الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مع العباد عمومًا بعلمه ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية"
(1)
.
صفتا الرضا والغضب:
والرضا والغضب من صفات الله تعالى الفعلية الثابتة له بالكتاب والسنة، قال تعالى:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}
(2)
، وقال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ}
(3)
ولذا فأهل السنة والجماعة يثبتون لله تعالى رضا وغضبًا يليقان به سبحانه، لا كرضا أو غضب المخلوقين.
والقرطبي والمازري صرفا هاتين الصفتين عن ظاهرهما إلى إرادة الثواب أو إرادة الانتقام والعقاب.
قال القرطبي: "غضب الله تعالى ورضاه محمول إما على إرادة عقاب المغضوب عليه وإبعاده وإرادة إكرام المرضي عنه أو على ثواب تلك الإرادة وهو الإكرام أو الانتقام"
(4)
.
وقال أيضًا: "تقدم القول في غضب الله ورضاه، وأن ذينك يرجعان إلى إرادته وإلى متعلقها من إيصال المنافع والألطاف إلى المرحوم أو إيصال المضار والانتقام للمغضوب عليه فيرجع غضبه إذًا ورحمته إلى الأفعال
(5)
.
وقال: "رضا الله من صفات الأفعال، ويصح أن يعبر بالرضا في حق الله تعالى عن إرادة الإكرام والإحسان فيكون من صفات
(1)
الفتاوى (5/ 231).
(2)
سورة الفتح، آية:18.
(3)
سورة الممتحنة، آية:13.
(4)
المفهم (1/ 350).
(5)
المفهم (7/ 82).
الذات"
(1)
.
وقال المازري: "غضب الله عز وجل ورضاه يرجعان إلى إرادته لإثابة المطيع ومنفعة العبد أو عقاب العاصي"
(2)
.
وقولهما في هاتين الصفتين من التأويلات الباطلة البعيدة عن المعاني التي أراد منا الشرع أن نفهمها ونعتقدها من النصوص الشرعية.
وتفسير الرضا بالإكرام والغضب بالعقوبة هو تفسير للصفة ببعض آثارها المخلوقة، وهو غير الصفة وتفسير الرضا بإرادة الثواب والغضب بإرادة العقاب أو الانتقام إلغاء لهذه الصفة ومعناها وجعل معاني صفات عدة في معنى صفة واحدة.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على من ينفي هذه الصفات وغيرها: "القول في بعض الصفات كالقول في بعض فإن كان المخاطب ممن يقر بأن الله حي بحياة عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة وينازع في محبته ورضاه وغضبه، وكراهيته، فيجعل ذلك مجازًا ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات.
قيل له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته بل القول في أحدهما كالقول في الآخر. فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين. فكذلك محبته ورضاه وغضبه وهذا هو التمثيل. وإن قلت له إرادة تليق به، كما إن للمخلوق إرادة تليق به. قيل لك: وكذلك له محبة تليق به وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق
(1)
المفهم (3/ 741).
(2)
المعلم (3/ 189).
به. وإن قال: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام قيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة، أو دفع مضرة، فإن قلت: هذه إرادة المخلوق. قيل لك: وهذا غضب المخلوق"
(1)
.
وقال ابن أبي العز الحنفي
(2)
في صفتي الرضا والغضب: "ولا يقال إن الرضا إرادة الإحسان، والغضب إرادة الانتقام، فإن هذا نفي للصفة، وقد اتفق أهل السنة على أن الله يأمر بما يحبه ويرضاه، وإن كان لا يريده ولا يشاؤه، وينهى عما يسخطه ويكرهه ويبغضه ويغضب على فاعله، وإن كان قد شاءه وأراده، فقد يحب عندهم ويرضى ما لا يريده ويكره ويسخط ويغضب لما أراده.
ويقال لمن تأول الغضب والرضا بإرادة الانتقام أو بإرادة الإحسان: لم تأولت ذلك؟ فلابد أن يقول: إن الغضب غليان دم القلب والرضى الميل والشهوة، وذلك لا يليق بالله تعالى. فيقال له: غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب لا أنه الغضب"
(3)
.
وقال أيضًا: "ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضا والعداوة والولاية والحب والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بها"
(4)
.
(1)
التدمرية لابن تيمية ص (31).
(2)
هو علي بن علي بن محمد الأذرعي الدمشقي الحنفي المعروف بابن أبي العز تولى قضاء الحنفية بدمشق وكان إمامًا داعية إلى أتباع المنهج السلفي ناله على ذلك أذى فصبر واحتسب توفي سنة (792 هـ). الدرر الكامنة (3/ 87). معجم المؤلفين (2/ 480)
(3)
شرح الطحاوية (2/ 685، 686).
(4)
المرجع السابق.