الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني فتنة القبر
المقصود بفتنة القبر سؤال الملكين للعبد في قبره كما ورد بذلك الحديث الصحيح الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه - وإنه ليسمع قرع نعالهم - أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد صلى الله عليه وسلم، فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا، وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين"
(1)
.
ولذا كان صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله من فتنة القبر
(2)
.
قال القرطبي: "فتنة القبر: هي الضلال عن صواب إجابة الملكين فيه وهما: منكر ونكير"
(3)
.
فالمؤمن يوفق للجواب، والكافر يضل عن ذلك، كما قال تعالى {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ
(1)
رواه البخاري في كتاب الجنائز، باب الميت يسمع خفق النعال ح 1338 (3/ 244)، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه ح 2870 (17/ 208).
(2)
رواه البخاري في كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام ح 832 (2/ 369)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة ح 589 (5/ 91).
(3)
المفهم (7/ 33).
وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)}
(1)
.
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا، قال: نزلت في عذاب القبر، فيقال: من ربك؟ فيقول: ربي الله ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ
(2)
}
(3)
.
قال القرطبي: "أي يثبتهم في هذه الدار على التوحيد والإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم يميتهم عليه، وفي الآخرة عند المساءلة في القبر كما فسرها النبي صلى الله عليه وسلم فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو المقصود، وإن كان من قول البراء، فهذا لا يقوله أحدًا بن قبل نفسه ورأيه، فهو محمول على أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله وسكت البراء عن رفعه لعلم المخاطب بذلك، والله تعالى أعلم، وقد قيل عن البراء أنه قال: هما سؤال القبر وسؤال القيامة يعني: فيرشد المؤمن فيهما إلى الصواب ويصرف الكافر عن الجواب"
(4)
.
وذهب القرطبي رحمه الله إلى مشروعية تلقين الميت عند وضعه في قبره، وقد استدل بوصية عمرو بن العاص رضي الله عنه حيث قال:"فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنًّا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها، حتى استأنس بكم، وانظر ماذا أراجع به رسل ربي"
(5)
.
(1)
سورة إبراهيم، الآية:27.
(2)
سورة إبراهيم، الآية:27.
(3)
رواه البخاري في كتاب الجنائز باب ماجاء في عذاب القبرح (1369)(3/ 274) ورواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه ح (2871)(17/ 209).
(4)
المفهم (7/ 148).
(5)
رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله ح 121 (2/ 496).
قال القرطبي: "الميت ترد عليه روحه ويسمع حس من هو على قبره، وكلامهم، والملائكة تسأله في ذلك الوقت، وهذا كله إنما قاله عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن مثله لا يدرك إلَّا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فينبغي أن يرشد الميت في قبره حين وضعه فيه إلى جواب السؤال، ويذكر بذلك، فيقال له: قل: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد رسولي، فإنه عن ذلك يسأل كما جاءت به الأحاديث، وقد جرى العمل عندنا بقرطبة كذلك"
(1)
.
وقد ذهب إلى هذا القول بعض العلماء، منهم: الشنقيطي في أضواء البيان
(2)
.
وهذا فيه نظر لأنه لم يرد دليل صحيح صريح في المسألة والأصل فيها التوقف حتى يأتي دليل، وقد أرشد صلى الله عليه وسلم عند دفن الميت إلى الاستغفار له وسؤال التثبيت ولم يثبت أنه عليه الصلاة والسلام لقَّن ميتًا أو أمر بذلك.
وقد سُئِلَ شيخ الإسلام عن هذا التلقين فقال: "هذا التلقين المذكور قد نقل عن طائفة من الصحابة أنهم أمروا به كأبي أُمامة الباهلي وغيره، وروي فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه مما لا يحكم بصحته، ولم يكن كثير من الصحابة يفعل ذلك"
(3)
.
(1)
المفهم (1/ 332).
(2)
أضواء البيان (6/ 138).
(3)
الفتاوى (24/ 296).