الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا يدعون إلى السجود، وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشدة"
(1)
.
قال الشوكاني: "وقد أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما عرفت، وذلك لا يستلزم تجسيمًا ولا تشبيهًا فليس كمثله شيء"
(2)
.
صفة الاستواء:
من صفات الله تعالى الفعلية، قال تعالى:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}
(3)
(4)
، وقال صلى الله عليه وسلم:"لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه"
(5)
، وقد أجمع الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين ومن تبعهم ولم يخالف فيه إلَّا من هو متهم على الإسلام
(6)
، أو مغرور بالتقليد لمن يحسن به الظن
(7)
. على أنَّ الاستواء من الصفات المعلومة بالسمع لا بالعقل، أما العلو فهو معلوم بالسمع والعقل
(8)
.
وقد بيَّن السلف أن الاستواء صفة ثابتة لله تعالى، وأنه استواء حقيقي يليق بجلاله وعظمته.
(1)
الصواعق المرسلة لابن القيم (1/ 252، 253).
(2)
فتح القدير للشوكاني (5/ 278).
(3)
سورة طه، آية:5.
(4)
سورة يونس، آية:3.
(5)
الحديث ذكره الذهبي في "العلو" وقال: رواته ثقات العلوص (63) وقال ابن القيم: اسناده صحيح على شرط البخاري اجتماع الجيوش ص (54).
(6)
قال شيخ الإسلام: القول "بأن الله تعالى ليس فوق العرش" أول من ابتدعه في الإسلام الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وشيعتهما وهم عند الأمة من شرار أهل الأهواء. نقض أساس التقديس (1/ 127).
(7)
انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (1/ 401).
(8)
انظر: الفتاوى لابن تيمية (5/ 227).
وقد روى الدارمي أن رجلًا جاء إلى الإمام مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} كيف استوى؟ قال الر اوي: فما رأينا مالكًا وَجَدَ من شيء كوجده من مقالته، وعلاه الرحضاء
(1)
وأطرق، وجعلنا ننتظر ما يأمر به فيه، قال: ثم. سري عن مالك فقال: الكيف غير معقول والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني لأخاف أن تكون ضالًّا ثم أمر به فأُخرج
(2)
.
قال الإمام ابن خزيمة: "فنحن نؤمن بخبر الله جل وعلا أن خالقنا مستوٍ على عرشه، لا نبدل كلام الله، ولا نقول غير الذي قيل لنا كما قالت المعطلة والجهمية: أنه استولى على عرشه، لا استوى، فبدلوا قولًا غير الذي قيل لهم"
(3)
.
وقال أبو الحسن الأشعري: نقول إن الله عز وجل يستوي على عرشه، استواءً يليق به"
(4)
.
وقال ابن تيمية: "فإن القول بأن الله فوق العرش هو مما اتفقت عليه الأنبياء كلهم، وذكر في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل، وقد اتفق على ذلك سلف الأمة وأئمتها من جميع الطوائف"
(5)
.
وكما أنكر القرطبي العلو فكذلك أنكر الاستواء حيث قال: "إضافته إلى الله -أي العرش- على جهة الملك أو التشريف، لا لأن الله استقر عليه، أو استظل به، كما قد توهمه بعض الجهال في الاستقرار
(1)
الرحضاء يعني العرق وهو علامة على شدة وقع السؤال عليه وجزعه منه.
(2)
الرد على الجهمية للدارمي ص (66).
(3)
التوحيد لابن خزيمة (1/ 233).
(4)
الإبانة للأشعري ص (97).
(5)
نقض التأسيس (2/ 9).
وذلك على الله محال، إذ يستحيل عليه الجسمية ولواحقها"
(1)
.
وقال في موضع آخر: "ومما يعلم استحالته: كون العرش حاملًا لله تعالى، وأن الله تعالى مستقرٌّ عليه، كاستقرار الأجسام، إذ لو كان محمولًا لكان محتاجًا فقيرًا لما يحمله، وذلك ينافي وصف الإلهية، إذ أخص أوصافه الاستغناء المطلق، ولو كان ذلك للزم كونه جسمًا مقدرًا، ويلزم كونه حادثًا على ما سبق، فإن قيل ما معنى قوله تعالى:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)}
(2)
قيل: له محامل واضحة وتأويلات صحيحة غير أن الشرع لم يعين لنا محملًا من تلك المحامل، فيتوقف في التعيين ويسلك مسلك السلف الصالح في التسليم"
(3)
.
وقال أيضا: "ولقد أحسن من قال: لو كان الباري تعالى في شيء لكان محصورًا ولو كان على شيء لكان محمولًا، ولو كان من شيء لكان محدثًا"
(4)
.
وكلام القرطبي واضح في نفي استواء الله تعالى على العرش بزعم أن هذا من صفات الأجسام والمحدثات، وأنه لو كان مستويًا على العرش، لكان محتاجًا إليه، وهذا لا شك من اللوازم الباطلة إذ أهل السنة والجماعة أثبتوا لله تعالى الاستواء اللائق به تعالى ونزَّهوه سبحانه أن يحتاج لشيء أو يفتقر إلى مخلوق.
قال الطحاوي: "والعرش والكرسي حق، وهو مستغني عن العرش، وما دونه، محيط بكل شيء، وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة به خلقه".
(1)
المفهم (1/ 436).
(2)
سورة طه، آية:5.
(3)
المفهم (6/ 670).
(4)
المفهم (6/ 451).
قال ابن أبي العز الحنفي في شرحه لهذا الكلام: "إنما قال الشيخ رحمه الله هذا الكلام لأنه لما ذكر العرش والكرسي ذكر بعد ذلك غناه سبحانه عن العرش، وما دون العرش ليبين أن خلقه للعرش، واستواءه عليه، ليس لحاجته إليه، بل له في ذلك حكمة اقتضته، وكون العالي فوق السافل، لا يلزم أن يكون السافل حاويًا للعالي محيطًا به حاملًا له، ولا أن يكون الأعلى مفتقرًا إليه، فانظر إلى السماء كيف هي فوق الأرض، وليست مفتقرة إليها؟ فالرب تعالى أعظم شأنًا وأجل من أن يلزم علوه ذلك، بل لوازم علوه من خصائصه، وهي حمله بقدرته للسافل، وفقر السافل، وغناه هو سبحانه عن السافل، وإحاطته عز وجل به، فهو فوق العرش مع حمله بقدرته العرش، وغناه عن العرش، وفقر العرش إليه، وإحاطته بالعرش، وعدم إحاطة العرش به، وحصره للعرش، وعدم حصر العرش له، وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق، ونفاة العلو أهل التعطيل لو فصلوا بهذا التفصيل لهدوا إلى سواء السبيل، وعلموا مطابقة العقل للتنزيل"
(1)
.
وقال ابن تيمية: "من كان يعتقد أن الله يفتقر إلى شيء يحمله -إلى العرش أو غيره- فهو مبتدع ضال، وكذلك إن جعل صفات الله مثل صفات المخلوقين، فيقول: اسعتواء الله كاستواء المخلوق، أو نزوله كنزول المخلوق، ونحو ذلك، فهذا مبتدع ضال، فإن الكتاب والسنة مع العقل دلَّت على أن الله لا تماثله المخلوقات في شيء من الأشياء، ودلَّت على أن الله غني عن كل شيء، ودلَّت على أن الله مباين للمخلوقات عالٍ عليها. وإن كان يعتقد أن الخالق تعالى بائن عن المخلوقات، وأنه فوق
(1)
شرح الطحاوية (2/ 372).
سمواته على عرشه، بائن من مخلوقاته، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأن الله غني عن العرش، وعن كل ما سواه، لا يفتقر إلى شيء من المخلوقات، بل هو مع استوائه على عرشه يحمل العرش، وحملة العرش بقدرته، ولا يمثل استواء الله باستواء المخلوقين، بل يثبت لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينفي عنه مماثلة المخلوقات ويعلم أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهذا مصيب في اعتقاده موافق لسلف الأمة، وأئمتها، فإن مذهبهم أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فيعلمون أن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش"
(1)
.
فضلال هؤلاء في هذا الجانب بسبب قياسهم الخالق بالمخلوق فهم شبهوا أولًا وعطَّلوا ثانيًا، ولو قدروا الله حق قدره لما ظنوا هذه الظنون.
فأهل السنة يثبتون استواء الله تعالى على العرش، ولكنهم لا يسألون عن الكيفية كما سبق إنكار الإمام مالك -رحمه الله تعالى- على من سأل عن كيفية الاستواء.
قال الذهبي بعد نقله لإجابة مالك لمن سأل عن كيفية الاستواء: "وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه وأنه كما يليق به، ولا نتعمق ولا نتحذلق ولا نخوض في لوازم ذلك نفيًّا ولا إثباتًا بل نسكت ونقف كما وقف السلف.
ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون ولما
(1)
الفتاوى لابن تيمية (5/ 262) وانظر (5/ 27، 29، 284، 286).