الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للأجسام الظاهرة والأعضاء الظاهرة، ومال بعض المتكلمين من أئمتنا إلى أنه الأظهر فيه أنه جسم لطيف خلقه الباري تعالى وأجرى العادة بأن الحياة لا تكون مع فقده، وإذا شاء موت إنسان أعدم هذا الجسم منه إعدام الحياة، وهذا الجسم إن كان حيًّا فلا يحيى إلَّا بحياة تختص به أيضًا، وهو مما يصح صرف القبض إليه والبلوغ إلى مكان ما من الجسم وكونه في مكان في العالم أو حواصل طير إلى ذلك، مما وقع في الظواهر، ويصح في العقل صرف ما أشرنا إليه من الظواهر إلى غيره من جواهر القلب أو الجسم الحية، والمسألة تحتمل الاتساع الكثير، وإنما ذكرنا في هذا الموضع ما يليق به"
(1)
.
هذا هو منهج المتكلمين في هذه المسألة والأصل في ذلك أن هذه المسائل من الأمور الغيبية التي يوقف فيها عند النصوص الشرعية إذ هو مما استأثر الله تعالي بعلمه كما ذكره القرطبي رحمه الله ضمن الأقوال، فنكتفي بهذا في هذه المسألة ونكل العلم لله سبحانه وتعالى.
مستقر الأرواح بعد مفارقة الأبدان:
مذهب أهل السنة بقاء الأرواح بعد فراق الأجساد بمعنى أنها لا تفنى، قال شيخ السلام:"الأرواح مخلوقة بلا شك، وهي لا تعدم، ولا تفنى، ولكن موتها مفارقة الأبدان، وعند النفخة الثانية تعاد الأرواح إلى الأبدان"
(2)
.
وأما من قال بانتقال الأرواح بعد فراقها للأبدان إلى أبدان أخرى فهو معلوم البطلان هو القول بالتناسخ، وقد رد عليه القرطبي وبين فساده وكفره حيث قال: "لا يلتفت لقول التناسخية القائلين بأن الأرواح
(1)
المعلم (3/ 202).
(2)
الفتاوى (4/ 279).
تنتقل إلى أجساد أُخر، فأهل السعادة ينقلون إلى أجساد حسنة مشرقة مرفهة، فتتنعم بها، وأهل الشقاء تنقل أرواحهم إلى أجسام خسيسة قبيحة فتعذب فيها، حتى إذا استوفت أمد عقابها رجعت إلى أحسن بنية وهكذا أبدًا، وهذا معنى الإعادة والثواب والعقاب عندهم، وهو مناقض لما جاءت به الشريعة، ولما أجمعت الأمة عليه، ومعتقده يكفر قطعًا، فإنه أنكر ما علم قطعًا من إخبار الله تعالى وإخبار نبيه صلى الله عليه وسلم عن أمور الآخرة، وعن تفاصيل أحوالها، وأن الأمر ليس على شيء مما قالوه فالتناسخ والقول به باطل محال عقلًا"
(1)
.
فالسؤال أين تكون هذه الأرواح بعد مفارقتها للأبدان؟
هذا مما وقع فيه الخلاف، وتعددت فيه الأقوال:
فقيل: إن الأرواح تكون على أفنية القبور، وقد تفارقها، وقيل: تسرح حيث شاءت، وقيل: تجتمع في موضع من الأرض، والقول الصحيح في هذه المسألة التفصيل:
فأرواح الأنبياء عليهم السلام في أعلى عليين، وقد ثبت في الصحيح أن آخر كلمة قالها صلى الله عليه وسلم عند موته:"اللهم الرفيق الأعلى"
(2)
أما أرواح الشهداء فالصحيح أنها في الجنة، كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن حياة الشهداء في قوله تعالى:{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)}
(3)
حيث قال: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك
(1)
المفهم (3/ 718).
(2)
أخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ح 6509 (11/ 365).
(3)
سورة آل عمران، الآية:169.
القناديل"
(1)
.
وأما غير الشهداء من المؤمن فقد جاء في الحديث أن "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه"
(2)
. فالبعض فهم من هذا الحديث أن أرواح المؤمنين في الجنة كالشهداء والقرطبي جعل المقصود بهذا الحديث المؤمن الشهيد كما سيأتي بيانه.
وأما أرواح الكافرين ففي النار قال شيخ الإسلام: "أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكافرين في النار، تنعم أرواح المؤمنين وتعذب أرواح الكافرين إلى أن تعاد إلى الأبدان"
(3)
.
وقد بيَّن الحافظ ابن رجب الفرق بين أرواح الشهداء وأرواح عامة المؤمنين من غير الشهداء، مع أنهما جميعًا في الجنة
(4)
.
ومع كون الروح في مستقرها، فإن لها تعلقًا بالبدن في أوقات وعلى كيفيات الله أعلم بحقيقتها
(5)
.
وقد قال القرطبي في هذه المسألة عند شرحه للحديث الذي فيه أن أرواح الشهداء في جوف طير خضر في الجنة، حيث قال: "تضمن هذا الحديث معنى قوله تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)}
(6)
.
(1)
رواه مسلم في كتاب الإمارة، باب أرواح الشهداء في الجنة ح 1887 (13/ 34).
(2)
رواه أحمد في مسنده (3/ 355)، وابن ماجة في كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (2/ 694) حديث 995.
(3)
الفتاوى (14/ 311).
(4)
أهوال القبور لابن رجب ص (125، 126).
(5)
انظر: شرح الطحاوية (2/ 578).
(6)
سورة آل عمران، الآية:169.
وأن معنى حياة الشهداء أن لأرواحهم من خصوص الكرامة ما ليس لغيرهم بأن جعلت في جوف طير كما في هذا الحديث، أو في حواصل طير خضر، كما في الحديث الآخر، صيانة لتلك الأرواح، ومبالغة في إكرامها لاطلاعها على ما في الجنة من المحاسن والنعم
…
وأما اللذات الجسمانية، فإذا أعيدت تلك الأرواح إلى أجسادها استوفت من النعيم جميع ما أعد الله تعالى لها، وهذا مخصوص بالشهداء"
(1)
.
ورجَّح القرطبي تخصيص هذا بالشهيد، وأما المؤمن غير الشهيد، فلا تكون روحه في الجنة، بل يطَلِع على منزلته في الجنة دون أن يباشر هذا أو يشاهده، وروح الكافر كذلك تشاهد ما أُعد لها من العذاب، وتتألم بذلك حيث قال:"قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في ثمر الجنة" فالمراد بالمؤمن هنا: الشهيد
…
وقد دلَّ على صحة هذا قوله في الحديث الآخر: "إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده غدوةً وعشيًا: إمالنار وإما الجنة فيقال: هذا مقعدك حتى تبعث إليه"
(2)
فالمؤمن غير الشهيد هو الذي يعرض عليه مقعده من الجنة، وهو في موضعه من القبر أو الصُّور أو حيث شاء الله تعالى غير سارح في الجنة، ولا داخل فيها، وإنما يدرك منزلته فيها بخلاف الشهيد، فإنه يباشر ذلك ويشاهده، وهو فيها على ما تقدم، وكذلك أرواح الكفار تشاهد ما أعد الله لها من العذاب عند عرضِ ذلك عليها، كما قال تعالى في آل فرعون:{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)}
(3)
وعند هذا العرض تدرك روح الكافر من الألم والتخويف والحزن والعذاب بالانتظار
(1)
المفهم (3/ 715).
(2)
رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب سكرات الموت ح 6515 (11/ 369).
(3)
سورة غافر، الآية:46.
ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فنسأل الله العافية، كما أنه يحصل للمؤمن عند عرض الجنة من الفرح والسرور والتنعم بانتظار المحبوب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فإذا أُعيدت الأرواح إلى الأجساد استكمل كل فريق منهم ما أعد الله له وبهذا الذي ذكرناه تلتئم الأحاديث وتتفق، والله الموفق"
(1)
.
(1)
المفهم (3/ 716).