الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني الإيمان والإسلام
اختلف العلماء في الإسلام والإيمان، والعلاقة بينهما، فهل هما بمعنى واحد، أي الأسماء من باب الترادف أم لا؟ . على أقوالٍ:
القول الأول:
من قال إنهما بمعنى واحد، فهما مترادفان، فيطلق كل منها على الآخر، واستدلوا بأدلة من الكتاب والسنة، منها:
1 -
أن الله سبحانه وتعالى سمى الإسلام بما سمى به الإيمان، وسمى الإيمان بما سمَّى به الإسلام، وذلك كقول {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}
(1)
، وقوله تعالى:{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ}
(2)
، وقوله تعالى:{فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36)}
(3)
.
2 -
قول النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس بعد أن أمرهم بالإيمان بالله وحده "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم"
(4)
.
وممن قال بهذ القول الإمام البخاري إذ بوب في صحيحه في كتاب
(1)
سورة آل عمران، الآية:19.
(2)
سورة الأنعام، الآية:125.
(3)
سورة الذاريات، الآية: 35، 36.
(4)
سبق تخريجه ص (139).
الإيمان ما يدل على قوله بهذا
(1)
. ومحمد بن نصر المروزي
(2)
، وابن عبد البر وابن منده
(3)
، وابن حزم وغيرهم. وقد بوَّب ابن منده في كتابه "الإيمان" فقال: ذكر الأخبار الدالة والبيان الواضح من الكتاب أن الإيمان والإسلام اسمان لمعنى واحد
(4)
.
وقال ابن عبد البر: وعلى القول بأن الإيمان هو الإسلام جمهور أصحابنا وغيرهم من الشافعيين والمالكيين وهو قول داود وأصحابه، وأكثر أهل السنة والنظر المتبعين للسلف والأثر
(5)
.
وقال المروزي: وقالت طائفة وهم الجمهور الأعظم من أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث أن الإيمان الذي دعا الله العباد إليه وافترضه عليهم هو الإسلام الذي جعله دينًا وارتضاه لعباده ودعاهم إليه
(6)
.
القول الثاني:
من فرَّق بين الإسلام والإيمان، واستدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة، منها:
- قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا
(1)
كتاب الإيمان باب (37) فتح الباري (1/ 140).
(2)
هو محمد بن نصر المروزي الإمام الفقيه، الحافظ، إمام أهل الحديث في عصره، من تصانيفه:"تعظيم قدر الصلاة" و"القسامة"، توفي سنة (294 هـ) تهذيب التهذيب (3/ 717)، صفة الصفوة (4/ 147).
(3)
محمد بن إسحاق بن محمد بن منده الإمام الحافظ محدث الإسلام كان من أوسع العلماء رحلة، وأكثرهم حديثًا وشيوخًا توفي سنة (395 هـ). سير أعلام النبلاء (17/ 28)، تاريخ دمشق (52/ 29).
(4)
الإيمان لابن منده (1/ 321).
(5)
التمهيد (9/ 250).
(6)
تعظيم قدر الصلاة للمروزي (2/ 529).
يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}
(1)
.
وقالوا: إن هؤلاء ليسوا بمنافقين، إنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم.
وقوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}
(2)
.
- من السنة: ما ورد عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه سعد "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطًا وسعدٌ جالسٌ فيهم، قال سعدُ: فتركَ رسُول الله صلى الله عليه وسلم منهم من لم يُعطه، وهو أعجبهم إليَّ، فقلتُ: يارسول الله ما لكَ عن فُلان؟ فوالله إنى لأرَاهُ مؤمنًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مُسلمًا"
(3)
.
وحديث جبريل عليه السلام حينما سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام، فاختلفت الإجابة
(4)
.
وممن قال بهذا ابن عباس والحسن وابن سيرين
(5)
، والزهري
(6)
، والإمام أحمد، وغيرهم.
قال الزهري: "الإسلام الكلمة والإيمان العمل"
(7)
.
(1)
سورة الحجرات، الآية:14.
(2)
سورة الأحزاب، الآية:35.
(3)
أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة ج (27)، (1/ 99)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تألف من يخاف على إيمانه لضعفه ح/ 150، (2/ 539).
(4)
سبق تخريجه (ص 137).
(5)
أبو بكر محمد بن سيرين البصري مولى أنس بن مالك رضي الله عنه، من أئمة التابعين، كان ثقة، ثبتًا، عالمًا، توفي بالبصرة سنة (110 هـ)، سير أعلام النبلاء (4/ 606)، تهذيب التهذيب (3/ 585).
(6)
محمد بن مسلم بن عبيد الله القرشي الزهري من أعلام التابعين الحفاظ متفق على جلالته وإتقانه، توفي سنة (125 هـ). حلية الأولياء (3/ 360)، صفة الصفوة (2/ 136).
(7)
الإيمان لابن منده (1/ 311).
وقال عبد الملك الميموني
(1)
: "سألت أحمد بن حنبل: أتفرق بين الإيمان والإسلام، فقال لي: نعم، قلت بأي شيء تحتج؟ فقال لي: قال الله عز وجل: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}
(2)
قال: وأقول أنا مؤمن إن شاء الله، وأقول أنا مسلم ولا أستثني"
(3)
.
القول الثالث:
إن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا دلَّ كلٌّ منهما على معنى يختلف عن الآخر، وإذا افترقا دلَّ كل منهما على ما يدل عليه الآخر، فإذا اجتمعا فيفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالأعمال القلبية. واستدلوا على ذلك بالأدلة السابقة في القول الثاني، ولكنهم زادوا على القول السابق بهذا التفصيل.
وممَّن قال بهذا أبو بكر الإسماعيلي
(4)
والخطابي
(5)
، وابن رجب، وابن تيمية وغيرهم.
قال أبو بكر الإسماعيلي: "قال كثير من أهل السنة والجماعة أن
(1)
هو عبد الملك بن عبد الحميد بن ميمون بن مهران الميموني ثقة، فاضل، لازم الإمام أحمد أكثر من عشرين سنة توفي سنة (274 هـ). سير أعلام النبلاء (13/ 89)، تهذيب التهذيب (3/ 585).
(2)
سورة الحجرات، الآية 14.
(3)
الإيمان لابن منده (1/ 311) والسنة للخلال (3/ 604).
(4)
هو أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني أبو بكر الإسماعيلي أحد الأئمة الأعلام، توفي سنة (371). سير أعلام النبلاء (16/ 292)، طبقات الحفاظ ص (399)، ترجمة (867).
(5)
هو حمد وقيل أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي الشافعي محدث فقيه، لغوي، من مصنفاته "معالم السنن" و"شأن الدعاء" وغيرها، توفي سنة (388 هـ). طبقات الحفاظ ص (420) ترجمة (917)، البداية والنهاية (11/ 346).
الإيمان قولٌ وعمل، والإسلام فعل ما فرض الله على الإنسان أن يفعله إذا ذكر كل اسم على حدته مضمومًا إلى الآخر، فقيل: المؤمنون والمسلمون جميعًا مفردين أريد بأحدهما معنى لم يرد بالآخر، وإذا ذكر أحد الاسمين شمل الكل وعمَّهم، وقد ذكر هذا المعنى أيضًا الخطَّابي في كتابه معالم السنن وتبعه عليه جماعة من العلماء من بعده"
(1)
.
وقال ابن رجب: "هكذا اسم الإسلام والإيمان، والاسمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده ودل الآخر على الباقي"
(2)
.
وقال أيضًا: "إذا أُفرد كلٌّ من الإسلام والإيمان بالذكر، فلا فرق بينهما حينئذ، وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق والتحقيق في الفرق بينها أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته، والإسلام هو استسلام العبد لله، وخضوعه وانقياده له، وذلك يكون بالعمل وهو الدين"
(3)
.
وقال ابن تيمية: "التحقيق ابتداءً هو ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الإسلام والإيمان، ففسَّر الإسلام: بالأعمال الظاهرة، والإيمان: بالإيمان بالأصول الخمسة، فليس لنا إذا جمعنا بين الإسلام والإيمان أن نجيب بغير ما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم، وأما إذا أفرد اسم الإيمان فإنه يتضمن الإسلام، وإذا أفرد الإسلام فقد يكون مع الإسلام مؤمنًا بلا نزاع، وهذا
(1)
جامع العلوم والحكم لابن رجب ص (34).
(2)
المرجع السابق ص (34).
(3)
جامع العلوم والحكم ص (35).
هو الواجب"
(1)
.
وهذا هو الراجح، جمعًا بين الأقوال، وهو الذي قال به القرطبي، إذ يقول:"الإيمان والإسلام حقيقتان متباينتان، لغة وشرعًا، كما دل عليه حديث جبريل هذا وغيره، وهذا هو الأصل في الأسماء المختلفة، أعني: أن يدل كل واحد منهما على خلاف ما يدل عليه الآخر، غير أنه قد توسع الشرع فيهما فأطلق اسم الإيمان على حقيقة الإسلام، كما في حديث وفد عبد القيس، وكقوله: "الإيمان بضع وسبعون بابًا أدناها إماطة الأذى عن الطريق وأرفعها قول لا إله إلَّا الله"
(2)
وقد أطلق الإسلام مريدًا مسمى الإسلام والإيمان بمعنى التداخل، كقوله تعالى:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}
(3)
. وقد أطلق الإيمان كذلك أيضًا، كما روي من حديث علي مرفوعًا "الإيمان اعتقادٌ بالقلب وإقرار باللسان، وعمل بالأركان"
(4)
"
(5)
.
والمازري أخذ بالقول الثاني، ففرَّق بين الإسلام والإيمان، ولكنه لم يذكر هذا التفصيل الذي قال به أصحاب القول الثالث، فعند شرحه لحديث سعد بن أبي وقَّاص الذي قال فيه:"يا رسول الله إني لأراه مؤمنًا، قال عليه الصلاة والسلام: أو مسلمًا"
(6)
حيث قال: "قوله صلى الله عليه وسلم: "أو مسلمًا" دليل على التفرقة بين الإسلام والإيمان؛ لأن الإيمان التصديق، والإسلام الاستسلام والانقياد إلى الشرائع، والإيمان شعبة من ذلك، فكل إيمانٍ إسلام، وليس كل إسلام إيمانًا؛ لأنه قد ينقاد في الظاهر وهو
(1)
الإيمان لابن تيمية ص (204).
(2)
سبق تخريجه ص (138).
(3)
سورة آل عمران، الآية:19.
(4)
سبق تخريجه ص (138).
(5)
المفهم (1/ 140).
(6)
سبق تخريجه ص (155).
منافق، قال تعالى:{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا}
(1)
"
(2)
.
وهذا الذي ذكره المازري قاله ابن الصلاح، وبيَّن أنه قول جماهير العلماء، حيث قال:"وحققناه أن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان، وأن لك مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا، وهذا تحقيق واف بالتوفيق بين متفرقات النصوص الواردة في الإيمان والإسلام التي طالما غلط فيها الخائضون، وما حققناه من ذلك موافق لمذاهب جماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهما"
(3)
.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والرد إلى الله ورسوله في مسألة الإسلام والإيمان يوجب أن كلا من الاسمين -وإن كان مسماه واجبًا- لا يستحق أحد الجنة إلَّا بأن يكون مؤمنًا مسلمًا فالحق في ذلك ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل فجعل الدين وأهله ثلاث طبقات: أولها: الإسلام، وأوسطها: الإيمان، وأعلاها: الإحسان، ومن وصل إلى العليا فقد وصل إلى التي تليها، فالمحسن مؤمن، والمؤمن مسلم، وأما المسلم فلا يجب أن يكون مؤمنًا"
(4)
.
(1)
سورة الحجرات، الآية:14.
(2)
المعلم: 2/ 23.
(3)
الإيمان لابن تيمية ص (284).
(4)
المرجع السابق ص (281).