الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حرّية الدعوة:
ومع حريّة الاعتقاد حريّة الدعوة للعقيدة، والأمن من الأذى والفتنة .. وإلا فهي حريّة بالاسم، لا مدلول لها في واقع الحياة!
والإسلام -وهو أرقى تصوّر للوجود والحياة، وأقوم منهج للمجتمع الإنسانيّ بلا مراء- هو الذي ينادي بأن {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} !
وهو الذي يبيّن لأصحابه قبل سواهم أنهم ممنوعون من إكراه الناس على هذا الدّين .. فكيف بالمذاهب والنظم الأرضيّة القاصرة المتعسّفة، وهي تفرض فرضًا بسلطان القانون، ولا يسمح لمن يخالفها بالحياة؟!
والتعبير هنا يرد في صورة النفي المطلق: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} ! نفي جنس الإكراه .. والنهي في صورة النفي، والنفي للجنس أعمق إيقاعًا، وآكد دلالة!
ولا يزيد السياق على أن يلمس الضمير لمسة توقظه، وتشوقه إلى الهُدى، وتهديه إلى الطريق، وتبيّن حقيقة الإيمان التي أعلن أنها أصبحت واضحة:
{قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} !
فالإيمان هو الرشد الذي ينبغي للإنسان أن يتوخّاه، ويحرص عليه، والكفر هو الغيّ الذي ينبغي للإنسان أن ينفر منه، ويتّقي أن يوصم به!
والأمر -كذلك- فعلًا، فحين يتدبّر الإنسان نعمة الإيمان بالله ربًّا وبالإِسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا، وما تمنحه هذه النعمة للإدراك البشريّ من تصوّر ناصع واضح، وما تمليه للقلب البشريّ من طمأنينة وسلام، وما تثيره في النفس البشريّة من اهتمامات رفيعة، وما تحققه في المجتمع الإنسانيّ من نظام سليم قويم دافع إلى تنمية الحياة .. !
حين يتدبر الإنسان نعمة الإيمان على هذا النحو، يجد الرشد الذي لا يرفضه إلا سفيه .. يترك الرشد إلى الغيّ، ويدع الهُدى إلى الضلال، ويؤثر التخبّط والقلق والهبوط والضآلة على الطمأنينة والسلام، والرفعة والاستعلاء!
ثم يزيد حقيقة الإيمان إيضاحًا وتحديدًا وبيانًا:
إن الكفر ينبغي أن يوجّه إلى ما يستحق الكفر، وهو (الطاغوت)!
وإن الإيمان يجب أن يتّجه إلى من يجدر الإيمان به، وهو (الله)!
والطّاغوت صيغة من الطغيان، تفيد كل ما يطغى على الوعي، ويجور على الحق .. ولا يكون له ضابط من العقيدة في الله، ومن الشريعة التي يسنّها الله، ومن كل منهج غير مستمدّ من الله .. فمن يكفر بهذا كله في كل صورة من صوره، ويؤمن بالله وحده، ويستمدّ من الله وحده فقد نجا .. وتتمثل نجاته في استمساكه بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها!
ونجد أنفسنا أمام صورة حسيّة لحقيقة شعوريّة ومعنويّة .. ذلك أن الإيمان بالله عز وجل عروة لا تنفصم أبدًا .. متينة لا تنقطع .. والذي يمسك بتلك العروة يمضي على هُدىً إلى ربّه، فلا يرتطم ولا يتخلّف، ولا تتفرّق به السبل، ولا يذهب به الشرود والضلال:{وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} !
يسمع منطق الألسنة، ويعلم مكنون القلوب!
ومن تأمّل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، تبيّن له بجلاء ووضوح أنه صلى الله عليه وسلم لم يكره أحدًا على الإِسلام .. وأنه صالح اليهود حين قدم على المدنية وأقرّهم على دينهم