّة (والنجم) فسجد وسجد من عنده، وأبيت أن أسجد، ولم يكن يومئذ أسلم ..
وقال: وقد وافق إسرائيل على تسميته زكريّا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عند الإسماعيلي، وهذا هو المعتمد، وعند ابن سعد أن الذي لم يسجد هو الوليد بن المغيرة، وقيل: سعيد بن العاص بن أميّة، قال: وقال بعضهم كلاهما جميعاً، وجزم ابن بطّال في (باب سجود القرآن) بأنه
الوليد، وهو عجيب منه، مع وجود التصريح بأنه أميّة بن خلف، ولم يقتل ببدر كافراً من الذين سمعوا عند غيره، ووقع في تفسير ابن حبان بأنه أبو لهب، وفي (شرح الأحكام لابن بزيزة) أنه منافق، وردّ بأن القصّة وقعت بمكّة بلا خلاف، ولم يكن النفاق ظهر بعد، وقد جزم الواقدي بأنها كانت في رمضان سنة خمس، وكانت المهاجرة الأولى إلى الحبشة قد خرجت في شهر رجب، فلما بلغهم ذلك رجعوا فوجدوهم على حالهم من الكفر، فهاجروا الثانية، ويحتمل أن يكون الأربعة لم يسجدوا، والتعميم في كلام ابن مسعود بالنسبة إلى ما اطلع عليه، كما قلته في المطّلب، لكن لا يفسّر الذي في حديث ابن مسعود إلا بأميّة؛ لما ذكرته، والله أعلم!
لا سبيل للشيطان:
هذا، وقد دلّت النصوص الناطقة نقلاً وعقلاً على أنه لا سبيل للشيطان قط على أنبياء الله ورسله، لعصمتهم من تسلطه عليهم (1)!
أما من جهة النقل: فقد قال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65)} (الإسراء)!
وقوله حكايته عن إبليس في نفيه استطاعة التضليل لعباد الله المخلَصين: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40)} (الحجر)، (ص: 83)!
وبإزالة هذه الوساوس الشيطانيّة، والشُّبه الإضلاليّة، يتميّز الحق، وهو ما جاءت به الرسل من الهُدى والتوحيد عن الباطل، وهو ما يلقيه الشيطان من الوسوسة والأباطيل في أنفس المشركين، والذين في قلوبهم مرض، ليصدّهم
(1) محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 98 وما بعدها بتصرف.
عن قبول الحق، وفي صدور ضعفاء المؤمنين، ليشككهم في عقائد التوحيد والإيمان والهداية، وبهذا التمييز لا تختلط آيات الله ودلائل توحيده، وبراهين صدق أنبيائه ورسله ومحكم شرائعه بغيرها من أباطيل الشّبه الشيطانيّة .. قال الإِمام ابن تيمية: وجعل ما ألقى الشيطان فتنةً للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم إنما يكون إذا كان ظاهراً يسمعه الناس، لا باطناً في النفس!
قال الشيخ عرجون:
إذا كان ما ألقاه الشيطان إنما ألقاه في أسماع أوليائه من الكفرة الفجرة، ولم يلفظ به النبي صلى الله عليه وسلم لعصمته عن تلبيس الشيطان -كما هو منزع الإِمام ابن تيمية- وقد وقعت الفتنة بما سمعوه، وهم بمعزل عن إحكام آيات الله- فلا قيمة لنسخ ما ألقاه الشيطان في مسامعهم، ولم يختلط بآيات الله الموحَى بها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لصونها وإحكامها عن زيادة الشيطان!
على أن قول الشيخ الإِمام ابن تيمية:
وجعل ما ألقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم، إنما يكون إذا كان ظاهراً يسمعه الناس، لا باطناً في النفس، دعوى مجرّدة من الدليل؛ لأن ما يلقي الشيطان من الشبهة والأضاليل في قلوب أعداء الإِسلام أشدّ فتنةً للقاسية قلوبهم من المشركين المعاندين، والذين في قلوبهم مرض من المنافقين؛ لأن الشبهة والأضاليل تؤثر في القلب، وتغطّيه بالرّان وظلمة الكفر، وحيرة الشك، وتؤثر في العقل فتفسد إدراكاته، وأمّا ما يسمع ظاهراً ففتنته ضعيفةٌ موقوتةٌ بسماعه، والسماع لايستقرّ أثره، بل يذهب مع تيّار النسيان، ونزغات الشيطان!
ثم قال الإِمام ابن تيمية:
والفتنة التي تحصل بهذا النوع من النسخ من جنس الفتنة التي تحصل من نوع آخر من النسخ، وهذا النوع -أي الفتنة بإلقاء الشيطان في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم كلمات الكفر، ومدح الأوثان، ثم نسخ ذلك بعد
زمن قد يطول وقد يقصر -أدلّ على صدق الرسول وبعده عن الهوى من ذلك النوع- أي النسخ الاصطلاحي المعروف في أصول الفقه المتفق على جوازه ووقوعه من جمهور الأئمة، ولم يخالف فيه جوازاً أو وقوعاً سوى شذوذ من الناس، وقد شهر بهذه المخالفة أبو مسلم الأصفهاني ومن تقيّله من المتأخّرين!
وهذا النوع هو المعروف بإزالة حكم شرعي بحكم شرعي آخر لحكمة تشريعيّة، كتخفيف لحكم الأول، أو انتهاء زمن العمل به، أو زوال أثر الحكم الأوّل، أو كون الحكم الثاني أزجر منه عند كثرة الفساد وشيوعه!
قلنا: إن جعل نوع نسخ ما ألقاه الشيطان من كلمات الكفر أدلّ على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم من نوع النسخ الاصطلاحي أمر عجيب في قياس الاستقامة العلميّة ومنطق العقل، وإلا فكيف يكون نسخ ما ألقى الشيطان من كلمات الشرك والكفر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم في قراءته لآيات الله بعد استقراره زمناً -وهو محال- أدلّ على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وبُعده عن الهوى، وهذا النسخ بهذا المعنى يدلّ على أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل من الشيطان كلمات الكفر وأدخلها في آيات الله على أنها وحي من الله تعالى وقرآنه، واستقرّ عنده زمناً حتى نسخ وأزيل بوحي جديد!!
ولو صحّ هذا -وما زعمه (الغرنوقيّون) - فماذا بقي للنبي صلى الله عليه وسلم من معالم العصمة، وثقة الأمّة المأمورة بمتابعته في جميع ما يبلّغه عن الله تعالى، وقد بلّغها هذا الكفر الخبيث في زعم (الغرنوقيّين) القائلين بثبوت (أكذوبة الغرانيق)، كما جاءت بها المراسيل الواهية الباطلة؟! وما الضمان عند الأمّة في أن تقبل وتصدّق أن الوحي الناسخ لأكذوبة الشيطان هو وحي صادق من عند الله، وليس من تلبيس الشيطان؟! وما هو الضمان عند الأمّة فيما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك من الوحي لتتقبّله وتمتثل لأحكامه تحقيقاً لوجوب المتابعة؟!
أمّا نسخ حكم شرعي بحكم شرعي آخر لحكمة اقتضت ذلك، وكلاهما -بالقطع- من عند الله فهو الدّالّ على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وبعده عن الهوى؛ لأن الناسخ والمنسوخ كلاهما من عند الله تعالى بوحيه القاطع بلا افتراء، وكلاهما شرع صادق واجب الامتثال في زمنه، وليس للشيطان فيه أيّ مدخل، والنبيّ صلى الله عليه وسلم متبع في هذا النوع من النسخ أمر الله تعالى محقق لقول الله:{إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)} (الأحقاف)!
وقوله: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} (النجم)!
ثم قال الإِمام ابن تيمية: فإنه -أي الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كان يأمر بأمر، ثم يؤمر بخلافه وكلاهما من عند الله، وهو مصدّق في ذلك، فإذا قال عن نفسه: إن الثاني هو الذي من عند الله وهو الناسخ، وإن ذلك المرفوع الذي نسخه الله ليس كذلك كان أدلّ على اعتماده للصّدق وقوله الحق!
قلنا: هذا الكلام مغلق غامض، بل ظاهر التناقض، فعبارة الشيخ الإِمام السابقة تقرّر أن نوع النسخ فيما يلقيه الشيطان أدلّ على صدق النبيّ صلى الله عليه وسلم، وبعده عن الهوى، وعبارته هنا تقرّر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم يأمر بأمر ثم يأمر بخلافه، وكلاهما من عند الله، وهو مصدّق في الأمرين -هذا مسلّم في نوع النسخ الشرعي الذي هو إزالة حكم شرعيّ بحكم شرعيّ آخر لحكمة مقتضية لذلك!
أمّا نوع النسخ الذي أزال فيه الوحي الصادق حكماً شيطانيًّا بحكم آخر منزل من عند الله -في زعم مثبتي أكذوبة الغرانيق- فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يأمر فيه بأمر ثم أمر بخلافه، وإنما الذي اعتمده مثبتو (أكذوبة الغرانيق الخبيثة الباطلة) أن الشيطان هو صاحب الأمر الأول بإلقائه -كما تقول روايات الأكذوبة، على
لسان النبي صلى الله عليه وسلم كلمات أخبث الكفر، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، وتلاه فيما تلا من آيات الله، واستقرّ ذلك عنده اعتقاداً حتى سجد في آخر السورة، وسجد معه المشركون، تعظيماً لآلهتهم التي مدحت بهذا الكلام الخبيث حتى نزل ملك الوحي بعد مضيّ قدر من الزمن، فاستقرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم آيات السورة التي جاء بها إليه، فقرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وزاد (في زعم مثبتي أكذوبة الغرانيق) كلمات الشيطان في مدح الأوثان، فنبّهه جبريل عليه السلام
…
فكيف ينسب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو المحفوظ بالعصمة من تلبيس الشيطان أنه يأمر بأمر، ثم يأمر بخلافه في (قصة الغرانيق الكاذبة الماطلة)؟!
وكيف يكون مصدّقاً في الأمرين؟
الأمر الأوّل، وهو زعم إلقاء الشيطان على لسانه أخبث الكفر!
والأمر الثاني، وهو إزالة هذا الضلال الكفور الذي يستحيل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قاله بلْه أمر به!
وإذا صدق في الأمرين في (أكذوبة الغرانيق)، فماذا يبقى له صلى الله عليه وسلم من الثقة به في النفس، لتتلقّى عنه ما يبلّغه من رسالته عن الله تعالى من الهداية؟
وإذا قال بعد ذلك أنه أمر بالأمرين:
أمر الحق الذي أزال به ما ألقاه الشيطان، وأمر الباطل الذي لبّس به عليه الشيطان، إذن فالأمر الثاني -أي الناسخ لما ألقاه الشيطان من الكفر والضلال هو من عند الله، وأن الأمر الأوّل المنسوخ ليس كذلك -أي ليس من عند الله- فكيف يكون ذلك أدلّ على اعتماده الصدق وقوله الحق، ولا شكّ أن الأمر الأوّل كذب وافتراء على الله تعالى ويستحيل وقوعه من النبي صلى الله عليه وسلم!
فإذا قال (الغرنوقيّون) إنه قد وقع فقد نسبوا الكذب المتعمّد على الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم! فيما بلّغه عنه، فأين الصدق الذي يدلّ عليه؟
وإذا نسب إليه صلى الله عليه وسلم الكذب في الأمر الأوّل المنسوخ فما برهان صدقه في الأمر الثاني، وهو الناسخ الذي نزل لمحو الباطل، وأنه ليس من عند الله، وإنما هو من عمل الشيطان وتلبيسه!
هذه كلها أباطيل حكيت من نسج الزندقة وأخبث الكفر، وخدع بها الأغرار -إن صحت بعض روايات المراسيل في أكذوبة الغرانيق- فكيف قبلها الشيخ الإِمام ابن تيمية، وهو صاحب الرسوخ في فقه الرواية ونقد الأسانيد؟!
وقد انتهى الشيخ الإِمام ابن تيمية إلى القول بأن الذين يثبتون العصمة بمعنى عدم وقوع الذنب من الأنبياء والمرسلين، ولاسيّما فيما يبلّغونه عن الله تعالي تأوّلوا بمثل تأويلات (الجهميّة) و (القدريّة) و (الدّهريّة) لنصوص (الأسماء والصفات) ونصوص (القدر) ونصوص (المعاد)، بل أوسع الشيخ في التهمة للنافين وقوع الذنب من الأنبياء والرسل فرماهم بـ (القرمطة) إلى أن قال: وهؤلاء يقصد أحدهم تعظيم الأنبياء فيقع في تكذيبهم، ويريد الإيمان بهم فيقع في الكفر بهم!
وتهمة (الجهميّة) و (القدريّة) و (القرمطة) تهمة تقليديّة شائعة، ولا سيّما في عصر الشيخ الإِمام ابن تيميّة على ألسنة المنتحلين لطريقته ومذهبه، يُرمى بها كل من يفهم نصوص الأسماء والصفات فهماً تنزيهيًّا يليق بجلال الله وكمال ألوهيَّته!
يقول الشيخ عرجون: وإنما عرضنا رأي الشيخ الإمام وناقشناه مناقشة
تفصيليَّة بعد ما منّ الله به في إبطال (أقصوصة الغرانيق)؛ لأن دويّ سمعة الشيخ وهالات الإجلال من حوله جعل كثيراً من الناس لا يتفقّهون فيما قيل، ولكنهم يكتفون بمن قال، فأردنا أن ننبّه على ما في إثبات (أكذوبة الغرانيق) من خطورة على العقيدة التوحيديّة التي كان الشيخ الإِمام أحرص عليها، وعلى دعائمها بني مريدوه، والآخذون بآرائه، مجده التاريخيّ بين أعلام أئمة علماء الأمة!
ويقول: وقد ناقشنا رأي الشيخ الإِمام في (أقصوصة الغرانيق) مناقشة بحث علمي، وهي أشدّ هدماً للعقيدة التوحيديّة، من كثير من القضايا والمسائل التي قرن بها اسمه في اجتهاديّاته، ولقي في سبيلها كثيراً من البلاء والمحن- لئلا يقع في خطئها من يتمسّك بالتقليد والاغترار بهالات الأسماء!
ويقول: والبحث العلميّ لا يقف هيّاباً لهالات الأسماء، وإنما يقف مع الحجّة والبرهان، وقد حُذِّرْنا من زلة العالم، وعثرة الأكابر، والله يهدي من يشاء وإليه المصير!
قلت: معلوم أن كل إنسان مهما علا قدره يؤخذ منه ويرد، مع تقديرنا لجهود ومكانة شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى!
رأي أهوج للكوراني:
هذا، وللشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني
…
رأي متزيّدٌ جريء أهوج، حاول فيه تصحيح (أسطورة الغرانيق الكاذبة الباطلة) حتى كأنه هو واضعها، لم يكتف فيه بالبحث في أسانيد روايات القصّة، كما صنع غيره من مثبتيها، ولم يبال بما تؤدي إليه من معان خطيرة في
سيرة سيّد المرسلين صلى الله عليه وسلم، ولكنه تزيّد باجتهاده متعالماً، واختلق للقصّة سبباً وحكمةً، لم يسبقه إليهما أحدٌ من ملّة الإِسلام، زعم أنها وقعت لهذا السبب، بتلك الحكمة، وخف على نفسه ودينه أن يقيم منهما حكماً على النبي صلى الله عليه وسلم، ليكشف أنه كان مفتقراً إلى (التأديب) لأنه افتأت على إرادة الله وقدره، فأراد إيمان الناس جميعاً، والله لم يرد ذلك ولا قدّره، فكان صلى الله عليه وسلم محلاً للتأديب والتصفية من آثار هذه الإرادة حتى تفنى إرادته في إرادة الله تعالى، فلا يريد إلا ما يريد الله، ويقدّره، فسلّط عليه الشيطان ليغويه، ويلقي على لسانه في أثناء تلاوته لآيات الله المنزلة من عند الله كلمات كافرة تمدح الأوثان، وتجعل منهم شفعاء لعابديهم، تُرضي شفاعتهم وتُرتجى، وإذا كان شيء غير أكفر الكفر وصفاً يمكن أن يوصف به هذا الهوج الأحمق فليكن هذا الوصف مستعاراً لنعت موقف الكوراني إبراهيم بن حسن (خاتمة المتزندقين في عصره)!
فإذا قيل للشيخ إبراهيم الكوراني: إن الله تعالى عصم أنبياءه عن تسلّط الشيطان عليهم، وأخبر عن هذه العصمة في قوله تعالى:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)} (الحجر)!
وفي قوله تعالى حاكياً على لسان إبليس استثناءهم من إغوائه: {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)} (ص)!
قال: في تأويل آيات الله في (فلسفة متزندقة) لم يجرؤ أحد من مثبتي (أبطولة الغرانيق) على القول بمثله: إن السلطان المنفي هو الإغواء، أعني التلبيس المخلّ بأمر الدّين، وهو الذي وقع الإجماع على أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم منه، وأما الإغواء غير المخلّ بأمر الدّين فلا دليل على نفيه ولا إجماع على العصمة منه، إذن هناك إغواء للشيطان في زعم هذا الكوراني، إغواء يخلّ بأمر
الدّين، وإغواء لا يخلّ بأمر الدّين!
قلنا: أليس هذا تحريفاً في تفسير آيات الله تعالى المنزِّهة لعباده المخلصين عن تسلّط الشيطان عليهم بإغوائه وإضلاله وتلبيسه؟! والآيات مطلقة في نفي سلطان الشيطان وإغوائه، والإطلاق هو اللائق بعصمة الأنبياء!
فمن أين للشيخ الكوراني هذا التقسيم المخترق، الذي جعل من إغواء الشيطان إغواءً مخلاً بأمر الدّين، هو فقط مخلّ العصمة عنده، وأما الإغواء الذي لا يخلّ بأمر الدّين، فليس هو مخلاً لعصمة تمنع من وقوعه وتسلّط الشيطان على الأنبياء به؟!
ثم كيف يكون إغواء الشيطان غير مخلّ بالدّين، وعداوة الشيطان كلها للإنسان مرجعها إلى إفساد الدّين بتزيين الكفر والفسوق والعصيان؟!
وإذْ فرض الشيخ الكوراني هذا التقسيم المبتدع واقعاً، فليكن شرعاً وديناً تسري أحكامه على الناس الأنبياء فمن دونهم، وليكن الإغواء الذي لا يخلّ بأمر الدّين -وإن كان لا وجود له في واقع الحياة- هو الذي لا تتعلّق به العصمة، وبه يتسلّط الشيطان عليهم فيغويهم ويضلّهم ويلبّس عليهم، ويريهم أن الشيطان ملك، وأن الملَك شيطان، وأن الأوثان آلهة تشفع لعابديها، وشفاعتها مرجوّة مرتضاة!
وبهذا الإغواء -الذي لا يخلّ بأمر الدّين- وقعت (أخلوقة الغرانيق لتأديب النبي صلى الله عليه وسلم على افتئاته على الله تعالى) وفرض إرادته في إيمان الناس جميعاً، مراغمة لإرادة الله تعالى الذي لم يرد إيمان جميع الناس ولا قدره!
هكذا منطق (فلسفة الشيخ إبراهيم الكوراني المتزندقة) الذي أراد به
الكلام في (أكذوبة الغرانيق المتزندقة)، فالشيطان أغوى سيّد الخلق محمداً صلى الله عليه وسلم إغواءً لا يخلّ بأمر الدّين، ولبّس عليه وأراه أنه أمن الوحي جبريل، وألقى على لسانه، وهو صلى الله عليه وسلم يتلو آيات الله المنزلة عليه في سورة (النجم) كلمات أخبث الكفر من الكلمات التي تمدح الأوثان، وتؤكد أن لها شفاعةً مرجوّة مرتضاة، فيتقبّل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الكلمات الخبيثة الكافرة على أنها مما نزل عليه من آيات الله -من قبيل الإغواء الذي لا يخلّ بأمر الدّين في شرعة الشيخ إبراهيم الكوراني- ويبقى النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الإغواء زمناً لا يُدرى مدى طوله، حتى ينزل عليه أمين الوحي جبريل فيستقرئه ما أنزله عليه من آيات الله، فيقرأ النبي صلى الله عليه وسلم الآيات من أول سورة (النجم) إلى قوله تعالى:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)} ! ثم يقول بعدها: (تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى) فيقول أمين الوحي جبريل: ما جئتك بهذا، هذا من الشيطان!
هذا هو الإغواء الذي تزعم (أخلوقه الغرانيق) في رواياتها الباطلة أنه وقع للنبيّ صلى الله عليه وسلم لتأديبه في فلسفة الشيخ الكوراني، وأنه لم يعصم منه؛ لأنه إغواء لا يخلّ بأمر الدّين في شرعة الشيخ إبراهيم الكوراني، وإذا كانت زيادة كلمات الكفر بأبشع صورة في آيات القرآن الكريم إغواء غير مخلّ بأمر الدّين، والشعبي صلى الله عليه وسلم غير معصوم منه، فأين الإغواء المخلّ بأمر الدّين الذي يعصم منه؟!
أمران باطلان:
وقد انفرد الشيخ إبراهيم الكوراني في سبيل (تصحيح أكذوبة الغرانيق الباطلة بأمرين، لم يقل بهما أحدٌ من متقدّمي أهل العلم ولا متأخّريهم):
الأمر الأول:
هذا التقسيم لإغواء الشيطان إلى إغواء لا يخلّ بأمر الدّين، فلا يُعصم منه الأنبياء فمن دونهم، وإغواء يخلّ بأمر الدّين، فيعصم منه الأنبياء!
فالقسم الأول يكون للشيطان فيه سلطانه المطلق الذي يعبث في العقائد والعبادات، وسائر الفضائل، يضلّ به الأنبياء فمن دونهم من خلّص المؤمنين!
والقسم الثاني هو المنفي فيه سلطان الشيطان في القرآن الكريم، وهو الذي وقع الإجماع على أن النبيّ صلى الله عليه وسلم معصوم منه!
الأمر الثاني:
إن الشيخ إبراهيم الكوراني في سبيل تصحيح (أكذوبة الغرانيق الباطلة) ابتدع حكمةً لوقوعها بصورتها التي حكتها الروايات الواهية الواهنة -ولا ندري- وهو العالم الذي يصفه العلاّمة الآلوسي بخاتمة المتأخّرين -كيف خفّ على نفسه ودينه اختلاقها، ورضيها على علمه ودينه لتصحيح (أكذوبة ضالة مضلة كافرة خبيثة)!
وكلام الشيخ إبراهيم الكوراني اعتمدنا في نقله ومناقشته على نقل العلاّمة المفسّر الجامع شهاب الدّين محمود الآلوسي في تفسيره (روح المعاني)؛ لأننا رأيناه يقول عنه (شيخنا)، ولكنه كان في سوق كلامه ومناقشته حرّ الكلمة منطقي الجدل، لا يمنعه توقير فضل (المشيخة) من الجهر بالحق!
قال الآلوسي (1): وذهب إلى صحة القصة -أي أكذوبة الغرانيق- خاتمة
(1) انظر: روح المعاني: 9: 169 وما بعدها، دار الكتاب العربي.
المتأخّرين الشيخ إبراهيم الكوراني ثم المدني، وذكر -أي الكوراني- بعد كلام طويل: أنه تحصّل من ذلك أن الحديث -أي في رواية قصة الغرانيق- أخرجه غير واحد من أهل الصحة -وهذا كذب- وأن رواته ثقات بسند سليم- وهذا تضليل - متصل عن ابن عباس، وبثلاثة أسانيد صحيحة عن ثلاثة من التابعين من أئمة التفسير، الآخذين عن الصحابة، وهم سعيد بن جبير، وأبو بكر ابن عبد الرحمن، وأبو العالية!
قال الشيخ عرجون: وهذا استدلال فاسد .. وأشار إلى روايات الأقصوصة والحديث مع الإمامين: الحافظ ابن حجر، وشيخ الإِسلام ابن تيمية .. وقال: وما نظن أن أحداً يعتقد أن طائر خاتمة المتأخرين الشيخ إبراهيم الكوراني يقع في أفق الحافظ ابن حجر، وهو المتفق على إمامته في فنون الحديث والأثر، وله فيها المؤلفات التي تقوم عليها دراسة علوم الحديث في معاهد الإِسلام وجامعاته!
وقد قال البيهقي: هذه الثقة غير ثابتة من جهة النقل، فهل يُقال هذا الكلام من إمام لا يختلف الناس في سعة علمه بالحديث وفنونه، في حديث يخرجه غير واحد من أهل الصحة، ويرويه ثقات بسند سليم متّصل؟
وإذا كان في كلمة الإِمام البيهقي إجمال، فإليك قول جهبذ المحدّثين الثاني من داء الإجمال في شفائه، القاضي عياض بن موسى اليحصبي: يكفيك في توهن هذا الحديث أنه لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند صحيح سليم متّصل، وإنما أولع به وبحث له المفسّرون والمؤرّخون المولعون بكل غريب، المتلقّفون من الصحف كل صحيح وسقيم، أي من ضراب الكوراني!
هذا نص مفصل الكلمات في ردّ ادّعاء الشيخ إبراهيم الكوراني! فالحديث لم يخرجه أحد قط من أهل الصحة، ولا رواه قط ثقة بسند صحيح سليم من النقد والوهن، متّصل بصحابي، فضلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم!
ونضيف إلى كلام هؤلاء الأئمة في ردّ ادّعاء الشيخ إبراهيم الكوراني أن حديث الغرانيق أخرجه غير واحد من أهل الصحة ورواته ثقات بسند صحيح متّصل ما سبق لنا، وهو كلام نردّ به على من تمسّك بمراسيل الروايات -ولو صحت أسانيدها- في تصحيح قصة الغرانيق، وقد قدّمناه، ولكنا نعيده لنؤكّد أن (قصة الغرانيق أكذوبة باطلة خبيثة من وضع الزنادقة أعداء الإِسلام)!
ذلك أن هذه (الأقصوصة الغرنوقية أكذوبة أحاديثها كلها مرسلة، والحديث المرسل من قبيل الضعيف عند جمهور المحدّثين) كما صرّح به ابن الصلاح، والمتّصل منها بابن عباس، وهو حديث سعيد بن جبير (دخله الشك)، وهذا قطعاً يضعفه، ويوهن الاحتجاج به، وهو مع هذه العلّة القادحة له علّة أخرى، هي أنه موقوف على ابن عباس، لم يرفع قط إلى النبي صلى الله عليه وسلم!
وقصّة الغرانيق تدخل في صميم العقيدة؛ لأنها (تناقض التوحيد وتبطل عصمة الأنبياء وترفع الثقة بالنبوّة والوحي) وكل ذلك لا يقبل في ثبوته مثل ذلك!
مفاسد رأي الكوراني:
قال الآلوسي (1): وفي البحر أن هذه القصة سئل عنها الإِمام محمد بن إسحاق جامع السيرة النبوّية فقال: هذا من وضع الزنادقة، وصنّف في ذلك
(1) روح المعاني: 9: 169 وما بعدها.
كتاباً، وذكر الشيخ أبو منصور الماتريدي في كتاب حصص الأتقياء: أن قوله: تلك الغرانيق العلا، من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة، حتى يلقوا بين الضعفاء، وأرقّاء الدّين، ليرتابوا في صحّة الدّين، وحضرة الرسالة بريئة من مثل هذه الرواية)!
وذكر غير واحد أنه يلزم على القول بأن الناطق بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم بسبب إلقاء الشيطان الملبّس بالملك أمور - وهي هذه المفاسد:
المفسدة الأولى
(1):
تسلّط الشيطان عليه صلى الله عليه وسلم، وهو بالإجماع معصوم من الشيطان؛ ولا سيّما في هذا في أمر من أمور الوحي والتبليغ والاعتقاد، وقد قال تعالى:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)} (الحجر)!
وقال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100)} (النحل)!
قال الكوراني في ردّه على هذا الوجه من المفسدة:
إن السلطان المنفيّ عن العباد المخلصين هو الإغواء -أعني التلبيس المخلّ بأمر الدّين، وهو الذي وقع الإجماع على أن النبيّ صلى الله عليه وسلم معصوم منه، وأمّا غير المخلّ فلا دليل على نفيه- قلنا: ولا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول- ولا إجماع على العصمة منه-، قلنا: هذا افتراء، وإلا فأين من خالف؟ وما هنا غير مخلّ لعدم منافاته للتوحيد، بل فيه تأديب وتصفية، وترقية للحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم تمنّى الهُدى للكل، وليس عليه صلى الله عليه وسلم حالة الإلقاء
(1) السابق: 110 وما بعدها بتصرف.
تمنّي هدي الكل المصادم للقدر المنافي لما هو الأكمل، ليترقّى إلى الأكمل، وقد حصل ذلك بهذه المرّة، ولذا لم يقع التلبيس مرّة أخرى، بل يُرسَل بعد من بين يديه ومن خلفه رصداً .. إلخ.
قال الشيخ عرجون:
وقد قدّمنا بعض القول في مناقشة هذه المفسدة، وها نحن أولاً، نسوق ما ساقه الألوسي في ردّ هذه المفسدة، مع ما يسنح الفكر، فنضيفه إلى كلامه!
قال العلامة الآلوسي في نقض اعتراض الكوراني على المفسدة الأولى
(1): إن التلبيس بحيث يشتبه الأمر على النبي صلى الله عليه وسلم، فيعتقد أن الشيطان ملَك مخل بمقام النبوّة ونقص فيه، فإن الوليّ الذي دونه صلى الله عليه وسلم بمراتب، لا يكاد يخفى عليه الطائع من العاصي، فيدرك نور الطاعة وظلمة المعصية، فكيف بمن هو سيّد الأنام، ونور عيون قلوب الأولياء، يلتبس عليه من هو محض نور بمن هو محض ديجور .. ولذلك قال المحقّقون: إن الأنبياء عليهم السلام ليس لهم خاطر شيطاني، وكون ذلك ليس منه، بل كان مجرّد إلقاء على اللسان دون القلب ممنوع - وإلا فما دليله؟ ألا ترى أنه قال:{أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} ! دون ألقى الشيطان على لسانه، وتسمية القراءة أمنية، لا أن القارئ يقدر الحروف في قلبه أوّلاً، ثم يذكرها شيئاً فشيئاً، وأيضاً حفظه لذلك صلى الله عليه وسلم إلى أن أمسى كما جاء في بعض الروايات، فنبّهه جبريل عليهما السلام، يبعد كون الإلقاء على اللسان فقط، على أنّا لو سلّمنا ذلك وقلنا: إن الشيطان ألقى على لسانه صلى الله عليه وسلم، ولم يلق في قلبه، كما هو شأن الوحي المشار إليه بقوله:{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194)} (الشعراء)!
(1) انظر: السابق: 171.
وقلنا: إن ذلك ممَّا يعقل- للزم أن يعلم صلى الله عليه وسلم من خلو قلبه واشتغال لسانه أن ذلك ليس من الوحي في شيء ولم يحتج إلى أن يعلمه جبريل عليه السلام!
والقول بأنه لُبِّس عليه الحال صلى الله عليه وسلم للتأديب والترقية إلى المقام الأكمل في العبوديّة، وهو فناء إرادته صلى الله عليه وسلم في إرادة مولاه عز وجل، حيث تمنّى إيمان الكلّ وحرصه عليه، ولم يكن مراداً لله تعالى ممّا لا ينبغي الالتفات إليه؛ لأن القائل به زعم أن التأديب بذلك كان بعد قوله:{وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)} (الأنعام)!
ولا شك أن التأديب به لم يُبق ولم يذر، ولم يُقرن بما فيه تسلية أصلاً، فإذا قيل -والعياذ بالله- إن ذلك لم ينجع فكيف ينجع ما دونه؟!
وأيضاً أيّة دلالة في الآية على (التأديب)، وهي لم تخرج مخرج العتاب بل مخرج التسلية على أبلغ وجه، عما كان يفعل المشركون من السعي في إبطال الآيات، ولا نسلّم أن ترتيب الإلقاء على التمنّي، مع ما في السباق والسياق مما يدلّ على التسلية عن ذلك يجدي نفعاً في هذا الباب، كما لا يخفى على ذوي الألباب!
ويرد على قوله أنه بعد حصول التأديب بما ذكر، كان يُرسَل من بين يديه ومن خلفه رصدٌ يحفظونه من إلقاء الشيطان، أنه لم يدل دليل على تخصيص الإرسال بما بعد ذلك، بل الظاهر أن ذلك كان في جميع الأوقات، فقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى:{إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27)} (الجن)!
قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث إليه الملك بالوحي بعث معه ملائكة يحرسونه من بين يديه ومن خلفه أن يتشبّه الشيطان بالملك، وقد ذكروا أن- كان- في ذلك للاستمرار! (1)
وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: ما جاء جبريل عليه السلام بالقرآن إِلى النبي صلى الله عليه وسلم إِلا ومعه أربعة من الملائكة حفظة!
وهذا صريح في ذلك، ولاشك أن الإلقاء عند من يقول به كان عند نزول الوحي .. ثم ساق الآلوسي حديث ابن عباس من طريق العوفي عند ابن جرير وابن مردويه، للاستدلال على أن الإلقاء كان عند نزول الوحي!
وهذا الحديث في أحاديث الدر المنثور .. ثم قال الآلوسي معقّباً على الحديث، فعلى هذا ونحوه يكون الرصد موجوداً مع عدم ترتّب أثر عليه .. ثم أيّة فائدة في إنزال الرصد إذا لم يحصل به الحفظ؟ بل كيف يسمّى رصداً؟
المفسدة الثانية
(2):
من المفاسد اللازمة على القول بأن الناطق بما ألقاه الشيطان هو النبي صلى الله عليه وسلم: زيادته صلى الله عليه وسلم في القرآن ما ليس منه، وذلك مما يستحيل عليه صلى الله عليه وسلم لمكان العصمة!
وأجاب الشيخ الكوراني على هذا الوجه من المفسدة فقال:
إن المستحيل النافي للعصمة أن يزيد صلى الله عليه وسلم أي في القرآن- من تلقاء نفسه- هذا افتراء -أي يزيد فيه ما يعلم أنه ليس منه، وما هنا ليس كذلك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما أَتبع فيه الإلقاء الملبّس عليه في حالة خاصّة فقط، تأديباً أن يعود لمثل تلك الحالة!
(1) انظر: الشوكاني: 5: 309 دار الوفاء.
(2)
انظر: الآلوسي: 9: 170.
قال العلاّمة الآلوسي:
وما ذكر في هذا الاعتراض -أي على المفسدة الأولى- يعلم منه ما في الجواب الثاني من الاعتراض، وهو ظاهر!
يقول الشيخ عرجون:
ونحن نقول: يالله، من علم يفرّق بين زيادة في القرآن، يزيدها الشيطان، ويلقيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويتقبلها النبي صلى الله عليه وسلم على أنها من القرآن معتقداً قرآنيّتها -كما يزعم الغرنوقيون من أمثال الكوراني- بعد أن لبّس عليه الشيطان، وأراه أنه ملك الوحي، ويتلوها النبي صلى الله عليه وسلم ملبِّساً بها على الأمة، ويدعوها- بمقتضى وجوب التأسّي به، ومتابعته فيما يبلّغه عن الله تعالى -وهو في غمرة التلبيس عليه إلى اعتقاد ما فيها من الشرك، ومدح الأوثان بما يناقض عقيدة التوحيد التي هي أساس للرسالة التي بعثه الله بها، (هذا منطق مأفون)!
وبين زيادة في القرآن الكريم تكون من النبي صلى الله عليه وسلم -كما زعم الكوراني- فنجعل الزيادة الشيطانية الخبيثة ممكنة الوقوع بل واقعة -في زعم الغرنوقيّين- ولا تنافي العصمة، والزيادة من النبي صلى الله عليه وسلم وهي مستحيلة الوقوع- هي التي تنافي العصمة، فالشيطان يزيد في القرآن ما يشاء من الكفر والشرك، والنبيّ صلى الله عليه وسلم يتقبّل زيادات الشيطان، ويبلّغها لأمّته، على أنها من عند الله، وتسلب عنه صلى الله عليه وسلم خاصة العلم بالقرآن، وبراعة أسلوبه ومعانيه الإيمانيّة، وحقائقه التوحيديّة!
(هذا هو البلاء الذي ليس فوقه بلاء)، وا رحمةً للإسلام والمسلمين من هذا العلم الكفور الذي يصيب كبد الإِسلام فيزهق روحه، ويقضي على أصوله، تحت ظلال تكوير العمائم الضخمة!
وقد لمح العلاّمة الآلوسي أن ردّ الشيخ إبراهيم الكوراني على الوجه الثاني سن المفاسد اللازم على صحة أخلوقة الغرانيق، يحمل في طيّاته أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قبل ما ألقى الشيطان على لسانه لم يكن على علم بإعجاز القرآن، فأخذ في بيان هذا فقال:
وقد يقال إن إعجاز القرآن معلوم له صلى الله عليه وسلم ضرورة، كما ذهب إليه أبو الحسن الأشعريّ، بل قال القاضي: إن كل بليغ بمذاهب العرب وغرائب الصنعة يعلم ضرورة إعجازه، وذكر أن الإعجاز يتعلّق بسورة أو قدرها من الكلام، بحيث يتبيَّن فيه تفاصيل قوى البلاغة!
فإذا كانت آية بقدر حروف سورة، وإذا كانت (سورة الكوثر) فهو معجز، وعلى هذا يمتنع أن يأتي الجن والإنس ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً بمقدار أقصر سورة منه تشبهه في البلاغة، ومتى أتى أحد بما يزعم فيه ذلك لم تنفق سوقه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذا عند كل بليغ محيط بما تقدّم، ولم يخف على الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا على ذلك البليغ عدم إعجازه، فلا يشتبه عنده بالقرآن أصلاً، ولا شكّ أن ما ألقى الشيطان على ما في بعض الروايات حروفه بقدر حروف سورة الكوثر، بل أزيد إن اعتبر الحرف المشدّد بحرفين، وهو:(وإنهن لهن الغرانيق العلا، وأن شفاعتهن، لهي التي ترتجى)، الواردة فيما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب!
فإن كان ما ذكر ممّا يتعلّق به الإعجاز، فإن كان معجزاً لزم أن يكون من الله تعالى لا من إلقاء عدوه، ضرورة عجزه كسائر الجن والإنس عن الإتيان بذلك، وإن لم يكن مما يتعلّق به الإعجاز فهو كلام غير يسير، يتنبه البليغ الحاذق إذا سمعه أثناء كلام فوقه بمراتب، لكونه ليس منه، فيبعد كل البعد أن يخفى
عليه صلى الله عليه وسلم قصور بلاغته عن بلاغة شيء من آيات القرآن، سواء قلنا بتفاوتها في البلاغة، كما اختاره أبو نصر القشيري وجماعة، أم قلنا بعدم التفاوت كما اختاره القاضي، فيعتقد أنه قرآن حتى ينبهه جبريل عليه السلام، لا سيّما وقد تكرّرت على سمعه الشريف حلاوة الآيات، ومازجت لحمه ودمه، والواحد منّا وإن لم يكن من البلاغة بمكان إذا سمع شعر شاعر وتكرّر على سمعه يعلم إذا دُسّ بيت أو شطر في قصيدة له أن ذلك ليس له، وقد يطالب بالدليل فلا يزيد على قوله: لأن النَّفَس مختلف!
قال العلاّمة الآلوسي:
وهذا البعد متحقّق عندي على تقدير كون الملقى ما في الرواية الشائعة: وهو (تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى)، أيضاً لا سيّما على قول جماعة: إن الإعجاز يتعلّق بقليل القرآن وكثيره من الجمل المفيدة، لقوله تعالى:{فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34)} (الطور)!
والقول بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم خفي عليه ذلك التأديب فيه ما فيه، ولا يبعد استحقاق قائله للتأنيب، بل أبلغ التعزير، إذا لم يكن هذا الذي قاله الكوراني داخلاً في الإطار العام للارتداد عن الدّين!
ونقول إذ فتح العلاّمة الآلوسي (باب الجزاء في هذه القالة الهوجاء): إن القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم خفي عليه ذلك لتأديبه يستحق صاحبه أقصى مراتب التعزير، الذي يصحّ أن يبلغ به ما تبلغ خطورة الجرم وما يترتّب عليها من آثار جسام، ولو انتهى إلى عقوبة بتقدير الشرع!
المفسدة الثالثة:
ومن المفاسد اللازمة على كون النبي صلى الله عليه وسلم هو الناطق بما ألقاه الشيطان: اعتقاده صلى الله عليه وسلم ما ليس بقرآن أنه قرآن، مع كونه بعيد الالتئام متناقضاً، ممتزج المدح بالذّم، وهو خطأ شنيع، لا ينبغي أن يتساهل في نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم! (1)
وقال الشيخ عرجون
(2): وشناعة خطئه تظهر فيما يأتي: أولاً: نسبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنه لا يفرق في أسلوب الكلام بين كلام الله المعجز ببراعة أسلوبه وروعة بيانه، وهو صلى الله عليه وسلم القيّم الأعلى، والعقل الأوّل في معرفة إعجاز القرآن، وذلك الإعجاز الذي عرفه آحاد الأعراب، وأفراد العرب، فسجدوا له عند سماعه، ولم يكونوا قد آمنوا به، فقد روي مشهوراً أن أحد الأعراب سمع قوله تعالى:{فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا} (يوسف: 85)!
فسجد، فقيل له في ذلك، ولم يكن مؤمناً، فقال: إنما سجدت لروعة بلاغته!
وسبق أن ذكرنا قصة الوليد بن المغيرة، وقد سمع بعض آيات القرآن فقال قولته المشهورة:(والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه، وما هو بقول بشر)!
وموقف عتبة بن ربيعة، حين سمع في وفادته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليعرض عليه المال والجاه والملك، ويكفّ عن تبليغ رسالته .. ورجع إلى قومه بوجه غير وجهه الذي فارقهم عليه، لما لحقه من الأخذة والدهش، لسماعه ما لم يسبق له
(1) روح المعاني: 9: 169.
(2)
محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 116 وما بعدها.
أن سمع مثله روعةً وبلاغةً وحقائق كونيّةً، وأمثالها من الأحداث المشهورة المعروفة في تاريخ مطلع الرسالة، وأيّام كفاحها الأولى في نضالها المرير!
هؤلاء الأجلاف أهل الجهالة الجاهلة، والوثنيّة الضالّة، يدركون إعجاز القرآن، ويفرقون بينه وبين سائر الكلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم سيّد البشر لقانة وعقلاً، وأفضلهم فضلاً، وأنبلهم نفساً، وأصفاهم طبيعة، يُدخل عليه الشيطان أقبح الكلام عقيدة، وأسقطه أسلوباً، وأحطّه معاني، فيتقبّله -في زعم الغرنوقيّين- وما فيه من التناقض، وامتزاج المدح بالذم، والكفر بالإيمان، والتوحيد بالشرك، هذا الذي لم يكن ولا يكون، وهو المستحيل عقلاً ونقلاً، ولا يعتقده مؤمن، ولا يقبله إلا عقل ممرور!
أمّا من جهة العقل فلما يلزمه لزوماً بيّناً من نسبة الجهل بإعجاز القرآن إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولما يلزمه لزوماً بيّناً من الافتراء على الله وتقويله ما لم يقل، وما ينزله في وحيه .. ولما يلزمه لزوماً بيّناً من سلب العصمة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلّغه عن الله تعالى، والعصمة في هذا مما أجمع عليه الناس سوى (الغرنوقية) .. ولما يلزمه لزوماً بيّناً تبليغ الكفر في مدح الأوثان إلى الأمّة، والأمة مأمورة بالتأسّي بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ومتابعته فيما يبلّغه إليها .. وهذا يتضمّن هدم الرسالة التوحيديّة، ويرفع أعلام الشرك .. ولما يلزمه لزوماً بيّناً من رفع الثقة بالنبيّ صلى الله عليه وسلم والوحي كله فيما يستقبل من الزمان!
وأمّا من جهة النقل، فلقوله تعالى:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} (الإسراء: 65)! ولما يلزمه من تصديقه للكافرين في قولهم عن القرآن: {بَلِ افْتَرَاهُ} (الأنبياء: 5)! وفي قولهم: {افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} (الشورى: 24)! ولقوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ
لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)} (الحاقة)! ولقوله تعالى: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)} (الأحقاف)! وقوله: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} (النجم)!
إلى غير ذلك من النصوص القرآنيّة، والآيات التي تتحدّث عن تبليغ رسالة الله تعالى إلى الخلق صدقاً وعدلاً!
لكن الشيخ إبراهيم الكوراني (وأئمته الغرنوقيين) لا يقتنعون بهذا كله، ويضربون به لفح الأعاصير في سبيل تصحيحهم (أكذوبة الغرانيق)، ولا نقتحم الغيب فنتظنَّن لالتفات النيّات والمقاصد، وإلي الله الملتقى وهو عليم بذات الصدور!
ويردّ الشيخ إبراهيم الكوراني على الوجه الثالث من وجوه المفاسد الغرنوقيّة، فيقول الآلوسي
(1): وما ذكره في الجواب من أنه لابدّ من حمل الكلام على الاستفهام أو حذف القول، وهو دون الأوّل -إذا صحّ الخبر- لكن إثبات صحّة الخبر أشدّ من خرط القتاد، فإن الطاعنين فيه من حيث النقل -كما عرفنا- علماء أجلاّء، عارفون بالغثّ والسمين من الأخبار، وقد بذلوا الوسع في تحقيق الحقّ فيه، فلم يرووه إلا مردوداً، أو ممّا ألقى الشيطان إلى أوليائه معدوداً، وهم أكثر ممن قال بقبوله، ومنهم من هو أعلم منه، ويغلب على الظن أنهم وقفوا على رواته في الطرق فرأوهم مجروحين، وفات ذلك القائل بالقبول، ولعمري إن القول بأن هذا الخبر مما ألقاه الشيطان على بعض ألسنة الرواة -أي المغفّلين- ثم وفّق الله تعالى جمعاً من خاصّته لإبطاله لأهون من
(1) انظر: روح المعاني: 9: 170.
القول بأن حديث الغرانيق مما ألقاه الشيطان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نسخه سبحانه وتعالى كما يقول الغرنوقيّون، ولا سيّما وهو ممّا لا يتوقّف على صحته أمر دينيّ، ولا معنى آية، ولا، ولا، سوى أنها حصول شُبَه في قلوب كثير من ضعفاء المؤمنين، لا تكاد تدفع إلا بجهد جهيد!
قلنا: وسوى أنها تفتح لأعداء الإِسلام المتربّصين به من الملاحدة، وشراذم المستشرقين، ولمائم المبشّرين المتعصّبين، وهم أكثر الناس عدداً وأقواهم عدّة، وأقدرهم على ترويج الباطل بما يملكون من وسائل الترويج -كما أسلفنا- ولو لم يكن من فوائد القضاء عليها ودفنها في أحشاء مختلقيها سوى سدّ هذا الباب الشرير المفسد لكفى، فضلاً للأقلام التي تشرع أسنّتها، لهدم باطلها، وتبيين خبثها!
قال الشيخ عرجون:
ونضيف إلى نقض العلاّمة الآلوسي لردّ الشيخ إبراهيم الكوراني دقيقةً تهدم بنيان (الغرنقة) في كلام الشيخ الكوراني: ذلك أنه يقول: لابدّ من حمل الكلام على الاستفهام أو حذف القول -أي في رواية القصّة الغرنوقية -ومعنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلبّسْ عليه- ولم يُلْق الشيطان على لسانه شيئاً، ولم يُسلب العصمة، ولكنّه صلى الله عليه وسلم فيما يتصوّر الغرانقة حين يتأوّلون في روايات القصّة - حين تلا صلى الله عليه وسلم آيات ذمّ الأوثان وعابديها من المشركين الوثنيّن بأسلوب الإنكار والتوبيخ في قوله تعالى:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)} (النجم)! عجيب من شناعة أمرهم، وقبح اعتقادهم، وسوء قالتهم، فبيّن عن إنكاره وتعجّبه بحكاية ما يصفون به أوثانهم بجملة استفهاميّة إنكاريّة مقرعة، محذوفة أداء الاستفهام، أو بجملة إخبار تحكي قولهم بحذف القول!
وهذا الذي ذهب إليه الشيخ الكورانيّ يهدم أصل اختراقه لأقصوصة (التأديب) الذي زعمه حكمة لتلبيس الشيطان في إلقائه كلمات الكفر على لسان النبيّ صلى الله عليه وسلم، كما هو نصّ مرسل سعيد بن جبير، أصح ما تمسّك به الغرنوقيّون!
وإذا كان ذلك كذلك فلا وجه لطنطنة الشيخ الكورانيّ بأخلوقة (التأديب) الجافية والتصفية والترقية؛ لأن لاحق كلامه هنا يهدم سابقه، وعندئذ يرجع الكلام إلى مجرّد النظر في ثبوت صحة الحديث، وقد أثبتنا ضعفه؛ بل بطلانه، وقال عنه الآلوسي: ودون إثبات صحته خرط القتاد، ويؤيّد عدم ثبوته مخالفته لظواهر الآيات، فقد قال سبحانه في وصف القرآن:{لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)} (فصلت)!
والمرابط بالباطل ما كان في نفسه، وذلك الملقى كذلك، وإن سوّغ نطق النبيّ صلى الله عليه وسلم تأويله بأحد التأويلين، والمراد بـ {لَا يَأْتِيهِ} استمرار النفي، لا نفي الاستمرار، وقال عز وجل:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} (الحجر)!
فجيء بالجملة الاسميّة مؤكّدة بتأكيدين، ونسب الحفظ المحذوف متعلّقه إفادة للعموم إلى ضمير العظمة، وفي ذلك من الدلالة على الاعتناء بأمر القرآن ما فيه، وقد استدلّ بالآية من استدلّ على حفظ القرآن من الزيادة والنقص!
وكون الإلقاء المذكور لا ينافي الحفظ لأنه نسخ، ولم يبق إلا زماناً يسيراً لا يخلو من نظر، والظاهر أنه وإن لم يناف الحفظ في الجملة، لكنه ينافي الحفظ المشار إليه في الآية، على ما يقتضيه ذلك الاعتناء، تم إن قُبِل بما روي عن
الضحاك من أن سورة (الحج) مدنيّة لزم بقاء ما ألقى الشيطان قرآناً في اعتقاد النبي صلى الله عليه وسلم زماناً طويلاً والمؤمنين زماناً طويلاً، والقول بذلك من الشناعة بمكان، بل هو أكبر من الشناعة، وأقرب إلى الكفر منه إلى الإيمان!
وقال جل وعلا: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} (النجم)!
والظاهر أن الضمير لما ينطق به النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج الدارمي وغيره عن يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعي، عن حسان قال: كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنّة، كما ينزل بالقرآن. (1)
والمتبادر من لحن الخطاب أن جميع ما ينطق به صلى الله عليه وسلم من ذلك ليس عند إلقاء الشيطان، كما أنه ليس عن هوى!
قال العلاّمة الآلوسي:
وبقيت آيات كثيرة أخرى في هذا الباب، ظواهرها تدلّ على المدّعي أيضاً، وتأويل جميع الظواهر الكثيرة لقول شرذمة قليلة بصحّة الخبر المنافي لها، مع قول جم غفير بعد الفحص التام بعدم صحته، مما لا يميل إليه القلب السليم، ولا يرتضيه الطبع المستقيم، ويبعد القول بثبوته أيضاً عدم إخراج أحد من المشايخ الكبار، له في شيء من الكتب الستة، مع أنه مشتمل على قصّة غريبة، وفي الطباع ميل إلى سماع الغريب وروايته!
المفسدة الرابعة:
ومن المفاسد اللازمة على كون النبي صلى الله عليه وسلم هو الناطق بما ألقى الشيطان من كلمات الكفر والشرك، أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد اشتبه عليه ما يلقيه الشيطان بما
(1) الدارمي: فتح المنان (617)، وانظر: ابن عبد البر: الجامع: 2: 234، والمروزي: السنة: 32 - 33 (103) وصححه الحافظ في الفتح.
يلقيه عليه الملك وهو يقتضي أنه صلى الله عليه وسلم على غير بصيرة فيما يوحى إليه، وفيما يبلّغه عن الله تعالى، ويقتضي أيضاً جواز تصوّر الشيطان بصورة الملك، ملبّساً على النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح ذلك -كما قال في الشفاء- لا في أوّل الرسالة ولا بعدها، والاعتماد في ذلك على دليل المعجزة!
وقال ابن العربي: تصوّر الشيطان في صورة الملك ملبّساً على النبي صلى الله عليه وسلم كتصوّره في صورة النبي صلى الله عليه وسلم ملبّساً على الخلق، وتسليط الله تعالى له على ذلك كتسليطه في هذا، فكيف يسوغ في لبّ سليم استجازة ذلك؟ ولكن الغرنوقيّين استجازوه وقالوا بوقوعه لسيّد الخلق خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا ألباب لهم!
وأجاب الشيخ الكوراني على هذه المفسدة، فقال: إن هذا الاشتباه في حالة خاصّة للتأديب لا يقتضي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم على غير بصيرة، فيما يوحى إليه في غير تلك الحالة!
قلنا: أيّ (تأديب) هذا الذي يردّده الكوراني، وقد أبطل وجوده بوجود أساسه في زعمه، وكان أساسه التمسّك بنصّ مرسل سعيد بن جبير وأمثاله من المراسيل الواهية الواهنة التي زعمت أن الشيطان ألقى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم كلمات الكفر الخبيث بمدح الأوثان، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم نطق بما ألقاه الشيطان على لسانه، ملبّساً عليه بأنه ملك الوحي، وملبّساً عليه أن ما ألقاه على لسانه قرآن أوحي إليه به في البين من آيات سورة (النجم)، وكان هذا التلبيس (تأديباً) للنبي صلى الله عليه وسلم وتصفية له، وترقيةً إلى الأكمل؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أراد إيمان الجميع، وهذا على خلاف إرادة الله وتقديره!
ثم ذهب الشيخ الكوراني في ردّه على الوجه الثالث من وجوه المفاسد في
قصّة الغرانيق إلى التنصّل من نصّ رواية المراسيل، وقال: إنه لابدّ من حمل الكلام الشيطاني على الاستفهام وحذف أداته، أو على إضمار القول من المشركين، وهذا بلا شكّ تطويح بمصدر (التأديب) إلى هاوية البطلان؛ لأنه حينئذ لا تلبيس على النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون المقام مقام (تأديب)، كما زعم من لم يرجُ لله وقاراً في عصمة الأنبياء!
على أن ردّ الشيخ الكورانيّ يحمل دلائل الإمعان والاستمساك بأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس معصوماً من تلبيس الشيطان، ولا من اشتباه ما يلقيه من خبيث الكلمات، وفجور الكفر بآيات القرآن، ويكون صلى الله عليه وسلم مسلوب البصيرة في معرفة ما يوحى إليه من آيات الله وشرائعه، وليحكم على هذا أهل العقول من سائر الفرق والطوائف والنحل: لأنه أمر فوق إدراك العقول!
ولا وزن لتخصيصهم -الغرنوقيّين- هذا السلب ببعض الأحوال، وهي كما يزعمون الحالة الموجبة لـ (التأديب)؛ لأن ما جاز في بعض الأحوال، لا دعاء سبب باطل له يجوز أن يكون في غيرها الادعاء سبب له؛ لأن سبب (التأديب مختلق باطل)؛ لأنه مبنيّ على باطل، وهو ادّعاء أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد هدي الكلّ، وهذه الإرادة منافية لإرادة الله عدم هداية الكلّ، فاستحق النبي صلى الله عليه وسلم في زعم الكوراني- التأديب من أجل إرادته هدي الكلّ، والغرنوقيون يتحكّمون في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي إرادته، وفي تبليغ رسالته إلى الخلق، ليفرضوا كما فرض الخوارج المارقون من الدّين نقائص توجب -في زعمهم- التأديب، ولا شكّ أن هذا منزع جاف منكر خبيث، هو منزع الخوارج!
ثم قال الشيخ الكوراني: وأما قول عياض: لا يصحّ أن يتصوّر الشيطان بصورة الملك، ويلبّس عليه صلى الله عليه وسلم، فإن أراد به أنه لا يصحّ أن يلبّس تلبيساً قادحاً
فهو مسلّم، لكنه لم يقنع، دن أراد مطلقاً ولو كان غير مخلّ فلا دليل عليه، ودليل المعجزة إنما ينفي الاشتباه المخلّ بأمر النبوّة المنافي للتوحيد، القادح في العصمة، وما ذكره غير مخل، بل فيه تأديب!
وافتراءات أن في تلبيس الشيطان تلبيساً قادحاً مخلاًّ بالنبوّة والعصمة، وتلبيساً غير قادح ولا مخلّ بالنبوّة والعصمة، قد بيّنا أنها فرىً كاذبةً مختلقةً، ويستحيل أن يلبّس الشيطان على النبي صلى الله عليه وسلم، ويريه أنه ملكَ الوحي، ويعتقد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يلبّس عليه -فيلقي على لسانه كلمات الكفر والشرك، ويعتقدها النبي صلى الله عليه وسلم حتى ينبه على افترائها!
وقد عرضنا فيما سبق لـ (أخلوقة التأديب) التي اخترقها الشيخ الكوراني عند تملّصه من رأيه في (أكذوبة الغرانيق)، إذ هبّ عندما سدّت عليه المسالك إلى القول بأنه لابدّ من حمل الكلام الشيطانيّ على الاستفهام أو إضمار القول، وحينئذ فلا إلقاء من الشيطان على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ولا تأديب لسيّد الكاملين!
ثم قال الشيخ إبراهيم الكوراني: وأمّا ما ذكره ابن العربي فقياس مع الفارق؛ لأن تصوّر الشيطان في صورة النبي صلى الله عليه وسلم مطلقماً منفيّ بالنصّ الصحيح، وتصوّره في صورة النبي ملبّساً على الخلق إغواء يعمّ، وهو سلطان منفيّ بالنصّ عن المخلصين، وأمّا تصوّره في صورة الملك في حالة خاصّة ملبّساً على النبي صلى الله عليه وسلم فليس من السلطان المنفيّ ولا بالتصوّر الممنوع، نعوذ بالله من الحور بعد الكور!
سبحان الله .. تلبيس يغوي النبي صلى الله عليه وسلم ويشبِّه عليه أخبث الكفر فيما ألقاه الشيطان -بزعم الغرنوقيّين- بآيات الله من القرآن المجيد جائز عند الشيخ
الكوراني لـ (التأديب)، وتلبيس يغوي العامة ممنوع منفيّ بالنصّ عن المخلَصين؟ فهل في دنيا العقل السليم أبشع من هذا أو أقبح اعتقاداً منه؟ ولكن التعصّب لا يبالي بصاحبه أن يخرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق!
المفسدة الخامسة:
ومن المفاسد اللازمة على كون النبيّ صلى الله عليه وسلم هو الناطق بما ألقاه الشيطان على لسانه من كلمات الكفر ومدح الأوثان، التقوّل على الله إمّا محمداً، وإما خطأ، أو سهواً، وكل ذلك محال في حقّه صلى الله عليه وسلم، وقد أجمعت الأمّة -على ما قال القاضي عياض- على عصمته صلى الله عليه وسلم فيما كان طريقه البلاغ من الأقوال عن الأخبار، بخلاف الواقع، لا قصداً ولا سهواً!
قال الشيخ الكوراني (1): التقوّل تكلّف القول، ومن لا يتبع إلا ما ألقي إليه من الله تعالى حقيقة، أو اعتقاداً -فاسداً- ناشئاً عن تلبيس غير مخلِّ، لا تكلّف للقول عنده، فلا تقوّل على الله تعالى أصلاً!
هذا منطق (2) الغرنوقيّين، فهم يرون أن قولاً لبّس به الشيطان على النبي صلى الله عليه وسلم، وأدخله عليه على أنه من القرآن، وبلّغه النبي صلى الله عليه وسلم للأمة كذلك بعد أن قبله واعتقده، وهو أخبث القول وأشدّه مناقضة لعقيدة التوحيد، وأسرعه هدماً ونقضاً لأصول الرسالة لا يعدّ (في نظر الغرنوقيّين) تقوّلاً على الله تعالى؛ لأن التقوّل تكلّف القول وهذا لا تكلّف فيه، وإنما ألقي إليه إلقاء أشبه بالزحلقة، فلم يميز بينه وبين كلام الله المنزل بالوحي الصادق في إعجازه الأسلوبيّ والمعنويّ،
(1) انظر: روح المعاني: 9: 171.
(2)
السابق: 124 بتصرف.
رغم ما في القول المزحلق من الشيطان على لسان النبيّ صلى الله عليه وسلم من مراغمة ومناقضة لحقائق القرآن وهدايته!
لكن المفسّرين والثقاة من أئمة اللغة يأبون تخريج الغرنوقيّين للفظ التقوّل في القرآن ويقولون: التقوّل هو الافتراء على الله، وتقويله ما لم يقل، قال أبو حيان في (البحر) -وهو من أساطين العربيّة وأئمّة اللغة- والتقوّل: أن يقول الإنسان عن آخر إنه قال شيئاً لم يقله، فمن اتّبع ما ألقى إليه ملبّساً عليه على أنه من عند الله، وليس هو من الله، مفتر على الله، متقوّل عليه؛ لأنه قوّله ما لم يقل!
وقال ابن منظور في (لسان العرب): وأقوله ما لم يقل، وقوّله ما لم يقل كلاهما ادّعى عليه .. وتقوّل فلان عليّ باطلاً: أي قال عليّ ما لم أكن قلت، وكذبَ عليّ، ومنه قوله تعالى:{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44)} (الحاقة)!
فزعم الشيخ الكوراني أنه لا تقوّل أصلاً فيما ألقاه الشيطان من خبيث الكلم، وقبله النبي صلى الله عليه وسلم في زعمه- وبلّغه إلى الأمّة على أنه موحى إليه مراغمة لأهل اللغة، ومجازفة في قضايا العلم، بل هو تقوّل مفضيّ قطعاً وقوعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بنص الآية!
ومما يضحك الثكالى قياس الشيخ إبراهيم الكوراني قصّة الغرانيق، وما وقع فيها من أكاذيب ومفاسد خطيرة على قصّة السهو في الصلاة، ثم ختم هذه الأضحوكة فقال: فكما أن السهو للتشريع غير قادح في منصب النبوّة كذلك الاشتباه في الإلقاء لـ (التأديب) غير قادح! (1)
أليس كذلك يقول (أرسطو شيخ الفلسفة الكورانيّة والمنطق الهلاهيلي)،
(1) انظر: السابق: 125.
وما بعد منطق أرسطو حجّة لقائل، وقد نسي الشيخ الكورانيّ أن أرسطو وتلاميذه عجماً وعرباً يشترطون لصحة نتيجة القياس الأرسطي صحة قضاياه وصدقها، وقياس الشيخ الكوراني باطل، فالصغرى فيه كاذبة؛ لأن كون ما يلقي الشيطان من الكفر والشرك صدقاً، بناء على اعتقاد أن المُلْقي ملك باطل؛ لأن الملْقي شيطان وليس ملكاً، والاعتقاد الفاسد لا يجعل الكذب والباطل صدقاً وحقًّا، وإذا أبطلت صغرى قياس الشيخ الكوراني فقد انهدم بنيان قياسه كله، وتبرأ منه أرسطو وإخوانه من المتفلسفة العقلانيّين!
المفسدة السادسة:
ومن المفاسد اللازمة على كون النبي صلى الله عليه وسلم هو الناطق بما ألقاه الشيطان على لسانه، الإخلال بالوثوق بالقرآن، فلا يؤمن فيه التبديل والتغيير، ولا يندفع هذا الإخلال بالوثوق بقوله:{فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ} (الحج: 52)! لأن هذا القول ينسخ ما يلقي الشيطان، يحتمل أنه -أي الناسخ- مما ألقاه الشيطان؛ إذ لا فرق -كما قال العلاّمة البيضاوي- قال الكورانيّ: يرد على ذلك لا إخلال بالوثوق بالقرآن عند الذين أوتوا العلم والذين آمنوا؛ لأن وثوق كل منهم تابع لوثوق متبوعهم الصادق الأمين، فإذا جزم بأمر أنه كذا جزموا به، وإذا رجع عن شيء بعد الجزم رجعوا عنه، كما هو شأنهم في نسخ غير هذا من الآيات التي هي كلام الله تعالى لفظاً ومعنى، إذ قبل نسخ ما نسخ لفظه كانوا جازمين بأنهم متعبّدون بتلاوته، وبعد النسخ جزموا بأنهم متعبّدون بتلاوته، وما نسخ حكمه كانوا جازمين بأنهم مكلّفون بحكمه، وبعد النسخ جزموا بأنهم ما هم مكلّفين به، فقول البيضاوي: إن ذلك لا يندفع بقوله تعالى: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ} إلخ؛ لأنه أيضاً يحتمله ليس بشيء؛ لأنه إن أراد أنه
يحتمله عند الفرق الأربع المذكورة في الآيات، وهم الذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم، والذين أوتو العلم، والذين آمنوا، فهذا ممنوع لدلالة قوله تعالى:{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} (الحج: 54)! على انتفاء الاحتمالين عند فريقين من الفرق الأربع بعد النسخ والإحكام!
وإن أراد البيضاوي أنه يحتمله في الجملة، أي عند بعض دون بعض، فهو مسلّم، وغير مضرّ، لعدم إخلاله بالوثوق بالقرآن عند الذين أوتوا العلم، والذين آمنوا، وأمّا إخلاله بالنسبة إلى الفريقين الآخرين فهو مراد الله عز وجل!
قلنا: هذا الترديد فاسد؛ لأن قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} إلخ محتمل أن يكون من إلقاء الشيطان؛ لأن جواز التلبيس والاشتباه رفع الثقة إطلاقاً، وليس لنصّ دون نصّ، فكل ما يدّعى قرآنيّته فالاحتمال قائم فيه، فلا ثقة عند أيّة فرقة من الفرق المذكورة في الآية؛ لأن ثقة الذين أوتوا العلم، والذين آمنوا، متابعة لوثوق متبوعهم، وهو في -زعم الغرنوقيّين- ملبّس عليه في الْمُلْقِي والْمُلْقَى، فهو لا جزم عنده إلى أن يبين له بوحي جديد، وهو أيضاً موضع احتمال، وهكذا تصبح -الرسالة والوحي والنبيّ والقرآن- في زعم الغرنوقيّين- معبثة وشكوكاً!
قال العلاّمة الآلوسي:
إنه إذا فتح باب التلبيس لا يوثق بالوثوق في شيء أصلاً، لجواز أن يكون كل وثوق ناشئاً عن تلبيس، كالوثوق بأن (تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى)، قرآن، فلما تطرّق الاحتمال إلى الوثوق جاز أن يتطرّق إلى الرجوع عنه، ولا يظهر فرق بينهما، فلا يعوّل حينئذ على جزم، ولا على رجوع!
وقول الكوراني فيما ذكره البيضاوي عليه الرحمة: ليس بشيء، هو ليس بشيء؛ لأن منع الاحتمال عند الفرق الأربع بعد القول بجواز التلبيس مكابرة، والآية التي ادّعى دلالتها على انتفاء الاحتمالين عند الفريقين بعد النسخ والإحكام فيها ذلك الاحتمال، والحقّ أنه لا يكاد يفتح باب قبول الشرائع ما لم يسدّ هذا الباب، ولا يجدي نفعاً كون الحكمة المشار إليه بقوله تعالى:{وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)} (الحج)! آبية عن بقاء التلبيس، فلا أقلّ من أن يتوقّف قبول معظم ما يجيء به النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يتبيّن كونه ليس داخلاً في باب التلبيس، مع أنا نرى الصحابة رضي الله عنهم يسارعون إلى امتثال الأوامر عند إخباره صلى الله عليه وسلم إيّاهم بوحي الله تعالى إليه بها من غير انتظار ما يجيء بعد ذلك فيها، مما يحقّق أنها ليست عن تلبيس!
ثم قال العلاّمة المفسّر شهاب الدين السيد محمود الآلوسي، معقّباً على ما ساقه من (أخبار هذه الأقصوصة الغرنوقيّة):
وتوسّط جمع في أمر هذه القصّة، فلم يثبتوها كما أثبتها الكورانيّ كافأة الله بما يستحق من أنه صلى الله عليه وسلم نطق بما نطق محمداً للتلبيس أنه وحي، حاملاً له على خلاف ظاهره- مختلقاً ما يجافي الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ادّعائه أن هذا التلبيس كان لـ (تأديب) رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيّد الكَمَلة من الأنبياء والمرسلين الذي خصّه ربّه بأعظم الثناء، وبارع المدحة، فقال له يخاطبه مواجهةً:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} (القلم)! ولم ينفوها بالكليّة كما نفاها أجلّة أثبات، قال الآلوسي: وإلى النفي كلية أميل، بل أثبتوها على وجه غير الوجه -الجافي المنتفج- الذي أثبته الكوراني، واختلفوا في إثباتهم للقصّة على الوجه المغاير لإثبات الكوراني، على أوجه من التأويل، وكلها أوجه مما لا ينبغي عندي أن يلتفت إليها!
ثم قال الآلوسي:
وفي شرح الجوهرة الأوسط، أن حديث الغرانيق ظاهره مخالف للقواطع، قال الآلوسي: وأقبح الأقوال التي رأيناها في هذا الباب، وأظهرها فساداً أنه صلى الله عليه وسلم أدخل تلك الكلمة من تلقاء نفسه، حرصاً على إيمان قومه، ثم رجع عنها، ويجب على قائل ذلك التوبة:{كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5)} (الكهف)! وأنت تعلم أن تفسير الآية، أعني قوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ} (الحج: 52) إلخ! لا يتوقف على ثبوت أصل هذه القصة!
قال شيخنا عرجون رحمه الله:
وإنما أطلنا رشاء القول في البحث مع الشيخين الإمامين: ابن تيمية، وابن حجر، لمكانهما من العلم والمعرفة، ولما لهما من التوقير والتقدير بين رعيل الأئمة الأعلام، دفعاً للخشية على قلوب كثير من المؤمنين خاصّةً وعامّةً أن يخونها الاعتقاد في مكانة الشيخين، فتذهب بها إلى هاوية من الحيرة والشكّ فيما تقتضيه هذه الأقصوصة الغرنوقيّة من مخاطر ومخاطر على العقيدة التوحيديّة، وأصول الإيمان، ومعرفة قدر القرآن العظيم، وتقدير النبي صلى الله عليه وسلم في قداسة نبوّته ورسالته، وفتح باب التقوّل على الله وعلى كتابه ورسوله عند أعداء الإِسلام، ولأن نغلط بعض الرواة أو نزيّف رأي بعض أصحاب الشهرة الداوية التي تحمل فوق هاماتها هالات التقديس الذي لا يقبل النقد والمناقشة عند مقلّديهم -وذلك وفق قواعد التحديث، رواية ودراية ورد الشيهات ودحض المفتريات- خير ألف مرّة من تسليم ما ينسب إليهم في هذه الأقصوصة الخبيثة الباطلة التي تعصف بالإيمان عصفاً يلقيه في مهابّ الشكوك والحيرات!
فكل أحد سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم يجوز في حقه الوهم والخطأ والنسيان، وقد
وقى الله الأمّة شرّ هذه الأقصوصة المتزندقة فلم تثبت برواية مسندة صحيحة، فلم يتدنّس بروايتها صحابي قط، ولا تابعي من ذوي الثقة الأعلام!
أمّا مصابرتنا للشيخ الكوراني، وبيان زيف كلامه، وخروجه عن جادّة الصواب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتهوّره في حماقة لا يعرفها أهل العلم والإيمان، فخشية أن ينخدع بأباطيله وأكاذيبه من يقرأ كلامه في سياق الآلوسي الذي كبا به جواد الحقّ فغلط، فقال في وصف هذا الكوراني (إنه خاتمة المحقّقين)!
والله تعالى وحده العلم بالنيّات، وهو المجازي بعدله كل عمل اكتسبه عبدٌ من عباده، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل!
آيات القرآن:
ومعلوم أن الرسل عندما يكلّفون حمل الرسالة إلى الناس (1)، يكون أحبّ شيء إلى نفوسهم أن يجتمع الناس على الدعوة، وأن يدركوا الخير الذي جاءوهم به من عند الله فيتّبعوه .. ولكن العقبات في طريق الدعوات كثيرة .. والرسل بشر محدودو الأجل، وهم يحسّون هذا ويعلمونه، فيتمنَّون لو يجذبون الناس إلى دعوتهم بأسرع طريق .. يودون مثلاً لو هادنوا الناس فيما يعزّ على الناس أن يتركوه من عادات وتقاليد وموروثات، فيسكتوا عنها مؤقّتاً، لعلّ الناس أن يفيئوا إلى الهُدى، فإذا دخلوا فيه أمكن صرفهم عن تلك الموروثات العزيزة!
ويودّون مثلاً لو جاروهم في شيء يسير من رغبات نفوسهم رجاء
(1) في ظلال القرآن: 4: 2433 وما بعدها بتصرف.
استدراجهم إلى العقيدة، على أمل أن تتمّ فيما بعد تربيتهم الصحيحة التي تطرد هذه الرغبات المألوفة!
ويودّون، ويودّون .. من مثل هذه الأماني والرغبات البشريّة المتعلّقة بنشر الدعوة وانتصارها .. ذلك على حين يريد الله أن تمضي الدعوة على أصولها الكاملة، وفق موازينها الدقيقة، ثم من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فالكسب الحقيقيّ للدّعوة في التقدير الإلهيّ الكامل غير المشوب بضعف البشر وتقديرهم هو أن تمضي على تلك الأصول وفق تلك الموازين، ولو خسرت الأشخاص في أوّل الطريق، فالاستقامة الدقيقة الصارمة على أصول الدعوة ومقاييسها كفيلة أن تثني هؤلاء الأشخاص أو من هم خير منهم إلى الدعوة في نهاية المطاف، وتبقى مُثُل الدعوة سليمة لا تخدش، مستقيمة لا عوج فيها ولا انحناء!
ويجد الشيطان في تلك الرغبات البشريّة، وفي بعض ما يترجم عنها من تصرّفات أو كلمات فرصة للكيد للدعوة، وتحويلها عن قواعدها، وإلقاء الشبهات حولها في النفوس .. ولكن الله يحول دون كيد الشيطان، ويبيّن الحكم الفاصل فيما وقع من تصرّفات أو كلمات .. ويكلف الرسل أن يكشفوا للناس عن الحكم الفاصل، وعما يكون قد وقع منهم من خطأ في اجتهادهم للدعوة، كما حدث في بعض تصرّفات الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي بعض اتجاهاته، مما بين الله فيه بياناً في القرآن!
بذلك يبطل الله كيد الشيطان، ويحكم الله آياته، فلا تبقى هناك شبهة في الوجه الصواب:{وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (الحج)!
فأمّا الذين في قلوبهم مرض من نفاق أو انحراف، والقاسية قلوبهم من
الكفّار المعاندين، فيجعلون في مثل هذه الأحوال مادّةً للجدل واللّجاج والشقاق:{وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53)} (الحج)!
وأما الذين أوتوا العلم والمعرفة فتطمئن قلوبهم إلى بيان الله وحكمه الفاصل: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54)} (الحج)!
وفي حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي تاريخ الدعوة الإِسلامية نجد أمثلة من هذا، تغنينا عن تأويل الكلام، الذي أشار إليه الإِمام ابن جرير رحمه الله!
وهنا نذكر ما رواه الترمذي وغيره عن عائشة رضي الله عنها قال:
أنزل {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1)} (عبس)! في ابن أمّ مكتوم الأعمى، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا رسول الله! أرشدني، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ من عظماء المشركين، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعرض عنه، ويُقبل على الآخر، ويقول:"أترى بما أقول بأساً" فيقول: لا، ففي هذا أنزل! (1)
وقد أجمع المفسّرون على أن سبب نزول الآية: أن قوماً من أشراف قريش كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقد طمع في إِسلامهم، فأقبل عبد الله بن أمّ مكتوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع عليه ابن أمّ مكتوم كلامه، فأعرض عنه فنزلت. (2)
وتطالعنا الآيات: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6)
(1) الترمذي (3331)، وعلله الكبير (667)، وصحيح الترمذي (2651)، وأبو يعلى (4848)، والطبري: التفسير: 30: 50، والحاكم: 2: 514، وابن حبان (535).
(2)
انظر: الشوكاني: 5: 378.
وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12)} (عبس)!
وهذا التوجيه الذي نزل بشأن هذا الحادث هو أمر عظيم جداً، أعظم بكثير مما يبدو لأول وهلة .. إنه معجزة، هو والحقيقة التي أراد إقرارها في الأرض، والآثار التي ترتّبت على إقرارها بالفعل في حياة البشريّة، ولعلّها هي معجزة الإِسلام الأولى، ومعجزته الكبرى كذلك، ولكن هذا التوجيه يرد هكذا، تعقيباً على حادث فردي، على طريقة القرآن الإلهيّة في اتخاذ الحادث المفرد والمناسبة المحدودة فرصةً لتقرير الحقيقة المطلقة، والمنهج المطرد! (1)
وبهذا ردّ الله للدعوة موازينها الدقيقة وقيمها الصحيحة، وصحّح تصرّف رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي دفعته إليه رغبته في هداية صناديد قريش، طمعاً في إسلام مَن وراءهم وهم كثيرون .. فبيّن الله له أن استقامة الدعوة على أصولها الدقيقة أهمّ من إسلام أولئك الصناديد، وأبطل كيد الشيطان من الدخول إلى العقيدة من هذه الثغرة، وأحكم الله آياته، واطمأنّت إلى هذا البيان قلوب المؤمنين!
ويروي مسلم عن سعد -هو ابن أبي وقاص- قال: (2)
كنّا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ستّة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترؤن علينا.
قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجلٌ من هذيل، وبلال، ورجلان لَسْتُ أُسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه،
(1) انظر: السابق: 6: 3822 وما بعدها.
(2)
مسلم: 44 فضائل الصحابة (2413).
فأنزل الله عز وجل: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} (الأنعام: 52)!
وهكذا ردّ الله للدّعوة قيمها المجرّدة، وموازينها الدقيقة، وردّ كيد الشيطان فيما أراد أن يدخل من تلك الثغرة، ثغرة الرغبة البشرية في استمالة كبراء قريش بإجابة رغبتهم في أن لا يحضر هؤلاء الفقراء مجلسهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وقيم الدعوة أهمّ من أولئك الكبراء، وما يتبع إسلامهم من إسلام الألوف معهم، وتقوية الدعوة في نشأتها بهم -كما كان يتمنّى رسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم بمصدر القوّة الحقيقيّة، الكامنة في الاستقامة التي لا ترعى هوى شخصيًّا ولا عُرفاً جارياً!
ولعله مما يلحق بالمثلين المتقدمّين ما حدث في أمر زينب بنت جحش ابنة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه:
أن هذه الآية: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} (الأحزاب: 37)! نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة! (1)
وفي رواية عنه رضي الله عنه قال: (جاء زيد بن حارثة) يشكو، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"اتق الله وأمسك عليك زوجك".
قال أنس: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوّجكنّ أهاليكن، وزوّجني الله من فوق سبع سموات! (2)
(1) البخاري: 65 - التفسير (4787).
(2)
البخاري: 97 - التوحيد (7420).
قال ابن حجر (1): أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السّدّي، فساقها سياقاً واضحاً حسناً، ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمّها أميمة بنت عبد المطلب عمّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يزوّجها زيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، ثم إِنها رضيت بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوّجها إِيّاه، ثم أعلم الله عز وجل نبيّه صلى الله عليه وسلم بعد أنها من أزواجه، فكان يستحي أن يأمر بطلاقها. وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه، ويقولوا: تزوّج امرأة ابنه، وكان قد تبنّى زيداً).
ثم قال ابن حجر: ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم، والطبري، ونقلها كثير من المفسرين، لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد!
والحاصل أن الذي كان يخفيه النبيّ صلى الله عليه وسلم هو إخبار الله إيّاه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس: تزوّج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهليّة عليه من أحكام التبنّي بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوّج امرأة الذي يُدعى ابناً، قال: ووقوع ذلك من إمام المسلمين، ليكون أدعى لقبولهم، قال: وإنما وقع الخبط في تأويل متعلّق الخشية، والله أعلم! (2)
وهكذا أنفذ الله شريعته وأحكمها، وكشف ما خالج خاطر رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) انظر: الفتح: 8: 523 - 524.
(2)
وانظر: أحمد: 6: 241، 266، والطبري: التفسير: 22: 13 عن عائشة رضي الله عنها.
من كراهية القوم لزواجه من زينب، ولم يكن للشيطان أن يدخل من هذه الثغرة، وترك الذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم، يتخذون من هذه الحادثة، مادّة للشقاق والجدال .. ما تزال!
درس للدعاة:
ولقد تدفع الحماسة والحرارة أصحاب الدعوات -بعد الرسل- (1) والرغبة الملحة في انتشار الدعوات وانتصارها .. تدفعهم إلى استمالة بعض الأشخاص أو بعض العناصر بالإغضاء في أوّل الأمر عن شيء من مقتضيات الدعوة، يحسبونه هم ليس أصيلاً فيها، ومجاراتهم في بعض أمرهم، كي لا ينفروا من الدّعوة ويخاصموها!
ولقد تدفعهم كذلك إلى اتخاذ وسائل لا تستقيم مع موازين الدعوة الدقيقة، ولا منهج الدعوة المستقيم، وذلك حرصاً على سرعة انتصار الدعوة وانتشارها، واجتهاداً في تحقيق (مصلحة الدعوة)!
و (مصلحة الدعوة الحقيقيّة) في استقامتها على المنهج دون انحراف قليل أو كثير، أمّا النتائج فهي غيب لا يعلمه إلا الله، فلا يجوز أن يحسب حملة الدّعوة حساب هذه النتائج؛ إنما يجب أن يمضوا على نهج الدّعوة الواضح الصريح الدّقيق، وأن يدعوا نتائج هذه الاستقامة لله، ولن تكون إلا خيراً في نهاية المطاف!
وها هو ذا القرآن الكريم ينبّههم إلى أن الشيطان يتربص بأمانيّهم تلك، لينفذ منها إلى صميم الدّعوة!
(1) في ظلال القرآن: 4: 2435.
وإذا كان الله عز وجل قد عصم أنبياءه ورسله، فلم يمكن الشيطان أن ينفذ من خلال رغباتهم الفطريّة إلى دعوتهم، فغير المعصومين في حاجة إلى الحذر الشديد من هذه الناحية، والتّحرّج البالغ، مخافة أن يدخل عليهم الشيطان من ثغرة الرّغبة في نصرة الدعوة، والحرص على ما يسمونه (مصلحة الدعوة)!
إن كلمة (مصلحة الدعوة) يجب أن ترتفع من قاموس أصحاب الدعوات؛ لأنها مزلة، ومدخل للشيطان يأتيهم منه، حين يعزّ عليه أن يأتيهم من ناحية (مصلحة الأشخاص)!
ولقد تتحوّل (مصلحة الدعوة) إلى صنم يتعبّده أصحاب الدعوة، وينسون معه منهج الدعوة الأصيل!
إن على أصحاب الدّعوة أن يستقيموا على نهجها، ويتحرّوا هذا النهج، دون التفات إلى ما يعقبه هذا التحرّي من نتائج، قد يلوح لهم أن فيها خطراً على الدّعوة وعلى أصحابها!
فالخطر الوحيد الذي يجب أن يتقوه هو خطر الانحراف على النهج لسبب من الأسباب، سواء كان هذا الانحراف كثيراً أو قليلاً، والله أعلم منهم بالمصلحة وهم ليسوا بها مكلّفين، إنما هم مكلفون بأمر واحد، ألا ينحرفوا عن المنهج، وألا يحيدوا عن الطريق!
ويعقب السياق على تلك الآيات، وما فيها من صيانة لدعوة الله من كيد الشيطان بأن الذين يكفرون بها مدحورون، ينتظرهم العذاب المهين:{وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (57)} (الحج)!
ذلك شأن الذين كفروا مع القرآن كله، يذكره السياق بعد بيان موقفهم مما يلقي الشيطان في أمنيات الأنبياء والرسل، لما بين الشأنين من تشابه واتصال، فهم لا يزالون في ريبة من القرآن وشك .. منشأ هذه الرّيبة أن قلوبهم لم تخالطها بشاشة الإيمان، فتدرك ما فيه من حقيقة وصدق، ويظل هذا حالهم {حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55)} ! بعد قيام الساعة .. ووصف هذا اليوم بالعقيم وصف يلقي ظلاً خاصاً، فهو يوم لا يعقب .. إنه اليوم الأخير!
في هذا اليوم الملك لله وحده، فلا ملك لأحد، حخى الملك الظاهري الذي كان يظنّه الناس في الأرض ملكاً .. والحكم يومئذ لله وحده، وهو يقضي لكل فريق بجزائه المقسوم:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (57)} ! جزاء الكيد لدين الله، وجزاء التكذيب بآياته البيّنات، وجزاء الاستكبار عن الطاعة لله والتسليم!
اعتباران:
والسجود -كما عرفنا- يرجع إلى اعتبارين: (1)
الاعتبار الأول:
أن الذي كان يقرأ السورة هو محمد صلى الله عليه وسلم النبيّ، الذي تلقى هذا القرآن مباشرةً من مصدره، وعاشه وعاش به!
وفي سورة (النجم) خاصةً كان يعيش لحظات، عاشها في الملأ الأعلى،
(1) السابق: 6: 3421 بتصرف.
وعاشها مع الروح الأمين .. مكشوفة عنه الحجب (1)، مزاحة عنه الأستار .. يتلقَّى من الملأ الأعلى .. يسمع ويرى .. ويحفظ ما وعى .. وهي لحظات خصّ بها ذلك القلب المصفّى، ولكن الله يمنّ على عباده، فيصف لهم هذه اللحظات وصفاً موحياً مؤثراً، ينقل أصداءها وظلالها وإيحاءها إلى قلوبهم .. حتى لكأنهم كانوا شاهديها!
وتطالعنا نفحات مباركات طيبات .. تمسّ القلوب، ويرتجف لها الكيان تحت وقع اللمسات المتتابعة .. والغيب المحجوب لا يراه إلا الله، والعمل المكتوب لا يندّ ولا يغيب عن الحساب والجزاء .. والمنتهى إلى الله في نهاية كل طريق يسلكه العبيد، والحشود الضاحكة، والحشود الباكية .. وحشود الموتى، وحشود الأحياء .. والنطفة تهتدي في الظلمات إلى طريقها، وتخطو خطواتها وتبرز أسرارها فإذا هي ذكر وأنثى .. والنشأة الأخرى ومصارع الغابرين {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54)} !
وتجيء الصيحة الأخيرة التي تهزّ الكيان هزًّا: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)} !
وفي هذه الصيحة الأخيرة يهتزّ الكيان كله .. وذلك سرّ من أسرار القرآن الكريم!
(1) السابق: 3406 بتصرف.
والشأن في المؤمن أن يتلقَّى هذا الذكر في وجل وارتعاش، وفي تأثر شديد تقشعرّ منه الجلود، ثم تهدأ النفوس، وتأنس القلوب بهذا الذكر، فتلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)} (الزمر)!
وتلك صورة حيّة حسّاسة ترسمها الكلمات، فتكاد تشخص فيها الحركات!
الاعتبار الثاني:
معلوم أن المشركين لم تكن قلوبهم ناجية من الرعشة والرجفة -كما أسلفنا- وهم يستمعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، إنما كان العناد المصطنع هو الذي يحول بينهم وبين الإذعان .. ومثل هؤلاء إذا استمعوا إلى سورة (النجم) من محمد صلى الله عليه وسلم أقرب ما يقبله العقل ويؤيّده النقل أن تصادف قلوبهم لحظة الاستجابة التي لا يملكون أنفسهم إزاءها، وأن يؤخذوا بسلطان القرآن الكريم فيسجدوا مع الساجدين .. بلا غرانيق ولا غيرها من روايات المفترين!
ومن فضل الله على الدعاة أن القرآن دستورهم .. وأن الاحتكام إلى منهج الله في كتابه ليس نافلةً ولا تطوّعاً ولا موضع اختيار (1) .. إنما هو الإيمان .. أو فلا إيمان: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)} (الأحزاب).
{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18)
(1) انظر مقدمة في ظلال القرآن.
إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19)} (الجاثية)!
والأمر إذن جد .. إنه أمر العقيدة من أساسها .. ثم هو أمر سعادة هذه البشريّة أو شقائها .. والبشريّة -وهي من صنع الله- لا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله، ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يقدّمه هذا القرآن:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82} (الإسراء)!، {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)} (الإسراء)!
هكذا على وجه الإطلاق فيمن يهديهم وفيما يهديهم، فيشمل الهُدى أقواماً وأجيالاً بلا حدود من زمان أو مكان، ويشمل ما يهديهم إليه كل منهج وكل طريق، وكل خير يهتدي إليه البشر في كل زمان ومكان، وعصر ومصر، وجيل وقبيل!
يهدي للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور، بالعقيدة الواضحة البسيطة التي لا تعقيد فيها ولا غموض، والتي تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة، وتطلق الطاقات البشريّة الصالحة للعمل والبناء، وتربط بين نواميس الكون الطبيعيّة ونواميس الفطرة البشريّة في تناسق واتّساق!
ويهدي للتي هي أقوم في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسلوكه، وبين عقيدته وعمله، فإذا هي كلها مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم، متطلّعة إلى أعلى وهي مستقرّة على الأرض، وإذا العمل عبادة، متى توجّه الإنسان به إلى الله، ولو كان هذا العمل متاعاً واستمتاعاً بالحياة! (1)
(1) السابق: 4: 2215 بتصرف.
ويهدي للتي هي أقوم في عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة، فلا تشقّ التكاليف على النفس حتى تملّ وتيأس من الوفاء، ولا تسهل وتترخّص حتى تشيع في النفس الرخاوة والاستهتار، ولا تتجاوز القصد والاعتدال، وحدود الاحتمال!
ويهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض: أفراداً وأزواجاً، وحكومات وشعوباً، ودولأَ وأجناساً، ويقيم هذه العلاقات على الأسس الوطيدة الثابتة التي لا تتأثّر بالرأي والهوى، ولا تميل مع المودّة والشنآن، ولا تصرفها المصالح والأغراض .. الأسس التي أقامها العلم الخبير لخلقه، وهو أعلم بمن خلق، وأعرف بما يصلح لهم في كل أرض وفي كل جيل، فيهديهم للتي هي أقوم في نظام الحكم، ونظام المال، ونظام الاجتماع، ونظام التعامل الدّولي اللائق بعالم الإنسان!
ويهدي للتي أقوم في تبنّي الرسالات السماوية جميعها، والربط بينها كلها، وتعظيم مقدّساتها، وصيانة حرماتها، بجميع عقائدها السماويّة في سلام ووئام!
وصيّة أخويّة:
وأوصي الدعاة إلى الله تعالى بأن يحفظوا القرآن في صدورهم ويتفقّهوا في معانيه، وأن يكونوا قرآناً حيًّا متحرّكاً في حياتهم!
قال الشاعر وليد الأعظمي (1):
(1) شعراء الدعوة الإسلاميّة في العصر الحديث: 5: 7.
الله غاتُنا وهل من غايةٍ
…
أسمى وأغلى من رضى الرحمنِ
وزعيم دعوتنا الرسول وما لنا
…
غير الرسولِ محمدٍ من ثانِ
دستورنا القرآن وهو منزّل
…
والعدل كل العدل في القرآنِ
وسبيل دعوتنا الجهاد وإِنه
…
إِن ضاع ضاعت حرمة الأوطانِ
والموت أمنية الدعاة فهل ترى
…
ركناً يعاب بهذه الأركانِ
* * *
رجاء أن نكون مصاحف في هذه الحياة، وتهبّ نفحات القرن الأول، ويولد للإسلام عالم جديد، يكون قضاء الله الغالب، وقدره الذي لا يرد!
وقال الأخ العلامة الدكتور القرضاوي تحت عنوان: (فتى القرآن):
أنا إِن سألت القوم عنّي من أنا؟
…
أنا مؤمن سأعيش دوْماً مؤمنا!
فليعلم الفجّار أني ها هنا
…
لن أنحني لن أنثني لن أركنا!
* * *
إِنّي رأيت الله في أكوانه
…
وسمعت صوت الحق في قرآنهِ
ولست حكمته وفيض حنانه
…
في سيرة المختار في إِيمانهِ
* * *
أنا مسلم هل تعرفون السلما
…
أنا نور هذا الكون إِن هو أظلما!
أنا في الخليقة ريّ من يشكو الظما
…
وإِذا دعى الداعي أنا حامي الحمى!
* * *
أنا مصحف يمشي وإِسلام يُرى
…
أنا نعمة علويّة فوق الثرى
الكون لي ولخدمتي قد سُخِّرا
…
ولمن أنا؟ أنا للذي خلق الورى
* * *
أنا من جنود الله حزب محمّد
…
وبغير هدي محمَّد لا أهتدي
حاشاي أن أُصغي لدعوة مُلْحد
…
وأنا فتى القرآن وابن المسجدِ!
أنا كوكب يهدي القوافل في السّرى
…
وأنا الشهاب إِذا رأيت المنكرا
ما لي سوى نفسٍ تعزّ على الشّرَا
…
قد بِعْتُها لله والله اشترى (1)
جمعنا الله في مستقرّ رحمته إخواناً على سرر متقابلين، آمين آمين آمين!
(1) نفحات ولفحات: 118.
محنة الحصار الاقتصادي
المقاطعة الظالمة
محنة الحصار الاقتصادي
المقاطعة الظالمة
* قوّة عزيمة الرسول صلى الله عليه وسلم
* التآمر على قتل النبي صلى الله عليه وسلم
* تدبير أبي طالب لحماية الرسول صلى الله عليه وسلم
* سبب كتابة الصحيفة
* شدّة حرص أبي طالب وشعره
* آية الله في الصحيفة
* سعي أبي طالب
* كاتب الصحيفة
* شدّة الحصار
* كاتبها ماحيها
* تحرّك العواطف
* لؤم نحيزة أبي جهل
* شعر أبي طالب بعد تمزيق الصحيفة
* المقاطعة في الصحيح
* دروس للدعاة
* إعداد لتحمل أثقال الدعوة
* مسيرة الدعوة
محنة الحصار الاقتصادي المقاطعة الظالمة
سبق أن عرفنا قول ورقة للنبي صلى الله عليه وسلم في حديث بدء الوحي: (هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حَيًّا إِذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أومخرجيَّ هُمْ"؟! قال: نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلا عُودي، وإِن يُدركني يومك أنصرك نصراً مؤزّراً، ثم لم يلبث ورقة أن توُفِّي، وفتر الوحي).
وأبصرنا معالم الابتلاء في:
- الاضطهاد والتعذيب!
- والمساومة والإِغراء!
- والهجرة إِلى الحبشة!
وأبصرنا قوّة الإِيمان في مواجهة هذا الابتلاء الذي يعجز الخيال عن تصوّره .. وأن الحسّ لا يتلقّاه إِلا بهول وروع .. !
وهذا هو الطريق!
قوّة عزيمة الرسول صلى الله عليه وسلم
-:
ومع ذلك لم يفتر رسول الله صلى الله عليه وسلم لحظة واحدة عن القيام بأمر ربّه في تبليغ رسالته، ونشر دعوته (1)، وهو يلقى من عن البلاء وفوادح الإيذاء وسفاهة
(1) محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 293 وما بعدها بتصرف.
السفهاء، وإقامة العقبات في سبيل سير الدعوة إلى أهدافها، والوصول بها إلى غايتها، صابراً محتسباً، عفوًّا صفوحاً، كريماً حليماً؛ مما جعل دعوة الحق والهداية تدخل إلى كل مجتمع ومحفل وناد في مواسم العرب وأسواقهم حتى أصبح لها في كل قبيلة ذكر، وعند كل قوم أثر ومشهد، وتحدّث الناس عن هذه الدعوة بين موافق معجب ومخالف مقلّد!
التآمر على قتل النبي صلى الله عليه وسلم
-:
وقد أحفظ ذلك عتاولة الشرك، وغطارفة الوثنيّة، وملأ الكفر من المستكبرين في قريش، فاشرأبّت أعناق الحقد الأسود في قلوبهم، وتعرّجت طرائق المقاومة، وأبلسوا في متائه الحيرة، وعُمِّي عليهم الرأى، وغُمِّيَتْ عليهم دلائل الهداية فلم يعرفوا إلاّ الشرّ وذرائعه، وإلاّ سوء المكر ووسائله، وانتهوا إلى مجثم الشيطان يستنزلون أوامره، وتلقّوها من وحيه سوداء مظلمة، حاقدةً مضطغنةً، وراحوا يمكرون ويدبّرون، لينفذوا أبشع جريمة غادرة، بعد أن أعيتهم مواقف العزيمة الصارمة الماضية، التي لا ينحسر مدّها، ولا يتوقّف توثّبها، في ثبات ورسوخ من اليقين الذي ملأ حياة محمَّد صلى الله عليه وسلم، وحياة أصحابه رضي الله عنهم، فاستهانوا بكل بلاء، واحتملوا كل إيذاء وتعذيب، وسخرية واستهزاء، فلم يبق أمام ظلم ذوي القربى إلا قاصمة الظهر، فقد طرقوا كل باب من أبواب الشرّ والفجور، فلم يُجدهم شيئاً، وانتثروا آخر سهامهم، فلم يجدوا فيها إلًا سهماً واحداً لم يجرّبوه!
ذلك أن يقتلوا محمداً صلى الله عليه وسلم علانيةً، ليجعلوا قومه بني هاشم أمام عاصفة لا قبل لهم بالوقوف أمام زمجرتها وتدميرها!
فقد أخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب فيما رواه عنه موسى بن عقبة صاحب المغازي، وهذا لفظ حديث القطان، قال:(1) ثم إِن المشركين اشتدّوا على المسلمين كأشدّ ما كانوا، حتى بلغ المسلمين الجهد، واشتدّ عليهم البلاء، واجتمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيةً!
تدبير أبي طالب لحماية الرسول صلى الله عليه وسلم
-:
فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بني عبد المطلب، وأمرهم أن يدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شِعبهم، ويمنعوه ممن أراد قتله، فاجتمعوا على ذلك، مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حميّةً، ومنهم من فعله إيماناً ويقيناً .. وذلك في المحرّم من السنة السابعة من النبوّة!
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان بمكّة من المؤمنين أن يخرجوا إلى الحبشة، وهذه هي الهجرة الثانية -كما أسلفنا- ومن قوي على البقاء بمكّة دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم وقومه الحصار بالشّعب!
سبب كتابة الصحيفة:
فلمّا عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجتمعوا على ذلك اجتمع المشركون من قريش، فأجمعوا أمرهم أن لا يجالسوهم، ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا بيوتهم إلا أن يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل!
(1) دلائل النبوة: 2: 311، وما بعدها بتصرف، وانظر: ابن هشام: 1: 371، وابن سعد: 1: 1: 139، والطبري: 2: 335، والبداية: 3: 84، والنويري: 16: 258، والحلبية: 1: 449، والدرر: 53، وسبل الهدى والرشاد: 2: 502.
وكتبوا بمكرهم صحيفةً وعهوداً ومواثيق أن لا يقبلوا من بني هاشم أبداً صلحاً، ولا تأخذهم بهم رأفة، حتى يسلموا محمداً صلى الله عليه وسلم للقتل، فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين، واشتدّ عليهم البلاء والجهد، وقطعوا عنهم الأسواق، فلا يتركون طعاماً يقدم مكّة، ولا بيعاً، إلا بادروهم إليه فاشتروه، يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله صلى الله عليه وسلم!
شدّة حرص أبي طالب وشعره:
وكان من شدّة حرص أبي طالب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالغ حياطته وحفظه أنه كان مدّة زمن الحصار إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطجع على فراشه المعدّ لنومه، حتى يرى ذلك من أراد بالنبي صلى الله عليه وسلم مكراً لاغتياله، فإذا نوّم الناس أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه!
قال ابن إسحاق: (1) فلما اجتمعت على ذلك قريش وصنعوا فيه الذي صنعوا، قال أبو طالب:
ألا أبلغا عنّي على ذات بيننا
…
لؤيًّا وخصّا من لؤيّ بني كعب
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمداً
…
نبيًّا كموسى خُطَّ في أوّل الكتبِ
(1) السيرة النبوية: ابن هشام: 1: 432 - 434، والبداية: 3: 87، والروض الآنف: 2: 102 - 103.
وأن عليه في العباد محبّة
…
ولا خير (1) ممن خصه الله بالحبَّ
وأن الذي ألصقتمو من كتابكم
…
لكم كائن نحساً كراغبة السّقَبِ
أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفَر الثّرى
…
ويصبحَ من لم يجن ذنباً كذي الذّنبِ
ولا تتبعوا أمر الوُشاة وتقطعوا
…
أواصِرنا بعد المودّة والقُربِ
وتستحيلوا حرباً عواناً وربما
…
أمرَّ على من ذاقَهُ جَلَبُ الحربِ
فلسْنا وربِّ البيت نسلم أحمداً
…
لعزَّاء من عضّ الزمان ولا كرّبِ
ولمّا تَبِنْ مِنّا ومنكم سوالف
…
وأيْدٍ أثّرت بالقساسيّة الشُّهْبِ
بمعترك ضيّق ترى كسر القنا
…
به والنسورَ الطغم يعكفن كالشّربِ
(1) قوله (ولا خير) البيت، قال السهيلي: مشكل جدًّا، وقوله (ممن) من متعلّقه، كأنه قال: لا خير أخير ممن خصه الله إلخ: البداية: 3: 87 هامش، وانظر: الغريب في: ابن هشام: 1: 432 - 434.
كأن محِال الخيل في حجراته
…
ومعمعة الأبطال معركة الحبِّ
أليس أبونا هاشمٌ شدَّ أزره
…
وأوصى بنيه بالطّعان وبالضّزبِ
ولسنا نملّ الحرب حتّى تملّنا
…
ولا نشتكي ما قد ينوء من النّكبِ
ولكننا أهل الحفاظ والنُّهىَ
…
إنا طار أرواحُ الكُماة من الرُّعبِ
نقض ما تعاهدوا عليه:
فلمّا كان رأس ثلاث سنين (1) -أي من ابتداء دخولهم الشِّعب- تلاوم رجال من بني عبد مناف ومن بني قصيّ، ورجال سواهم من قريش، قد ولدتهم نساء من بني هاشم، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم، واستخفوا بالحق، واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر، والبراءة منه!
آية الله في الصحيفة:
وبعث الله عز وجل على صحيفتهم التي كان المكر فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم الأرَضَةَ فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق!
(1) قيل: كان العقد في هلال المحرم سنة سبع من البعثة، وظلوا محاصرين إلى السنة العاشرة، وقيل إلى السنة التاسعة!
ويقال: كانت معلّقةَ في سقف البيت، ولم تترك اسماً لله عز وجل فيها إلا لحسته،، وبقي ما كان فيها من شرك أو ظلم، أو قطيعة رحم!
وفي رواية لابن سيد الناس عن ابن هشام قال: (1) وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب: "يا عم، إِن ربِّي قد سلّط الأرَضَةَ على صحيفة قريش، فلم تدع فيها اسماً لله إِلا أثبتته، ونفت منها القطيعة، والظلم، والبهتان".
قال: أربّك أخبرك بهذا؟ قال: "نعم" قال: فوالله! ما يدخل عليك أحد، ثم خرج إِلى قريش فقال: يا معشر قريش؛ إِن ابن أخي أخبرني، وساق الخبر. بمعنى ما ذكرناه!
سعي أبي طالب:
قال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبني، فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطّلب، حتى أتى المسجد، وهو حافل من قريش، فلمَّا رأرهم عامدين إليهم أنكروا ذلك، وظنّوا أنهم خرجوا من شدة البلاء، فأتَوْهُم ليعطوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكلّم أبو طالب، فقال: قد حدثت أمور بينكم لم تُذكر لكم، فأتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها، فلعلّه أن يكون بيننا وبينكم صلح -وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة، قبل أن يأتوا بها- فأتوا بالصحيفة معجبين بهلالا يشكون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفوع إِليهم، فوضعوها بينهم، وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع
(1) عيون الأثر: 1: 128، ويلاحظ الاختلاف في بعض الألفاظ، نقلناه بنصه! كما يلاحظ أن النقل هنا قد اكتفينا فيه بالإشارة إلى المصدر ومن أراد المزيد فليرجع إلى المصادر لمعرفة درجة تلك النصوص والمقارنة بينها.
قومكم وعشيرتكم، فإِنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد، جعلتموه خطراً لمهلكة قومكم وعشيرتكم وفسادهم!
فقال أبو طالب: إِنما أتيتكم لأعطيكم أمراً لكم فيه نصَف!
إِن ابن أخي قد أخبرني ولم يكذبني أن الله عز وجل بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم، ومحا كل اسم هو له فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم إِيّانا، وتظاهركم علينا بالظلم، فإِن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فأفيقوا، فوالله! لا نسلمه أبداً حتى نموت من عند آخرنا، وإِن كان الذي قال باطلاً دفعناه إِليكم فقتلتم أو استحييتم!
قالوا: رضينا بالذي تقول، ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب، قالوا: والله إِن كان هذا قطّ إلا سحر صاحبكم فارتكسوا، وعادوا بشرّ ما كانوا عليه من كفرهم، والشدّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين!
كاتب الصحيفة:
وهذه الرواية تقول: إن الصحيفة كانت عند هشام بن عمرو بن الحارث العامري، وقيل: هو كاتبها، والمعروف أن الصحيفة علّقت في جوف الكعبة تأكيداً للتمسك بما فيها من عهود ومواثيق، وفي كاتبها بعد هذا القول اختلاف، قيل: إنه منصور بن عكرمة، وقيل إنه بغيض بن عامر، وقيل: إنه النضر بن الحارث، وفي هؤلاء الثلاثة قيل: فشلّت يده أو أصابعه!
وذكر أن كاتب الصحيفة (1) منصور بن عكرمة فشلّت يده .. وللنُّساب من
(1) انظر: الروض الأنف: 123.
قريش في كاتب الصحيفة قولان: أحدهما: أن كاتب الصحيفة هو بغيض بن عامر بن هاشم بن عبد الدار، والقول الثاني: منصور بن عبد بن شرحبيل بن هاشم من بني عبد الدار، وهو خلاف ابن إسحاق الذي ذهب إلى أن كاتب الصحيفة هو منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي!
شدة الحصار:
وكانت المحنة في هذا الحصار الظلوم شديدة، قاسية، موجعة، مؤلمة، قابلها المؤمنون بالصبر الجميل، والتحمّل الكريم!
قال السهيلي: إنهم جهدوا حتى كانوا يأكلون الخَبط وورق الشجر، حتى إن أحدهم ليضع كما تضع الشاة، وكان فيهم سعد بن أبي وقّاص، روي أنه قال: لقد جعت حتى إنّي وطئت على شيء فوضعته في فمي وبلعته، وما أدري ما هو إلى الآن!
وفي رواية يونس:
أن سعداً قال: خرجت ذات ليلة لأبول، فسمعت قَعْقَعَةً تحت البول، فإذا قطعة من جلد بعير يابسة، فأخذتها وغسلتها، ثم أحرقتها، ثم رضضتها وسفسفتها بالماء، فقويت بها ثلاثاً!
وكان طغاة المشركين وهم مستغرقون في عتوّهم وفجورهم إذا قدمت العير مكّة، يأتي أحد هؤلاء المحصورين السوق، ليشتري شيئاً من الطعام لعياله، فيقدم المتبوب بلعنة الله أبو لهب عدوّ الله فيقول:
يا معشر التجار، غالوا على أصحاب محمَّد، حتى لا يدركوا معكم شيئاً، فقد علمتم ما لي ووفاء ذمتي، فأنا ضامن من أن لا خسار عليكم، فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافاً، حتى يرجع إلى أطفاله، وهم يتضاغَوْن من
الجوع، وليس في يديه شيء يطعمهم به، ويغدو التجار على أبي لهب، فيزكّيهم فيما اشتروا من الطعام واللباس، حتى جهد المؤمنون ومن معهم جوعاً وعرياً!
كاتبها ماحيها:
ومن عجائب حكمة العلم الحكيم عزّ شأنه أن أحسن القوم بلاءً، في كشف هذه الغمّة، ونقض الصحيفة الظالمة الفاجرة هو أشدّهم لها في بدء أمرها حماسة، كاتبها كما قيل، والأمين على حفظها، كما قيل أيضاً: هشام بن عمرو بن لؤيّ. وأبو عمرو أخو نضلة بن هشام لأمّه، الذي بدّل الله شدّته على المؤمنين رأفة ورحمة، وجفاءه عطفاً، وقطيعته وصلاً، فكان من أوصل القوم للمؤمنين ومن معهم، وكان شريفاً في قومه ذا مروءة ونخوة!
كان -كما يقول ابن إسحاق- يأتي بالبعير ليلاً قد أوقره طعاماً، حتى إذا أقبل به فم الشِّعب خلع خطامه من رأسه، ثم ضرب على جنبه، فيدخل الشِّعب عليهم، ثم يأتي قد أوقره بزًّا، أو برًّا فيفعل به مثل ذلك!
تحرك العواطف:
قال محمَّد بن سعد: كان هشام بن عمرو العامري أوصل قريش لبني هاشم، حين حُوصروا في الشَّعب، أدخل عليهم في ليلة ثلاثة أحمال طعاماً، فعلمت بذلك قريش، فمشوا إِليه حين أصبح فكلّموه في ذلك، فقال: إِني غير عائد لشي خالفكم، فانصرفوا عنه، ثم عاد الثانثة، فأدخل عليهم ليلاً حملاً أو حملين، فغالظته قريش، وهمّت به، فقال أبو سفيان ابن حرب: دعوه رجل وصل أهل رحمه، أما إِني أحلف بالله! لو فعلنا مثل ما فعل كان أحسن بنا!
وهو أول من نهض في نقض الصحيفة الظالمة، جمع إِليه من صناديد قريش ثلّةً لم يزل يفتل لهم في الذّروة والغارب، حتى استنزلهم إِلى رأيه، فمشى إِلى زهير بن أبي أميّة بن المغيرة، وأمّه عاتكة بنت عبد المطّلب، أخت أبي طالب، وعمّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه سياسة في الرأي تدلّل على ثقوب فكرة، وذكاء قريحة، وتأتسّيه للأمور من قبلتها ووجهها، فقال له: يا زهير: أقد رضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثّياب، وتنكح النساء، وأخوالك قد علمت لا يُباع لهم، ولا يُبتاع منهم، ولا ينكحون ولا يُنكح إِليهم، أما إِنّي أحلف بالله! أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام، ثم دعوته إِلى ما دعاك إِليه منهم ما أجابك إِليه أبداً!
فانظر إِلى معرفته بدخائل النفوس، وإِثارة حفائظها لتقدم على ما تريد غير مبالية بما يكون من كوائن الأخطار في سبيل الوصول إِلى الهدف!
فقال زهير وقد استهواه منطقه: ويحكم يا هشام!! فماذا أصنع؟ إِنما أنا رجل واحد، والله! لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها!
وقال هشام: قد وجدت رجلاً، قال: فمن هو؟ قال: أنا، قال زهير: ابغنا رجلاً ثالثاً!
فذهب هشام إِلى المطعم بن عدي، فقال له: يا مطعم، أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك، موافق لقريش فيه، أما والله! لو أمكنتموهم من هذه لتجدنّهم إِليهم منكم سراعاً، قال مطعم: ويحك فماذا أصنع؟ إِنما أنا رجل واحد، قال: قد وجدت ثانياً، قال: من هو؟ قال: أنا، قال: ابغنا ثالثاً، قال قد فعلت، قال: من هو؟ قال: زهير بن
أبي أميّة، قال: ابغنا رابعاً، فذهب هشام إِلى أبي الْبَخْتَرِي ابن هشام، فقال له نحواً ممّا قال لمطعم بن عديّ، فقال أبو الْبَختَرِي: وهل من أحد يُعين على ذلك؟ قال: نعم، قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أميّة، والمطعم بن عدي، وأنا معك، قال: ابغنا خامساً، فذهب هشام إِلى زمعة بن الأسود بن عبد المطَّلب بن أسد، فكلّمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال زمعة: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إِليه من أحد؟ قال: نعم، ثم سمَّى له القوم، فاتعدوا خَطْم الْحجُون ليلاً بأعلى مكّة، فاجتمعوا هناك، فأجمعوا أمرهم، وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير: أنا أبدؤكم، فأكون أوّل من يتكلّم، فلمّا أصبحوا غدوا إِلى أنديتهم، وغدا زهير بن أبي أميّة عليه حلّة، فطاف بالبيت سبعاً، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكّة، أنأكل الطعام، ونلبس الثّياب، وبنو هاشم هلكى لا يُباع لهم، ولا يُبتاع منهم، والله! لا أقعد حتى تشقّق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة!
لؤم نحيزة أبي جهل:
قال أبو جهل -وكان في ناحية المسجد- كذبت، والله! لا تشق! قال زمعة ابن الأسود: أنت والله! أكذب، ما رضينا كتابها، حيث كتبت، قال أبو الْبَخْتَرِي صدق زمعة، لا نرضى ما كُتب فيها، ولا نقرّ به، قال المطعم ابن عدي: صدقتما، وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إِلى الله منها، ومما كتب فيها، وقال هشام بن عمرو نحواً من ذلك، فقال المخذول الفاجر أبو جهل: هذا أمر قُضي بليل، تُشوور فيه بغير هذا المكان، وأبو طالب جالس في ناحية المسجد، فقام المطعم إِلى الصحيفة ليشقّها، فوجد الأرَضة قد أكلتها، إِلا (باسمك اللهم)!
وكانت تلك الوثبة في القيام لنقض الصحيفة الظالمة القاطعة بعد أن أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمّه أبا طالب بما أخبر به بالوحي في شأن الصحيفة، وتحدّث به أبو طالب إِلى ملأ قريش، فوجدوه كما قال الصادق المصدوق، عندما أتوا بالصحيفة ونظروا فيها، فقالوا عناداً وفجوراً: هذا سحر، وعزموا على المضيّ في عتوّهم وعنادهم، ولكنهم فوجئوا بهشام بن عمرو ومن قام معه من صناديدهم ينكرون ما في هذه الصحيفة القاطعة من الظلم، وغلظ الأكباد، وهمّ المطعم بتشقيق الصحيفة، فلم يجدوا فيها إِلا (باسمك اللهم)!
وباء ملأ قريش بالخزي والخذلان، ونصر الله رسوله صلى الله عليه وسلم!
وقد استفحل فجور أبي جهل في هذه المحنة، فكان يترصّد كل شيء يدخل إِلى الشِّعب، ليمنع ما عسمى أن يكون فيه بعض الإِسعاف للمحصورين، وهم يقاسون مع نسائهم وأطفالهم مرارة الجوع والعري في محبسهم وعزلتهم!
فقد ذكر سائر الرّواة أن أبا جهل لقي حكيم بن حزام بن خويلد، ومعه غلام يحمل قمحاً يريد به عمّته خديجة، وهي في الشِّعب، فتعلّق به، وقال: أتذهب بالطعام إِلى بني هاشم، والله! لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكّة، فجاءه أبو الْبَخْتَري بن هشام، فقال: مالك وله، قال: يحمل الطعام إِلى بني هاشم، قال أبو الْبَخْتَري: طعام كان لعمته عنده، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خَلِّ سبيل الرجل، فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه!
فأخذ له أبو البَخْتري لحى بعير ففربه به فشجّه، ووطئه وطأ شديداً،
وحمزة رضي الله عنه يرى ذلك، ويكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيشمتوا بهم!
ورسول الله صلى الله عليه وسلم دائب يدعو قومه ليلاً أو نهاراً وسرًا وجهرًا!
شعر أبي طالب بعد تمزيق الصحيفة:
قال ابن إِسحاق: (1) فلمّا مزّقت -أي الصحيفة- وبطل ما فيها قال أبو طالب، فيما كان من أمر أولئك القوم الذين قاموا في نقض صحيفتهم يمدحهم:
ألا هل أتى بَحَريَّنا (2) صنع ربِّنا
…
على نأْيهم والله بالناس أَروَد
فيُخْبِرهم أن الصحيفة مُزِّقَتْ
…
وأن كُلَّ ما لم يرضَه الله مفسد
تراوحَها إِفكٌ وسحرٌ مُجَمَّع
…
ولم يَلْفَ سِحْراً آخر الدهر يصعدُ
تداعَى لها من ليس بقرقر
…
فطائرها في رأسها يتردّدُ
(1) البداية والنهاية: 3: 97 - 98، والروض الأنف: 2: 124 - 125.
(2)
السابق: قال السهيلي: بحريّنا: يعني الذين بأرض الحبشة، نسبهم إلى البحر لركوبهم إيّاه، وشرح الألفاظ الغريبة لهذه القصيدة، وقد قابلناها على شرح غريب السيرة للخشني.
وكانت كفاءً وقعة بأثيمة
…
ليُقطع منها ساعدٌ ومقلدُ
ويظعن أهل المكّتين فيهربوا
…
فرائصهم من خشية الشرّ ترعدُ
ويترك حراث يقلّب أمره
…
أيُتَّهَم فيها عند ذاك ويُنْجِدُ
وتصعد بين الأخشبين كتيبة
…
لها حدجٌ سهم وقوس ومرهدُ
فمن ينش من حضار مكة عزّة
…
فعزتنا في بطن مكّة أتلدُ
نشأنا بها والناس فيها قلائل
…
فلم ننفك تزداد خيراً وتحمدُ
ونُطعم حتى يترك الناس فضلهم
…
إِذا جعلت أيدي المفيضين ترعدُ
جزى الله رهطاً بالحجون تجمّعوا
…
على ملأ يهدي لحزْم ويُرشد
قعوداً للذي خطم الحجون كأنهم
…
مقاولةٌ بل هم أعزّ وأمجدُ
أعان عليها كل صقر كأنه
…
إِذا مشى في رفرف الدّرع أحردُ
جرئٌ على جلّ الخطوب كأنه
…
شهاب بكفيّ قابس يتوقدُ
من الأكرمين من لؤي بن غالب
…
إِذا سيم خسفاً وجهه يتربدُّ
طويل النّجاد خارجٌ نصف ساقه
…
على وجهه يسقي الغمام ويسعدُ
عظيم الرّماد سيّد وابن سيّدٍ
…
يحضّ على مقري الضيوف ويحشدُ
ويبني لأبناء العشيرة صالحاً
…
إِذا نحن طفنا في البلاد ويمهدُ
ألظَّ بهذا الصلح كل مبرّأ
…
عظيم الواء أمره ثمّ يُحمدُ
قضَوْا ما قَضوْا في ليلهم ثم أصبحوا
…
على مهل وسائر الناس رُقدُ
هم رجعوا سهل بن بيضاء راضياً
…
وسُرَّ أبو بكر بها ومحمَّدُ
متى شرك الأقوام في حل أمرنا
…
وكنّا قديماً قبلها نتودّدُ
وكنا قديماً لا نقر ظلامة
…
وندرك ما شئنا ولا نتردد
فيا لقصيّ هل لكم من نفوسكم
…
وهل لكم فيما يجيء به غدُ
فإِني وإِيّاكم كما قال قائلٌ
…
لَدَيْكَ البيان لو تكلّمت أسودُ
قال السهيلي (1): أسود اسم جبل قتل به قتيل، ولم يعرف قاتله، فقال أولياء المقتول: لديك البيان لو تكلّمت أسود، أي يا أسود لو تكلمت لأبنت لنا عمن قتله!
المقاطعة في الصحيح:
وإذا كنا قد ذكرنا نصوص المقاطعة، كما وردت، فحسبنا أن هذه المقاطعة قد وردت الإشارة إليها فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد قدوم مكّة: "منزلنا غداً إِن شاء الله، بخَيْفِ بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر".
وفي رواية عنه رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم من الغد يوم النحر -وهو بمنى-
(1) السابق: النسخة المصرية، والبداية: 3: 98، وسبل الهدى والرشاد:425.
"نحن نازلون غداً بِخيفِ بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر يعني بذلك المحصّب، وذلك أن قريشاً وكنانة تَحالَفَتْ علي بني هاشم وبني عبد المطّلب -أو بني المطّلب- أن لا يناكحوهم ولا يُبايعوهم حتى يسْلمُوا إِليهم النبي صلى الله عليه وسلم". (1)
إعداد لتحمّل أثقال الدعوة:
قد كان خروج النبي صلى الله عليه وسلم من محنة الحصار، وتقاسم المشركين على فجور الكفر، هو ومن معه من المؤمنين الذين بقوا في مكّة، ولم يهاجروا مع إخوانهم أصحاب الهجرة الثانية إلى الحبشة -كما أسلفنا- ومن دخل معه من بني هاشم والمطّلب حميّة قوميّة، وهم على دين قومهم من الشرك والوثنيّة في السنة العاشرة من البعثة قبل الهجرة إلى المدينة بثلاث سنين!
وقد كان الدخول إلى الشَّعب وبدء الحصار هلال المحرم سنة سبع من النبوّة -كما عرفنا- وكانت مدّة هذا الحصار الظلوم ثلاث سنين في رواية موسى بن عقبة، أو سنتين في رواية محمَّد بن سعد، وقد ذكر ابن إسحاق الروايتين على الشك، فقال: فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثاً، وقد كانت هذه المحنة لوناً من ألوان التربية التي تعهّد الله بها نبيّه محمداً صلى الله عليه وسلم ليعدّه لتحمّل أثقال
(1) البخاري: 25 - الحج (1589، 1590)، وانظر (3882، 4284، 4285، 7479)، ومسلم (1314)، وأحمد: 2: 237، 263، 322، 353، 540، 5: 202 عن أسامة بن زيد، والبخاري:(3058)، وابن خزيمة (2981، 2982، 2984) من طرق، وأبو داود (2011)، والنسائي: الكبرى (4202)، والبيهقي: 5: 160، وابن ماجه (2942) عن أسامة بن زيد. وانظر: القصة في: طبقات ابن سعد: 1: 208 - 210، والطبري: التاريخ: 2: 335 - 336، والبيهقي: الدلائل: 2: 11 - 315، وابن كثير: السيرة: 2: 43 - 51.
الدعوة إلى الله، وتبليغ رسالاته، بما كان فيها من شدائد ومحن وتمحيص لعزائم أهل الإيمان!
دروس للدعاة:
ونبصر عبر التاريخ أنه لا يخلو زمان ولا مكان من أهل المروءة، وعلى الدعاة أن يسعوا دائماً إلى الاهتمام بمن يتوسّم فيهم هذه الخصلة للاستفادة منهم في أوقات الشدائد والمحن! (1)
ونبصر أعداء الله في كل زمان ومكان وجيل وقبيل وعصر ومصر يلجؤون إلى استخدام سلاح محاربة الدعاة في أرزاقهم، ليستكينوا ويرجعوا عما يدعون إليه، وهو أسلوب يتّفق عليه المشركون والمنافقون عبر التاريخ .. ولو كان الدعاة إلى الله موظّفين أو عاملين في دولة تخالفهم فيما يدعون إليه، للجأت تلك الدولة إلى فصلهم من أعمالهم، كوسيلة من وسائل الحرب التي تتخذها ضدّهم، ولكن الوسيلة المتاحة في ذلك الوقت في هذا الميدان كانت المقاطعة بتلك الكيفيّة التي وقفنا عليها .. وعلى الدعاة أن يعوا هذه الحقيقة بأبعادها المختلفة!
ونبصر فيما أصاب الرسول صلى الله عليه وسلم من ابتلاءات، وما أصاب أصحابه رضي الله عنهم -كما أسلفنا -عزاء لكل مؤمن فيما يصيبه في هذه الحياة من بلاء ومصائب!
ونبصر -أيضاً- أنه لا تخلو جاهليّة من الجاهليّات القديمة أو الحديثة من قيم يمكن الاستفادة منها، فقد ضحّى بنو هاشم تضحيات كبيرة في سبيل قيمهم
(1) السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية: 321 بتصرف.
الجاهليّة الخاصة بحماية الغريب .. وإذا وُجدت قيم في مجتمعاتنا المعاصرة، مثل قوانين حقوق الإنسان، أو اللجوء السياسي، أو الحريّة الفكريّة، فلا ضير من الاستفادة منها، كما استفاد المسلمون الأوائل من مؤازرة بني هاشم لهم في حصار الشعب!
مسيرة الدعوة:
ولما انتهى أمر هذه الصحيفة (1) الظالمة القاطعة، وأفسدها الله بتدبيره، إذ جعل فسادها على أيدي قوم من صناديدهم وغطاريفهم، وفتَّ ذلك في أعضادهم، وفرّق كلمتهم، وجلّلهم بالعار والشنار، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطه، فعاشوا وخالطوا الناس، وعادت دعوة الإِسلام إلى سيرتها الأولى، يحملها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مضارب القبائل ومجتمعات الناس في المواسم والأسواق، وكان صلى الله عليه وسلم يخرج إلى محافل العرب يسأل عن أشراف الناس وساداتهم، ويجلس إليهم يدعوهم إلى إيوائه، حتى يؤدّي رسالة ربّه، حتى قيّض الله له من ادّخرهم في أزل الغيب لنصرة دينه، والتشرّف بإيواء نبيّه صلى الله عليه وسلم .. أولئك أنصار الله، وأنصار رسوله وكتائب الإسلام!
(1) محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 300 بتصرف.
توالي اشتداد المحن
توالي اشتداد المحن
* خُسران ملأ قريش
* مواقف الجمهور من الدعوة
* منهج الدعوة إلى الله
* رزء الحميّة القوميّة بوفاة أبي طالب
* شعر أبي طالب في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم
* وصيّة أبي طالب لقومه
* وفاة أبي طالب
* رزء الإِسلام ونبيّه بوفاة خديجة رضي الله عنها
* حقيقة الرسالة
* تسامي حياة الصديقيّة المؤمنة
* ورقة يؤكّد فراسة خديجة
* دور خديجة رضي الله عنها
* موت خديجة رضي الله عنها وتسليم الله عليها وتبشيرها
* الرسول صلى الله عليه وسلم في الطائف
* قدوم الجنّ وإسلامهم
* توجيه ربّاني
توالي اشتداد المحن
خُسران ملأ قريش:
وقد حزَّ في أنفس طغاة الشرك أن يبوء بالخُسران المبين تدبيرهم السيّء، ومكرهم الحقود، إذ ردّ الله كيدهم في نحورهم، وحاق بهم سوء مكرهم، فشرقوا بما دبّروا، وازدادوا عتوًّا وفجوراً في عتوّهم فافتنّوا في تعذيب من تمكّنوا من تعذيبه من المؤمنين، ومنعوهم من كل ما يحفظ عليهم دماء الحياة ويسدّ الرمق .. والمؤمنون صابرون محتسبون، لا يزيدهم هذا الطغيان إلا رسوخاً في يقينهم، وإيماناً برسالة دينهم، واستمساكاً بعقيدتهم .. واستشرى الحقد في صدور أحلاس الوثنيّة فأحرق قلوبهم، وزئر كل قبيل منهم بكل من كان يمتّ إليهم من المؤمنين بصلة قرابة، أو ولاية أو حلف، فلم ينل ذلك من إيمانهم شيئاً، فكان هذا الثبات على الإيمان تحت أسواط التعذيب أغيظ لملأ الكفر من عتاة المشركين، ولاسيّما أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن خرج بمن معه من المؤمنين من محنة الحصار مظفَّراً قويًّا، ماضي العزيمة، لا يصدّه عن المضيّ في نشر دعوته فادح البلاء، ولا يثنيه عن تبليغ رسالته زمجرة الطغيان .. ازداد تحرّكه وازداد اتّصاله بالناس في مجتمعاتهم ومحافلهم وأنديتهم، يدعو إلى الله، ويسمعهم آياته، فلم يكن صلى الله عليه وسلم يسمع بمنزل شريف من أشراف العرب إلا جاءه ودعاه وقومه إلى الله، فازداد بذلك انتشار الدعوة، وتسامعوا بتفاصيل محنة الحصار، وتقاسم الطغاة البغاة العتاة على الكفر والقطيعة، وعرفوا تأييد الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم في نقض تلك الصحيفة الظالمة التي تعاهد فيها الظالمون، وتقاسموا على القتل والفتك بأبشع صوره .. وذاع في أسواق العرب ومواسمهم ما وقع في الحصار من معجزات باهرات وآيات قاهرات!
مواقف العامة من الدعوة:
ونبصر مواقف العامة من الدعوة، ونحن نذكر مواقف الذين كان منهم من يسمع النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤخذ بما يسمع من هداية فيحسن الرد .. ومنهم من يقف حائراً لا يخطو إلى ساحة الإيمان
…
ومنهم من كان يسيء الردّ في جفوة جاهلة، وعنجهيّة فاجرة، وبأو مغرور .. مع أدب الدعوة المعروف .. ومنهم من طمع واشرأبّ للدنيا، ورأى في عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه عليهم في مضاربهم ومنازلهم يدعوهم إلى أن يؤوه حتى يبلّغ رسالة ربّه -كما أسلفنا- فرصةً سانحةً لتحقيق مآربه من العلوّ في الأرض، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يُفهمهم في هدوء ويقين أن أمره وأمر دعوته ورسالته ليس أمر دنيا تحاز، ولا مطامع فيها تنجز، ولا مآرب من مظاهرها تحقَّق .. وإنما أمره أمر دعوة إلى الله الحق، مالك الدنيا والآخرة، وهو صلى الله عليه وسلم ليس له من الأمر شيء، والأمر كله بيد الله يضعه حيث يشاء، وهو في أشدّ الحاجة إلى من يحرزه ويأويه ويحفظه مما يُراد به من القتل والفتك .. إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس عليه إلا بلاغ رسالة الله، وليس أن يعد أحداً بأن الأمر بعده له؛ لأن الملك لله تعالى يؤتيه من يشاء، وليس وراء ذلك منزلة من منازل الصدق والأمانة والإخلاص!
قال ابن إسحاق (1): حدثني الزهري أنه صلى الله عليه وسلم أتى بني عامر بن ععصعة، فدعاهم إلي الله عز وجل، وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم- يقال له:(بَيحرة بن فراس)، قال ابن هشام: فراس بن عبد الله بن سلمة (الخير)
(1) السيرة النبوية: ابن هشام: 2: 76، صرح ابن إسحاق بالسماع، وسنده مرسل، والطبري: التاريخ: 2: 350 - 351، وأبو نعيم:"الدلائل": 10 وفيه الكلبي، وابن سعد: الطبقات مختصراً: 1: 216 من طريق الواقدي.
ابن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة: والله! لو أنّي أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إِن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال صلى الله عليه وسلم:"الأمر لله يضعه حيث يشاء"!
قال: فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإِذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا! لا حاجة لنا بأمرك، فأَبَوْا عليه!
قال ابن إِسحاق: فلما صدر الناس رجعتْ بنو عامر إِلى شيخ لهم، قد كانت أدركتْه السنّ، حتّى لا يقدر أن يوافي معهم الواسم، فكانوا إِذا رجعوا إِليه حدّثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلمَّا قدموا عليه ذلك العام سألهم عمّا كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتىَ من قريش، ثم أحدُ بني عبد المطَّلب، يزعم أنه نبيّ، يدعونا إِلى أن نمنعه ونقوم معه، ونخرج به إِلى بلادنا، قال: فوضع الشيخ يديه على رأسه، ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تلافٍ؟ هل لذُناباها من مطلب؟ والذي نفسُ فلان بيده! ما تقوّلها إِسماعيلي قطّ، وإِنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم!
قال ابن إِسحاق: فكان رسول صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمره، كلما اجتمع له الناس بالوسم أتاهم يدعو القبائل إِلى الله، وإِلى الإِسلام، ويعرض عليهم نفسه، وما جاء به من الله من الهُدى والرحمة، وهو لا يسمع بقادم يقدم مكّة من الدرب، له اسم وشرف، إِلا تصدَّى له، فدعاه إِلى الله، وعرض عليه ما عنده!
قال ابن إِسحاق: وحدثني عاصم بن عُمر بن قَتادة الأنصاريّ، ثم الظّفَريّ، عن أشياخ من قومه، قالوا:
قدم سويد بن صامت، أخو بني عمرو بن عوف، مكّة حاجًّا أو معتمراً، وكان سويد إِنما يسمّيه قومه فيهم:(الكامل)، لجَلده وشعره، ونسبه، وهو الذي يقول:
ألا ربَّ مَنْ تدعو صديقاً ولو ترى
…
مقالتَه بالغيب ساءك ما يفري (1)
مقالته كالشهد ما كان شاهداً
…
وبالغيب مأثور (2) على ثُغْرة النحر (3)
يسرُّك باديه وتحت أديمه
…
نميمةُ غِشٍّ تَبْتَرِي (4) عَقب (5) الظهر
تبين لك العينان ما هو كاتِمٌ
…
من الغِلِّ والبغضاء بالنّظر الشّزر (6)
فرِشْني (7) نجير طالما قد بَرَيْتَنِي (8)
…
فخير الموالي من يريش ولا يَبْرِي
(1) أي ما يقطع في عرضك.
(2)
المأثور: السيف الموشّى.
(3)
الثغرة: الحفرة: التي في الصدر.
(4)
أي تقطع.
(5)
العقب: عصب الظهر.
(6)
النظر الشزر: نظر العدو.
(7)
أي قوِّني.
(8)
أي أضعفتني.
وهو الذي يقول: ونافرَ (1) رجلاً من بني سُلَيْم، ثم أحد بني زِعب بن مالك مائة ناقة، إِلى كاهنة من كهّان العرب، فقضت له، فانصرف عنها هو والسُّلميّ، ليس معهما غيرها، فلمَّا فرقت بينهما الطريق، قال: ما لي يا أخا بني سُلِيم، قال: أبعث إِليك به، قال: فمن لي بذلك إِذا فتَّني به؟ قال: أنا، قال: كلاّ، والذي نفس سويد بيده، لا تفارقني حتى أوتَى بمالي، فاتخذا، فضرب به الأرض، ثم أوثقه رباطاً ثم انطلق به إِلى دار بني عمرو بن عوف، فلم يزل عنده، حتى بعثت إِليه سُليم بالذي قال، فقال له في ذلك:
لا تحسبَنِّي يا بن زعب بن مالك
…
كمن كنت تِرْدى بالغُيوبِ وتَخْتِل (2)
تحوَّلتَ قِرْناً إِذ صُرِعتَ بِعزَّةٍ
…
كذلك إِن الحازم المتحوِّل
ضربْتُ به إِبطَ الشمال فلم يزل
…
على كل حَالٍ خدُّه هو أسفل
في أشعار كثيرة كان يقولها: فتصدّى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به، فدعاه إِلى الله وإِلى الإِسلام.
فقال: له سويد: (فلعلَّ الذي معك مثل الذي معي) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما الذي معك؟ " قال: مجلة لقمان -يعني حكمة لقمان- فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اعْرِضْها عليّ" فَعرَضَها عليه، فقال له: "إِن هذا الكلام
(1) أي حاكم.
(2)
أي تخدع.
حسن، والذي معي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله تعالى عليّ، هو هُدى ونورٌ. فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاه إلى الإِسلام، فلم يَبعُد منه، وقال: إن هذا القول حسن، ثم انصرف عنه، فقدم المدينة على قومه، فلم يلبث أن قتلته الخزْرج، فإِن كان رجال من قومه ليقولون: إِنا لنراه قد قُتل وهو مسلم، وكان قتله يوم بعاث! (1)
منهج الدعوة إلى الله:
تلك المحن القاسية كانت صيقَلاً لعزائم المؤمنين (2)، ومدداً لرسول صلى الله عليه وسلم، ودروساً للتربية، في مستقبل الدعوة القريب والبعيد، وتأسيساً لمنهج الوراثة في الدعوة إلى الله!
ومن ثم لم تكن تلك المحن سوانح تمرّ، ولكنها كانت ثوابت تتوالى صورها وتتابع ألوانها، فلم تكن تمضي محنة حتى تتبعها شدّة، ولم تكد تذهب شدّة حتى تليها محنة، وكان الاعتصام بالصبر الصبور هو الدّرع الحصينة التي يلجأ إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولم يعرف أن موقفاً من هذه المواقف استفزَّه صلى الله عليه وسلم، فغيّر من هدوئه ووداعته، ولم يعرف أن أحداً من أصحابه الأوَّلين آثر العافية على مرارة الصبر، والرضا بمحن البلاء!
ولهذا كان لابدّ أن تستوفي المسيرة نصيبها من (التمحيص الذي يصنع حياة المجتمع المسلم)، ليقوى على الإمساك بزمام القيادة الإنسانيِّة إلى آفاق العزَّة وصادق الإيمان بالله إلهاً واحداً، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد!
(1) السابق: 77 - 79، وانظر: الإصابة: 2: 98 وقد صرح ابن إسحاق بالسماع، وفيه جهالة الأشياخ من قومه، والبيهقي:"الدلائل": 2: 418، والطبري: التاريخ: 2: 351 - 352.
(2)
محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 305 بتصرف.
رزء الحميّة القوميّة بوفاة أبي طالب:
كان أبو طالب -واسمه عبد مناف بن عبد المطّلب (1) - عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخو أبيه عبد الله بن عبد المطّلب شقيقه لأبيه وأمّه - وريث مكانة أبيه عبد المطّلب في زعامة بني عبد مناف وهاشم، سادة قريش، القوّامين على خدمة البيت الحرام بمكة!
وكان أبو طالب وصيّ أبيه في كفالة حفيده محمَّد صلى الله عليه وسلم بالقيام على رعايته وحفظه وحمايته، وكانت سنُّ محمَّد صلى الله عليه وسلم يوم مات جدّه عبد المطّلب ثماني سنوات، وقد ضمّ أبو طالب ابن أخيه محمداً صلى الله عليه وسلم إلى حضْنِ كفالته، وجعله مع عياله، يحوطه ويحفظه ويحرص على راحته أشدّ الحرص، وقام بكفالته أحسن القيام، وأحبّه حبًّا لم يحبّه أحداً من ولده، وصبّ به صبابةً شديدة، لم يكن يطيق معها أن يفارقه، فكان ملازماً له في غدوّه ورواحه، وحلّه وترحاله، وسفره وإقامته، ونومه ويقظته، وقد ثبت -كما أسلفنا- أنه صحبه في بعض أسفاره للتجارة، وهو غلام يَفَعة، حتى شبّ محمَّد صلى الله عليه وسلم في ظلّ هذه الكفالة شاباً رويًّا، ونشأ نشأة عزيزة كريمة حبيبة، واشتدّ ساعده، وبدرت رجولته مبكره، وشارك عمومته وأبناءهم في العمل ليكسب رزقه، وأبو طالب لا يغفل عنه لحظة، يسدّده في عمله، ويوجّهه في سعيه، راعياً، أو تاجراً، أو مقارضاً .. واستوى شباب محمَّد صلى الله عليه وسلم في ظلّ هذه الكفالة الموفَّقة رجلاً، ضرباً من الرجال لا تعرفه الجاهليّة في أخلاقها، وعاداتها، ومعارفها، فكان فيهم الأمين الصدوق، الوفيّ، الكريم الودود الألوف .. وكان أبو طالب كثير
(1) السابق: 312 بتصرف.
العيال، قليل المال، وكان يهوى أن يرى ابن أخيه محمدا صلى الله عليه وسلم يعيش عيشةً سويّةً، لا يشر فيها بضائقات الحياة، وشظف العيش مع عياله!
ولمَّا بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً إلى الناس كافّةً، وقف ملأ الشرك والوثنيّة موقف العناد المستكبر، والمكابرة العاتية، والفجور الطاغي، فكذّبوه، وآذوه، وأغروا به ليقتلوه -كما أسلفنا- ووقف عمه أبو طالب يذود عنه، وينصره ويحميه، بكل ما أوتي من وسيلة وقوّة .. جعل نحوه دون نحوه، وحياته فداء لحياته .. في مواقفه الكثيرة.
فلم ينالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نيلاً إلا في غيبة من عمه ونصيره .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم دائب النهوض في نشر دعوته إلى الله وتوحيده، لا يصدّه عن سيره شيء، فلا يهاب وعيداً، ولا يرهب زمرجة .. واشتدَّ حقد المشركين، وتعدّدت شكاواهم إلى أبي طالب من ابن أخيه الذي سفّه أحلامهم .. وعاب ديانتهم، فكان أبو طالب يردّهم ردًّا رفيقاً، ويكلّم النبي صلى الله عليه وسلم فيما كلموه في شأنه، فيرى منه عزيمة ماضية، لا يصدّها عن وجهها صادّ ولا يردّها عن مضيتها رادّ، إيماناً منه برسالة نفسه، ووجوب تبليغها إلى الناس، مهما تكن الحوائل والعقبات، فكانت هذه القوّة القاهرة في عزيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفص عن كاهل أبي طالب ما يثقله من أعباء الذود عن ابن أخيه في دعوته ورسالته، وتغسل عن قلبه ما يعتريه أمام تألّب قومه عليه، وتجمّعهم ضدّه، فيشتدّ في نصرة رسول الله، ويعلن ذلك في شعره الرصين، لا يبالي في غضبة ملأ الشرك وتهديدهم!
شعر أبي طالب في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم
-:
ولأبي طالب في مواقفه هذه قصائد مشهورة، تعدّ من غرر أجود الشّعر العربي في أقوى عصوره .. ومن أشهر ذلك لاميّته الذائعة التي يقول فيها في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحوطه وحمايته، وحقيقة ما جاء به من رسالة خالدة:
كذبتم -وبيت الله- نُبْزَى
…
ولمَّا نُطاعِن دونه ونناضِل
ونُسْلمه حتى نُصرَّع حوله
…
ونذهل عن أبنائنا والحوائل
وينهض قومٌ في الحديد إِليكم
…
نُهوض الروايا تحت ذات الصلاصل
وما ترك قوم -لا أبالك- سيّداً
…
يحوط الذّمار غير ذربٍ مواكل
إلى أن قال:
وأبيض يُستسقي الغمام بوجهه
…
ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلَّاك من آل هاشم
…
فهم عنده في رحمة وفواضل
لعمري لقد كلّفت وجداً بأحمد
…
وإِخوته دأب المحبّ المواصل
إلى أن قال:
فلا زال في الدّنيا جمالاً لأهلها
…
وزيناً لمن والاه ربّ المثاكل
فمن مثله في الناس أيّ مؤمل
…
إِذا قاسه الحكام عند التفاضل
حليم رشيد عادل غير طائش
…
يوالي إِلهاً ليس عنه بغافل
لقد علموا أن ابننا لا مكذّب
…
لدينا ولا يُعني بقول الأباطل
إلى أن قال:
فأصبح فينا أحمد في أرومة
…
تقصّر عنه سَوْرة المتطاول
حديث بنفسي دونه وحميته
…
ودافعت عنه بالذّرى والكلاكل
فأيّده ربّ العباد بنصره
…
وأظهر ديناً حقّه غير باطل
ومن قوله في قصيدة طويلة:
والله لن يصلوا إِليك بجمعهم
…
حتى أوسّد في التراب دفينا
هذه صورة من مواقف أبي طالب في حياطته رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمايته، ومناصرته، والغضب له، إذا ضمَّت إلى مواقفه العظيمة منذ كفالته له صلى الله عليه وسلم شاباً يافعاً، وغلاماً فارهاً، ورجلاً مسدّداً، عاملاً في الحياة، ثم نبيًّا ورسولاً، ائتلفت من ذلك كله صورة كاملة في إطار كفاح أبي طالب ونضاله دونه صلى الله عليه وسلم للذّود عنه وحمايته!
وقد توّج أبو طالب مواقفه بأشرف موقف، وأنبله وأشجعه، وأقواه، وأوجعه لقلوب الملأ الوثنيّ من طغاة المشركين!
ذلك هو موقفه في النهوض لكبح جماح المستكبرين التمرّدين من عتاة الكفر، وقد تقاسموا على قتل محمَّد صلى الله عليه وسلم علانية .. وموقفه للقضاء على صحيفة الفجور التي تعاهدت فيها قريش على استئصال شأفة بني عبد مناف صبراً في حصار الشَّعب لوقوفهم جانب أبي طالب، ينصرونه في مناصرته لمحمد صلى الله عليه وسلم بتجميعه رجالات قومه من بني هاشم الذين انضمّ إليهم بنو المطلب، ودخلوا معهم في هذا الحصار الظلوم -كما عرفنا- وبتدبيره حياطة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحفاظ عليه، وحمايته من الاغتيال والفتك به، حتى قضى الله أمره بنقض الصحيفة الفاجرة، وتمزيقها شرّ ممزّق!
وخرج أبو طالب مع قومه ومن ناصرهم بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشِّعب ظافراً منصوراً، مؤيّداً من الله تعالى بما أيّده به من معجزاته القاهرة، وآياته
الباهرة، يتابع سيره في نشر دعوته، وتبليغ رسالته إلى الناس في محافلهم ومجتمعاتهم ومواسمهم وأسواقهم، يعرضها على كل شريف قوم يُذكر له، لا يناله من الأذى ما يصدّه عن قصده وغايته، تهيّباً لعمه وناصره أبي طالب، السيّد المطاع في قومه، القويّ في حميّته وحمايته، الشجاع في غضباته، الجسور في مواقفه!
وصيّة أبي طالب لقومه:
وقد ظلَّ أبو طالب على حدبه وحرصه على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخر لحظة من حياته، بل أراد أن يبقى أثر ذلك بعد وفاته ..
قال السهيلي (1): وحُكي عن هشام بن السائب أو ابنه أنه قال: لمَّا حضرت الوفاة أبا طالب جمع إِليه وجوه قريش فأوصاهم فقال: يا معشر قريش، أنتم صفوة الله من خلقه، وقلب العرب، فيكم السيّد المطاع، وفيكم المقدّم الشجاع، والواسع الباِع، واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيباً إِلَّا أحرزتموه، ولا شرفاً إِلاّ أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة. ولهم به إِليكم الوسيلة، والناس لكم حرب، وعلى حربكم أَلْب، وإِنّي أوصيكم بتعظيم هذه الْبنِيّة، فإِن فيها مرضاة للربّ، وقواماً للمعاش، وثباتاً للوطاة، صِلُوا أرحامكم ولا تقطعوها، فإِن في علة الرحم منسأة في الأجل، وسعة في العدد، واتركوا البغي والعقوق، ففيهما مهلكة القرون قبلكم، أجيبوا الداعي، وأعطوا السائل، فإِن فيهما شرف الحياة والمات، عليكم بصدق الحديث، وأداء الأمانة، فإِن فيهما محبّة في الخاص ومكرمة
(1) السابق: 317 بتصرف.
في العام، وإِنّي أوصيكم بمحمد خيراً، فإِنه الأمين في قريش، والصدّيق في العرب، وهو الجاهع لكل ما أوصيتكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان، وأنكره اللسان، مخافة الشنآن، وايم الله! كأنّي أنظر إِلى صعاليك العرب، وأهل البر في الأطراف، والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته، وعظَّموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذناباً، ودورها خراباً، وضعفاؤها أرباباً، وإِذا أعظمهم عليه أحوجهم إِليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأصغت له فؤادها، وأعطته قادها، دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم، كونوا له ولاة، ولحزبه حماة، والله! لا يسلك أحد منكم سبيله إِلا رشد ولا يأخذ أحد يهديه إِلا سعد، ولو كان لنفس في مدّة، ولأجلي تأخير، لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهي، ثم هلك أبو طالب!
وفاة أبي طالب:
ومات أبو طالب سنة عشر من المبعث، بعد الخروج من الشِّعب بزمن يسير (1)، وقيل: توفي في رمضان، قبل خديجه رضي الله عنها بثلاثة أيام (2)، وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين (3)، وقيل: كان بين وفاته ووفاة خديجة شهر وخمسة أيام! (4)
(1) انظر: ابن سعد: 8: 18 من رواية الواقدي.
(2)
انظر: سيرة الذهبي: 237 عن الحاكم وأنساب الأشراف: 1: 406.
(3)
ابن سعد: 8: 18 من طريق الواقدي. وابن هشام: 2: 66.
(4)
انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية: 222.
وهنا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما عن سعيد بن المسيّب عن أبيه أنه أخبره: (1)
أنه لمَّا حضرتْ أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أميّة بن المغيرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب:"يا عمّ، قل لا إِله إِلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله" فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أميّة، أترغب عن ملّة عبد المطّلب، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلّمهم: هو على ملّة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إِله إِلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أنْهَ عنك، فأنزل الله تعالى فيه:{مَا كَانَ لِلنَّبِيَ} (التوبة: 113)!
زاد مسلم: فأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113](التوبة)! وأنزل الله تعالى في أبي طالب، فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم:{إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)} (القصص)!
وهذا صريح على وفاته كافراً (2)، وشاء الله عز وجل أن يموت أبو طالب قبل
(1) البخاري: 23 - الجنائز (136)، وانظر (3884، 4675، 4772، 6681)، ومسلم (24، 25)، وأحمد: 5: 433، وعبد الرزاق: التفسير: 1: 288، وابن أبي عاصم: الآحاد والمثاني (720)، والبيهقي:"الدلائل": 2: 342 - 343، والأسماء والصفات: 97 - 98، وابن الأثير: أسد الغابة: 5: 177 - 178، والنسائي: 4: 90 - 91، والكبرى (2162، 11230، 11383)، والطبري: التفسير: 20: 92، وأبو عوانة (23)، والواحدي: أسباب النزول: 176 - 177، 227 - 228، وابن حبان (982).
(2)
انظر البداية: 3: 123 وما بعدها ففيه الرد على من زعم أن أبا طالب قد مات مسلماً، والبيهقي:"الدلائل": 2: 353.
[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هذا الهامش ورد في المطبوع بعد صفحتين، وليس له مناسبة هناك]
الهجرة، حتّى لا يتوهّم أحدٌ أن له مدخلاً في دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو يظن أن المسألة قبليّة أو أسريّة، أو زعامة ومنصب!
وحينئذ نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، فنثر على رأسه تراباً (1)، ودخل على بيته ووضع على رأسه التراب، فغسلته عنه إحدى بناته، وهي تبكي، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول لها:"لا تبكي يا بنيّة، فإِن الله مانع أباك"، ويقول:"ما نالت منّي قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب"(2).
وسبق ذكر بعض الروايات في ذلك!
وقد سمّى بعض المؤرّخين هذا العام (عام الحزن)، لشدة ما كابد في هذا العام من الشدائد في سبيل دعوة الحق، وتضييق قريش الخناق عليه في محاولة منهم لإغلاق أبواب الدعوة في وجهه صلى الله عليه وسلم!
ولا نميل إلى الموافقة على هذه التسمية (عام الحزن) لأنها وردت في حديث رواه القسطلاني في المواهب، ومن رواته (صاعد)، وهو غير ثقة؛ ولأن حياته صلى الله عليه وسلم كانت شدائد يعجز الخيال المحلّق ذاته في تصوّر أحداثها، وقد تواترت الأدلة في ذلك. (3)
(1) انظر: ابن هشام: 2: 66 بدون إسناد.
(2)
السابق: 67 بإسناد حسن، ولكنه مرسل.
(3)
انظر: الألباني: دفاع عن الحديث النبوي والسيرة: 8.
رزء الإِسلام ونبيّه بوفاة خديجة رضي الله عنها:
وقد كانت أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها وزيرة صدق للنبي صلى الله عليه وسلم، على دعوته، تواسيه وتخفّف عنه مواجع ما يلقى من الناس، فيسكن إليها، وتطمئن نفسه إلى مواساتها، ويستعيد نشاطه بما تصبه في قلبه من حنان الزوجة التي تقدر حياة هذا الزوج الأكرم قدرها، وتعرف له مكانته في حمله أعظم أمانة حملها كاهل بشر في الحياة، وقد شهدت منه مشرق رسالته ما لم يشهده غيرها من الناس، فآمنت به وصدّقته رسولاً أميناً لله تعالى -كما أسلفنا- يتلقّى وحيه، ويبلّغ رسالته، فيلقى من البلاء ما تنوء تحت ثقله ثوابت الرواسي، فتنفّس عنه وتشجّعه وتعينه على الصبر، وتفتح له باب الأمل، وتمسح عن صدره ضائقات الصدور، وتعيد إليه البسمة الحانية، وتهمس له بلواطف العواطف، فينهض من عندها وهو أكمل الناس يقيناً، وأرضاهم نفسها، وأرهفهم حسًّا، وأقواهم عزيمة، وأصدقهم صبراً، وأرسخهم إيماناً برسالته، وأعرفهم بموجبات حمل هذه الرسالة وأرضاهم بتحمّل أثقالها!
وقد قضت أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها في كنف رسول الله أشقّ مراحل الدعوة، فكانت حياتها معه أوفى حياة زوجة لزوجها، وأبرّ حياة شريكة لشريكها، كانت تشاركه مباهجه ومسرّاته، وتهيّئ له أسباب تفرّغه لعبادة ربّه، تخدمه في بيته بقلبها وعقلها وروحها وبدنها، وتردّ عنه عاديات الحياة بين قومه، حتى إذا جاءته النبوّة بطلائعها ووحيها كانت أوّل من آمن به
وصدّقته، وزادته من حبّها وحنانها ما كان له نعم المعين في هذه المرحلة التي كانت مرحلة إعداد للرسالة الخاتمة الخالدة!
حقيقة الرسالة:
ورسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم ليست كالرسالات التي سبقتها في المنهج العملي؛ لأنها رسالة عامة خاتمة لجميع الرسالات الإلهيّة .. بدأت بالتصفية لعلائق البشريّة بالطبيعة الروحانيّة التي يتلقّى بها وحي التبليغ عن الملأ الأعلى -كما سبق في حديثنا عند بدء الوحي- وحدّث الرسول صلى الله عليه وسلم بما رآى، ولقي وتلقّى، فعرفت أم المؤمنين خديجة بفراستها الواحية، وحسّها المرهف، وشعورها المستشرق أن هذا الأمر لم يعد أمر حياة زوجيّة، يملؤها الحنان والوفاء، ولكنها وثبت إلى حياة جديدة في معالمها التي تنبئ عنها إرهاصاتها .. إلى حياة رسالة ورسوله، وحياة دعوة إلى ما لم تعرفه البيئة التي يعيش فيها محمَّد صلى الله عليه وسلم، وما لم يعرفه المجتمع العام الذي يتقلّب بين جنباته محمَّد صلى الله عليه وسلم .. إلى حياة تهدم وتبني، تهدم الشرك والوثنيّة، وتبني التوحيد .. تهدم الظلم وتبني العدالة .. تهدم الباطل في جميع صوره ومظاهره وتبني الحق بأدلّته وبراهينه .. تهدم الاستعباد الماديّ وتبني الحريّة الروحانيّة .. تهدم الشرّ وتبني الخير .. تهدم التقليد البليد الأبله وتبني انطلاق العقل إلى المعرفة والهداية!
تسامي حياة الصدّيقية المؤمنة:
فلترتفع خديجة الصدّيقة الأولى بحياة الزوجيّة الوفيّة إلى حياة الصدّيقيّة العظمى، حياة الإيمان بالرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم،ولتنهض بالعبء المثقل في
حياتها الجديدة مع زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتكن معه وزيرة صدق، ورفيق إخلاص وفداء، ولتكتشف الطريق بأسلوبها الخاص، لتزيده تثبيتاً في النهوض بحياته الجديدة، ولتضاعف له حبّها وحنانها، وقد ذكر لها -كما سبق- مخاوفه من ألا يستطيع النهوض بعبء ما حمله في حياته الجديدة، فكشفت له صلى الله عليه وسلم ما يعلمه من نفسه، من أنه مجمع مكارم الأخلاق، وموئل الفضائل، ومنتجع الشمائل، ومنبع المحامد، ومصدر الخير .. هو الصادق الأمين، الذي لا يُخْزى ولا يُخذل، سنة الله في الحياة، فليهدأ روعه، وليزدد إيماناً بأنه المنصور المنتصر، وليزدد يقيناً بأنه سينهض بعبء رسالته؛ لأن الله أجتباه لها:{اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} (الأنعام: 124)!
ورقة يؤكد فراسات خديجة:
وهؤلاء أهل العلم الأوّل، فلتذهب خديجة إلى عليمهم وقارئ الكتاب الأول: ورقة بن نوفل، ليخبرها بما عنده، بعد أن تحدّثه بما رأت وسمعت، وكان تصديق ورقة آية من فراسة خديجة رضي الله عنها، وأنبأ ورقة محمداً صلى الله عليه وسلم بالنبأ العظيم .. نبأ الرسالة الخاتمة وأثقالها -كما أسلفنا-، فكان ذلك إيذاناً بأن حياة الدّعة والرّاحة قد ولت، وأن حياة الجهاد والنّضال والشدّة قد بدأت، فلتكن وقفتها إلى جانب محمَّد صلى الله عليه وسلم في حياته الجديدة .. حياة الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم وقفة تتسامى إلى مستوى ما ينتظره من شدّة وكفاح!
وصدقت خديجة الصدّيقة بسبقها إلى الإيمان سبقاً لم يشاركها فيه أحد .. ومضتْ رضي الله عنها في طريق هذا السبق تقفو أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتبع خطواته، لتحيط بخبره علماً، حريصة عليه أشدّ ما يكون حرص زوجة أمينة
وفيّة على زوج حبيب، حفيظةً عليه أشدّ ما يكون الحفظ من صدّيقة راسخة اليقين برسالة رسول كريم!
ومرَّت الحياة في ظل وفاء الزوجيّة وصدّيقيّة الإيمان بين محمَّد الزوج الحبيب، ومحمد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وبين خديجة الزوجة والوفيّة، وخديجة الصدّيقة المؤمنة، برسالة هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم!
دور خديجة رضي الله عنها:
وبدأ الكفاح الصارم، والنضال العتيّ بين الحق والباطل .. الحق الذي تمثله رسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم، والباطل الذي يصوّره فجور الشرك والوثنيّة في ملأ الكفر .. ولم يكن لخديجة في هذا الكفاح المرير صوت يُسمع؛ لأنها رضي الله عنها كانت معتصمة بأدب أدّبها الله به، وعلم علّمها الله إيّاه .. فهي زوج محمَّد صلى الله عليه وسلم وأم ولده قبل أن تأتيه رسالة ربّه، فعملها في البيت، وهو عمل كبير عظيم، يسدي للرسالة فضلاً، ويمدّها بقوّة تستجدّ بها ثباتها أمام عتوّ الكفر؛ لأن محمداً الرسول صلى الله عليه وسلم أحوج ما يكون وهو يخوض نضالاً مريراً في سبيل نشر دعوته وتبليغ رسالته إلى عاطفة الوفاء في زوجة صادقة الإيمان برسالته، تنسكب في قلبه برداً وسلاماً؛ إذ يؤوب إلى بيته، فيحدث ويتحدّث في جوّ عاطفي يظلّله الإيمان والحب، وتهوّن عليه الصعاب، وتجدّد عزائمه، ويقوى صبره -ويجتمع أمره، ويخرج إلى حياة الناس مجتمع الإرادة، سويّ الشخصية، مسيح الآلام، فسيح الآمال، رويّ الفؤاد بالصفح والعفو والإحسان!
وبهذا الأدب الإلهي الذي اعتصمت بعواصمه خديجة رضي الله عنها عاشت في كنف محمَّد الزوج صلى الله عليه وسلم، ومحمد الرسول صلى الله عليه وسلم، تتقاسم معه الشعور
بالسعادة في التطلّع إلى آمال المستقبل في آفاق الحياة، وتقاسمه الإحساس بأعباء الحاضر وآلامه، في ظل أثقال نشر الدعوة، وتبليغ الرسالة، معتصمة بالصبر الجميل، تأسّياً به صلى الله عليه وسلم في مجالات الحياة، فيما ترى بين يديها من حاله صلى الله عليه وسلم بعد إذ أنزلت عليه الرسالة بشدائدها، وقوّة دفعها الذي استحوذ على إحساساته ومشاعره، وسائر قواه الفكريّة والروحيّة والبدنيّة!
حتى إذا بلغ طغيان أحلاس الشرك من ملأ الكفر ذروة الفجور العتيّ، إذ تعاقدوا فيما بينهم، وتعاهدوا بعد أن يئسوا من أن ينالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نيلاً، وكتبوا بهذا التعاهد وثيقة في صحيفة ظالمة، ضمنوها مقاطعة بني عبد مناف ممن يقف إلى جانب محمَّد صلى الله عليه وسلم لنصره وحمايته من سوء ما يريد الطغاة الفجّار -وفي المقدمة سائر المؤمنين بدعوته، المصدّقين برسالته من غيرهم، فلا يبيعوهم ولا يناكحوهم، ويمنعون عنهم كل ما يرفقهم في حصارهم، وألا تأخذهم بهم رأفة أبداً، حتى يسلموا محمداً للقتل أو يموتوا صبراً!
ودخلت خديجة رضي الله عنها حصار الشِّعب مع زوجها محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم تشاركه آلام المحنة ومرارتها راضية صابرة محتسبة .. وظلّت معه تواسيه وتخفّف عنه وقع هذا الظلم الفاجر بما تبديه من احتمال ورضا، وهو صلى الله عليه وسلم ساكن القلب إلى وفائها ومودّتها، وحبّها له حبّ جدّ وإجلال، وحرص وحفاظ!
حتى قضى الله تعالى قضاءه في هذه المقاطعة الظالمة، التي مكثت سيفاً مصلتاً على أعناق كل من يئل إلى محمَّد صلى الله عليه وسلم إيماناً به وتصديقاً برسالته، أو حميّةً قوميّةً له، فمزّقت صحيفتها بعد ثلاث سنين من كَتْبها بأيدي مَنْ كتبها، وقيام من عاهد على ما فيها من ظلم وفجور وقطيعة!
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحصار ظافراً منصوراً بما صنع الله له من تدبير
حكيم مُحْكم، يتابع سيره في نشر دعوته، وتبليغ رسالته، وخرجت معه زوجه الوفيّة خديجة إلى بيتها تتابع سيرها في الحياة زوجة أمينة، مستظلة بظل الوفاء وصادق الإيمان!
موت خديجة وتسليم الله عليها وتبشيرها:
ولكنها رضي الله عنها لم تلبث إلا قليلاً بعد الخروج من الحصار حتى لبّت نداء ربّها راضية مرضيّة، وسبق أن ذكرنا الأقوال في تاريخ وفاتها!
يروي الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله!، هذه خديجة قد أتت ومعها إِناء فيه إِدام، أو طعام، أو شراب، فإِذا هي أتَتْك، فاقرأْ عليها السلام من ربّها ومِنِّي، وبشِّرها ببيت في الجنة، من قصب، لا صَخَب فيه ولا نصب". (1)
قال ابن حجر: قوله (2)"فاقرأ عليها السلام من ربّها ومنّي" زاد الطبراني: (هو السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام)، والنسائي من حديث أنس قال:(قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: إِن الله يقرئ خديجة السلام) يعني فأخبرها (فقالت: إِن الله هو السلام، وعلى جبريل السلام، وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته)، زاد ابن السنّي من وجه آخر:(وعلى من سمع السلام، إِلا الشيطان).
(1) البخاري: 63، مناقب الأنصار:(3820)، وانظر (7497)، ومسلم (2432)، وأحمد: 2: 231، والفضائل (1588)، والحاكم: 3: 185، وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهذا وهم منه، وابن أبي شيبة: 12: 133، والبغوي (3953)، والنسائي: الكبرى (8358)، وأبو يعلى (6089)، وابن حبان (7009).
(2)
فتح الباري: 7: 139 بتصرف.
قال العلماء: في هذه القصة دليل على وفور فقهها؛ لأنها لم تقل (وعليه السلام) كما وقع لبعض الصحابة، حيث كانوا يقولون في التشهد:(السلام على الله)، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: "إِن الله هو السلام، فقولوا: التحيات لله
…
"
فعرفت خديجة لصحة فهمها، أن الله لا يردّ عليه السلام، كما يردّ على المخلوقين؛ لأن السلام اسم من أسماء الله، وهو أيضاً دعاء بالسلامة، وكلاهما لا يصح أن يردّ به على الله، فكأنها قالت: كيف أقول عليه السلام، والسلام اسمه، ومنه يطلب، ومنه يحصل؛ فيستفاد منه أن لا يليق بالله إِلا الثناء عليه، فجعلت مكان ردّ السلام عليه، ثم غايرت بين ما يليق بالله وما يليق بغيره فقالت:(وعلى جبريل السلام) ثم قالت: (وعليك السلام).
أجل! إنها أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وأم ولده، إلا إبراهيم عليه السلام، فأمه السيدة مارية القبطيّة رضي الله عنها .. وماذا يستطيع القلم أن يكتب وهو سابح في آفاق هذه الحياة المباركة الطيّبة ليستشفّ ويرى ويكتب؟!
وسبق أن ذكرنا في حديثنا عن بدء الوحي تصديقها للنبي صلى الله عليه وسلم في أوّل وهلة، وثباتها في الأمر مما يدل على قوّة يقينها، ووفور عقلها، وصحة عزمها رضي الله عنها!
الرسول صلى الله عليه وسلم في الطائف:
سبق أن عرفنا عاليّة الدعوة الإسلاميّة .. وأن منافذ تبليغ الرسالة بمكة قد سدّت بعد وفاة خديجة وأبي طالب، وأن الجوّ قد خلا لأحلاس الشرك، وفجّار الوثنيّة في مكة التي أظلمت فجاجها أمام الدعوة إلى الله تعالى، وضاقت بمواسمها، وأسواقها، ومحافلها ومجتمعاتها، وأنديتها ومضارب القبائل في بطحائها على رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).
ومن ثم لم يجد فيها متنفّساً لدعوته، ولا منتجعاً لتبليغ رسالته؛ لأن سفهاء قريش، ومن وراءهم من أهل العتو والطغيان، والجحود والكفران طمعوا فيما لم يكونوا يطمعون فيه، وأبو طالب على قيد الحياة -كما عرفنا!
وكان لابدّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم من السير قدماً في القيام بنشر دعوته، وتبليغ رسالة ربّه، وأرض الله واسعة .. وهي بجميع أرجائها ومواطنها منازل للدّعوة إلى الحقّ والهدى، وأينما يُشرق النور فهناك الأفق الذي تطلع منه شمس الهداية، فلتذهب الدعوة إلى الله عز وجل مذاهبها في الأرض، حيث يتاح لها، ولتفارق مكة إلى عودة ظافرة، تطهّرها من أرجاس الفجور في أشباح البأو العنيد، والاستكبار البليد!
والنبي صلى الله عليه وسلم في حدود أقصى استطاعته، وأبلغ مدى طاقته يدأب في تبليغ وحي الله تعالى إلى عباد الله، لا يني، ولا يتوقّف، فإذا سدّت منافذ التبليغ في جانب من الأرض بقيت سائر الجوانب والواطن مهْيَعاً يجب سلوكه!
فمكّة بمن فيها من العتاة الطغاة البغاة العاندين، والفجّار المستكبرين وما
(1) محمَّد رسول صلى الله عليه وسلم: 2: 319، وما بعدها بتصرف.
فيها من مهانة الشرك وأوثانه، أبت أن تستجيب إلى الإيمان بدعوة الحقّ، وأبت أن تقبل هداية الله، وأعرضت مدبرة ماكرة، ووقفت سدًّا عنيداً دون نشر الدّعوة إلى الحق والخير، بل طغت وتجاوزت كل حدّ من العتوّ والفجور، ودبّرت مؤتمرةً لتفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم، وتقتله غيلة وغدراً -كما أسلفنا- لا لشيء إلا لأنه يدعوهم إلى أن يقولوا ربّنا الله، لا ندّ له ولا شريك في ملكه:{يُرِيدُونَ أَن يطْفِئُوا نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى الله إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرسَلَ رَسولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْركُونَ (33)} (التوبة).
ومن ثم سعى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى (الطائف) -وفيها (ثقيف)، وكانوا كما قال المقريزي- أخواله، ولم تكن بينه وبينهم عداوة، يلتمس من أهلها النصرة والمنعة، والاستجابة إلى توحيد الله وهدايته، فأقام فيهم صلى الله عليه وسلم شهراً، يجتمع بسادتهم وأشرافهم، يدعوهم إلى قبول الحق ونصرته!
روى ابن إسحاق قال: (1) لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى الطائف، عمد إِلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إِخوة ثلاثة:
(1) السيرة النبوية: ابن هشام: 2: 70 - 72، وإسناده مرسل عن محمَّد بن كعب القرظي، وابن سعد: 1: 211 - 212، مختصراً، وفي سنده الواقدي، والطبري: 2: 344 - 346. والطبراني وفيه ابن إسحاق، وبقية رجاله ثقات، انظر: المجمع: 6: 35 مختصراً، والبيهقي: الدلائل: 2: 415 - 417، من غير طريق ابن إسحاق مرسلاً.
عبد ياليل بن عمرو بن عُمير، ومسعود بن عمرو بن عُمير، وحبيب بن عمرو بن عُمير بن عفو بن عقدة بن نميرة بن عوف بن ثقيف.
وعند أحدهم امرأة من قريش، من بني جُمح!
فجلس إِليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاهم إِلى الله، وكلّمهم بما جاءهم له من نُصرته على الإِسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه!
فقال أحدهم: هو يمرط (1) ثياب الكعبة إِن كان الله أرسلك.
وقال الآخر: أما وجد الله أحداً يرسله غيرك!
وقال الثالث: والله لا أكلمك أبداً، لئن كنت رسولاً من الله كما تقول؛ لأنت أعظم خطراً من أن أردّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلمك!
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم، وقد يئس من خبر ثقيف، وقد قال لهم -فيما ذُكر لي- "إِذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عنّي"، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه، فيؤذِرَهم (2) ذلك عليه (3).
قال ابن هشام: قال عبيد بن الأبرص:
(1) أي يمزّق.
(2)
قال ابن هشام: السابق: يريد يُحرش بينهم، وفي الحديث "ذئر النساء على الرجال فأمر بضربهن".
(3)
انظر: الدارمي: 2: 147، وابن ماجه (1985)، والشافعي: 2: 28، وعبد الرزاق (17945) والحميدي (876)، وأبو داود (2146)، وابن حبان (4189)، والطبراني (784، 785). والبيهقي: 7: 305، والبغوي (2346)، والحاكم: 2: 188، 189، وانظر: ابن سعد: 1: 221 - 212 مختصراً، وفيه الواقدي، وفتح المنان: 8: 435 وما بعدها.
ولقد أتاني عن تميم أنهم
…
ذئروا لقتلي عامر وتعصّبوا
فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبّونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجؤوه إِلى حائط لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إِلى ظلّ حبلة (1) من عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إِليه، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم -فيما ذكر لي- المرأة التي من بني جمح فقال لها:"ماذا لقينا من أحمائك؟ ".
فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال- فيما ذكر لي: "اللهم! إِليك أشكو ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربّي، إِلى من تكلني؟ إِلى بعيدٍ يتجهمُني؟ أم إِلى عدوٍّ ملّكته أمري؟ إِن لم يكن بك عليّ غضب فلا أُبالي، ولكن عافيتك هي أوسَعُ لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظّلمات، وَصلح عليه أمر الدنيا والآخرة. من أن تنزِل بي غضبَك، أو يَحِلَّ عليّ سخطك، لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إِلا بك"(2).
(1) الحبلة: طاقات من قضبان الكرم.
(2)
انظر البيهقي: الدلائل: 2: 414 - 417، من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، وهو مرسل، ولم يذكر الدعاء، وأورد السيوطي الدعاء: الجامع الصغير، وعزاه للطبراني ورمز له بالحسن، وقال الألباني: حاشية فقه السيرة: 132، ودفاع: 19 وروى هذه القصة الطبراني في الكبير من حديث عبد الله بن جعفر مختصراً، وفيه الدعاء بنحوه. وقال الهيثمي: المجمع: 6: 35، وفيه ابن إسحاق. وهو مدلس، وبقية رجال ثقات، وانظر فيض القدير: 2: 150 - 151 (1483).
قال: فلما رآه ابنا ربيعة: عتبة وشيبة، وما لقي، تحرّكت له رحمهما، فدعَوَا غلاهاً لهما نصرانيًّا، يقال له عدّاس، فقالا له: خذ قِطفاً من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إِلى هذا الرجل، فقل له يأكل منه، ففعل عدّاس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال له: كل، فلمّا وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده قال:"باسم الله" ثم أكل، فنظر عداس في وجهه، ثم قال: والله إِن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ومن أهل أيّ البلاد أنت يا عدّاس؟ وما دينك؟ " قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من قرية الرجل الصالح يونس بن متَّى" فقال له عدّاس: وما يُدريك ما يونس بن متَّى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذاك أخي، كان نبيًّا وأنا نبيّ، فأكبّ عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّل رأسه ويديه وقدميه! (1)
قال: يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أمّا غلامك فقد أفسده عليك، فلمّا جاءهما عدّاس قالا له: ويلك يا عدّاس! (2) ما لك تقبّل رأسه هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيّدي، ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إِلاّ نبيّ، قالا له: ويحك يا عدّاس، ولا يصرفنّك عن دينك. فإِن دينك خير من دينه!
(1) صرح ابن إسحاق بالسماع وسنده مرسل، وانظر: ابن سعد: 1: 211 - 212 مختصراً وفيه الواقدي، والطبري: التاريخ: 2: 344 - 346، والطبراني. وفيه ابن إسحاق، وانظر المجمع: 6: 35، والبيهقي: الدلائل: 2: 415، من غير طريق ابن إسحاق مرسلاً.
(2)
انظر ترجمته في: الإصابة: 2: 466 - 467 (5468).
وفي رواية موسى بن عقبة، (1) أن سفهاء الطائف قعدوا للرسول صلى الله عليه وسلم صفّين على طريقه فلمّا مرّ بين صفيهم جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة، وكانوا أعدوها، حتى أدموا رجليه، وكان ذلك من أشدّ ما لقي الرسول صلى الله عليه وسلم في جهاده!
وسبق أن ذكرنا ما رواه الشيخان وغيرهما أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أحد؟ قال: "لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إِذ عرفت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إِلى ما أردت، فانطلقت -وأنا مهموم- على وجهي، فلم أستفق إِلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإِذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإِذا جبريل، فناداني، فقال: إِن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إِليهم ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلّم عليّ، ثم قال: يا محمَّد، إِن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً"!
وهنا نبصر الرسول صلى الله عليه وسلم في اختياره الثلاثة الذين كانوا سادة ثقيف يومذاك يعطينا الدليل على أهمية دعوة الزعماء الذين ينساق الناس وراءهم .. وبعد أن رفضوا قبول دعوته تبيّن أن غيرهم في الغالب سيرفضها، ومن ثم لم يستغرق مقامه في الطائف وقتاً طويلاً!
(1) انظر: البيهقي: الدلائل: 2: 414 وفيه محمَّد بن فليح، صدوق يهم، انظر: التقريب: 502.
ونبصر صبر الرسول صلى الله عليه وسلم على هؤلاء الذين واجهوه بسوء العاملة -كما عرفنا- ومع ذلك كله لم يطلب من الله أن ينتقم منهم، بل دعا الله تبارك وتعالى أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده .. ومن ثم كان قدوم ثقيف مسلمة -كما سيأتي بعد حصار الطائف ورجوعه إلى المدينة!
قدوم الجنّ وإسلامهم:
قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعاً إلى مكة، حين يئس من خبر ثقيف، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلّي، فمرّ به النّفر من الجنّ الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى، وهم -فيما ذكر لي- سبعة نفر من جنّ أهل نصيبين، فاستمعوا له، فلمّا فرغ من صلاته ولّوْا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا، وأجابوا إلى ما سمعوا، فقصّ الله خبرهم عليه صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل:{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ} إلى قوله تعالى: {ويُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)} ! (الأحقاف).
وقال تبارك وتعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ} ! (الجن) إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة (1).
وأخرج الحاكم وغيره عن ابن مسعود قال: هبطوا، يعني: الجنّ، على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا، قالوا: صه، وكانوا تسعة، أحدهم زوبعة، فأنزل الله:{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ} إلى قوله: {ضَلالٍ مُّبِينٍ (32)} ! (2).
(1) السيرة النبوية: ابن هشام: 2: 73 وصرح بالسماع، وهو مرسل عن محمَّد بن كعب القرظي.
(2)
الحاكم: 2: 456، وصححه ووافقه الذهبي، وأبو نعيم: الدلائل: 304، والبيهقي: الدلائل: 2: 228.
وأخرج أحمد وغيره عن الزبير: {وَإِذ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَستَمِعونَ الْقُرآنَ} قال: بنخلة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي العشاء:{كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19)} ! (الجن). (1)
ويروي الشيخان وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه، عامدين إِلى سوق عُكاظ، وقد حِيلَ بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسِلَت عليهم الشُّهب، فرجعت الشياطين إِلى قومهم، فقالوا: مَا لكمْ؟ فقالوا: حيلَ بيننا وبين خبر السماء، وأُرسِلَتْ علينا الشُّهب! قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إِلا شيءٌ حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومَغَارِبها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء! فانصرف أولئك الذين توجَّهوا نحو تِهامة إِلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بنخلَةَ، عَامدينَ إِلى سوق عُكَاظ، وهو يُصَلِّي بأَصْحَابِهِ صلاة الفجر، فلمّا سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله! الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إِلى قومهم، وقالوا: يا قومنا {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2)} ! فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ أُوحِيَ إِليَّ} ! وإِنما أوحي إِليه قول الجن! (2).
(1) الشوكاني: 5: 28، وأحمد: 1: 167، قال الهيثمي: المجمع: 7: 132 ورجاله رجال الصحيح، وابن جرير: 26: 22، عن عكرمة عن ابن عباس، وإسناده معقّد كما قال أحمد شاكر: انظر: أحمد: 3: 46 مؤسسة الرسالة.
(2)
البخاري: 10 الأذان (773)، وانظر (4921)، ومسلم (449)، وأحمد: 1: 252، والترمذي (3323)، والنسائي: الكبرى (11624، 11625)، والتفسير (644)، وأبو يعلى (2369)، والطبري: التفسير: 29: 102، والطحاوي: شرح المشكل (2330)، والبيهقي: الدلائل: 2: 225، والبغوي: معالم التنزيل: 4: 173، والطبراني: الكبير: (12449)، والحاكم: 2: 503، وابن حبان (6526).
ويروي مسلم وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار، أنهم بينما هم جلوسٌ ليلةً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رُمِيَ بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ماذا كنتم تقولون في الجاهليّة إِذا رُمِيَ بمثل هذا؟ "! قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: وُلِدَ الليلة رجل عظيمٌ، ومات رجل عظيمٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإِنها لا يُرْمَى بها لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكنْ ربُّنا تبارك وتعالى اسمه، إِذا قضَى أمْراً سَبَّحَ حَملةُ الْعَرْش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونَهُمْ، حتى يَبْلُغَ التّسْبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلُونَ حَمَلَة العَرْش لحملة العَرْش: ماذا قال ربّكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، قال فَيَسْتَخْبرُ بعض أهل السموات بَعْضاً، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدُّنْيا، فَتَخْطَفُ الجِنُّ السّمْعَ، فيقذفون إِلى أوليائهم، ويرْمُون به، فما جاؤوا به على وجهه فهو حقٌّ، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدُون"! (1)
ويروي أحمد وغيره بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان الجن يسمعون الوحي، فيستمعون الكلمة فيزيدون فيها عشراً، فيكون ما سمعوا حقًّا، وما زادوه باطلاً، وكانت النجوم لا يُرمى بها قبل ذلك، فلما بُعث النبيُّ صلى الله عليه وسلم كان أحدُهم لا يأتي مَقْعَدَه إِلا رُمِيَ بشهاب يُحرق ما أصاب، فَشَكَوْا ذلك إِلى إِبليس، فقال: ما هذا إِلا من أمر قدْ
(1) مسلم: 39 - السلام (2229)، والبخاري: خلق أفعال العباد (469)، وأحمد: 1: 218، والترمذي (3224)، والنسائي: التفسير (292) والكبرى (11272)، والطحاوي: شرح المشكل (2332، 2333، 2334)، وأبو نعيم: الحلية: 3: 143، والبيهقي: الدلائل: 2: 236، والأسماء والصفات: 1: 327، وابن إسحاق: السيرة النبوية: ابن هشام: 1: 265.
حدثَ، فبثَّ جنوده، فإذا هم بالنبي صلى الله عليه وسلم يصلِّي بين جَبَلَيْ نَخْلَة، فأتَوهُ فأخبروه، فقال: هذا الحدثُ الذي حدثَ في الأرض! (1)
ومقالة النفر من الجنّ (2) - مع خشوعهم عند سماع القرآن- تتضمن أسس الاعتقاد الكامل: تصديق الوحي، ووحدة العقيدة بين التوراة والقرآن، والاعتراف بالحق الذي يهدي إليه، والإيمان بالآخرة وما ينتهي إلى المغفرة وما ينتهي إلى العذاب من الأعمال، والإقرار بقوّة الله وقدرته على الخلق، وولايته وَحْده للعبادة والربط بين خلق الكون وإحياء الموتى!
وذكر القرآن لحادث صرف نفر من الجنّ ليستمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم، وحكاية ما قالوا وما فعلوا .. هذا وحده كاف بذاته لتقرير وجود الجنّ، ولتقرير وقوع الحادث، ولتقرير أن الجنّ هؤلاء يستطيعون أن يستمعوا للقرآن بلفظه
(1) أحمد: 1: 274، 323، والترمذي (3324)، والنسائي: الكبرى (11626)، والتفسير (646)، وأبو يعلى (2502)، والطحاوي: شرح المشكل (2331)، والطبراني: الكبير (12431)، والبيهقي: الدلائل: 2: 239.
(2)
في ظلال القرآن: 6: 3270.
العربي المنطوق كما يلفظه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتقرير أن الجنّ خلق قابلون للإيمان وللكفران، مستعدّون للهُدى وللضلال، وليس هناك من حاجة إلى تثبيت أو تأكيد لهذه الحقيقة؛ فما يملك إنسان أن يزيد الحقيقة التي يقرّرها الله سبحانه ثبوتاً!
وهذا الكون من حولنا حافل بالأسرار .. حافل بالقوى والخلائق المجهولة لنا كنهاً وصفةً وأثراً .. ونحن نعيش في أحضان هذه القوى والأسرار .. نعرف منها القليل، ونجهل منها الكثير، وفي كل يوم نكشف بعض هذه الأسرار، وندرك بعض هذه القوى، ونتعرّف إلى بعض هذه الخلائق تارةً بذواتها. وتارةً بصفاتها، وتارةً بمجرّد آثارها في الوجود من حولنا!
ونحن ما نزال في طريق المعرفة لهذا الكون، الذي نعيش نحن وآباؤنا وأجدادنا، ويعيش أبناؤنا وأحفادنا، على ذرّة من ذرّاته الصغيرة .. هذا الكوكب الأرضيّ الذي لا يبلغ أن يكون شيئاً يذكر في حجم الكون أو وزنه!
وما عرفناه اليوم -ونحن مانزال في الطريق- يعدّ بالقياس إلى معارف البشريّة قبل خمسة قرون فقط عجائب أضخم من عجيبة الجنّ، ولو قال قائل للناس قبل خمسة قرون عن شيء من أسرار الذرّة التي نتحدّث عنها اليوم لظنّوه يتحدّث عمّا هو أشدّ غرابةً من الجن قطعاً!
ونحن نعرف ونكشف في حدود طاقتنا البشريّة، المعدّة للخلافة في هذه الأرض، ووفق مقتضيات هذه الخلافة، وفي دائرة ما سخّره الله لنا ليكشف لنا عن أسراره، وليكون لنا ذلولاً، كيما نقوم بواجب الخلافة في الأرض .. ولا نتعدّى معرفتنا وكشوفنا في طبيعتها وفي مداها -مهما امتدّ الأجل بالبشريَّة،
ومهما سخّر لنا من قوى الكون وكشف لنا من أسراره، لا نتعدّى تلك الدائرة .. دائرة ما نحتاجه للخلافة في هذه الأرض، وفق حكمة الله وتقديره!
وسنكشف كثيراً، وسنعرف كثيراً، وستفتح لنا عجائب من أسرار هذا الكون وطاقاته .. مما قد تعتبر أسرار الذّرة بالقياس إليه شيئاً يسيراً .. ولكننا سنظلّ في حدود الدائرة المرسومة للبشر في المعرفة، وفي حدود قوله تعالى:{وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (85)} (الإسراء)! قليلاً بالقياس إلى ما في هذا الوجود من أسرار وغيوب لا يعلمها إلا خالقه وقيّومه. وفي حدود تمثيله لعلمه غير المحدود، ووسائل المعرفة البشريّة المحدودة بقوله:{وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} (لقمان: 27)!.
فليس لنا -والحالة هذه- أن نجزم بوجود شيء أو نفيه، وتصوّره أو عدم تصوّره، من عالم الغيب المجهول، ومن أسرار هذا الوجود وقواه، لمجرّد أنه خارج عن مألوفنا العقليّ أو تجاربنا المشهودة، ونحن لم ندرك بعد كل أسرار أجسامنا وأجهزتها وطاقاتها، فضلاً على إدراك أسرار عقولنا وأرواحنا!
وقد تكون هناك أسرار ليست داخلةً في برنامج ما يكشف لنا عنه أصلاً، وأسرار ليست داخلةً في برنامج ما يكشف لنا عن كنهه، فلا يكشف لنا إلا عن صفته أو أثره أو مجرد وجوده .. لأن هذا لا يفيدنا في وظيفة الخلافة في الأرض!
فإذا كشف الله تبارك وتعالى عن القدر المقسوم لنا من هذه الأسرار والقوى. عن طريق كلامه -لا عن طريق تجاربنا ومعارفنا الصادرة من طاقاتنا الموهوبة لنا من لدنه أيضاً- فسبيلنا في هذه الحالة أن نتلقّى هذه الهبة بالقبول والشكر والتسليم .. نتلقّاها كما هي؛ فلا نزيد عليها ولا ننقص منها؛ لأن
المصدر الوحيد الذي نتلقّى عنه مثل هذه المعرفة لم يمنحنا إلا هذا القدر بلا زيادة، وليس هنالك مصدر آخر نتلقّى عنه مثل هذه الأسرار!
ومن هذا النصّ القرآني، ومن نصوص سورة الجنّ، والأرجح أنها تعبير عن الحادث نفسه، ومن النصوص الأخرى المتناثرة في القرآن عن الجنّ، ومن الآثار النبوية الصحيحة -التي قدّمنا بعضها عن الجنّ- نستطيع أن ندرك بعض الحقائق عن الجن .. ولا زيادة:
هذه الحقائق تتلخّص في أن هنالك خلقاً اسمه الجنّ، مخلوق من النار، لقول إبليس في الحديث عن آدم:{قَالَ أَنَا خَيرٌ مِّنْه خَلَقتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقتَهُ مِن طِينٍ (76)} (ص)!
ويروي مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلقت الملائكة من نور، وخُلق الجانّ من مارج من نار، وخلق آدم مما وُصِفَ لكم"(1).
وإبليس كان من الجنّ (2)، كما قال تعالى:{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} (الكهف)!
وهذا الخلق له تجمعات خاصة، وأصناف خاصة!
يروي الحاكم وغيره عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: قال
(1) مسلم: 53 - الزهد (2996)، وأحمد: 6: 153، 168، والبيهقي: الأسماء والصفات: 385 - 386، وابن حبان (6155)، وأورده السيوطي: الدرر المنثور: 7: 695 وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذري، وابن مردويه.
(2)
انظر: تفسير الشوكاني: 3: 297.
رسول الله صلى الله عليه وسلم (1): "الجنُّ ثلاثة أصناف، صنفٌ لهم أجنحة يطيرون في الهواء .. وصنف حيّات وكلاب، وصنف يحلّون ويظعنونَ".
وله تجمعّات تشبه تجمّعات البشر في قبائل وأجناس: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)} (الأعراف)!
وله قدرة على الحياة على هذا الكوكب -لا ندري أين- قال تعالى لآدم وإبليس معاً: {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)} (البقرة)!
ويطالعنا ما رواه مسلم وغيره عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال فوجدته يُصلِّي، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكاً في عراجين (2) في ناحية البيت فالتفتُّ فإِذا حيَّةٌ، فوثبْت لأقتلها، فأشار إِليّ: أن اجْلِس، فجلسْت، فلمّا انصرف أشار إِلى بيت في الدّار، فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم، قال: كان فيه فَتًى منّا حديث عهد بِعُرْسٍ. قال: فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنْصاف النّهار، فيرجع إِلى أهله، فاستأذنه يوماً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خذ عليك سلاحك، فإِنِّي أخشى عليه قريظة" فأخذ الرجل سلاحه، ثم رجع فإِذا
(1) الحاكم: 2: 456 وصحح إسناده ووافقه الذهبي، والبيهقي: الأسماء والصفات: 388، وأبو نعيم: الحلية: 5: 137، والطحاوي: شرح مشكل الآثار: 4: 95 - 96، وابن حبان (6156)، وانظر: المجمع: 8: 136.
(2)
أي الأعواد التي في سقف البيت.
امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إِليها الرمح ليطعنها به، وأصابته غيْرةٌ فقالت له: اكْفُفْ عليك رُمْحَك، وادخُل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإِذا بحيّة عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إِليها بالرمّح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدّار، فاضطربت عليه، فما يُدري أيّهما كان أسرع موتاً، الحيّة أم الفتى؟ قال فجئنا إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، وقلنا: ادْعُ الله يُحْييه لنا، فقال:"استغفروا لصاحبكم" ثم قال: "إِن بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيّام، فإِن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإِنما هو شيطان".
وفي رواية: "إِن لهذه البيوت عوامر، فإِذا رأيتم شيئاً منها فحرّجوا عليها ثلاثاً، فإِن ذهب، وإِلا فاقتلوه، فإِنه كافر"، وقال لهم:"اذهبوا فادفنوا صاحبكم"(1).
وفي رواية للشيخين وغيرهما عن ابن عُمر رضي الله عنهما: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يقول: "اقتلوا الحيّات، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر، فإِنهما يطمسان البصر، ويستسقطان الحبل"(2).
هذا، والجنّ الذين سخّروا لسليمان عليه السلام (3)، كانوا يقومون بأعمال في الأرض تقتضي أن يكونوا مزوّدين بالمدرة على الحياه فيها، وأن للجن قدرةً
(1) مسلم: 39 - السلام (2236)، ومالك: 2: 976 - 977، وأبو داود (5259)، والترمذي بعد الحديث (1484)، وابن حبان (5637).
(2)
البخاري: 58 - بدء الخلق (3297)، وانظر (3310، 3312، 4016)، ومسلم (2233)، والحميدي (620)، وأحمد: 2: 12109، والبغوي (3263)، وابن حبان (5638).
(3)
في ظلال القرآن: 6: 3271 وما بعدها بتصرف.
كذلك على الحياة خارج هذا الكوكب، لقول الله تعالى حكايته عن الجن:{وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9)} (الجن)!
وأنه يملك التأثير في إدراك البشر، وهو مأذون في توجيه الضالّين منهم -غير عباد الله- للنصوص السابقة، ولقوله تعالى في حكاية إبليس اللعين:{فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)} (ص)!
وأنه يستطيع أن يسمع صوت الإنسان ويفهم لغته، بدلالة استماع نفر من الجن للقرآن وفهمه والتأثّر به، وأنه قابك للهدى والضلال، بدلالة قول هذا النفر:{وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15)} (الجن)!
وبدليل ذهابهم إلى قومهم منذرين، يدعونهم إلى الإيمان بعد ما وجدوه في نفوسهم، وعلموا أن قومهم لم يجدوه بعد!
ونعود إلى قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29)} (الأحقاف)!
نعود فنرى تدبيراً من الله تعالى أن يصرف هؤلاء النفر من الجنّ إلى استماع القرآن في هذا الوقت، بعد تلك الظروف القاسية التي عرضنا لها، لا مصادفةً عابرةً، وكان في تقدير الله أن تعرف الجنّ نبأ الرسالة الخالدة الخاتمة الأخيرة، كما عرفت من قبل رسالة موسى عله السلام، وأن يؤمن فريق منهم وينجو من النار المعدّة لشياطين الجنّ، كما هي معدّة لشياطين الإنس سواء!
ويرسم النصّ مشهد هذا النفر وهم يستمعون إلى هذا القرآن، ويصوّرون لنا ما وقع في حسّهم منه، من الرّوعة والتأثّر والرهبة، والخشوع:{فَلَمَّا حَضرُوهُ قَالُوا أَنصتُوا} ! وتلقي هذه الكلمة ظلال الموقف كله مدّة الاستماع: {فَلَمَّا قضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَومِهِم مُّنذِرِينَ (29)} !
وهذه كتلك تصوّر الأثر الذي انطبع في قلوبهم من الإنصات للقرآن، فقد استمعوا صامتين منتبهين حتى النهاية .. فلما انتهت التلاوة لم يلبثوا أن سارعوا إلى قومهم، وقد حملت نفوسهم ومشاعرهم منه ما لا تطيق السكوت عليه، أو التلكؤ في إبلاغه والإنذار به، وهي حالة من امتلأ حسه بشيء جديد، وحفلت مشاعره بمؤثر قاهر غلاب، يدفعه دفعاً إلى الحركة به، والاحتفال بشأنه وإبلاغه للآخرين في جد واهتمام:{قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30)} !
ولّوا إلى قومهم مسارعين يقولون: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} ! يصدّق كتاب موسى في أصوله، فهم إذن كانوا يعرفون كتاب موسى، فأدركوا الصلة بين الكتابين بمجرد سماع آيات من هذا القرآن؛ لأن طبيعتها تشي بأنها من ذلك النبع الذي نبع منه كتاب موسى. وشهادة هؤلاء الجن البعيدين -نسبياً- عن مؤثّرات الحياة البشرية، بمجرد تذوقهم لآيات من القرآن، ذات دلالة وذات إيحاء عميق!
ثم عبّروا عما خالج مشاعرهم منه، وما أحسته ضمائرهم، فقالوا عنه:{يَهدِي إِلَى الْحَقِّ وَإلَى طَرِيقٍ مسْتَقِيمٍ (30)} !
ووقع الحق والهدى في هذا القرآن هائل ضخم، لا يقف له قلب غير
مطموس، ولا تصمد له روح غير معاندة ولا مستكبرة ولا مشدودة بالهوى الجامح اللئيم .. ومن ثمّ لمس هذه القلوب لأوّل وهلة، فإذا هي تنطق بهذه الشهادة، وتعبّر عما مسّها منه هذا التعبير!
ثم مضوا في نذارتهم لقومهم في حماية المقبنع المندفع، الذي يحسِّ أن عليه واجباً في النذارة، لا بد أن يؤديه:{يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)} !
فقد اعتبروا نزول هذا الكتاب إلى الأرض دعوة من الله لكل من بلغته من إنس وجنّ، واعتبروا محمداً صلى الله عليه وسلم داعياً إلى الله بمجرد تلاوته لهذا القرآن واستماع الثقلين له، فنادوا قومهم بهذا النداء، وآمنوا كذلك بالآخرة، وعرفوا أن الإيمان والاستجابة لله يكون معهما غفران الذنب، والإجارة من العذاب، فبشّروا وأنذروا بهذا الذي عرفوه!
ويطالعنا قوله جلّ شأنه: {وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32)} !
وهنا نبصر تكلة طبيعية لنذارة النفر لقومهم، فقد دعوهم إلى الاستجابة والإيمان، فالاحتمال قويّ وراجح أن يبيّنوا لهم أن عدم الاستجابة وخيم العاقبة، وأن الذي لا يستجيب لا يعجز الله أن يأتي به ويوقع عليه الجزاء، ويذيقه العذاب الأليم، فلا يجد له من دون الله أولياء ينصرونه أو يعينونه، وأن هؤلاء المعرضين ضالون ضلالاً بيناً عن الصراط المستقيم!
وكذلك الآية التي بعدها: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33)} !
وهنا نبصر تعجيباً من أولئك الذين لا يستجيبون لله، حاسبين أنهم سيفلتون، أو أنه ليس هناك حساب ولا جزاء!
وتلك لفتة إلى كتاب الكون المنظور .. وكثيراً ما يتضمّن السياق القرآني مثل هذا التناسق .. فيتم التطابق على الحقيقة الواحدة في السورة الواحدة!
وكتاب الكون يشهد بالقدرة البدعة ابتداء لهذا الخلق الهائل: السماوات والأرض، ويوحي للحسّ البشريّ بيسر الإحياء بعد الموت .. وهذا الإحياء هو المقصود، وصياغة القضية في أسلوب الاستفهام، والجواب أقوى وآكد في تقرير هذه الحقيقة .. تم يجيء التعقيب التالي:{إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33)} فتضم الإحياء وغيره في نطاق هذه القدرة الشاملة لكل شيء كان أو يكون!
وعند ذكر الإيحاء يرتسم مشهد الحساب كأنه شاخص للعيون: {{وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34)} !
ويبدأ المشهد حكايته أو مقدمة لحكاية: {وَيَوْمَ يعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ} ! وبينما السامع في انتظار وصف ما سيكون، إذا المشهد يشخص بذاته، وإذا الحوار قائم في المشهد المعروض:{أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقّ} !
ويا له من سؤال؟ بل يا لها من قارعة للذين كانوا يكذبون ويستهزئون ويستعجلون .. واليوم تتلوَّى أعناقهم على الحق الذي كانوا ينكرون، والجواب في خزي وفي مذلّة وفي ارتياع:{بَلَى وَرَبِّنَا} ! هكذا هم يقسمون: {وَرَبِّنَا} ! .. ربهم الذي كانوا لا يستجيبون لداعيه، ولا يستمعون لنبيه ولا يعترفون بربوبيته، ثم هم اليوم يقسمون على الحق الذي أنكروه!
عندئذ يبلغ السؤال غاية من الترذيل والتقريع .. ويقضى الأمر، وينتهي الحوار:{قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34)} ! سؤال تقريع ورد قصير! الجريمة ظاهرة، والجاني معترف، فإلى الجحيم!
وسرعة المشهد مقصودة، فالمواجهة حاسمة، ولا مجال للأخذ والرد، لقد كانوا ينكرون، فالآن يعترفون، والآن يذوقون!
توجيه ربّانيّ:
وعلى هذا المشهد الحاسم في مصير الذين كفروا، وعلى مشهد الإيمان من أبناء عالم آخر
…
يجيء الإيقاع الأخير، توجيهاً للرسول صلى الله عليه وسلم أن يصبر عليهم، ولا يستعجل لهم، فقد رأى ما ينتظرهم، وهو منهم قريب:{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)} !
وكل كلمة في الآية ذات رصيد ضخم، وكل عبارة وراءها عالم من الصور والظلال، والمعاني والإيحاءات، والقضايا والقيم:{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} ! توجيه يقال لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي احتمل ما احتمل، وعانى من قومه ما عانى -كما سبق -وهو الذي نشأ يتيماً، وجرّد من الوليّ، والحامي، ومن كل أسباب الأرض واحداً بعد واحد: الأب، والأمّ، والجدّ، والعمّ، والزوجة الوفيّة رضي الله عنها .. وخلص لله ولدعوته مجرّداً من كل شاغل، كما هو مجرّد من كل سند أو ظهير .. وهو الذي لقي من قومه أشدّ ما لاقى من الأبعدين، وهو الذي خرج يستنصر القبائل والأفراد بلا نصرة،
ولقي استهزاء السفهاء ورجمهم له بالحجارة، حتى دميت قدماه الطاهرتان، فما يزيد على أن يتوجه إلى ربّه بذلك الابتهال الخاشع النبيل -كما عرفنا!
وبعد ذلك كله يحتاج إلى توجيه ربّه: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} !
ألا إنه لطريق شاق .. طريق جهاد هذه الدعوة .. طريق مرير،، حتى لتحتاج نفس كنفس النبي صلى الله عليه وسلم في تجرّدها وانقطاعها للدعوة، وفي ثباتها وصلابتها، وفي صفائها وشفافيتها .. تحتاج إلى التوجيه الرباني بالصبر وعدم الاستعجال على خصوم الدعوة المتعنّتين!
نعم وإن مشقّة هذا الطريق لتحتاج إلى مواساة .. وإن صعوبته لتحتاج إلى صبر .. وإن مرارته لتحتاج إلى جرعة حلوة من رحيق العطف الإلهيّ المختوم .. تشجيع وتصبير وتأسية وتسلية .. ثم تطمين: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يوعَدُونَ لَمْ يلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَار} !
إنه أمد قصير .. ساعة من نهار .. وإنها حياة خاطفة تلك التي يمكثونها قبيل الآخرة وإنها لتافهة لا تترك وراءها من الواقع والأثر في النفوس إلا مثلما تتركه ساعة من نهار .. !
ثم يلاقون المصمير المحتوم!
تم يلبثون في الأبد الذي يدوم!
وما كانت تلك الساعة إلا بلاغاً قبل أن يحقّ الهلاك والعذاب الأليم: {بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)} !
لا. وما الله يريد ظلماً للعباد!
لا. وليصبر الداعية على ما يلقاه!
فما هي إلا ساعة من نهار!
تم يكون بعد ذلك ما يكون!
ونبصر في إيمان الجنّ بهذه الصورة، بعد أن نال الرسول صلى الله عليه وسلم ما ناله على أيدي (ثقيف) تسليةً أنسته آلامه، وأن أهل الأرض لو تخلّوا عن قبول الرسالة فذلك إلى حين، وفي العوالم الأخرى من يشدّ أزره!
ونبصر من مآثر الجاهلية العرف الذي له مكانته في نفوسهم، ويعرف بـ (حق اللجوء السياسي) وفق مصطلح (الدبلوماسيّة الحديثة)، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا انصرف عن الطائف .. صار إلى حراء -كما نقل ابن هشام - (1) ثم بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال: أنا حليف، والحليف لا يُجير، فبعث إلى سهيل بن عمرو، فقال: إن بني عامر لا تجير على بني كعب، فبعث إلى المطعم بن عديّ، فأجابه إلى ذلك، ثم تسلّح المُطعم وأهل بيته، وخرجوا حتى أتوا المسجد، ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ادخل، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطاف بالبيت وصلى عنده، ثم انصرف إلى منزله، فذلك الذي يعني حسّان بن ثابت!
وقال حسان بن ثابت: (2)
(1) السيرة النبوية: 2: 24: ابن إسحاق معلقاً، وابن سعد: 1: 212 من طريق الواقدي، والطبري: التاريخ: 2: 347 - 38 من طريق ابن إسحاق.
(2)
ديوان حسان بن ثابت: 239 تحت عنوان: "سيد الناس"، وانظر: ابن هشام: 2: 23 ففيه بعض اختلاف.
أعين ألا ابكي سيّد الناس واسفحي
…
بدمع فإِن أنزفته فاسكبي الدمّا
وبكّي عظيم المشْعَرَين وربَّها
…
على الناس معروفٌ له ما تكلّما
فلو كان مجدٌ يُخلد اليومَ واحداً
…
من الناس أبقى مجده اليوم مُطعِما
أجرتَ رسول الله منهم فأصبحوا
…
عبادك ما لبيَّ ملبٍّ وأحْرَما
فلو سُئِلَتْ عنه معدٌّ بأسرها
…
وقحطانُ أو باقي بقيّة جُرْهُما
لقالوا هو المْوُفِي بخُفره جاره
…
وذِمَّته يوماً إِذا ما تذمَّما
فما تطلُع الشمس المنيرة فوقَهم
…
على مِثْله منهم أعزَّ وأكرما
إِباءً إِذا يأبى وأكرم شيمَةً
…
وأنْومَ عن جارٍ إِذا الليل أظْلَما
وقال أحمد محرّم: (1)
ما رأينا كالمطعم بن عديّ
…
جافياً واصلاً هُيوماً جسُورا
آثر الكفْرَ ملةً وأجار الدّينَ
…
مستضعفاً يدور شطيرا (2)
رام بالطائف المقام فأعيا
…
فانثنى يطلب الأمان حسيرا (3)
وكّل الله بالنبوّة منه
…
أسداً يملأ القضاء زئيرا
قائماً في السلاح يجمع حَولَيْـ
…
ـه شبُولاً تحمي الحمى ونمُوُرا
يمنع القوم أن يصدّوا رسولَ ا
…
لله عن بيته ويأبى الخُفُورا (4)
(1) ديوان مسجد الإِسلام: 48 - 49 ط مكتبة الفلاح.
(2)
الشطير: الغريب والبعيد.
(3)
حسيراً: كالاً متعباً.
(4)
الخفور: نقض العهد والغدر.
نقض الحلف من قريش فأمسى
…
أسلمتْهُ العربي وكان مريرا (1)
عجباً للغويّ يعطيك منه
…
عملاً صالحاً ورأياً فطيرا (2)
ما رأينا من ظنّ بالزّرع شرًّا
…
فحمى أرضه وصان البذورا
لو جزى الله كافراً أجر ما أحْـ
…
سن يوماً لخلته مأجورا
ونبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم يحفظ للمطعم بن عديّ هذا الصنيع، فيقول فيما رواه البخاري وغيره عن محمَّد بن جبير بن مطعم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أسارى بدر:"لو كان المطعم بن عديًّ حيًّا، ثم كلّمني في هؤلاء النَّتْنَى لَتَركتُهم له"(3).
ونبصر هذا الجوار لم يقيد حركة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الدعوة إلى الله تعالى!
(1) المرير: ما اشتد فتله من الحبال، والراد حلف قريش كما سبق.
(2)
أي بديهاً من غير روية.
(3)
البخاري: 57 - فرض الخمس (3139)، وانظر (4024)، والحميدي (558)، وابن الجارود: المنتقى (1091)، وأبو داود (2689)، وأبو يعلى (7416)، وأحمد: 4: 80، والبغوي (2713)، والبيهقي: 6: 319، 320، 9: 67، والشعب (9124)، والطبراني: الكبير (1505، 1507).
ونعود إلى الهجرة إلى الحبشة، لنبصر ذلك فيما رواه البخاري وغيره من حديث طويل، أن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت:
لم أعقل أبويّ قطّ إِلاّ وهما يدينان الدّين، ولم يمرَّ علينا يومٌ إِلاّ يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طَرَفي النّهار: بُكرةً وعَشِيَّةً، فلما ابتُلي المسلمون، خرج أبو بكر مُهاجراً نحو أرض الحبشة، حتى بلغ برك الغمام لقيه ابن الدّغِنَّة -وهو سيّد القارة- فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأُريد أن أسيح في الأرض، وأعبد ربِّي!
قال ابن الدّغنّة: فإِن مِثلك يا أبا بكر لا يخْرُج ولا يُخْرَج، إِنك تكسب المعدوم، وتصل الرّحم، وتحمل الْكلَّ، وتقري الضّيف، وتُعين على نوائب الحقّ، فأنا لك جار، ارْجِع واعبد ربَّك ببلدك!
فرجع، وارتحل معه ابن الدّغّنة، فطاف ابن الدغنّة عشيّة في أشراف قريش فقال لهم: إِن أبا بكر لا يخرج مثْله ولا يُخرج، أتُخرجون رجلاً يكسب المعْدُوم، ويصل الرّحم، ويحمل الكلّ، ويَقْري الضّيْف، ويعين على نوائب الحق؟
فلم تكذِّبْ قريش بجوار ابن الدّغنّة، وقالوا لابن الدّعنة: مُرْ أبا بكر فليعبُدْ ربّه في داره، فليُصلِّ فيها وليقرأْ ما شاء، ولا يُوذينا بذلك، ولا يَستَعْلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدّغنّة لأبي بكر!
فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربّه في داره، ولا يَسْتعلن بصلاته. ولا يقرأ في غير داره!
ثم بَدَا لأبي بكر، فابْتَنَى مسجداً بفناء داره، وكان يُصليِّ فيه ويقرأ القرآن، فيتعرف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه، وينظرون إِليه!
وكان أبو بكر رجلاً بكاء لا يملك عينيه إِذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إِلى ابن الدّغنّة، فقدم عليهم، فقالوا: إِنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك، على أن يعبد ربّه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإِنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه، فإِن أحبّ أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإِن أبى إِلا أن يُعلن بذلك فسله أن يرد عليك ذمّتك، فإنا قد كرهنا أن يخْفِرك، ولسنا بمقرين لأبي بكر الاستعلان!
قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إِلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإِما أن تقتصر على ذلك وإِما أن ترجع إِليّ ذمتي فإِني لا أحب أن تسمع العرب أني أُخْفِرتُ في رجل عقدت له!
فقال أبو بكر: فإِني أرد إِليك جوارك، وأرضى بجوار الله عز وجل، والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة. (1)
وهذا الموقف يشبه موقف عمر بن الخطاب في رد جوار خاله العاصي، رغبة أن يكون كغيره من المسلمين. (2)
(1) البخاري: 63 - مناقب الأنصار (3905)، وعبد الرزاق: 5: 384 - 389، والبيهقي: الدلائل: 4712 - 473، وابن إسحاق: ابن هشام: 2: 24 معلقاً، وابن سعد: 1: 212، والطبري: التاريخ: 2: 347 - 348 من طريق ابن إسحاق، وانظر: السير والمغازي: 235.
(2)
انظر: ابن هشام: 1: 425 بدون إسناد، والذهبي: السيرة: 179، وابن سعد: 3: 267 =
هذا، وحق اللجوء يستفيد منه الدعاة إلى الله لتبليغ الدعوة، كما نرى ونشاهد في عالمنا الإِسلامي المعاصر!
ونبصر في إسلام من أسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم رجع إلى مكة بما هو خير كله، بما فيه من معالم على طريق الدعوة والدعاة!
وهنا يطالعنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه: سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول يوم خيبر: "لأعطين الراية رجلاً يفتح الله على يديه، فقاموا يرجون لذلك أيهم يُعطى، فغدوا وكلهم يرجو أن يُعطى فقال: "أين علي؟ " فقيل: يشتكي عينيه، فأمر فدُعي له، فبصق في عينيه، فبرأ مكانه، حتى كأنه لم يكن به شيء، فقال: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: "على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إِلى الإِسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله! لأن يهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم". (1)
تلك إشارات إلى أهم معالم طريق جهاد الدعوة .. رجاء أن تكون زاداً للدعاة إلى الله! وتعود إلينا سيرتنا الأولى، وتهب نفحات القرن الأول، ويولد للإسلام عالم جديد يكون قضاء الله الغالب، وقدره الذي لا يُرد!
= 269، من غير طريق ابن إسحاق بسند ضعيف، انظر: المجمع: 9: 63 - 65، وأبو نعيم: الدلائل: 1: 241، وفيه: إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، مترك، وقد استفاض هذا الخبر!
(1)
البخاري: 56 - الجهاد (2942)، وانظر (3009، 3701، 4210)، ومسلم (2406)، وأحمد: 5: 333، والفضائل:(1037)، وأبو داود (3661)، والبيهقي: 9: 106 - 107، وسعيد بن منصور (2472، 2473، 2482)، والنسائي: الفضائل (46)، والخصائص (17)، والطبراني (3991)، والبغوي (3906)، وأبو نعيم: الحلية: 1: 62، وابن حبان (6932)
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة
الطَّبعة الأولى
1430 هـ - 2009 م
مكتبة ابْن كثير
ص. ب: 1106 حَولي 32012 الكويت
تليفون: 22631298 - فاكس: 22657046
(في علم المغازي خير الدنيا والآخرة)!
الزهري
(كنا نعلّم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما نعلم السورة من القرآن الكريم)!
زين العابدين علي بن الحسين
(كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، ويقول:
يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيّعوا ذكرها)!
إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص