الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والتعطيل"
(1)
.
وقال ابن رجب: "أما طريقة أئمة أهل الحديث وسلف الأمة فهي إقرار النصوص، وإمرارها كما جاءت، ونفي الكيفية عنها، والتمثيل
…
ومن قال: الظاهر منها غير مراد، قيل له: الظاهر ظاهران، ظاهر يليق بالمخلوقين، ويختص بهم، فهو غير مراد، وظاهر يليق بذي الجلال والإكرام، فهو مراد، ونفيه تعطيل
…
وأهل العلم والإيمان يعلمون أن ذلك كله متلقى مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن ما جاء به من ذلك عن ربه فهو الحق الذي لا مزيد عليه، ولا عدول عنه، وأنه لا سبيل إلى تلقي الهدى إلَّا منه، وأنه ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم الصحيحة ما ظاهره كفر أو تشبيه أو مستحيل، بل كل ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه حق وصدق، يجب اعتقاد ثبوته مع نفي التمثيل عنه، فكما أن الله ليس كمثله شيء في ذاته، فكذلك في صفاته"
(2)
.
والنصوص عن السلف في هذا كثيرة متواترة لا مجال لجمعها، وإنما ذكرت إشارات وإلماحات لما عليه السلف من الاعتقاد في الصفات.
المطلب الثاني: منهجهما في الصفات وموقفهما من ظواهر النصوص:
القرطبي والمازري -عفا الله عنهما- على منهج الأشاعرة في صفات الله تعالى، وهو إثبات الصفات السبع، وهي: الحياة والعلم، والقدرة، والكلام، والسمع والبصر، والإرادة على مخالفة لأهل السنة في إثباتها. وتأويل باقي الصفات أو تفويض العلم بها.
(1)
التدمرية ص (6، 8).
(2)
فتح الباري لابن رجب (7/ 233، 234).
وللقرطبي كلامٌ جميل عند ردّه على المتكلمين ليته التزم به حيث قال: "بحث المتكلمون عن كيفية تعلقات صفات الله تعالى وتقديرها واتخاذها في أنفسها، وأنها هي الذات أو غيرها إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة التي لم يأمر الشرع بالبحث عنها، وسكت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن سلك سبيلهم عن الخوض فيها لعلمهم بأنها بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته، فإن العقول لها حد تقف عنده وهو العجز عن التكييف لا يتعداه، ولا فرق بين البحث في كيفية الذات وكيفية الصفات، ولذلك قال العليم الخبير:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)}
(1)
ونقطع بوجود الخالق المنزه عن صفات المخلوقات المقدس عن أحوالها الموصوف بصفات الكمال اللائق به، ثم مهما أخبرنا الصادقون عنه بشيء من أوصافه وأسمائه قبلناه واعتقدناه وما لم يتعرضوا له سكتنا عنه، وتركنا الخوض فيه هذه طريقة السلف وما سواه مهاوٍ وتلف"
(2)
.
وهذا منهج سلفي صرف، لكنه رحمه الله عند التطبيق سلك مسلك المؤولين، وسار على طريقة المتكلمين مخالفًا ما جاء عن السلف وما عليه الأثبات من الخلف.
والقرطبي والمازري رحمهما الله منهجهما في الصفات بين التأويل والتفويض، مع رمي السلف بالتشبيه والتجسيم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
التأويل: التأويل هو: صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر
(3)
.
(1)
سورة الشورى، آية:11.
(2)
المفهم (6/ 690، 691) بتصرف.
(3)
انظر: تعريفات التأويل في: موقف المتكلمين من نصوص الكتاب والسنة، لسليمان الغصن (1/ 497).
وما سلكه الأشاعرة تبعًا لمن قبلهم من الجهمية والمعتزلة هو من التأويل الفاسد المذموم الذي ليس عليه دليل من كتاب أو سنة؛ لأن هؤلاء اتخذوا من التأويل الفاسد متكأً لتبرير الأصول التي أصَّلوها واعتقدوها واخترعوا لأجل ذلك قوانين عقلية، وأصولًا كلامية، جعلوها الحكم في فهم الدين، والفيصل في معرفة الحق من الباطل، فمتى ظهرت مسألة رجعوا إلى معقولاتهم، وخواطرهم، وآرائهم، فطلبوا الدين من قبلها، فإذا سمعوا شيئًا من الكتاب والسنة عرضوه على معيارهم، فإن استقام قبلوه، وإلَّا حرَّفوه بالتأويلات البعيدة، والمعاني المستكرهة، فحادوا عن الحق وزاغوا عنه"
(1)
.
قال ابن القيم: "والتأويل الذي يخالف ما دلَّت عليه النصوص وما جاءت به السنة هو التأويل الفاسد"
(2)
.
والتأويل يطلق مشتركًا بين ثلاثة معان:
الأول: أنه الحقيقة التي يؤول إليها الأمر وهذا هو معناه في القرآن.
الثاني: يُراد به التفسير والبيان.
الثالث: معناه المتعارف في اصطلاح الأصوليين وهو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى محتمل مرجوح بدليل يدل على ذلك"
(3)
.
وذكر ابن القيم أن هذا الأخير هو قول المعتزلة والجهمية وغيرهم من المتكلمين حيثما قال: "وهذا التأويل هو الذي صنف في تسويغه وإبطاله من الجانبين، فمن صنف في إبطال التأويل على رأي المتكلمين:
(1)
الحجة في بيان المحجة للأصفهاني (2/ 238).
(2)
الصواعق المرسلة (1/ 187).
(3)
انظر: الأسماء والصفات نقلًا وعقلًا للشنقيطي (82، 84).
القاضي أبو يعلى، والشيخ موفق الدين ابن قدامة، وقد حكى غير واحد إجماع السلف على عدم القول به"
(1)
.
وقال ابن تيمية: "وأما التأويل بمعنى صرف اللفظ عن مفهومه إلى غير مفهومه، فهذا لم يكن هو المراد بلفظ التأويل في كلام السلف
…
وكان السلف ينكرون التأويلات التي تخرج الكلام عن مراد الله ورسوله التي هي من نوع تحريف الكلم عن مواضعه، فكانوا ينكرون التأويل الباطل الذي هو التفسير الباطل كما ننكر قول من فسر كلام المتكلم بخلاف مراده"
(2)
.
لكن القرطبي والمازري -عفا الله عنهما- سلكا مسلك التأويل، فصرفا نصوص التنزيل إلى معانٍ باطلة، مخالفة لما عليه السلف من الإيمان بها، وعدم تأويلها كما سبق بيانه.
ومن ذلك: القرطبي -في الحديث الذي فيه إثبات الأصبع لله تعالى- الرواية التي فيها: "تصديقًا له"
(3)
لأنها تخالف مذهبه في الصفات، ثم بيَّن منهجه في مثل هذه النصوص فقال: "إذا جاءنا مثل هذا الكلام في كلام الصادق تأوَّلناه، أو توقَّفْنَا فيه إلى أن يتبين وجهه مع القطع باستحالة ظاهره لضرورة صدق من دلَّت المعجزة على صدقه، فأما إذا جاءنا مثل هذا على لسان من يجوز عليه الكذب، بل: من أخبرنا الصادق
(1)
انظر: الصواعق المرسلة (1/ 179).
(2)
الصفدية (1/ 291).
(3)
وذلك أن الرجل الذي من أهل الكتاب قال: يا أبا القاسم "إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والثرى على إصبع ثم يهزهن يقول أنا الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقًا له وتعجبًا.
عن نوعه بالكذب والتحريف كذَّبناه"
(1)
.
فالقرطبي بيَّن موقفه هنا من نصوص الصفات -الموهمة للتشبيه بزعمه- وهو: إما التكذيب -إن لم يكن نصًّا شرعيًّا- أو التأويل أو التوقف عند وضوح النص الشرعي.
وقد قال في موضع آخر: كل ما أطلق على الله تعالى مما يدل على الجوارح والأعضاء كالأعين والأيدي والجنب، والأصبع وغير ذلك، مما يلزم من ظاهره التجسيم الذي تدل العقول على استحالته فهي كلها متأولة في حقه تعالى لاستحالة حملها على ظواهرها"
(2)
.
وبين أن منهجه هذا تبعًا للمتكلمين حيث قال: "التحقيق أن يقال: الله ورسوله أعلم، والتسليم الذي كان عليه السلف أسلم
(3)
، لكن مع القطع بأن هذه الظواهر الواردة في الكتاب والسنة الموهمة للتجسيم والتشبيه يستحيل حملها على ظواهرها لما يعارضها من ظواهر أُخر كما قرره أئمتنا في كتبهم ولما دل العقل الصريح عليه"
(4)
.
ومع تأويل القرطبي لعامة نصوص الصفات، إلَّا أنه تردد في بعضها بين التفويض والتأويل منها قوله: "اعلم أن الناس قد أكثروا في تأويلات
(1)
المفهم (7/ 390) أراد بقوله: "أخبرنا الصادق عن نوعه بالكذب". اليهود لأنَّ الذي حاور الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث من اليهود ولكن هذا التكذيب ليس له وجه، لأنَّ هذا الحديث جاءنا عن غير طريق هذا اليهودي إذ جاءنا عن طريق الثقات الأثبات ونقلوا إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم وتعجبه من حديثه وضحكه تصديقًا له وسيأتي الرد عليه في ما ذهب إليه في صفة الأصابع ص (431).
(2)
المفهم (3/ 37).
(3)
هذا هو التفويض وليس من مذهب السلف بل مذهب السلف الإيمان بالصفات كما جاءت وتفويض كيفيتها انظر: ص (357).
(4)
المفهم (1/ 419).
هذه الأحاديث فمن مبعد ومن محوّم وما ذكرناه أحسنها وأقومها لمنهاج كلام العرب؛ ولأن يكون هو المراد ومغ ذلك فلا نقطع بأنه هو المراد والتحقيق أن يقال: "الله ورسوله أعلم" والتسليم الذي كان عليه السلف أسلم"
(1)
.
وكذلك المازري سلك هذا المسلك في نصوص الصفات بل تكلف في تأويل كل ما جاء في إثبات الصفات الفعلية لله تعالى أو الذاتية كاليد والقدم، والأصبع، وغيرها، حيث قال في شرحه للحديث المثبت لصفة القدم لله تعالى:"هذا الحديث من مشاهير الأحاديث التي وقعت موهمة للتشبيه ولمَّا نقله الأثبات واشتهر عند الرواة تكلف العلماء قديمًا وحديثًا الكلام عليه والنظر في تأويله"
(2)
.
وبيَّن المازري غرضه من التأويل فقال بعد تأويله لصفة الأصبع الورادة في الحديث: "والغرض المنع أن يكون لله سبحانه أصبع جارحة لإحالة العقل، له ثم بعد هذا يتأول على ما يجوز وقد أرينا طرفًا من التأويل"
(3)
.
ونرى هنا أنهما حرصا على التأويل لمخالفة هذه النصوص للعقل لأنها موهمة لتشبيه الخالق بالمخلوق بزعمهم.
ولا شك أن هذا باطل، لأن نصوص الصفات التي جاءت في الكتاب والسنة لا توهم التشبيه، إذ لا يمكن أن يكون ظاهر ما جاء في الكتاب والسنة باطلًا.
(1)
المفهم (1/ 419).
(2)
المعلم (3/ 200).
(3)
المعلم (3/ 195).
قال مرعي الكرمي رحمه الله
(1)
: "ويجد الناظر في النصوص الواردة عن الله ورسوله في ذلك نصوصًا تشير إلى حقائق هذه المعاني، ويجد الرسول تارة قد صرَّح بها مخبرًا بها عن ربه واصفًا له بها، ومن المعلوم أنه عليه السلام كان يحضر في مجلسه الشريف: العالم والجاهل، والذكي والبليد، والأعرابي الجافي، ثم لا يجد شيئًا يعقب تلك النصوص مما يصرفها عن حقائقها، لا نصًّا ولا ظاهرًا، كما تأولها بعض هؤلاء المتكلمين، ولم ينقل عنه عليه السلام بأنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه من الفوقية واليدين، ونحو ذلك، ولا نقل عنه أن لهذه الصفات معاني أخرى باطنة غير ما يظهر من مدلولها .. ولم يقل الرسول ولا أحد من سلف الأمة يومًا من الدهر: هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه وكيف يجوز على الله ورسوله والسلف أن يتكلموا دائمًا بما هو نصٌّ أو ظاهرٌ في خلاف الحق، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يتكلمون به، ولا يدلون عليه"
(2)
.
وهم بتأويلهم هذا نفوا ما ذكره الله وأثبتوا ما لم يذكره فوقعوا في خطأين، قال ابن الوزير
(3)
: "فاعلم أن منشأ معظم البدع يرجع إلى أمرين واضح بطلانهما فتأمل ذلك بإنصاف وشد عليه يديك، وهذان الأمران الباطلان هما: الزيادة في الدين بإثبات ما لم يذكره الله تعالى ورسله عليهم السلام من مهمات الدين الواجبة، والنقص منه بنفي بعض ما
(1)
مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي الحنبلي محدث فقيه مؤرخ تنقل بين عدَّة بلدان واستقر أخيرًا بمصر وفيها توفي بعد أن أصبح من أكابر علماء الحنابلة فيها توفي سنة (1033 هـ) معجم المؤلفين (3/ 842)، الأعلام.
(2)
أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات للكرمي ص (85).
(3)
محمد بن إبراهيم المرتضي اليماني الشهير بابن الوزير إمام حافظ، له عدَّة مصنفات منها:"العواصم في الذب عن سنة أبي القاسم" توفي في صنعاء سنة (840 هـ).
ذكره الله تعالى ورسله من ذلك بالتأويل الباطل"
(1)
.
القول بالمجاز:
المجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أولًا
(2)
.
وقد جعل المؤولة المجاز بابًا واسعًا لتحريف نصوص الصفات إذا عجزوا عن الطعن في أصل ثبوتها، قال الشيخ الشنقيطي:"وبهذا الباطل توصل المعطلون إلى نفي صفات الكمال والجلال الثابتة لله تعالى في كتابه وسنة نبيه بدعوى أنها من المجاز"
(3)
.
والمجاز أحد طرق التأويل، بل بعض العلماء يرى أن التأويل كله راجع إلى المجاز، كما قال الغزالي في كلامه على التأويل:"ويشبه أن يكون كل تأويل صرفًا للفظ عن الحقيقة إلى المجاز"
(4)
.
قال ابن القيم: "تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز، ليس تقسيمًا شرعيًّا، ولا عقليًّا، ولا لغويًّا، فهو اصطلاح محض، وهو اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة، وكان منشؤه من جهة المعتزلة والجهمية، ومن سلك طريقهم من المتكلمين"
(5)
.
وقد صرف القرطبي والمازري كثيرًا من نصوص الصفات من الحقيقة إلى المجاز، هربًا من إثباتها.
قال القرطبي في نفيه لعلو الله تعالى عند شرحه لحديث الجارية:
(1)
إيثار الحق على الخلق لابن الوزير ص (85).
(2)
انظر: بطلان المجاز وأثره في إفساد التصور وتعطيل نصوص الكتاب والسنة لمصطفى الصياصنة ص (33)، معجم المؤلفين (3/ 35)، الأعلام (5/ 300).
(3)
مذكرة أصول الفقه لمحمد الأمين الشنقيطي ص (58).
(4)
المستصفى للغزالي (2/ 49).
(5)
مختصر الصواعق (2/ 5).
"وإذا ثبت ذلك، ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أطلقه على الله بالتوسع والمجاز لضرورة إفهام المخاطبة القاصرة الفهم"
(1)
.
وقال في موضع آخر: "نسبة اليمين إلى الله تعالى نسبة مجازية توسعية، عبَّر بها عن كثرة العطاء والقدرة عليه"
(2)
.
وقال المازري: "استعير لمنع الباري سبحانه عن معاصيه اسم الغيرة مجازًا واتساعًا، وخاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم بما يفهمونه"
(3)
.
وقال في تأويله لإتيان الله تعالى ومجيئه: "عُبِّر بالإتيان ها هنا عن الرؤية على سبيل المجاز"
(4)
.
والنصوص الواردة عنهما في هذا كثيرة تتبين من خلال التفصيل في الصفات، والحق الواجب حمل جميع أخبار الصفات الواردة في الكتاب والسنة على ظاهرها واعتقاد حقائقها على الوجه اللائق بالله تعالى، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.
قال ابن عبد البر: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة -كلها- في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز
…
وأما أهل البدع من الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه"
(5)
.
والذي حملهم على القول بالمجاز ظنهم أن حقائق صفات الله
(1)
المفهم (2/ 143).
(2)
المفهم (3/ 37).
(3)
المعلم (1/ 322).
(4)
المعلم (1/ 226).
(5)
التمهيد (7/ 145).
تعالى التي نفوها مما يختص بالمخلوقين، فظنوا أن صفات الله تعالى إذا كانت حقيقة لزم أن يكون الرب مماثلًا للمخلوقين وأن صفاته مماثلة لصفاتهم
(1)
. قال ابن تيمية: "لكن نعلم أن كثيرًا ممن ينفي ذلك لا يعلم لوازم قوله بل كثير منهم يتوهم أن الحقيقة ليست إلَّا محض حقائق المخلوقين، وهؤلاء جهال بمسمى الحقيقة والمجاز، وقولهم افتراء على اللغة والشرع، وإلَّا فقد يكون المعنى الذي يقصد به نفي الحقيقة نفي مماثلة صفات الرب سبحانه لصفات المخلوقين قيل له: أحسنت في نفي هذا المعنى الفاسد، ولكن أخطأت في ظنك أن هذا هو حقيقة ما وصف الله به نفسه"
(2)
.
وقد ردَّ شيخ الإسلام على الأشاعرة -المثبتة لبعض الصفات دون بعض- بقولهم هذا بأصلين:
أحدهما: أن يقال: القول في بعض الصفات كالقول في بعض، فإن كان المخاطب ممن يقر بأن الله حي بحياة عليم بعلم قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه، وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازًا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات.
قيل له: لا فرق بين ما نفيته وما أثبته، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين؛ فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل، وإن قلت: له إرادة تليق به كما أن
(1)
انظر: اللمع للأشعري ص (20) والتبصير في الدين الأسفراييني ص (94) والعقيدة النظامية لعبد الملك الجويني ص (21).
(2)
الفتاوى (20/ 218).