الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أشدّ الناس بلاء:
الإيمان أمانة الله في الحياة، لا يحملهما إلا من هم لها أهل، وفيهم على حملها قدرة، وفي قلوبهم تجرّد لها وإخلاص .. وإلا الذين يؤثرونها على الراحة والدّعة، وعلى الأمن والسلامة، وعلى المتاع والإغراء ..
وإنها لأمانة الخلافة في الأرض (1)، وقيادة الناس إلى طريق الله، وتحقيق كلمته في عالم الحياة.
فهي أمانة كريمة، وهي أمانة ثقيلة، وهي من أمر الله يضطلع بها الناس، ومن ثمّ تحتاج إلى طراز خاص يصبر على الابتلاء!
ولا يكفي أن يقول الناس آمنّا، وهم لا يتركون لهذه الدعوى، حتى يتعرّضوا للفتنة. فيثبتوا عليها، ويخرجوا منها صافية عناصرهم، خالصة قلوبهم، كما تفتن النار الذهب، لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به - وهذا هو أصل الكلمة اللغوي، وله دلالته وظلّه وإيحاؤه- وكذلك تصنع الفتنة، بالقلوب:
إنه الإيقاع الأول في سورة العنكبوت المكية في قول الجمهور (2)، والمدنيّة في أحد قولي ابن عباس وقتادة، وقيل بعضها مدني، وروى الطبري والواحدي في أسباب النزول عن الشعبي أن الآيتين الأوليين منها إلى {وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}
(1) في ظلال القرآن: 5: 2720 وما بعدها بتصرف.
(2)
التحرير والتنوير: 20: 199 وما بعدها بتصرف.
نزلتا بعد الهجرة في أناس من أهل مكّة أسلموا، فكتب إليهم أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم من المدينة ألا يُقبل منهم إسلامٌ حتى يهاجروا إلى المدينة، فخرجوا مهاجرين فأتبعهم المشركون فردّوهم.
وهي السورة الخامسة والثمانون في ترتيب نزول سور القرآن، نزلت بعد سورة (الروم)، وقيل سورة (المطفّفين)، فتكون من أخريات السور المكيّة، بحيث لم ينزل بعدها بمكّة إلا سورة (المطفّفين).
وهذا الإيقاع يساق في صورة استفهام استنكاري لمفهوم الناس للإيمان، وحسبانهم أنه كلمة تقال باللسان ليس لها في الجَنَان مكان:{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)} !
والتَّرْك هنا مستعمل في حقيقته؛ لأن الذين آمنوا قد كانوا مخالطين للمشركين ومن زمرتهم، فلمَّا آمنوا اختصّوا بأنفسهم، وخالفوا أحوال قومهم، وذلك مظنّة أن يتركهم المشركون وشأنهم، فلمّا أبي المشركون إلا منازعتهم طمعاً في إقلاعهم عن الإيمان وقعٍ ذلك منهم موقع المباغتة والتعجّب وذكر الترك المجازي في قوله تعالى:{وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)} (البقرة)!
والمعنى: أحسب الذين قالوا آمنّا أن يتركهم أعداء الدّين دون أن يفتنوهم .. وهذه الفتنة مراتب: أعظمها التعذيب، كما فُعل بـ (بلال، وعمّار بن ياسر، وأبويه) كما سبق أن ذكرنا.
ومن الفتنة أن يتعرّض المؤمن للأذى من الباطل وأهله، ثمّ لا يجد النصير الذي يسانده ويدفع عنه، ولا يملك النصرة لنفسه ولا المنعة، ولا يجد القوّة التي
يواجه بها الطغيان، وهذه هي الصورة البارزة للفتنة، المعهودة في الذهن حين تذكر الفتنة، ولكنها ليست أعنف صور الفتنة، فهناك فتن كثيرة في صور شتّى ربما كانت أمرّ وأدهى.
هناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه، وهو لا يملك عنهم دفعاً، وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم، زينادونه باسم الحبّ والقرابة، واتّقاء الله في الرّحم التي يعرّضها للأذى أو الهلاك. وقد أشير في هذه السورة إلى لون من هذه الفتنة مع الوالدين، وهو شاقّ عسير.
وهناك فتنة إقبال الدنيا على المبطلين، ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين، تهتف لهم الدّنيا، وتصفّق لهم الجماهير، وتتحطّم في طريقهم العوائق، وتصاغ لهم الأمجاد، وتصفّق لهم الحياة، وهو مُهْمَل مُنْكَر لا يحس به أحد، ولا يحامي عنه أحد، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئاً.
وهناك فتنة الغربة في البيئة والاستيحاش بالعقيدة، حين ينظر المؤمن فيرى كل ما حوله وكل من حوله غارقاً في تيّار الضلالة، وهو وحده موحش غريب طريد.
وهناك فتنة من نوع آخر قد نراها بارزة في هذه الأيّام .. فتنة أن يجد المؤمن أمماً غارقةً في الرذيلة، وهي مع ذلك راقيّة ماديًّا في مجتمعها، متحضّرة في حياتها هذه .. يجد الفرد فيها من الرعاية والحماية ما يناسب قيمة الإنسان، ويجدها غنيّة قويّة، وهي مشاقّة الله.
وهنالك الفتنة "الكبرى" أكبر من هذا كله وأعنف .. فتنة النفس والشهوة،
وجاذبيّة الأرض، وثقلة اللحم والدم، والرغبة في المتاع والسلطان، أو في الدّعة والاطمئنان، وصعوبة الاستقامة على صراط الإيمان والاستواء على مرتقاه، مع المعوّقات والمثبّطات في أعماق النفس، وفي ملابسات الحياة، وفي منطق البيئة، وفي تصوّرات أهل الزمان!
فإذا طال الأمد، وأبطأ نصر الله، كانت الفتنة أشدّ وأقسى، وكان الابتلاء أشدّ وأعنف، ولم يثبت إلا من عصم الله. . وهؤلاء هم الذين يحقّقون في أنفسهم حقيقة الإيمان، ويؤتمنون على تلك الأمانة الكبرى، أمانة السماء في الأرض، وأمانة الله في ضمير الإنسان.
وحاشا لله أن يعذّب المؤمين بالابتلاء، وأن يؤذيهم بالفتنة، ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمّل الأمانة، فالأمانة تحتاج إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العمليّة للمشاقّ، وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات، وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام، وإلا بالثقة الحقيقيّة في نصر الله وفي ثوابه، على الرغم من طول الفتنة وشدّة الابتلاء.
والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث، وتستجيش كامن قواها المذخورة فتستيقظ وتتجمّع، وتطرقها بعنف وشدّة فيشتدّ عودها ويصلب ويصقل، وكذلك تفعل الشدائد بالجماعات فلا يبقى صامداً إلا أصلبها عوداً، وأقواها طبيعة، وأشدّها اتصالاً بالله، وثقة فيما عنده من الحسنيين: النصر أو الأجر، وهؤلاء هم الذين يسلّمون الراية في النهاية، مؤتمنين عليها، بعد الاستعداد والاختبار.
وانهم ليتسلّمون الأمانة وهي عزيزة على نفوسهم: بما أدّوا من غالي الثمن، وبذلوا لها من الصبر على المحن، وذاقوا في سبيلها من الآلام والتضحيات.
.
والذي يبذل من دمه وأعصابه، وميت راحته واطمئنانه، ومن رغائبه ولذّاته، ثم يصبر على الأذى والحرمان، لا شك يشعر بقيمة الأمانة التي بذل فيها ما بذل، فلا يسلمها رخيصة بعد كل هذه التضحيات والآلام.
أمّا انتصار الإيمان والحق في النهاية فأمر تكفّل به وعد الله، وما يشك مؤمن في وعد الله، فإن أبطأ فلحكمة مقدّرة، فيها الخير للإيمان وأهله، وليس أحد بأغير على الحق وأهله من الله. . وحسب المؤمنين الذين تصيبهم الفتنة، ويقع عليهم البلاء، أن يكونوا هم المختارين من الله، ليكونوا أمناء على حق الله، وأن يشهد الله لهم بأن في دينهم صلابة فهو يختارهم للبلاء.
ويطالعنا ما رواه الترمذي وغيره عن مصعب بن سعد عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله! أيّ الناس أشد بلاءً؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإِن كان دينه صُلْباً اشتدَّ بلاؤه، وإِن كان في دينه رِقَّة ابتلي على حسب دينه، فما يبوح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة". (1)
وفي رواية عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: "ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة". (2)
(1) الترمذي (2398)، وقال هذا حديث حسن صحيح، وصحيح الترمذي (1956)، والطيالسي (215)، وابن سعد: 2: 209، وابن أبي شيبة: 3: 233، وأحمد: 1: 172، 173، 185، وعبد بن حميد (146)، والدارمي (2786)، وابن ماجه (4023)، والبزار (1150، 1154، 1155)، وانظر: تاريخ واسط: 253، وأبو يعلى (830)، والشاشي (69)، وابن حبان (290، 2921)، والحاكم: 1، 41، وأبو نعيم: الحلية: 1: 368، والبيهقي: 3: 372، والشعبي (9775)، والبغوي (1434).
(2)
الترمذي (2399) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن أبي شيبة: 3: 231، وأحمد: =
وفي رواية عن أبي سعيد الخدري قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يوعك، فوضعت يدي عليه، فوجدت حَرَّهُ بين يديّ، فوق اللّحاف، فقلت يا رسول الله! ما أشدّها عليك! قال:"إِنّا كذلك، يُضَعَّفُ لنا البلاء، ويضعَّفُ لنا الأجر" قلت: يا رسول الله! أيُّ الناس أشدّ بلاء؟ قال: "الأنبياء" قلت: يا رسول الله! ثمَّ مَنْ؟ قال: "ثُمَّ الصالحون، إِن كان أحدُهم ليبْتَلى بالفقر، حتى ما يجد أحدُهمُ إِلا العباءة يحوبها، وإِن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدُكم بالرّخاء". (1)
ونبصر التنويه بذلك لأجل الإيمان بالله، بأنه سنَّةٌ الله في سالف أهل الإيمان، وتأكيد الجملة بلام القسم وحرف التحقيق، لتنزيل المؤمنين حين استعظموا ما نالهم من الفتنة من المشركين، واستبطؤوا النصر على الظالمين، وذهولهم عن سنّة الكون في تلك الحياة لتنزيلهم منزلة من ينكر أن من يخالف الدهماء في ضلالهم، ويتجافى عن أخلاقهم ورذالتهم لابدّ أن تلحقه منهم فتنة.
ولما كان هذا السنَن من آثار ما طبع الله عليه عقول غالب البشر، وتفكيرهم غير المعصوم بالدلائل، وكان حاصلاً في الأمم السابقة أسندت فتن تلك الأمم إلى الله تعالى إسناداً مجازيًّا؛ لأنه خالق الأسباب، كما خلق
= 2: 287، 450، والبخاري: الأدب الفرد (494)، والحاكم: 1: 346، 4: 314، وأبو نعيم: الحلية: 7: 91، 8: 212، والبيهقي: 3: 374، والبغوي (1436)، وابن حبان (2913، 2924).
(1)
ابن ماجه (4024) ويحوبها من احتبى الثوب، أي اشتمله، وهي هيئة من الارتداء. وابن سعد: 2: 208، والبخاري: الأدب المفرد (510)، وأبو يعلى (1045)، والطحاوي: شرح المشكل (2210)، وعبد الرزاق (20626)، وأحمد: 3: 94، وعبد بن حميد (960) عن أبي سعيد نحوه.
أسباب العصمة منها، لمن كان أهلاً للعصمة، وفي هذا الإسناد إيماء إلى أن الذي خلق أسباب تلك الفتن قريبها وبعيدها قادر على صرفها بأسباب تضادها، والإشارة إلى هذا المعنى في دعاء موسى عليه السلام:{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88)} (يونس)!
فسأل الله أن يخلق ضدّ الأسباب التي غرَّت فرعون وملأه وغشيت على قلبه بالضلال!
والمقصود التذكير بما لحق صالحي الأمم السالفة من الأذى والاضطهاد، كما لقي صالحو النصارى من مشركي الرومان في عصور المسيحيّة الأولى، وقد قصَّ القرآن بعض ذلك في سورة (البروج).
ويطالعنا إرهاب أصحاب الأخدود، فيما يرويه مسلم وغيره عن صهيب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان مَلِكٌ فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلمَّا كَبِر قال للملِك:
إِنّي قد كبِرت، فابعثْ لي غلاماً أُعلِّمْه السِّحر، فبعث إِليه غلاماً يُعلِّمه، فكان في طريقه إِذا سلك راهبٌ، فقعَد إِليه وسمع كلامه: فكان إِذا أتى الساحر مرّ بالرّاهب، وقعَد إليه، فإِذا أتى الساحر ضَربه، فشكا ذلك إِلى الرّاهب، فقال: إِذا خشيتَ الساحر فقُلْ: حبسني أهلي، وإِذا خشيت أهلك فقُل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إِذْ أتى على دابّة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم آلساحرُ أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرًا فقال:
اللهم! إِن كان أمر الراهب أحبّ إِليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابّة، حتى يمضي الناس فرماها فقتلها، ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أيْ بُنَيَّ! أنت اليوم أفضلُ منّي، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإِنك سَتُبْتَلَى، فإِن ابتليت فلا تدلّ عليّ، وكان الغلام يبرئ الأكمه (1) والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدْواء، فسمع جليسٌ للملك كان قد عَمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هاهنا لك أجمع، إِن أنت شفيتني، فقال: إِنّي لا أشفي أحداً، إِنما يَشْفي الله، فإِن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن بالله، فشفاه الله، فأتى الملِكَ فجلس إِليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من ردّ عليك بصرَك؟ قال: ربّي، قال: ولك ربٌّ غيْري؟ قال: ربّي وربّك الله، فأخذه فلم يزَل يُعذِّبُه حتى دلّ على الغلام!
فجيء بالغلام، فقال له الملك: أيْ بنيِّ! قد بلغ من سحرِك ما تبرئ الأكْمه والأبرص، وتفعل ما تفعل، فقال: إِنّي لا أشفي أحدًا، إِنما يشفي الله، فأخذه فلم يزلْ يعذبُه حتى دلّ على الراهب!
فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبَى، فدعا بالمنشار (2)، فوضع المنشار في مَفرقِ رأسه، فشقّه حتى وقع شقّاه!
ثم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إِلى نفرٍ من أصحابه، فقال: اذهوا به إِلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإِذا
(1) الأكمه: الذي خلق أعمى!
(2)
المنشار: مهموز، ويجوز تخفيف الهمزة بقلبها ياء، وروي: المنشار، بالنون!
بلغتم ذروته (1)، فإِن رجع عن دينه، وإِلا فاطرحوه، فذهبوا به، فصعدوا به الجبل، فقال:
اللهم! اكفِنِيهمْ بما شئت، فرجَفَ بهم (2) الجبل، فسقطوا!
وجاء يمشي إِلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال:
كفانيهم الله، فدفعه إِلى نفرٍ من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قُرقُور (3)، فتوسّطوا به البحر، فإِن رجع عن دينه، وإِلا فاقذفوه، وذهبوا به، فقال: اللهم! اكْفِنِيهمْ بما شئت، فانكفأت بهم السفينة (4)، فغرقوا، وجاء يمشي إِلى الملك، فقال له الملك:
ما فَعَل أصحابك؟ قال:
كفانيهم الله، فقال للملك:
إِنك لستَ بقاتلي حتى تفعل ما آمُرُك به، قال: وها هو؟ قال:
تجمع الناس في صعيد واحد (5)، وتَصلبُني على جذع، ثم خُذ سهماً من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس (6)، ثم قُلْ: بسم الله! ربِّ الغلام!
ثم ارمني، فإِنك إِذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيدٍ واحد،
(1) ذروة الجبل: أعلاه!
(2)
أي اضطرب وتحرك حركة شديدة!
(3)
أي السفينة الصغيرة، وقيل: الكبيرة، واختار القاضي الصغيرة.
(4)
أي انقلبت!
(5)
الصعيد هنا: الأرض البارزة!
(6)
كبد القوس: مقبضها عند الرمي!
وصلبه على جذعٍ، ثم أخذ سهماً من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله! ربِّ الغلام!
ثم رماه فوقع السهم في صُدغِه، فوضع يده في صُدْغِهِ في موضع السهم، فمات، فقال الناس:
آمنّا بربِّ الغلام!
آمنّا بربِّ الغلام!
آمنّا بربِّ الغلام!
فأتي الملك، فقيل له: أرأيت ما كنتَ تحذر؟ قد، والله! نزل بك حذرك (1)!
قد آمن الناسُ، فأمر بالأخدود (2) في أفواه السكك (3)، فخدِّد وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها (4)، أو قيل له: اقْتَحِم، ففعلوا، حتى جاءت امرأةٌ ومعها صبيٌّ لها، فتقاعست (5) أن تقع فيها، فقال لها الغلامُ:
يا أمَّه! اصبري، فإِنك على الحق!
(1) أي ما كنت تحذر وتخاف!
(2)
الأخدود: الشق العظيم في الأرض، وجمعه أخاديد!
(3)
أي أبواب الطرق!
(4)
(فأحموه فيها) هكذا في عامة النسخ، بهمزة قطع بعدها حاء ساكنة، ونقل القاضي اتفاق النسخ على هذا، ووقع في بعض نسخ بلادنا، (فأقحموه) بالقاف، ومعناه اطرحوه فيها كرهاً، ومعنى الرواية الأولى: ارموه فيها، من قولهم: أحميت الحديدة وغيرها، إذا أدخلتها النار لتحمى!
(5)
أي توقفت ولزمت موضعها، وكرهت الدخول في النار!
وفي رواية: فجعل يلقيهم في تلك الأخدود، قال:
يقول الله تبارك وتعالى فيه:
قال: فأماّ الغلام فإِنه دُفن، قال:
فيُذكر أنه أُخرج في زمن عُمر بن الخطّاب رضي الله عنه، إِصبعه على صُدغه، كما وضعها يوم قتل (1)!
تلك قصة أصحاب الأخدود، التي نزلت في شأنها تلك الآيات من سورة (البروج). . وهي التي وردت في تثبيت المؤمنين (2)، وتصبيرهم على أذى أهل مكّة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدّمهم من التعذيب على الإيمان، حتى
(1) مسلم: 53 - الزهد والرقائق (3005)، وأحمد: 6: 17 - 18، وعبد الرزاق (9751)، والترمذي (3340)، وصحيح الترمذي (2661)، والبزار (2091)، والطبري: التفسير: 30: 133 - 134، والنسائي: التفسير (681)، والكبرى (11661)، وابن حبان (7319)، والطبراني (7319)، وأيضاً (7320) من طريق معمر، وأبو عوانة، كما في إتحاف المهرة: 6: 315 من طريق سليمان بن المغيرة، كلاهما عن ثابت به!
وسياق معمر ليس فيه صراحة أن سياق هذه القصة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الحافظ ابن كثير: التفسير: 8: 389، وقال: قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزّي: فيحتمل أن يكون من كلام صهيب الرومي، فإنه كان عنده علم من أخبار النصارى، والله أعلم!
وقال الحافظ ابن حجر: الفتح: 8: 698 صرّح برفع القصة بطولها حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، ومن طريقه أخرجه مسلم، والنسائي، وأحمد، ووقفها معمر، عن ثابت، ومن طريقه أخرجه الترمذي!
(2)
تفسير الفخر الرازي: 31 - 116 وما بعدها بتصرف.
يقتدوا بهم، ويصبروا على أذى قومهم، ويعلموا أن كفّار مكّة عند الله بمنزلة أولئك الذين كانوا في الأمم السابقة، يحرقون أهل الإيمان بالنار، وأحقّاء بأن يقال فيهم (قُتلت قريش) كما {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ} !
وقد ذكروا قصة أصحاب الأخدود على طرق متباينة .. منها:
أنه وقع إلى (نجران) رجلٌ ممن كان على (دين عيسى)، فدعاهم، فأجابوه، فصار إليهم (ذو نواس اليهودي) بجنود من (حمير)، فخيّرهم بين النار واليهوديّة، فأبوا، (فأحرق منهم اثني عشر ألفاً في الأخاديد)، وقيل (سبعين ألفاً)، وذكر أن (طول الأخدود أربعون ذراعاً وعرضه اثنا عشر ذراعاً)!
وقيل: كان في (ثلاث طوائف) - (ثلاث مرات):
مرة باليمن!
ومرة بالعراق!
ومرة بالشام!
ولفظ الأخدود، وإن كان واحداً إلا أن المراد هو الجمع، وهو كثير في القرآن!
وقال القفال: ذكروا في قصة أصحاب الأخدود روايات مختلفة .. !
وهي متفقة في أنهم قوم من المؤمنين .. !
تلك قصة أصحاب الأخدود، أكبر دليل من الواقع التاريخي على الإرهاب الذي مارسه الكفار والمشركون ضدّ المؤمنين بالله جلّ شأنه!
وتطالعنا سورة البروج بقول الله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3)} (البروج)!
وهنا نبصر حقائق العقيدة، وقواعد التصوّر الإيماني .. ونبصر أضواء قويّة بعيدة المدى، وراء المعاني والحقائق المباشرة التي تعبّر عنها تلك الآيات .. حتى لتكاد كل آية -وأحياناً كل كلمة في الآية- أن تفتح كوّةً على عالم مترامي الأطراف من الحقيقة. (1)!
والحادث المباشر هو حادث أصحاب الأخدود!
والموضوع هو أن فئة من المؤمنين السابقين على الإِسلام الذي بعث الله به محمداً خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم وعلى إخوانه من الرسل والأنبياء .. قيل: إنهم من النصارى الموحّدين (2)، ابتلوا بأعداء لهم طغاة بغاة عتاة، أرادهم على ترك دينهم -كما أسلفنا- فأبوا وتمنعوا بعقيدتهم، فشق الطغاة البغاة العتاة لهم شقًّا في الأرض، وأوقدوا فيه النار، وكبّوا فيه جماعة المؤمنين فماتوا حرقاً، على مرأى من المجموع التي حشدها المتسلّطون، لتشهد مصرع الفئة المؤمنة بهذه الطريقة البشعة!
ونعود إلى مفتتح السورة .. نعود فنجد الارتباط بين الأمور الثلاثة المقسم بها (3): {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} !
ونجد الإقسام بها متناولاً لكل موجود في الدنيا والآخرة .. وكلٌّ منها آية
(1) في ظلال القرآن: 6: 3871.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 30: 132، والشوكاني: 5: 413.
(3)
بدائع التفسير: 5: 170 وما بعدها بتصرف.
مستقلّة دالة على ربوبيّته وإلهيّته، فأقسم بالعالم العلوي، وهي السماء وما فيها من البروج، التي هي أعظم الأمكنة وأوسعها!
ثم أقسم بأعظم الأيام وأجلّها قدرًا الذي هو مظهر ملكه، وأمره ونهيه، وثوابه وعقابه، ومجمع أوليائه وأعدائه، والحكم بينهم بعلمه وعدله!
ثم أقسم بما هو أعم من ذلك كله، وهو الشاهد والمشهود .. وناسب هذا القسم ذكر أصحاب الأخدود الذين عذّبوا أولياءه، وهم شهود على ما يفعلون بهم، والملائكة شهود عليهم بذلك، والجوارح تشهد به عليهم، وأيضاً فالشاهد هو المطّلع والرقيب، والمخبر والمشهود، وهو المطلع عليه المخبر به، المشاهد!
فمن نوّع الخليقة إلى شاهد ومشهود، وهو أقدر القادرين، كما نوّعها إلى مرئي وغير مرئي، كما قال سبحانه:
{فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)} (الحاقة)!
كما نوعها إلى أرض وسماء، وليل ونهار، وذكر وأنثى!
وهذا التنويع والاختلاف من آياته سبحانه - كذلك نوعها إلى شاهد ومشهود!
وفيه سرّ آخر: وهو أن من المخلوقات ما هو مشهود عليه، ولا يتم نظام العالم إلا بذلك، فكيف يكون المخلوق شاهداً رقيباً حفيظاً على غيره، ولا يكون الخالق تبارك وتعالى شاهداً على عباده مطلعاً عليهم رقيباً؟!
وأيضاً فإن ذلك يتضمّن القسم بملائكته وأنبيائه ورسله؛ فإنهم شاهدون على العباد، فيكون من باب اتحاد المقسم به والمقسم عليه، كما أقسم باليوم
الموعود، وهو المقسم به وعليه، وأيضاً فيوم القيامة مشهود، كما قال تعالى:
{ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103)} (هود)!
يشهده الله وملائكته والإنس والجن، والوحش، من آياته، والمشهود من آياته!
وأيضاً فكلامه مشهود، كما قال تعالى:
{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78)} (الإسراء)!
تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، فالمشهود من أعظم آياته، وكذلك الشاهد، فكل ما وقع عليه اسم شاهد ومشهود فهو داخل في هذا القسم؛ فلا وجه لتخصيصه ببعض الأنواع أو الأعيان، إلا على سبيل التمثيل!
وأيضاً فكتاب الأبرار في عليّين يشهده المقربون، فالكتاب مشهود والمقربون شاهدون!
والأحسن، أن يكون هذا القسم مستغنياً عن الجواب؛ لأن القصد التنبيه على القسم به، وأنه من آيات الربّ العظيمة، ويبعد أن يكون الجواب:
{قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ} !
وهم الذين فتنوا أولياءه وعذّبوهم بالنار ذات الوقود!
ثم وصف حالهم القبيحة بأنهم قعود على جانب الأخدود، شاهدين ما يجري على عباد الله تعالى وأوليائه عياناً، ولا تأخذهم بهم رأفة ولا رحمة، ولا يعيبون عليهم ديناً سوى إيمانهم بالله العزيز الحميد، الذي له ملك السموات والأرض!