الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالله، والذي تبلغ عنده الكمال المقدّر لها، كما أراده الله:{وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)} !
ابتلاء شديد:
ويطالعنا قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)} (الأنبياء)!
وهنا نبصر الابتلاء بالخير -كما أسلفنا- نبصره أشدّ وطأة، وإن خيّل للناس أنه دون الابتلاء بالشرّ .. إن كثيرين يصمدون للابتلاء بالشرّ، ولكن القلّة القليلة هي التي تصمد للابتلاء بالخير! (1)
كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف، ولكن القليلين هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة، ويكبحون جماح القوّة الهائجة في كيانهم، الجامحة في أوصالهم!
كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان، فلا تتهاوى نفوسهم ولا تذل، ولكن القليلين هم الذين يصبرون على الثراء والجدة، وما يغريان به من متاع، وما يثيرانه من شهوات وأطماع!
كثيرون يصبرون على التعذيب والإيذاء فلا يخيفهم، ويصبرون على التهديد والوعيد فلا يرهبهم، ولكن القليلين هم الذين يصبرون على الإغراء بالرغائب والناصب والمتاع والثراء!
كثيرون يصبرون على الكفاح والجراح، ولكن القليلين هم الذين يصبرون
(1) السابق: 4: 2377 بتصرف.
على الدعة والسعة، ثم لا يصابون بالحرص الذي يذلّ أعناق الرجال. وبالاسترخاء الذي يقعد الهمم ويكبت الأرواح!
إن الابتلاء بالشدة قد يثير الكبرياء، ويستحث المقاومة، ويجنّد الأعصاب، فتكون القوى كلها معبّأة لاستقبال الشدّة والصمود لها، أما الرّخاء فيوخي الأعصاب ويُنيمُها ويفقدها القدرة على اليقظة والمقاومة!
لذلك يجتاز الكثيرون مرحلة الشدّة بنجاح، حتى إذا جاءهم الرخاء سقطوا في الابتلاء! وذلك شأن البشر، إلا من عصم الله فكانوا ممن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم وغيره عن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجباً لأمر المؤمن، إِن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إِلا للمؤمن إِن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإِن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيراً له". (1)
واليقظة للنفس في الابتلاء بالخير أولى من اليقظة لها في الابتلاء بالشرّ .. والصلة بالله في الحالية هي وحدها الضمان!
يروي الشيخان وغيرهما عن عروة بن الزبير، أن المسور بن مخرمة أخبره أن عمرو بن عوف -هو حليف لبني عامر بن لؤي، كان قد شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجرّاح إِلى البحرين، يأتي بجزيتها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صالح أهل البحرين، وأمّر عليهم العلاء بن الحضْرميّ، فقدم أبو عبيدة بمال من البَحْرين، فسمعت الأنصار بقدومه، فوافقت صلاة الصبح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمّا
(1) مسلم: 53 - الزهد (2999)، وأحمد: 4: 332، 333، 6: 15، 16، والدارمي: 2: 318، والطبراني (7316، 8317)، وابن حبان (2896)
انصرف تعرّضوا له، فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم، وقال:"أظنّكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة، وأنه جاء بشيء" قالوا: أجل يا رسول الله! قال: "فأبشروا وأمّلوا ما يسرّكم، فوالله! ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسَط عليكم الدنيا، كما بُسطَتْ على مَن كان قبلكم، فتنافَسُوها كما تنافَسُوهَا، وتُلْهِيكَم كما أَلْهَتْهُمْ". (1)
ويطالعنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِن أكثر ما أخاف عليكم ما يُخرج الله لكم من بركات الأرض" قيل: وما بركات الأرض؟ قال: "زهرةُ الدنيا" فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشر؟ فَصَمَتَ النبي صلى الله عليه وسلم، حتى ظننت أنه يُنزَلُ عليه ثم جعل يمسح عن جبينه، فقال:"أين السائل"؟ قال: أنا، قال أبو سعيد: لقد حَمِدنَاهُ حِينَ طَلَع لذلك. قال: "لا يأتي الخير إِلا بالخير، إِن هذا المال خَضرَةٌ حُلْوَةٌ، وإِن كل ما أنبت الرَّبِيع يَقتُل حَبَطاً أو يلِمّ، إِلا آكلة الْخَضرَةِ، أَكَلَتْ حتى إِذا امتَدَّت خاصِرتَاهَا استقبلت الشّمس فاجْتَرَّت وثَلَطَتْ وبَالَتْ، ثم عادتْ فأَكَلَتْ، وإِن هذا المال حُلْوَةٌ: مَنْ أَخَذَهُ بحقِّه، ووضَعه في حقّه، فَنِعمَ المعُونَة هو، وإِن أخذه بغير حقّه كان كالذي يأكل ولا يشبع"(2)
(1) البخاري: 81 - الرقاق (6425)، ومسلم (2961)، وأحمد: 4: 137، 327، والترمذي (2462)، وابن ماجة (3997)، والنسائي: الكبرى (8766)، والقاسم بن سلام: الأموال (83)، وابن زنجويه (129)، وابن أبي عاصم: الآحاد والمثاني (1767)، والطحاوي: شرح مشكل الآثار (2027)، والطبراني: الكبير: 17 (38 - 41)، والبيهقي: 9: 19 - 191، والدلائل: 6: 319.
(2)
البخاري: 81 - الرقاق (6427)، وانظر (921، 1465، 2842)، ومسلم (1052)، وأحمد: 3: 21، 91، والنسائي: 5: 90، والطيالسي (2180)، وعبد الرزاق (20028)، والبغوي (4051)، وابن حبان (3225).
قال ابن حجر (1): الرزق ولو كثر هو من جملة الخير، وإنما يعرض له الشرّ بعارض البخل به عين يستحقه، والإسراف في إنفاقه فيما لم يشرع، وأن كل شيء قضى الله أن يكون خيراً فلا يكون شرًّا، وبالعكس، ولكن يخشى على مَن رُزق الخير أن يعرض له في تصرّفه فيه ما يجلب له الشرّ.
ووقع في مرسل سعيد المقبري عند سعيد بن منصور: "أو خير هو؟ ثلاث مرات"، وهو استفهام إنكار، أي أن هذا المال ليس خيراً حقيقيًّا، وإن سمّي خيراً؛ لأن الخير الحقيقيّ هو ما يعرض له من الإنفاق في الحق، كما أن الشرّ الحقيقيّ فيه ما يعرض له من الإمساك عن الحق، والإخراج في الباطل، وما ذكر في الحديث بعد ذلك من قوله:"إِن هذا المال خَضِرة حلوة" كضرب المثل بهذه الجملة.
وفي رواية الدارقطني: "ولكن هذا المال .. . إِلخ" ومعناه أن صورة الدنيا حسنة مونقة، والعرب تسمّي كل شيء مشرق ناضر أخضر!
وقال ابن الأنباري: قوله: "المال خضرة حلوة" ليس هو صفة المال، وإنما هو للتشبيه، كأنه قال: المال كالبقلة الخضراء الحلوة، والتاء، في قوله:"خضرة وحلوة" باعتبار ما يشتمل عليه المال من زهرة الدنيا، أو على معنى فائدة المال، أي أن الحياة به أو العيشة، أو أن المراد بالمال هنا الدنيا؛ لأنه من زينتها، قال الله تعالى:{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (الكهف: 46).
ووقع في حديث أبي سعيد -أيضاً- المخرج في السن: "الدّنيا خضرة حلوة"، فيتوافق الحديثان.
(1) فتح الباري: 11: 246 وما بعدها بتصرف.
ويحتمل أن تكون التاء فيهما للمبالغة .. ثم قال: "أما حبطاً" فبفتح المهملة والموحدة، والطاء المهملة أيضاً، والحبط: انتفاخ البطن من كثرة الأكل، يقال: حبطت الدّابّة تحبط حبطاً، إذا أصابت مرعى طيّباً فأمعنت في الأكل، حتى تنتفخ فتموت، وروي بالخاء المعجمة من التخبط وهو الاضطراب، والأوّل المعتمد!
وقوله: "يُلِم" بضم أوّله، أي يقرب من الهلاك!
ثم قال: قوله: "اجترت" بالجيم، أي استرفعت ما أدخلته في كرشها من العلف فأعادت مضغه، "وثَلَطَت" بمثلثة ولام مفتوحتين ثم طاء مهملة، وضُبطت بكسر اللام، أي ألقت ما في بطنها رقيقاً، زاد الدارقطني:"ثم عادت فأكلت" والمعنى أنها إذا شبعت فثقل عليها ما أكلت تحيّلت في دفعه بأن تجترّ فيزداد نعومة، ثم تستقبل الشمس فتحمي بها فيسهل خروجه، فإذا خرج زال الانتفاخ فسلمت، وهذا بخلاف من لم تتمكّن من ذلك، فإن الانتفاخ يقتلها سريعاً!
قال الأزهري: هذا الحديث إذا فُرّق لم يكد يظهر معناه، وفيه مثلان: أحدهما: للمفرط في جمع الدنيا، المانع من إخراجها في وجهها، وهو ما تقدّم، أي الذي يقتل حَبَطاً.
والثاني: المقتصد في جمعها، وفي الانتفاع بها، وهو آكلة الخضر، فإن الخضر ليس من أحرار البقول التي ينبتها الربيع، ولكنها الحبّة، والحبّة ما فوق البقل ودون الشجر التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول، فضرب آكلة الخضر من المواشي مثلاً لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها، ولا منعها من مستحقّها،
فهو ينجو من وبالها، كما تحبّ آكلة الخضر، وأكثر ما تحبط الماشية إذا انحبس رجيعها في بطنها!
وقال الزين بن المنير: آكلة الخضر هي بهيية الأنعام التي ألف المخاطبون أحوالها في سومها ورعيها، وما يعرض لها من البشم وغيره، والخضر: النبات الأخضر، وقيل: حرار العشب التي تستلذ الماشية أكله، فتستكثر منه، وقيل: هو ما ينبت بعد إدراك العشب وهياجه، فإن الماشية تقتطف منه مثلاً شيئاً فشيئاً، ولا يصيبها منه ألم، وهذا الأخير فيه نظر، فإن سياق الحديث يقتضي وجود الحبط للجميع، إلا لمن وقعت منه المداومة، حتى اندفع عنه ما يضرّه، وليس المراد أن آكلة الخضر لا يحصل لها من آكله ضرر البتّة، والمستثنى آكلة الخضر بالوصف المذكور، لا كل من اتّصف بأنه آكلة الخضر، ولعل قائله وقعت له رواية فيها:"يقتل أو يلم إِلا آكلة الخضر"، ولم يذكر ما بعده، فشرحه على ظاهر هذا الاختصار!
ثم قال: قوله: "كالذي يأكل ولا يشبع" زاد هلال: "ويكون شهيداً عليه يوم القيامة" يحتمل أن يشهد عليه حقيقة بأن ينطقه الله تعالى، ويجوز أن يكون مجازاً، والمراد شهادة الملك الموكّل به!
ويؤخذ من الحديث التمثيل لثلاثة أصناف:
لأن الماشية إذا رعت الخضر للتغذية إمّا أن تقتصر منه على الكفاية، وإمّا أن تستكثر، الأول: الزهاد، والثاني: إمّا أن يحتال على إخراج ما لو بقي لضرّ، فإذا أخرجه زال الضرّ واستمرّ النفع، وإمّا أن يهمل ذلك!
الأوّل: العاملون في جميع الدّنيا بما يحب من إمساك وبذل!
والثاني: العاملون في ذلك، بخلاف ذلك!
وقال الطّيبي: يؤخذ منه أربعة أصناف:
فمن أكل منه أكل مستلذّ مفرط منهمك، حتى تنتفخ أضلاعه، ولا يقلع فيسرع إليه الهلاك.
ومن أكل كذلك، لكنه أخذ في الاختيال لدفع الداء، بعد أن استحكم فغلبه فأهلكه!
ومن أكل كذلك؛ لكنه بادر إلى إزالة ما يضّره، وتحيّل في دفعه حتّى انهضم فيسلم!
ومن أكل غير مفرط ولا منهمك؛ وإنما اقتصر على ما يسدّ جوعته ويمسك رمقه!
فالأول مثال الكفار!
والثاني مثال العاصي الغافل عن الإقلاع والتوبة، إلا عند فوتها!
والثالث مثال للمخلط المبادر للتوبة، حيث تكون مقبولة!
والرابع مثال الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة.
وبعضها لم يصرّح به في الحديث، وأخذه عنه محتمل!
ثم قال: وقال الزين بن المنير: في هذا الحديث وجوه من التشبيهات بديعة:
أوّلها: تشبيه المال ونموّه بالنبات وظهوره!
ثانيها: تشبيه المنهمك في الاكتساب والأسباب بالبهائم المنهمكة في الأعشاب!
وثالثها: تشبيه الاستكثار منه، والإدخال له، بالشره في الأكل والامتلاء منه!
ورابعها: تشبيه الخارج من المال، مع عظمته في النفوس، حتى أدى إلى البالغة في البخل به، بما تطرحه البهيمة من السلح، ففيه إشارة بديعة إلى استقزاره شرعاً!
وخامسها: تشبيه المتقاعد عن جمعه وضمه؛ بالشاة إذا استراحت؛ وحطَّت جانبها، مستقبلة عين الشمس؛ فإنها من أحسن حالاتها سكوناً ومسكينة، وفيه إشارة إلى إدراكها لمصالحها!
وسادسها: تشبيه موت الجائع المانع بموت البهيمة الغافلة عن دفع ما يضرها!
وسابعها: تشبيه المال بالصاحب الذي لا يؤمن أن ينقلب عدوًّا، فإن المال من شأنه أن يحرز، ويشدّ وثاقه، حبًّا له، وذلك يقتضي منعه من مستحقّه، فيكون سبباً لعقاب مقتنيه!
وثامنها: تشبيه آخذه بغير حق بالذي يأكل ولا يشبع!
وقال الغزالي: مثل المال مثل الحيّة التي فيها ترياق نافع، وسمٌّ ناقعٌ، فإن أصابها العارف الذي يحترز عن شرّها، ويعرف استخراج ترياقها، كان نعمة، وإن أصابها الغبيّ فقد لقي المهلك!
قال ابن حجر: وفيه التحذير من المنافسة في الدّنيا، وفيه استفهام عما يشكل، وطلب الدليل لدفع المعارضة، وفيه تسمية المال خيراً، ويؤيده قوِله تعالى:{وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8)} (العاديات)! وقوله تعالى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا
…
} (البقرة: 180)!
وفيه ضرب المثل بالحكمة، وإن وقع في اللفظ ذكر ما يستهجن، كالبول، فإن ذلك يغتفر لما يترتب على ذكره من المعاني اللائقة بالمقام!
وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كان ينتظر الوحي، عند إرادة الجواب، عما يُسأل عنه، وهذا على ما ظنّه الصحابة!
ويجوز أن يكون سكوته، ليأتي بالعبارة الوجيزة الجامعة المفهمة.
وقد عدّ ابن دريد هذا الحديث، وهو قوله:"إِن مما ينبت الرّبيع يقتل حبطاً أو يلم" من الكلام المفرد الوجيز، الذي لم يُسبق صلى الله عليه وسلم إلى معناه، وكل من وقع شيء منه في كلامه، فإنما أخذه منه!
ويستفاد منه: ترك العجلة في الجواب، إذا كان يحتاج إلى التأمل!
وفيه لوم من ظن به تعنّت في السؤال، وحمد من أجاد فيه!
وفيه تفضيل الغنيّ على الفقير، ولا حجّة فيه؛ لأنه يمكن التمسّك به، لمن لم يرجّح أحدهما على الآخر!
والعجيب أن النووي قال: وفيه حجّة لمن يرجّح الغنيّ على الفقير. (1)
قال ابن حجر: ولا حجّة فيه؛ لأنه يمكن التمسّك به لمن لم يرجّح الغنيّ على الفقير .. ثم قال: والتحقيق أنه لا حجّة فيه لأحد القولين!
وفيه أن المكتسب المال من غير حله لا يبارك له فيه، لتشبيهه بالذي يأكل ولا يشبع!
وفيه ذمّ الإسراف، وكثرة الأكل والنهم فيه، وأن اكتسابه من غير حلّه،
(1) السابق: 249، ومسلم بشرح النووي: 7: 144.
وكذا إمساكه عن إخراج الحق منه سبب لمحقه، فيصير غير مبارك كما قال تعالى:{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} (البقرة: 276)!
تلك معالم هذا الحديث، رأيت ضرورة ذكرها لأهميتها!
ومعلوم أن القرآن الكريم يخاطب الكينونة البشريّة (1)، بما يعلم خالقها من تركيبها الخفيّ، وبما يطلع منها على الظاهر والباطن، وعلى المنحنيات والدروب والمسالك!
وهو سبحانه يعلم مواطن الضعف في هذه الكينونة، ويعلم أن الحرص على الأموال وعلى الأولاد من أعمق مواطن الضعف فيها، ومن هنا ينبّهنا إلى حقيقة هبة الأموال والأولاد .. لقد وهبها الله للناس ليبلوهم بها ويفتنهم فيها، فهي من زينة الحياة الدنيا التي تكون موضع امتحان وابتلاء، ليرى الله فيها صنيع العبد وتصرّقه .. أيشكر عليها ويؤدّي حق النعمة فيها؟ أم يشغل بها حتى يغفل عن أداء حق الله فيها؟:{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} (الأنبياء: 35)!
فالفتنة -كما أسلفنا- لا تكون بالشدّة والحرمان وحدهما .. إنها كذلك تكون بالرّخاء وبالعطاء أيضاً! ومن الرّخاء والعطاء هذه الأموال والأولاد .. هذا هو التنبيه الأول: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)} (الأنفال)!
فإذا انتبه القلب إلى موضع الامتحان والاختبار كان ذلك عوناً له على الحذر واليقظة والاحتياط، أن يستغرق وينسى ويخفق في الامتحان والفتنة .. ثم لا يدعه الله بلا عون منه ولا عوض .. فقد يضعف عن الأداء -بعد الانتباه-
(1) في ظلال القرآن: 3: 1498 بتصرف.
لثقل التضحية وضخامة التكليف، وبخاصة في مواطن الضعف في الأموال والأولاد إنما يلوّح له بما هو خير وأبقى، ليستعين به على الفتنة ويتقوّى:{وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)} !
إنه سبحانه هو الذي وهب الأموال والأولاد .. وعنده وراءهما أمر عظيم لمن يستعلي على هذه الفتنة والأولاد، فلا يقعد أحد إذن عن تكليف الأمانة وتضحيات الجهاد .. وهذا هو العون والمدد للإنسان الضعيف، الذي يعلم خالقه مواطن الضعف فيه:{وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)} (النساء)!
إنه منهج متكامل في الاعتقاد والتصوّر، والتربية والتوجيه، والفرض والتكليف .. منهج الله الذي يعلم؛ لأنه هو الذي خلق:{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)} (الملك)!
ويطالعنا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)} (الأنفال)!
ونبصر الهتاف بالتقوى، فما تنهض القلوب بهذه الأعباء الثقال، إلا وهي على بيّنة من أمرها، ونور يكشف لها الشبهات، ويزيل الوساوس، ويثبّت الأقدام على الطريق الشائك الطويل، وما يكون لها هذا الفرقان إلا بحساسية التقوى وإلا بنور الله!
هذا هو الزاد، وهذه هي عدة الطريق .. زاد التقوى التي تحيي القلوب وتوقظها، وتستجيش فيها أجهزة الحذر والحيطة والتوقي، وعدّة النور الهادي الذي يكشف منحنيات الطريق ودروبه على مدّ البصر، فلا تغبشه الشبهات التي
تحجب الرؤية الكاملة الصحيحة .. ثم هو زاد المغفرة للخطايا .. الزاد المطمئن الذي يسكب الهدوء والقرار .. وزاد الأمل في فضل الله العظيم يوم تنفد الأزواد، وتقصر الأعمال!
إنها حقيقة: أن تقوى الله تجعل في القلب فرقاناً يكشف له منعرجات الطريق، ولكن هذه الحقيقة -ككل حقائق العقيدة- لا يعرفها إلا من ذاقها فعلاً!
إن الوصف لا ينقل مذاق هذه الحقيقة لمن لم يذوقوها!
إن الأمور تظلّ متشابكة في الحسّ والعقل، والطرق تظلّ متشابكة في النّظر والفكر، والباطل يظلّ متلبّساً بالحق عند مفارق الطريق!
وتظلّ الحجّة تُفحم ولكن لا تُقنع، وتُسكت ولكن لا يستجيب لها القلب والعقل، ويظلّ الجدل عبثاً، والمناقشة جهداً ضائعاً .. وذلك ما لم تكن التقوى!!
فإذا كانت استنار العقل، ووضح الحق، وتكشّف الطريق، واطمأنّ القلب، واستراح الضمير، واستقرّت القدم وثبتت على الطريق!
إن الحق في ذاته لا يخفى على الفطرة .. إن هناك اصطلاحاً من الفطرة على الحق الذي فطرت عليه، والذي خلقت به السماوات والأرض .. ولكنه الهوى الذي يحول بين الحق والفطرة .. الهوى هو الذي ينشر الغبش، ويحجب الرؤية، ويُعمي المسالك، ويُخفي الدروب .. والهوى لا تدفعه الحجّة إنما تدفعه التقوى .. تدفعه مخافة الله، ومراقبته في السرّ والعلن .. ومن ثمَّ هذا الفرقان الذي يُنير البصيرة، ويرفع اللبس، ويكشف الطريق!
وهو أمر لا يقدّر بثمن .. ولكنه فضل الله العظيم، يضيف إليه تكفير الخطايا ومغفرة الذنوب!
ألا إنه العطاء العميم الذي لا يعطيه إلا الله: {وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)}
وهنا نبصر التفاتة واقعيّة إلى الفتنة المستكنّة في المتاع المتاح في هذه الأرض للكفّار والعصاة المعادين لمنهج الله (1) .. التفاتة لإعطاء هذا المنهج وزنه الصحيح، وقيمته الصحيحة، كي لا تكون فتنة لأصحابه، ثم لا تكون فتنة للمؤمنين، الذين يعانون ما يعانون، من أذى وإخراج من الديار، وقتل وقتال!
وقبل ذلك نبصر تكاليف العقيدة في النفس والمال، كما نبصر طبيعة الأرض التي يقوم عليها، وطبيعة الطريق وما فيه من عوائق وأشواك، وضرورة مغالبة العوائق، وتكسير الأشواك، وتمهيد التربة للنبتة الطيّبة، والتمكين لها في الأرض، أيًّا كانت التضحيات، وأيًّا كانت العقبات:{فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)} (آل عمران)!
وقد كانت هذه صورة الداعين المخاطبين بهذا القرآن أوّل مرَّة .. الذين هاجروا من مكّة، وأخرجوا من ديارهم، في سبيل العقيدة، وأوذوا في سبيل الله، لا في أيّ غاية سواء، وقاتلوا وقُتلوا .. ولكنها صورة أصحاب هذه
(1) السابق: 1: 549 بتصرف