الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اعترف بأن الله قادر بلا قدرة، وعالم بلا علم، ومريد بلا إرادة، فهل يكفر أم لا؟ ولا يختلف المسلمون أن من جهل أو شك في كون الباري تعالى عالمًا به، وقادرًا على إعادته كافر حلال الدم في الدنيا، مخلد في النار في الآخرة؛ لأن ذلك معلوم من الشرع بالضرورة، وجحده أو الشك فيه تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم قطعًا"
(1)
.
صفة الإرادة:
صفة ذاتية لازمة لله تعالى، قال جل وعلا:{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا}
(2)
، وقال سبحانه وتعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)}
(3)
. وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم"
(4)
.
والقرطبي قد أثبت هذه الصفة تبعًا للأشاعرة، بل إن الأشاعرة صرفوا كثيرًا من صفات الله تعالى إلى هذه الصفة، فقالوا عن محبة الله: إنها إرادة إكرام من يحب، وعن غضبه تعالى: إرادة الانتقام، وهكذا.
وقد سبق في صفة العلم والقدرة نقل النصوص عن القرطبي في إثبات هذه الصفة، وفي تكفير من قال: إن الله مريد بلا إرادة.
وقد أنكر القرطبي والمازري تسمية إرادة الله تعالى عزمًا، حيث قال القرطبي: "عزم الله لي. أي: خلق فيَّ قصدًا مؤكدًا، وهو العزم، لا
(1)
المفهم (7/ 75).
(2)
سورة الأنعام، آية:125.
(3)
سورة المائدة، آية:1.
(4)
أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت ح (2879)(17/ 215).
أن إرادة الله تسمى عزمًا لعدم الإذن في ذلك"
(1)
.
وقال المازري عند قول مسلم "عزم الله لي": "لا يظن بمسلم أنه أراد لو عزم الله لي عليه لأن إرادة الله سبحانه لا تسمى عزمًا ولعله أراد سهل لي سبيل العزم، أو خلق في قدرة عليه"
(2)
.
وقد جاء هذا اللفظ في قول أم سلمة رضي الله عنها في صحيح مسلم قالت: " .. فلما توفي أبوسلمة قلت: من خير من أبي سلمة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عزم الله لي فقلتها
(3)
. قالت: فتزوجت رسول الله صلى الله عليه وسلم"
(4)
.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهل يجوز وصفه بالعزم؟ فيه قولان: أحدهما: المنع كقول القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى. والثاني: الجواز وهو أصح فقد قرأ جماعة من السلف {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}
(5)
بالضم، وفي الحديث الصحيح من حديث أم سلمة:"ثم عزم الله لي"، وكذلك في خطبة مسلم:"فعزم لي"
(6)
.
والعزم في حق المخلوقين عقد القلب على إمضاء الأمر، ولا نقول في حق الله كيف؟ بل نثبته على وجه يليق بجلاله وعظمته {لَيْسَ كَمِثْلِهِ
(1)
المفهم (2/ 57).
(2)
المعلم (1/ 182).
(3)
أي قالت: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، لقوله عليه الصلاة والسلام:"ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلفني خيرًا منها: إلَّا أخلف الله له خيرًا منها" وهو نفس الحديث المخرج بعده.
(4)
رواه مسلم في كتاب الجنائز باب ما يقال عند المصيبة ح (918)(6/ 476).
(5)
سورة آل عمران، آية:159.
(6)
الفتاوى (16/ 303).
شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)}
(1)
(2)
.
ولكن مع إثبات الأشاعرة للصفات السبع، فهم لا يتفقون في إثباتهم مع أهل السنة، وذلك أنهم قالوا بنفي حلول الحوادث بذات الله تعالى، أي: نفي ما يتعلق بالله من الصفات الفعلية والاختيارية التي تقوم بذاته، وهذا قالوه بناء على دليل حدوث الأجسام، وأن ما حلت به الحوادث فهو حادث، ووجدوا أن إثبات هذه الصفات - عدا الحياة - يلزم منه حلول الحوادث بالله؛ لأنه مع وجود المخلوقات توجد معلومات ومرادات ومسموعات ومبصرات ومقدرات، وكذا إذا كلم بعض رسله أو أوحى إليهم، وصلة هذه بالله تعالى يلزم منها ما يسمونه بحلول الحوادث بالله تعالى؛ لأن علم الله بالشيء بعد وجودهِ ليس هو نفس علمه بعد وجوده، لم يتجدد له فيه نعت ولا صفة، وإلّا صار جهلًا، وهكذا بقية الصفات، فحاولوا حل هذه المعضلة - بزعمهم - بأن قالوا بأزلية هذه الصفات، وأنها لازمة لذات الله أزلًا وأبدًا، وقالوا: إنه لا يتجدد لله عند وجود هذه الموجودات نعت ولا صفة، وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والمعلوم فقط، ولا شك أن هذا من مخالفة العقل والنقل؛ لأن العلم بالشيء بعد وجوده ليس كالعلم به قبل وجوده، وقد ذكر الله تعالى علمه بما يكون في بضعة عشر موضعًا مع أنه تعالى قد أخبر أن علمه قد أحاط بكل شيء قبل كونه"
(3)
.
وقد رد عليهم شيخ الإسلام بتخبطهم هذا بكلام يطول ذكره
(4)
.
(1)
سورة الشورى، آية:11.
(2)
صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة لعلوي السقاف ص (181).
(3)
موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود (3/ 1054).
(4)
انظر: رسالة في تحقيق علم الله، لابن تيمية، جامع الرسائل (1/ 177)، والفتاوى (8/ 8)(16/ 301) والرد على المنطقيين ص (465).