الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الرابع: طريق إثباتها:
تبين أن أسماء الله تعالى غير محصورة، وهذا هو رأي جمهور العلماء، وهو الرأي الذي نصره القرطبي.
وقد تتبع العلماء أسماء الله تعالى في الكتاب والسنة، محاولة لجمعها ومعرفتها، قال القرطبي: وقد بحث الناس عن هذه الأسماء في الكتاب والسنة فجمعوها في كتبهم كالخطابي والقشيري، وغيرهما، فمن أرادها وجدها
(1)
.
وقد اختلف العلماء في هذه الأسماء، هل هي توقيفية بحيث لا يسمى الله تعالى إلَّا بما ورد في الكتاب والسنة، أو من الممكن أن يشتق لله تعالى من أفعاله أسماء، أو يسمى بأسماء مستحسنة، وإن لم ترد في الكتاب أو السنة؟
الحق هو ما عليه جمهور العلماء من أن أسماء الله توقيفية فلا يسمى سبحانه إلَّا بما جاء في الكتاب والسنة، وقد خالف في ذلك المعتزلة، ورأوا أن العقل إذا دلَّ على جواز تسمية الله باسم فيجب أن نسميه به، حتى لو لم يرد بذلك نصٌّ صحيح، وقد بالغ في إثبات هذا أبو علي الجبائي
(2)
، حتى سمى الله بأسماء ينزه الحق سبحانه وتعالى عنها"
(3)
(4)
.
(1)
المفهم (7/ 17).
(2)
أبو علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام المعروف بالجبائي أحد أئمة المعتزلة أخذ عنه الأشعري ثم تركه وصارت بينها مناظرات توفي سنة (303 هـ). سير أعلام النبلاء (14/ 183). طبقات المفسرين للسيوطي (2/ 102).
(3)
انظر مقالات الإسلاميين (2/ 208) والفرق بين الفرق ص (337).
(4)
ذكر بعض من ترجم لأبي الحسن الأشعري أنَّ من أسباب تركه الاعتزال مناظرته لشيخه أبي علي الجبائي في بعض المسائل ومنها هذه المسألة فقد كان أبو الحسن الأشعري يرى أنَّ أسماء الله توقيفية بخلاف شيخه الجبائي فمرة دخل رجل على الجبائي فقال له: هل يجوز =
ولا شك أن ما ذهب إليه المعتزلة ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة، ولا عمل سلف الأمة، وقد قال تعالى:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)}
(1)
(2)
.
قال الخطابي رحمه الله: "ومن علم هذا الباب أعني: الأسماء والصفات، ومما يدخل في أحكامه، ويتعلق به من شرائط، أنه لا يتجاوز فيها التوقيف"
(3)
.
وذلك لأنها من أمور الغيب التي يجب الوقوف فيها على ما جاء في
= أن يسمى الله تعالى عاقلًا؟ قال الجبائي: لا لأنَّ العقل مشتق من العقال، وهو المانع والمنع في حق الله محال، فامتنع الإطلاق، فقال أبو الحسن الأشعري: فعلى قياسك لا يسمى الله سبحانه حكيمًا لأنَّ هذا الاسم مشتق من حكمة اللجام وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
فنحكم بالقوافي من هجانا
…
ونضرب حين تختلط الدماء
وقول الآخر:
أبني حنيفة حكِّموا سفاءكم
…
إني أخاف عليكم أن أغضبا
أي: نمنع بالقوافي من هجانا وامنعوا سفاءكم.
فإذا كان اللفظ مشتقًّا من المنع، والمنع على الله محال لزمك أن تمنع إطلاق (حكيم) على الله سبحانه.
فقال الجبائي: فلم منعت أنت أن يسمى الله عاقلًا وأجزت أن يسمى حكيمًا؟ قال الأشعري: لأن طريقي في مأخذ أسماء الله الإذن الشرعي دون القياس اللغوي فأطلقت حكيمًا لأنَّ الشرع أطلقه ومنعت عاقلًا لأنَّ الشرع منعه ولو أطلقه الشرع لأطلقته. طبقات الشافعية للسبكي (3/ 357).
(1)
سورة الإسراء، الآية:36.
(2)
سورة الأعراف، الآية:33.
(3)
شأن الدعاء للخطابي ص (111).
الكتاب والسنة، فلا مجال للعقل فيها؛ لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله من الأسماء لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا نُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك"
(1)
.
والتسمية من الثناء، فدل على أن العقل لا مجال له في باب الأسماء إلَّا التصديق والوقوف عند النصوص.
واحتج الغزالي بالاتفاق على أنه لا يجوز لنا أن نسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم لم يسمه به أبوه، ولا سمى به نفسه، وكذا كل كبير من الخلق قال:"فإذا امتنع ذلك في حق المخلوق فامتناعه في حق الله أولى"
(2)
.
والقرطبي تكلم في هذه المسألة في موضعين من المفهم بيَّن فيهما موضع الخلاف في ذلك، ولم يرجح حيث قال: "العلماء اختلفوا في أسماء الله تعالى هل الأصل فيها التوقيف، فلا يسمى إلَّا بما سمى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله، أو بجمع الأمة عليه؟ أو الأصل جواز تسميته بكل اسم حسن إلَّا أن يمنع منه مانع شرعي؟ .
الأول: لأبي الحسن، والثاني: للقاضي أبي بكر
(3)
، ومثار الخلاف: هل الألف واللام في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}
(4)
للجنس أو للعهد؟
…
ثم هل يكتفي في كون الكلمة اسمًا من أسماء الله تعالى بوجودها في كلام الشارع من غير تكرار، ولا كثرة، أم لا بد منهما؟ فيه رأيان"
(5)
.
(1)
رواه مسلم في كتاب الصلاة باب ما يقال في الركوع والسجود ح (486)(4/ 450).
(2)
المقصد الأسني للغزالي ص (174).
(3)
الباقلاني.
(4)
سورة الأعراف، الآية:180.
(5)
المفهم (6/ 576).
وبيَّن في الموضع الآخر أنه لا بد من التوقيف عليها أو استعمالها استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار، حيث قال: "أسماء الله تعالى لا بد فيها من التوقيف عليها، أو استعمالها استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار، فيخبر به، وينادى به، كما اتفق في سائر أسماء الله تعالى كالغفور والشكور والعليم والحليم، وغير ذلك من أسمائه، فإنك تجدها في الشريعة وفي لسان أهلها تارة يخبر بها، وأخرى يخبر عنها، وأخرى يدعى وينادى بها
(1)
.
وما ذكره رحمه الله في هذا الكلام فيه إيهام، إذ الأسماء التي جاء بها للتمثيل كلها، وردت في كتاب الله، وليته ضرب لنا مثلًا لما استعمل استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار، ولم يرد في كتاب ولا سنة ليتبين لنا مراده جزمًا بلا تخمين. والذي يظهر لي -والله أعلم- أنه خلط بين الأسماء وبين مسألة الإخبار عنه. فالأسماء يجب التوقيف فيها، فلا يسمى إلَّا بنص من كتاب أو سنة، وأما مسألة الإخبار عنه فقد توسع العلماء في ذلك فأجازوا الإخبار عنه تعالى بغير أسمائه التي ورد فيها النَّص، فأجازوا إطلاق اسم:"الموجود" و"الشيء" و"الذات" وغيرها على الله تعالى، من باب الإخبار، وإن لم ترد في الكتاب أو السنة، لكنه لا يخبر عنه باسم سيء.
قال ابن تيمية: "وأما الإخبار عنه فلا يكون باسم سيئ، لكن. قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيئ، وإن لم يحكم بحسنه مثل اسم: شيء وذات وموجود"
(2)
.
(1)
المفهم (5/ 548).
(2)
الفتاوى (6/ 142، 143).
وقال ابن القيم: "ما يدخل في باب الإخبار عنه أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، كالشيء والموجود والقائم بنفسه، فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى"
(1)
.
وربما جعل القرطبي من أسمائه ما هو من صفاته، التي يخبر عنه بها، ويدعى بها، مثل: أرحم الراحمين، ورافع السماء، ومنزل الغيث، ومنجي المؤمنين، ومهلك الظالمين، ونحوها، وهذا كثير في السنة.
وإذا قيل كل ما لا يقبل الدعاء به فليس من أسمائه لا يعني أنه لا يجوز أن ندعوه بصفاته وأفعاله، ولكن وإن دعوناه بها فلا تكون من أسمائه
(2)
.
والمازري أثبت القول الصحيح وهو التوقيف على ما جاء في الكتاب والسنة، حيث قال:"الباري سبحانه لا يسمى إلَّا بما سمى به نفسه، أو سمَّاه به رسوله صلى الله عليه وسلم، أو اجتمعت الأمة عليه، قال أبو الحسن الأشعري أو على معناه: "وما لم يرد فيه إذن في إطلاقه ولا ورد فيه منع ولم يستحل وصف الباري تعالى به ففيه اختلاف هل يبقى على حكم العقل لا يوصف بتحليل ولا تحريم أو يمنع منه لقوله تعالى {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}
(3)
فأثبت كون أسمائه حسنى ولا حسن إلَّا ما ورد الشرع به"
(4)
.
(1)
بدائع الفوائد (1/ 169).
(2)
انظر: أسماء الله وصفاته في معتقد أهل السنة والجماعة للدكتور عمر الأشقر ص (59).
(3)
سورة الأعراف، الآية:180.
(4)
المعلم (3/ 167).