الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
برسول
…
قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ}
(1)
دليل على أن النبي مرسل ولا يسمى رسولًا عند الإطلاق لأنه لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفون أنه حق"
(2)
.
المطلب الثاني: فضل الأنبياء ومكانتهم:
إن مما يعلمه كل مسلم أن الله تعالى اصطفى هؤلاء الأنبياء واختارهم لحمل رسالته وإبلاغ دعوته فهم سفراء الله تعالى إلى خلقه جعلهم الله تعالى خيرة الخلق، وصفوة البشر، شرَّفهم بالنبوة، وأعطاهم الحكمة، ورزقهم قوة العقل، وسداد الرأي، فهم أئمة الدنيا والدين {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}
(3)
. من إكرام الله تعالى لهم أن وهبهم كمال الخَلقِ والخُلق فخصهم بصفات الكمال ونزههم عن صفات النقص والعيب. قال القرطبي: الله تعالى كمَّل أنبياءه خَلْقًا وخُلُقًا ونزههم في أول خلقهم من المعايب والنقائص المنفرة عن الاقتداء بهم المبعدة عنهم، ولذلك لم يسمع أنه كان في الأنبياء والرسل من خَلَقَه الله تعالى أعمى ولا أعور ولا أقطع ولا أبرص ولا أجذم ولا غير ذلك من العيوب والآفات التي تكون نقصًا ووصمًا يوجب لمن اتصف بها شينًا وذمًا ومن تصفح أخبارهم وعلم أحوالهم علم ذلك على القطع، وقد ذكر القاضي رحمه الله في الشفاء من هذا جملة وافرة
(4)
ولا يعترض عليها بعمى يعقوب وبابتلاء أيوب، فإن ذلك كان طارئًا عليهم محبة لهم وليقتدي بهم من ابتلي ببلاء في حالهم وصبرهم،
(1)
سورة الحج، الآية:52.
(2)
النبوات لابن تيمية ص (184، 185).
(3)
سورة السجدة، الآية:24.
(4)
أي القاضي عياض في كتابه "الشفاء بتعريف حقوق المصطفى".
وفي أن ذلك لم يقطعهم عن عبادة ربهم ثم إن الله تعالى أظهر كرامتهم ومعجزاتهم بأن أعاد يعقوب بصيرًا عند وصول قميص يوسف له، وأزال عن أيوب جذامه وبلاءه عند اغتساله من العين التي أنبع الله تعالى له عند ركضه الأرض برجله، فكان ذلك زيادة في معجزاتهم، وتمكينًا في كمالهم ومنزلتهم"
(1)
.
فحازوا صلوات الله وسلامه عليهم الخير من أطرافه والكمال البشري من جميع جوانبه، منّةً من الله سبحانه وفضلًا.
قال القرطبي: "النبوة لا يخص الله بها إلَّا من خصَّه بصفات كمال نوعه من المعارف والعلوم والفضائل والآداب، ونزهه عن نقائص ذلك، ولذا قال سبحانه:{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ}
(2)
، وقال:{اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}
(3)
، وقال تعالى لما ذكر الأنبياء:{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}
(4)
وقال: {كُلًّا هَدَيْنَا}
(5)
وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)}
(6)
فقد حصل من هذا: أن النبوة لم يخص الله بها إلَّا أكمل خلقه وأبعدهم عن النقائص ثم: إنه لما شرفهم بالنبوة حصلت لهم بذلك على جميع نوعهم الخصوصية"
(7)
.
فالأنبياء عليهم السلام أفضل الناس وأشجع الناس وأتقى الناس لله تعالى وأعلمهم به. قال القرطبي: "الأنبياء أفضل الناس وأعلمهم بالله
(1)
المفهم (6/ 189).
(2)
سورة الحج، آية:75.
(3)
سورة الأنعام، الآية:124.
(4)
سورة الأنعام، الآية:90.
(5)
سورة الأنعام، الآية:84.
(6)
سورة القلم، الآية:4.
(7)
المفهم (6/ 17).
وبحدوده"
(1)
، وقال:"ومن المعلوم حال الأنبياء عليهم السلام وشجاعتهم وثقتهم بوعد الله ورغبتهم في الشهادة وفي لقاء الله ولم يثبت قط عن واحد منهم أنه فر أو انهزم"
(2)
.
ولذا حق علينا تعظيم هؤلاء الأنبياء واحترامهم وتنزيههم عن صفات النقص وعن الصفات الذميمة.
وقد رد القرطبي رحمه الله على من زل قلمه فجاءت عبارته بما لا يتناسب مع مقام الأنبياء، ولا يليق بمكانتهم، حيث قال: "ويعفو الله عن الحريري
(3)
فإنه تسخَّف في هذه الآية
(4)
وتمجَّن فاستدل بها على الكُدْيَة
(5)
والإلحاح فيها، وأن ذلك ليس بعيب على فاعله، ولا منقصة عليه، فقال:
فإن رُدِدْت فما بالردِّ مَنْقَصَةٌ
…
عليك قَدْ رُدَّ موسى قَبْلُ والخَضرُ
(6)
هذا لعبٌ بالدين وانسلال عن احترام النبيين فهي: شنشنة أَدبية، وهفوة سخافية، ويرحم الله السلف الصالح فإنهم بالغوا في وصية كل ذي عقل راجح، فقالوا: مهما كنت لاعبًا بشيء فإياك أن تلعب بدينك
(7)
.
(1)
المفهم (3/ 575).
(2)
المفهم (3/ 620).
(3)
هو أبو محمد القاسم بن علي بن محمد البصري الحرامي - نسبة إلى محلة بالبصرة - الحريري صاحب المقامات أديب لغوي بليغ، توفي سنة (516 هـ). سير أعلام النبلاء (19/ 460).
(4)
وهي قوله تعالى عن موسى والخضر {اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا} الكهف: 77.
(5)
الكُدْية: الإلحاح في السؤال، انظر: لسان العرب (15/ 216).
(6)
مقامات الحريري ص (326).
(7)
المفهم (6/ 208).