الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يدان حقيقيتان، تليقان به سبحانه وتعالى.
إطلاق اليمين والشمال على يد الله تعالى:
جاءت النصوص من الكتاب والسنة بوصف يد الله سبحانه وتعالى بأنها يمين. قال تعالى: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}
(1)
، وقال صلى الله عليه وسلم:"يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة"
(2)
، وقال صلى الله عليه وسلم:"يقبض الله تبارك وتعالى الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض"
(3)
، وقال صلى الله عليه وسلم:"ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلَّا الطيب إلَّا أخذها الرحمن بيمينه"
(4)
، وقوله صلى الله عليه وسلم:"إن المقسطين عند الله تعالى على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين"
(5)
.
فإطلاق اليمين على يد الله تعالى بإجماع السلف لهذه النصوص الكثيرة الصريحة بإثباتها ولا يلتفت لمن خالف هذا ممن حاد عن مذهب السلف فعطل صفات الله تعالى.
والقرطبي والمازري، كما أوَّلا صفة اليد، فكذلك صرفا ما جاء في
(1)
سورة الزمر، آية:67.
(2)
رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب "وكان عرشه على الماء، وهو رب العرش العظيم" ح (7419)(13/ 415) ومسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على النفقة ح (993)(7/ 84).
(3)
رواه البخاري في كتاب التوحيد باب قول الله تعالى"ملك الناس" ح (7382)(13/ 379) ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار ح (2787)(17/ 137).
(4)
رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب قوله تعالى:{تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} ح (7430)(13/ 426) ومسلم في كتاب الزكاة باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها ح (1014)(7/ 102).
(5)
سبق تخريجه ص (527).
إثبات اليمين عن ظاهرها إلى تأويلات باطلة.
قال القرطبي عند شرحه لقوله عليه السلام: "عن يمين الرحمن"، "قال ابن عرفة
(1)
: يقال: أتاه عن يمين: إذا أتاه من الجهة المحمودة. قال المفسرون في قوله تعالى: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27)}
(2)
أي: أصحاب المنزلة الرفيعة وقيل غير هذا في الآية.
…
وقد توسعت العرب في اليمين فأطلقوه ولا يريدون به يمين الجارحة بل الجهة المحمودة والظفر بالخصلة الشريفة المقصودة، كما قال شاعرهم:
إذا ما رايةُ رُفعتْ لمجدٍ
…
تلقَّاها عَرَابةُ باليمين
(3)
والمجد: الشرف، ورايته عبارة عما يظهر من خصاله، وهما معنويان، فاليمين التي تُتلقى به تلك الراية معنوي لا محسوس، فأشبه ما يحمل عليه اليمين في هذا الحديث ما قاله ابن عرفة"
(4)
.
وعند قوله صلى الله عليه وسلم: "يمين الله ملأى" قال: "نسبة اليمين إلى الله تعالى نسبة مجازية توسعية عبر بها عن كثرة العطاء والقدرة عليه، وحمل على هذه الاستعارة عادة التخاطب وحصول التفاهم"
(5)
.
وقال المازري في شرح هذا الحديث: "هذا مما يتأول لأن اليمين التي هي جارحة إنما كانت يمينًا بنسبتها إلى الشمال فلا يوصف بها
(1)
أبو الحسن علي بن محمد الجرجاني الحناطي المعلم توفي في حدود سنة (420 هـ). سير أعلام النبلاء (217/ 421).
(2)
سورة الواقعة، آية:27.
(3)
البيت للشاعر المخضرم الشماخ بن ضرار الذبياني انظر: ديوان الشماخ ص (336).
(4)
المفهم (4/ 22) وانظر: (3/ 60).
(5)
المفهم (3/ 37).
تعالى؛ لأنها تتضمن إثبات شمال، وهذا يؤدي إلى التحديد ويتقدس الباري سبحانه عن أن يكون جسمًا محدودًا، وإنما خاطبهم صلى الله عليه وسلم بما يفهمونه إذ أراد الإخبار على أن الباري لا ينقصه الإنفاق، ولا يمسك خشية الإملاق، جلت قدرته وعظمت عن ذلك، وعبَّر عليه السلام عن قدرة الله سبحانه على توالي النعم بسح اليمين؛ إذ الباذل منَّا والمنفق يفعل ذلك بيمينه"
(1)
.
قال أبو يعلى في إبطال هذه التأويلات: "فإن قيل قوله: "عن يمين الرحمن" المراد به المنزلة الرفيعة، والمحل العظيم، قيل: هذا غلط؛ لأنه لو أراد ذلك لقال: المقسطون في يمين الرحمن، ولأنه قال: "وكلتا يديه يمين" فلو كان المراد به المنزلة لم يكن لذكر اليد معنى. فإن قيل: حمله على ظاهره يستحيل على الله سبحانه؛ لأنه يؤدي إلى وصفه بالحد والجهة، قيل: لا يفضي إلى ذلك كما أن قوله: "ترون ربكم كما ترون القمر" حملناه على ظاهره، وإن كنا نعلم أن رؤية القمر في جهة محدودة والله تعالى لا في جهة
(2)
ولا محدود"
(3)
.
ولا شك أن المذهب الحق هو ما عليه أهل السنة والجماعة من إثبات اليمين لله سبحانه وتعالى.
قال الشيخ ابن باز رحمه الله رده على هذه التأويلات الباطلة المنكرة لوصف يد الله تعالى باليمين والتي ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري عند قوله صلى الله عليه وسلم: "ما تصدق أحد بصدقة
…
إلَّا أخذها الرحمن
(1)
المعلم (2/ 14).
(2)
نفي الجهة عن الله من الألفاظ المحدثة التي تحتمل الحق والباطل وسيأتي التفصيل في ذلك.
(3)
ابطال التأويلات (1/ 181، 182) بتصرف.
بيمينه"
(1)
: "هذه التأويلات ليس لها وجه، والصواب إجراء الحديث على ظاهره، وليس في ذلك بحمد الله محذور عند أهل السنة والجماعة؛ لأن عقيدتهم الإيمان بما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة من أسماء الله سبحانه وصفاته وإثبات ذلك لله على وجه الكمال مع تنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقات، وهذا هو الحق الذي لا يجوز العدول عنه. وفي هذا الحديث دلالة على إثبات اليمين لله سبحانه، وعلى أنه يقبل الصدقة عن الكسب الطيب ويضاعفها"
(2)
.
وأما إثبات الشمال أو اليسار لله تعالى فقد وقع الخلاف فيه بين أهل السنة: فذهب البعض إلى جواز ذلك للحديث الذي أخرجه مسلم وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "يطوي الله عز وجل السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أين الجبَّارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله
…
"
(3)
، وقالوا: إن وصف إحدى اليدين باليمين كما جاءت في الأحاديث يقتضي أن الأخرى ليست يمينًا، فتكون شمالًا، وفي بعض الأحاديث تذكر اليمين ويذكر مقابلها:"بيده الأخرى" وهذا يعني أن الأخرى ليست اليمين فتكون الشمال، فيكون موافقًا لما جاء في هذا الحديث. وممن قال بهذا الدارمي وأبو يعلى، وصديق خان
(4)
،
(1)
سبق تخريجه ص (531).
(2)
فتح الباري (329) هامش (1).
(3)
سبق تخريجه ص (531).
(4)
محمد صديق بن حسن الحسيني البخاري القنوجي المعروف بصديق حسن خان من العلماء الأمراء الذين سلكوا منهج السلف ودافعوا عنه في القرن الثالث عشر الهجري وساهم في نشره ما تولاه من مناصب رفيعة في حكومة بهوفال بالهند. مكثر من التأليف من مصنفاته: "فتح البيان في مقاصد القرآن"، "الدين الخالص"، "الروضة الندية شرح الدرة البهية" وغيرها توفي سنة (1307 هـ) معجم المؤلفين (3/ 358)، الأعلام (6/ 167).
والهراس، والغنيمان وغيرهم
(1)
.
وقالوا: إن قوله صلى الله عليه وسلم: "كلتا يديه يمين" لبيان تنزيهه تعالى عن النقص والضعف كما في أيدينا، الشمال من النقص وعدم البطش، فهو من إجلال الله وتعظيمه
(2)
.
وقال آخرون: منهم: ابن خزيمة، والبيهقي، والألباني
(3)
، وغيرهم
(4)
بأن كلتا يدي الله يمين لا شمال ولا يسار فيهما.
(1)
قال الشيخ محمد خليل هراس: يظهر أن المنع من إطلاق اليسار على الله عز وجل إنما هو على جهة التأدب فقط فإن إثبات اليمين وإسناد بعض الشؤون إليها كما في قوله تعالى: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} وكما في قوله عليه السلام: "إن يمين الله ملأى سحاء الليل والنهار" يدل على أن اليد الأخرى المقابلة لها ليست يمينًا انظر تعليقه على كتاب التوحيد، وانظر أقوال الآخرين في رد الدارمي على المريسي (2/ 698) وإبطال التأويلات لأبي يعلى (1/ 178) وقطف الثمر لصديق خان ص (66) وشرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (1/ 306).
(2)
انظر رد الدارمي على المريسي (2/ 698).
(3)
هو الشيخ العلم العلامة محدث العصر محمد ناصر الدين الألباني ولد سنة (1332 هـ) في ألبانيا ثم نزح إلى سوريا وتلقى العلم هناك حتى برز خصوصًا في علم الحديث جاء إلى المملكة مدرسًا في الجامعة الإسلامية سنة (1381 هـ) في أول تأسيسها ثم رجع إلى سوريا ثم استقر في الأردن له العديد من المؤلفات منها"سلسلة الأحاديث الصحيحة""سلسلة الأحاديث الضعفية""التوسل أنواعه وأحكامه""جلباب المرأة المسلمة" وغيرها، توفي رحمه الله في "عمَّان" بالأردن يوم السبت (22/ 6/ 1420 هـ).
(4)
سئل الشيخ الألباني رحمه الله: كيف نوفق بين رواية "بشماله" الواردة في حديث ابن عمر رضي الله عنهما وبين قوله صلى الله عليه وسلم "وكلتا يديه يمين".
فقال لا تعارض بين الحديثين بادئ بدء فقوله صلى الله عليه وسلم "وكلتا يديه يمين" تأكيد لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} فهذا الوصف الذي أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم تأكيد للتنزيه فيد الله ليست كيد البشر: شمال ويمين ولكن كلتا يديه سبحانه يمين.
وأمر أخر أن رواية "بشماله" شاذة كما بينتها في تخريج المصطلحات الأربعة الواردة في القرآن"، (رقم 1) للمودودي.
قال القرطبي في وصف يد الله تعالى بالشمال: "قوله: "ثم يطوي الأرض بشماله" كذا جاء في الرواية بإطلاق لفظ الشمال على يد الله تعالى، ولا يكاد يوجد في غير هذه الرواية، وإنما الذي اشتهر في الأحاديث "وبيده الأخرى" كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري، وقد تحرز النبي صلى الله عليه وسلم من إطلاق لفظ الشمال على الله تعالى، فقال: "وكلتا يديه يمين" لئلا يتوهم نقص في صفة الله تعالى، فإن الشمال في حقنا أضعف من اليمين وأنقص، فنفى النبي صلى الله عليه وسلم عن الله ذلك، لكنه جاء في هذا الحديث كما ترى على المقابلة المتعارفة في حقوقنا والله تعالى أعلم"
(1)
.
وقال المازري عند شرحه للحديث الذي فيه إثبات الشمال: "لما علم سبحانه أنا نحن نتناول ما نكرم باليمين، وما دونه بالشمال، وأنا نقوى بأيماننا على أشياء لا نقوى عليها بشمائلنا، وكانت السموات أعظم بما لا يتقارب ولا يتدانى من الأرضين، أضاف فعله فيها إلي اليمين وفعله في الأرض إلى الشمال على حسب ما قلناه، من أنا نحاول الأصعب باليمين، والأخف بالشمال، وإن كان الله سبحانه ليس شيء عليه أخف من شيء، ولا شيء أصعب من شيء، ولكنه تعالى خاطبنا بما نفهم، ولما ذكر اليد تمثيلًا أتم المعنى على التمثيل بعينه، ولا يبعد أن يكون في السموات ما هو أفضل من الأرض وكل ما فيها، لاسيَّما إذا قلنا بتفضيل الملائكة، أو يكون الباري سبحانه يفضل السموات لأمور تخفى عنا، فيكون أضافها إلى اليمين لما قلنا من اختصاص اليمين بالأشرف،
= ويؤكد هذا أن أبا داود رواه وقال: "بيده الأخرى" بدل "بشماله" وهو الموافق لقوله صلى الله عليه وسلم "وكلتا يديه يمين" والله أعلم. مجلة الأصالة العدد الرابع ص (68).
وانظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (1/ 159) والأسماء والصفات للبيهقي (2/ 138).
(1)
المفهم (7/ 392).