الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والحقد فعميت أبصارهم، وانطمست بصائرهم، وضلّوا عن رؤية الشمس وهي تخطف بأضوائها أبصارهم، وتحدق بلبها أفئدتهم!
وقد أرشد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يردّ على تعنتهم المعبّر عن سفه عقولهم وفساد تفكيرهم أبلغ ردّ وأوجزه، وأقطعه لحجّة المعاندين، فقال له:
{قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93)} (الإسراء).
فهذا ردّ برهان قاطع، يتضمّن:
أولاً: تنزيه الله تعالى عن أن يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو ربّ الخلق الذي ربّاهم في أطوار خلقهم، وأطوار حياتهم، وهو ربّ محمَّد صلى الله عليه وسلم الذي ربّاه لرسالته، فأحسن تربيته، وأرسله للناس هادياً، وعلّمه ألا يسمع إلى تعنتهم الذي لا يعرف لله وقاراً!!
ثانياً: بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبد من عباد الله، لا يزيد في بشريّته على أي فرد من أفراد الناس، يجري عليه في بشريّته ما يجري على سائر البشر، وإنما امتيازه الأعلى في اصطفاء الله له نبيًّا ورسولاً، يهدي إلى الحق ويدعو إلى الله، فليس له أن يتحكم على ربه فيسأله ما لم يأذن له به، وما لم يكن داخلاً في إطار رسالته!
22 - المعجزة الكبرى:
والذي تعنّت به المعاندون بمقترحاتهم الفاجرة أمور لا يقدر عليها أحد من البشر، محمَّد صلى الله عليه وسلم فمن دونه، وإذا كان سؤالهم يقصد إلى أن يطلب محمَّد صلى الله عليه وسلم من الله أن يظهر هذه الأمور التي اقترحوها لتكون معجزة له تدل على صدقه فيما جاءهم به من عند الله، ودعاهم إليه في رسالته ودعوته!
فهذا إمعان في التعنت؛ لأن دلالة المعجزة قاطعة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في أيّة معجزة يأتي متحدّياً، وقد أتى محمَّد صلى الله عليه وسلم بأعظم معجزة تحدّى بها العالمين، وهي (القرآن الكريم) الذي يتضمن الإعجاز، بما تضمنه من التحدّي وتجبيه المعاندين، فقال لهم:{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)} (البقرة).
وقد سجّل التاريخ (1) العجز على أهل اللغة أنفسهم في عصر نزول القرآن، وما أدراك ما عصر نزول القرآن؟ هو أزهى عصور البيان العربي، وأرقى أدوار التهذيب اللغوي، وهل بلغت المجامع اللغوية في أمة من الأمم ما بلغته الأمة العربية في ذلك العصر من العناية بلغتها -كما أسلفنا- حتى أدركت هذه اللغة أشدّها، وتمّ لهم بقدر الطاقة البشرية تهذيب كلماتها وأساليبها؟ ما هذه المجموع المحتشدة في الصحراء، وما هذه المنابر المرفوعة هنا وهناك؟ .. إنها أسواق العرب تعرض فيها أنفس بضائعهم، وأجود صناعتهم، وما هي إلا بضاعة الكلام، وصناعة الشعر والخطابة، يتبارون في عرضها ونقدها، واختيار أحسنها، والمفاخرة بها، ويتنافسون فيها أشدّ التنافس، يستوي في ذلك رجالهم ونساؤهم، وما أمر حسان والخنساء وغيرهما بخاف على متأدّب! فما هو إلا أن جاء القرآن .. وإذا الأسواق قد انفضت، إلا منه، وإذا الأندية قد صفرت، إلا عنه، فما قدر أحد منهم أن يباريه أو يجاريه، أو يقترح فيه إبدال كلمة بكلمة، أو حذف كلمة أو زيادة كلمة، أو تقديم واحدة وتأخير أخرى .. ذلك أنه لم يسدّ
(1) النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن: 83 وما بعدها بتصرف.
عليهم باب المعارضة، بل فتحه على مصراعيه، بل دعاهم إليه أفراداً أو جماعات، بل تحدّاهم وكرّر عليهم ذلك التحدّي في صور شتَّى، متهكّماً بهم، متنزلاً معهم إلى الأخفّ فالأخفّ .. فدعاهم أوّل مرّة أن يجيئوا بمثله، ثم دعاهم أن يأتوا بعشر سور من مثله، ثم أن يأتوا بسورة واحدة مثله، ثم بسورة واحدة من مثله!
انظر كيف تنزّل معهم في هذه المرتبة من طلب المماثل إلى طلب شيء مما يماثل، كأنه يقول: لا أكلفكم بالمماثلة العامة، بل حسبكم أن تأتوا بشيء، فيه جنس المماثلة ومطلقها، وبما يكون مثلاً على التقريب لا التحديد، وهذا أقصى ما يمكن من التنزّل، ولذا كان هو آخر صيغ التحدّي نزولاً، فلم يجيء التحدّي بلفظ من مثال إلا في سورة البقرة المدنيّة، وسائر المراتب بلفظ (مثله) في السور التي نزلت قبل ذلك بمكة!
وقد أباح لهم في كل مرّة أن يستعينوا بمن شاءوا أو من استطاعوا من رماهم والعالم كله بالعجز في غير موارية، فقال:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)} (الإسراء).
وقال: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)} (البقرة).
فانظر أيّ إلهاب، وأيّ استفزاز! لقد أجهز عليهم بالحكم الباب المؤكد في قوله {ولَن تَفعلُوا} ، ثم هدّدهم بالنار، ثم سوّاهم بالأحجار، فلعمري لو كان فيهم لسان يتحرك لما صمتوا عن منافسته وهم الأعداء الألدّاء، وأباة
الضيم الأعزّاء، وقد أصاب منهم موضع عزّتهم وفخارهم، ولكنهم لم يجدوا ثغرةً ينفذون منها إلى معارضته، ولا سلّماً يصعدون به إلى مزاحمته، بل وجدوا أنفسهم منه أمام طود شامخ، فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً .. حتى إذا استيأسوا من قدرتهم، واستيقنوا عجزهم ما كان جوابهم إلا أن ركبوا من الحتوف، واستنطقوا السيوف بدل الحروف، وتلك هي الحيلة التي يلجأ إليها كل مغلوب في الحجة والبرهان، وكل من لا يستطيع دفعاً عن نفسه بالقلم واللسان!
ومضى عصر نزول القرآن والتحدّي قائم ليجرب كل امرئ نفسه، وجاء العصر الذي بعده وفي البادية وأطرافها أقوام لم تختلط أنسابهم، ولم تنحرف ألسنتهم، ولم تتغير سليقتهم، وفيهم من لو استطاعوا أن يأتوا هذا الدين من أساسه، ويثبتوا أنهم قادرون من أمر القرآن ما عجز عنه أوائلهم، لفعلوا، ولكن ذلّت أعناقهم له خاضعين، وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل!
ثم مضت تلك القرون، وورث هذه اللغة عن أهلها الوارثون، غير أن هؤلاء الذين جاءوا من بعد، كانوا أشدّ عجزاً وأقلّ طمعاً في هذا المطلب العزيز، فكانت شهادتهم على أنفسهم مضافةً إلى شهادة التاريخ على أسلافهم، وكان برهان الإعجاز قائماً أمامهم من طريقين:(وجداني وبرهاني)، ولا يزال هذا دأب الناس والقرآن حتى يرث الله الأرض ومن عليها!
وهذا التحدّي (1)، وهذا التجبيه، مع إبلاس المعاندين ونكوصهم على أعقابهم خائبين دليل قاطع على أن محمداً صلى الله عليه وسلم استوفى أرفع درجات التحدّي
(1) محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 220 بتصرف
بمعجزته العظمى، ولم تظهر مطلقاً بادرة من بوادر المعارضة، فكان ذلك برهاناً قاطعاً على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا معنى إذن لطلب معجزات أخرى، والمعجزات الماديّة كالتي طلبها المعاندون تعنتاً ليست من مراقي الإعجاز في رسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ لأن رسالته صلى الله عليه وسلم رسالة علم وفكر وهدى وخلود، فمعجزتها يجب أن تكون معجزة عقليّة علميّة هاديةً خالدةً، لا ينقطع التحدّي بها زمناً من الأزمان، ولا جيلاً من الأجيال! ولو كان كل متعنّت يقترح شيئاً على الرسول صلى الله عليه وسلم تجب إجابته إلى اقتراحه لفتح باب العناد، واقترح كل معاند كفور العناد في كل وقت مقترحات يعنّت بها الرسول صلى الله عليه وسلم، فيصبح الأمر عبثاً وفوضى، وهذا إفساد للحياة!
قال القرطبي (1): قرأ أهل مكة والشام {قال سبحان ربي} يعني النبي صلى الله عليه وسلم، أي قال ذلك تنزيهاً لله عز وجل عن أن يعجز عن شيء، وأن يعترض عليه في فعل، وقيل: هذا كله تعجب عن فرط كفرهم واقتراحاتهم!
وقال بعض الملحدين: ليس هذا جواباً مقنعاً، وغلطوا؛ لأنه أجابهم فقال: إنما أنا بشر لا أقدر على شيء مما سألتموني، وليس لي أن أتخيّر على ربي، ولم تكن الرسل قبلي يأتون أممهم بكل ما يريدونه ويبغونه، وسبيلي سبيلهم، وكانوا يقتصرون على ما آتاهم الله من آياته الدالة على صحة نبوتهم، فإذا أقاموا عليهم الحجة لم يجب لقومهم أن يقترحوا غيرها، ولو وجب على الله أن يأيتهم بكل ما يقترحونه من الآيات لوجب عليه أن يأتيهم بمن يختارونه من الرسل، ولوجب لكل إنسان أن يقول: لا أومن حتى أوتى بآية خلاف ما طلب غيري، وهذا يؤول إلى أن يكون التدبير للناس، وإنما التدبير إلى الله تعالى!
(1) تفسير القرطبي: 10: 331.