الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البطريرك؛ لأن المسلمين حين فتحوا بيت المقدس لم يجدوا فيها أحداً من اليهود، والنصارى قد حرّموا عليهم العيش في المدينة المقدّسة تخلّصاً من مؤامراتهم ودسائسهم!
أساطير التعصّب والحروب:
ومعلوم أن أساطير التعصّب الصليبي هي التي دفعت البابا الذهبي (أوريان الثاني 1088 - 1099 م) لتغليف الأطماع الاستعمارية بالأساطير اللاّهوتيّة .. فخطب في أمراء الإقطاع الأوروبّيين - بمدينة (كليرمونت) بجنوبي فرنسا 1095 م مفتتحاً قرنين من الحروب الصليبية (489 - 690 هـ / 1096 - 1291 م) ضد الإِسلام وأمّته وحضارته، فقال:
يا من كنتم لصوصاً كونوا اليوم جنوداً! لقد آن الزمان الذي فيه تحوّلون ضدّ الإِسلام تلك الأسلحة التي أنتم الآن تستخدمونها ضد بعضكم بعضاً .. فالحرب المقدّسة المعتمدة الآن .. هي (في حق الله عينه) .. وليست هي لاكتساب مدينة واحدة .. بل هي أقاليم آسيا بجملتها، مع غناها وخزائنها العديمة الإحصاء!
فاتخذوا محجة القبر المقدّس، وخلّصوا الأراضي المقدسة أيادي المختلسين، وأنتم املكوها لذواتكم، فهذه الأرض -حسب ألفاظ التوراة- تفيض لبنًا وعسلاً .. ومدينة (أورشليم) هي قطب الأرض المذكورة، والأمكنة المخصبة المشابهة فردوساً سماوياً!
اذهبوا وحاربوا البربر (يقصد المسلمين!) لتخليص الأراضي المقدّسة
من استيلائهم - امضوا متسلّحين بسيف مفاتيحي البطرسيّة (أي مفاتيح الجنّة التي صنعها لهم البابا) واكتسبوا بها لذواتكم خزائن المكافآت السماويّة الأبديّة، فإذا أنتم انتصرتم على أعدائكم، فالملك الشرقيّ يكون لكم قسماً وميراثاً!
وهذا هو الحين الذي فيه أنتم تغدون عن كثرة الاغتصابات التي مارستموها عدواناً، من حيث إنكم صبغتم أيديكم بالدم ظلماً، فاغسلوها بدعم غير المؤمنين. (1)
وعندما اقتحمت الجيوش الصليبية يومئذ - مدينة القدس (492 هـ - 1599 م) أبادوا جميع من بها من المسلمين- ومعهم اليهود -بالقتل والذبح والحرق .. حتى الذين احتموا بمسجد عمر -قبّة الصخرة- ذبحهم الصليبيون في المسجد، حتى تحوّل المسجد إلى بحر من الدماء! .. وبعبارة صاحب (حرب الصليب):
إن الصليبيين -خيّالة ومشاة- قد دخلوا المسجد المذكور، وأبادوا بحدّ السيف كل الموجودين هناك، حتى الجامع من الدم بحراً متموّجاً، علا إلى حدّ الركب، بل إلى لجم الخيل!!
ولما حلّ المساء تدافع الصليبيون يبكون من فرط الضحك!! بعد أن أتوا المسيح، فأخذ في غسل يديه تخلصاً من الدماء اللاصقة بها، مردداً المزمور التالي:
(1) انظر: المجتمع: العدد 1841 - 3 ربيع الأول 1430 هـ 28/ 2 / 2009 م، والعدد 1842 - 10 ربيع الأول 1430 هـ - 7/ 3 / 2009 م.
(يفرح الأبرار حين يرون عقاب الأشرار، ويغسلون أقدامهم بدمهم، فيقول الناس: حقاً إن للصديق مكافأة، وإن في الأرض إلهاً يقضي: المزمور: 58: 10 - 11) ثم أخذ في أداء القداس قائلاً: إنه لم يتقدّم في حياته للرب بأي قربان أعظم من ذلك ليرضى الرب). (1)
هكذا بدأت الأساطير النصرانيّة حول القدس .. وهكذا وضعها الصليبيّون في الممارسة والتطبيق!
وهذه الأساطير النصرانيّة هي التي وضعت (كريستوفر كولومبس)(1451 - 1506 م) بعد هزيمة الحملات الصليبيّة في الشرق، وعقب نجاح الصليبيين في إسقاط غرناطة في يناير سنة 1492 م إلى أن يسعى إلى القيام بغزوة صليبيّة جديدة -يعيد بها اختطاف القدس من الإِسلام والمسلمين، فكتب إلى ملك إسبانيا (فرديناندز)(1479 - 1516 م)، و (إيزابيلا) (1474 - 1504 م) يقول: إن هدفه هو العثور على الذهب بكميات كبيرة، حتى يتسنّى للملكين أن يفتحا الديار المقدّسة خلال ثلاث سنوات .. فقد أعلنت لسموّكما أن كل المغانم التي سيدرها مشروعي هذا سوف تنفق على فتح القدس، وقد ابتسمتما -يا صاحبي الجلالة- وقلتما: إن ذلك يسركما! (2)
وفي رسالة ثانية تحدث (كولمبس) إلى ملك إسبانيا عن أن هدف حياته ومشاريعه رحلاته هو تجهيز حملة صليبيّة لإعادة القدس إلى الكنيسة الكاثوليكية فقال:
(1) انظر: السابق.
(2)
انظر: السابق.
لقد مكثت في بلاطكم سبعة أعوام مناقشة هذا الأمر مع العديد من الرجال .. ولهذا فيجب علينا أن نؤمن بأن أمر القيام بحملة صليبيّة لاستعادة مدينة القدس، لهو أمر سوف يتحقّق بالفعل .. لقد قال به يسوع المسيح المخلص، وذكره من قبل عبر رسالة القدّيسين!
لقد ذكر الكاردينال (بيير) الكثير عن نهاية المسلمين، كما أن الأب (يواقيم الفيوري) قد ذكر أن الشخص الذي سيقوم بإعادة بناء الضريح المقدس، فوق جبل صهيون بالقدس، سوف يخرج من إسبانيا .. فلتكونوا واثقين من إحراز النصر في مسألة استعادة الضريح المقدس ومدينة القدس إلى أحضان الكنيسة الكاثوليكية! (1)
تلك هي الأساطير النصرانيّة -حول القدس -كما أمر بها (كريستوفر كولمبس) - الذي ما نزال ندرّسه لأبنائنا في المدارس باعتباره من عظماء المستشكفين الجغرافيين!
ولقد أدخلت البروتستانتيّة (البعد اليهودي) إلى هذه الأساطير -المحرّكة لاختطاف القدس- وذلك عندما أصدر (مارتن لوثر)(1483 - 1546 م) سنة 1523 م كتابه (المسيح يهودياً) وقال:
إن الروح القدس أنزل كل أسفار الكتاب المقدّس عن طريق اليهود وحدهم، إن اليهود هم أبناء الله، ونحن الضيوف والغرباء، ولذلك فإن علينا أن نرضى أن نكون كالكلاب التي تأكل مما يتساقط من فتات مائدة أسيادها! (2)
(1) انظر: السابق.
(2)
انظر: السابق.
ولقد أدخلت البروتستانتيّة إلى صميم العقيدة المسيحيّة ثلاثة مبادئ -هي ثلاث أساطير- دمجت البعد اليهوديّ في البعد النصراني إزاء قضيّة القدس وفلسطين .. وهذه (المبادئ - الأساطير) هي:
أولاً: إن اليهود هم أبناء الله وشعبه المختار!
ثانياً: إن ثمة ميثاقاً إلهياً يربط اليهود بالأرض المقدّسة بعودة المسيح بقيام دولة صهيون!
وهذه (المبادئ - الأساطير) هي التي أثمرت تيّار (المسيحيّة - الصهيونيّة) في الحضارة الغربيَّة .. ذلك التيّار الذي استغلّته الحركة الصهيونيّة في شراكتها مع الإمبراياليّة الغربيّة .. والذي قال عنه (بنيامين نتنياهو) عندما كان سفيراً للكيان الصهيوني بالأمم المتحدة - في خطابه أمام الجمعيّة العامة في فبراير سنة 1985 م:
(إن كتابات المسيحيّين الصهيونيين -من الإِنجليز والأمريكان- أثرت بصورة مباشرة على تفكير قادة تاريخيين، مثل (لويد جورج - 1863 - 1945 م) و (آرثر بلفور - 1848 - 1935 م)، و (درو ولسون - 1859 - 1924 م) في مطلع القرن العشرين!
إن حكم اللقاء العظيم (عودة المسيح) أضاء شعلة خيال هؤلاء الرجال الذين لعبوا دوراً رئيساً في إرساء القواعد السياسيّة والدوليّة لإحياء الدولة اليهوديّة .. لقد تفجّر الحلم اليهودي من خلال المسيحيّن الصيهونيّين!) (1)
(1) انظر: السابق.