الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السنة"
(1)
.
فمذهب السلف رضي الله عنهم إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها. والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذات، يحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين عز وجل إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف
(2)
.
والأقوال عن السلف كثيرة تبين إثباتهم للصفات، وإيمانهم بها، وعدم التفويض إلَّا للكيفية، وسيتضح هذا أكثر في التفصيل في الصفات إن شاء الله تعالى.
المطلب الثالث: الشبهات العقلية التي ردوا بها الصفات:
القرطبي والمازري على منهج المتكلمين في ردهم لصفات الله تعالى بالشبه العقلية الباطلة التي يدل على بطلانها الكتاب والسنة والعقل السليم.
وهم في صرفهم لظواهر النصوص يظنون أن هذا من باب تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه؛ لأنهم زعموا أن ظواهر النصوص الواردة في صفات الله تعالى الذاتية كالقدم واليد ونحوها، أو الفعلية يوهم التشبيه، فلابد من صرفها عن ظاهرها بالتأويل، أو التفويض، والتفويض - عندهم - أن يعلم أن ظاهرها غير مراد، ويفوض معرفة المراد بها بعد ذلك
(3)
.
(1)
الحجة في بيان المحجة (1/ 2، 260).
(2)
ذم التأويل لابن قدامة ص (15).
(3)
انظر: الحجة في بيان المحجة (1/ 104).
وقولهم هذا لأنهم لم يفهموا من نصوص الصفات إلَّا ما هو من صفات المخلوقين ونعوت المحدثين فجعلوا للظاهر المتبادر إلى الذهن معنى باطلًا فوقعوا في التشبيه والتعطيل. ولذا قال ناظمهم:
وكل نص أوهم التشبيها
…
أوله أوفوض ورم تنزيها
(1)
قال الشيخ الشنقيطي: "والحق الذي لا يشك فيه أدنى عاقل أن كل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم فالظاهر المتبادر منه السابق إلى فهم من في قلبه شيء من الإيمان، هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث. وهل ينكر عاقل أن السابق إلى الفهم المتبادر لكل عاقل هو منافاة الخالق للمخلوق في ذاته وجميع صفاته؟ لا والله لا يُنكرُ ذلك إلَّا مكابرة، والجاهل المفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات الصفات لا يليق بالله لأنه كفر وتشبيه إنما جر إليه ذلك تنجيس قلبه بقذر التشبيه بين الخالق والمخلوق فأداه شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله عز وجل، وعدم الإيمان بها مع أنه جل وعلا هو الذي وصف نفسه بها فكان هذا الجاهل مشبهًا أولًا ثم معطلًا ثانيًا"
(2)
.
لأن مجرد الاتفاق في المسميات لا يقتضي التشبيه إنما التشبيه عند السلف أن يقال: يد كيد أو وجه كوجه ونحو ذلك.
قال إسحاق بن راهوية
(3)
: "إنما التشبيه إذا قال: يد كيد أو مثل يد
(1)
جوهرة التوحيد مع شرحها عون المريد (1/ 442).
(2)
أضواء البيان (2/ 30).
(3)
هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد المروزي المعروف بابن راهوية ثقة حافظ مجتهد أثنى عليه الإمام أحمد فقال: إسحاق لم يلق مثله توفي سنة (238 هـ). تهذيب التهذيب (1/ 112)، طبقات الحفاظ ص (210) ترجمة (418).
أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع فهذا تشبيه، وأما إذا قال كما قال الله: يد وسمع وبصر ولا يقول كيد ولا مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيهًا وهو كما قال تبارك وتعالى في كتابه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}
(1)
"
(2)
.
قال نعيم بن حماد
(3)
: "من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر ومن أنكر ما وصف الله به نفسه، فقد كفر وليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيهًا"
(4)
.
وبسبب هذا التنزيه المزعوم عن مشابهة الله تعالى لخلقه، وقع القرطبي والمازري في نفي جميع صفات الله تعالى عدا الصفات السبع التي يثبتها الأشاعرة.
وخالفوا المنهج السلفي الذي عليه الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام في القرون المفضلة ومن سلك مسلكهم إلى يومنا هذا.
فهم يثبتون لله تعالى ما أثبته سبحانه لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم مع تنزيهه سبحانه عن مشابهة المخلوقين. لكن هؤلاء جعلوا مجرد إثبات الصفات لله تعالى الواردة في الكتاب والسنة يعتبر تشبيهًا له سبحانه بخلقه. ولذا رموا السلف المثبتين لهذه الصفات بصفات منفرة كقولهم: المجسمة أو المشبهة أو الحشوية كما سبق بيانه.
(1)
سورة الشورى، آية:11.
(2)
أقاويل الثقات للكرامي ص (139).
(3)
نعيم بن حماد بن معاوية الخزاعي كان من أشد الناس على الجهمية توفي سنة (228 هـ) في سجن المأمون إذ امتحن على القول بخلق القرآن فأبى حتى مات في سجنه رحمه الله سير أعلام النبلاء (10/ 595)، طبقات الحفاظ ص (203) ترجمة (405).
(4)
شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (3/ 587).
وقد سلك المتكلمون هذا المنهج الباطل نظرًا لتحكيمهم العقول القاصرة في النصوص الشرعية، وتقديم العقل على النقل، وزعمهم أن إثبات هذه الصفات يناقض العقل فاعتقدوا أن إثبات الصفات الذاتية كاليد والقدم ونحوها يقتضي التجسيم والتركيب بحيث يكون الله تعالى جسمًا مجسمًا ذا أعضاء وجوارح.
وأن إثبات علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه أو نزوله إلى السماء الدنيا يقتضي إثبات الجهة لله تعالى والتحيز وأنه محصور محدود.
وأن إثبات هذه الصفات وغيرها من الصفات الفعلية لله تعالى يلزم منه حلول الحوادث بالله تعالى، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. إلى غير ذلك من الترهات التي هي من آثار تحكيم العقول وتقديمها على النصوص الشرعية فلبسوا على من لا يعرف مصطلحاتهم، وهي في الحقيقة أوهام وشبهات منعتهم من قبول الحق، ووقعوا بسببها في تحريف نصوص الكتاب والسنة.
وسأورد بعض النقولات من كتابي "المفهم" و"المعلم" تبين سلوك القرطبي والمازري لهذا المسلك والتزامهما بهذا المنهج، والأمر يتضح أكثر عند التفصيل في الصفات حيث يكون الرد المفصل من خلالها.
وسأتبع هذه النقولات بالتفصيل في هذه الشبه التي انقدحت في عقولهم مع الرد عليها من كلام السلف.
ومن الشبه التي وقع فيها القرطبي رحمه الله ما ذهب إليه من أن العقل والنقل يؤيدان ما ذهب إليه في التأويل حيث قال: "العقل والنقل يردان مذهب المجسمة، أما العقل: فلو كان عرضًا أو جسمًا لجاز عليه
ما يجوز عليهما، ويلزم تغيره وحدثه. وأما النقل: فقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}
(1)
ولو كان جسمًا أوعرضًا لكان كل شيء منهما مماثلًا له"
(2)
.
"فإن الأجسام من حيث هي متساوية في الأحكام العقلية، وما ثبت للشيء ثبت لمثله، وقد ثبت لهذه الأجسام الحدوث فيلزم عليه أن يكون الله تعالى حادثًا، ويلزم على قولهم أن يكون كل واحد منا مثلًا له تعالى من جهة الجسمية والحيوانية والجوارح وغير ذلك من الأعضاء
(3)
.
وقال: "والله منزه عن الجسمية ولوازمها"
(4)
.
ثم قال: "وقد شهد العقل والنقل أن الله منزه عن مماثلة الأجسام وعن الجوارح المركبة"
(5)
.
وقال في نفي علو الله تعالى واستوائه على عرشه: "الباري منزه عن الاختصاص بالأمكنة والجهات، إذ ذاك من لوازم المحدثات"
(6)
.
وقال أيضًا: "الله منزه عن الفوقية كما هو منزه عن التحتية إذ كل ذلك من لوازم الأجرام وخصائص الأجسام"
(7)
.
وقال أيضًا: "الباري يستحيل أن يحيط به حجاب، إذ يلزم منه أن يكون مقدرًا محصورًا فيحتاج إلى مقدر ومخصص، ويلزم منه
(1)
سورة الشورى، آية:11.
(2)
المفهم (1/ 408).
(3)
المفهم (7/ 194).
(4)
المفهم (1/ 436).
(5)
المفهم (4/ 22).
(6)
المفهم (6/ 451).
(7)
المفهم (3/ 595).