الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشرعية، يتبين بطلان ما ذهب إليه المتأولون، وصحة ما ذهب إليه السلف الصالحون، من إثبات هذه الصفة على الوجه اللائق به سبحانه، إيمانًا واعتقادًا وتسليمًا، والسلامة في اتباع منهج السلف السالمين من التعطيل والتمثيل.
صفة السَّاق:
صفة من صفات الله تعالى الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة، قال تعالى:{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42)}
(1)
، وقال صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل: "
…
فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن"
(2)
.
وإن كان في الآية خلاف من ناحية دلالتها على هذه الصفة فالحديث نص صريح في إثباتها ولذا فمذهب أهل السنة والجماعة إثبات هذه الصفة لله تعالى على الوجه الذي يليق به سبحانه.
وقد ذكر شيخ الإسلام هذا فقال عند قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} : الصحابة قد تنازعوا في تفسير هذه الآية، هل المراد به الكشف عن الشدة، أو المراد أنه يكشف الرب عن ساقه؟ ولم تتنازع الصحابة والتابعون فيما ذكر من آيات الصفات إلَّا في هذه الآية، بخلاف قوله:{لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}
(3)
(4)
…
ونحو ذلك فإنه لم يتنازع فيها الصحابة والتابعون، وذلك أنه ليس في ظاهر القرآن أن ذلك صفة لله
(1)
سورة القلم، آية:42.
(2)
رواه البخاري في كتاب التوحيد باب {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ح (7439)(13/ 431) ومسلم في كتاب الإيمان باب معرفة طريق الرؤية ح (183)(3/ 30).
(3)
سورة ص، الآية:75.
(4)
سورة الرحمن، الآية:27.
تعالى؛ لأنه قال: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} ولم يقل: عن ساق الله ولا قال: يكشف الرب عن ساقه وإنما ذكر ساقًا نكرة غير معرفة، ولا مضافة، وهذا اللفظ بمجرده لا يدل على أنها ساق الله والذين جعلوا ذلك من صفات الله تعالى أثبتوه بالحديث الصحيح المفسر للقرآن وهو حديث أبي سعيد الخدري المخرج في "الصحيحين" الذي قال فيه:"فيكشف الرب عن ساقه"، وقد يقال: إن ظاهر القرآن يدل على ذلك من جهة أنه أخبر أنه يكشف عن ساق، ويدعون إلى السجود والسجود لا يصلح إلَّا لله فعلم أنه هو الكاشف عن ساقه، وأيضًا فحمل ذلك على الشدة لا يصح؛ لأن المستعمل في الشدة أن يقال: كشف الله الشدة أي: أزالها، كما قال:{فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50)}
(1)
وقال: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ}
(2)
(3)
وإذا كان المعروف من ذلك في اللغة أن يقال: كشف الشدة، أي: أزالها، فلفظ الآية:{يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} وهذا يراد به الإظهار والإبانة، كما قال:{كَشَفْنَا عَنْهُمُ} وأيضًا فهناك تحدث الشدة لا يزيلها فلا يكشف الشدة يوم القيامة لكن هذا الظاهر ليس ظاهرًا من مجرد لفظة "ساق" بل با لتركيب والسياق وتدبر المعنى المقصود
(4)
.
والقرطبي عفا الله عنه أوَّل هذه الصفة وصرفها عن ظاهرها بشرحه
(1)
سورة الزخرف، آية:50.
(2)
سورة الأعراف، آية:135.
(3)
سورة المؤمنون، آية:75.
(4)
نقض أساس التقديس لابن تيمية ورقة نقلًا عن صفات الله الواردة في الكتاب والسنة لعلوي السقاف ص (137) ووجدت كلامًا له قريبًا من هذا في دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية للدكتور محمد السيد الجليند (3/ 482) ولابن القيم أيضًا كلامًا مشابهًا لهذا في الصواعق المرسلة (1/ 252).
للحديث الصحيح الذي أجمع السلف على أن فيه إثباتًا لصفة "الساق" لله تعالى.
قال القرطبي: "فيكشف عن ساق، أي: يوضح الحق، ويتجلى لهم الأمر، فيرونه حقيقة معاينة، وكشف الساق: مثل تستعمله العرب في الأمر إذا حق ووضح، واستقر، تقول العرب: كشفت الحرب عن ساقها، إذا زالت مخارقها وحقت حقائقها وقال:
وكُنتُ إذا جاري دعا لمَضُوفَةٍ
(1)
…
أُشمِّر حتى ينصُفَ الساقَ مِئزَري
(2)
(3)
وأما العلماء الذين عدوا الآية من آيات الصفات فبين ابن القيم وجهتهم بقوله: "والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن، وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته، وهو حديث الشفاعة الطويل وفيه: "فيكشف الرب عن ساقه فيخرون له سجَّدًا" ومن حمل الآية على ذلك قال: قوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ} مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم: "فيكشف عن ساقه فيخرون له سجدًا" وتنكيره للتعظيم والتفخيم، كأنه قال: يكشف عن ساق عظيمة جلَّت عظمتها، وتعالى شأنها أن يكون لها نظير أو مثيل، أو شبيه قالوا: وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه، فإن لغة القوم في مثل ذلك أن يقال:{فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50)}
(4)
وقال: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ}
(5)
فالعذاب والشدة هو المكشوف، لا المكشوف عنه، وأيضًا فهناك تحدث الشدة وتشتد ولا تزال إلَّا بدخول الجنة، وهناك
(1)
أي: أمر شديد ضافه ونزل به وشق عليه.
(2)
البيت لأبي جندب الهذلي من شعراء الجاهلية. انظر: ديوان الهذليين (1/ 358).
(3)
المفهم (1/ 417).
(4)
سورة الزخرف، آية:50.
(5)
سورة المؤمنون، آية:75.