الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول حكم نصب الإمام وبما تنعقد به الإمامة
وجود إمام يتولى أمور المسلمين أمر لابد منه، وهذا معلوم بالعقل والنقل، ولذا نقل النووي رحمه الله الإجماع عليه
(1)
.
ونصب الإمام يكون بالبيعة أو الاستخلاف، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يستخلف فاتفق الصحابة رضي الله عنهم على مبايعة الصديق رضي الله عنه والصديق رضي الله عنه استخلف عليهم عمر رضي الله عنه.
ولذا قال عمر رضي الله عنه عند موته: "وإني إن لا أستخلف فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف"
(2)
.
قال القرطبي عند قول عمر: "وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف": "يعني أرنا أبا بكر استخلفه ونصَّ عليه وعيَّنه، وهذا لا خلاف في أن الأمر كذلك وؤع، ولا في أن هذا طريق مشروع في الاستخلاف، ثم إن عمر رضي الله عنه سلك طريقًا بين طريقين، جمعت له الاقتداء بهما، فاقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم في أنه لم ينص على واحد بعينه، فصدق عليه أنه غير مستخلف واقتدى بأبي بكر من حيث أنه لم يترك أمر المسلمين مهملًا
(3)
فإنه جعل الأمر شورى في ستة ممن يصلح للخلافة
(1)
شرح صحيح مسلم للنووي (12/ 447).
(2)
رواه البخاري في كتاب الأحكام، باب الاستخلاف ح 7217 (13/ 218)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب الاستخلاف وتركه ح 1823 (12/ 446).
(3)
لا يظن بهذه العبارة أن المقصود من الإهمال: التضييع فهذا لا يليق بالرسول صلى الله عليه وسلم، والواقع أيضًا في هذه المسألة بخلافه فإنه كما قال شيخ الإسلام: "دلَّ عليه الصلاة والسلام =
وفوض التعيين لاختيارهم"
(1)
.
وقد بيَّن القرطبي وجوب نصب الإمام، وطريق ذلك، فقال عند شرحه للحديث السابق: "قد حصل من هذا الحديث أن نصب الإمام لابُدَّ منه، وأن لنصبه طريقين:
أحدهما: اجتهاد أهل الحل والعقد.
والآخر: النصُّ إمَّا على واحد بعينه، وإما على جماعة بأعيانها ويفوَّض التخيير إليهم في تعيين واحد منهم. وهذا مما أجمع عليه السلف الصالح، ولا مبالاة بخلاف أهل البدع في بعض هذه المسائل، فإنهم مسبوقون بإجماع السلف وأيضًا فإنهم لا يعتد بخلافهم"
(2)
.
وقد بيَّن القرطبي في أكثر من موضع أن النص على الخليفة: أي الاستخلاف كان من الصديق لعمر رضي الله عنهما، وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فلم ينص على أبي بكر رضي الله عنه كما قال بعض العلماء، ولا على علي رضي الله عنه كما قالت الرافضة، حيث قال:"المعلوم عندهم - أي الصحابة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف أحدًا، وكذلك قال عمر رضي الله عنه: "وإن أستخلف فقد استخلف أبو بكر" وهذا بمحضر من الصحابة وعلي والعباس رضي الله عنهم ولم ينكر أحد
= المسلمين على استخلاف أبي بكر بأمور متعددة من أقواله وأفعاله وأخبر بخلافته إخبار راضٍ بذلك حامدٍ له وعزم على أن يكتب بذلك عهدًا ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك، فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعًا للعذر، لكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصود". منهاج السنة لابن تيمية (1/ 139).
(1)
المفهم (4/ 14).
(2)
المفهم (4/ 15).
منهم على عمر، ولا ذكر أحد من الناس نصًّا باستخلاف على أحد، فكان ذلك دليلًا على كذرب من ادعى شيئًا من ذلك إذ العادات تحيل أن يكون عندهم نص على أحد في في ذلك الأمر العظيم المهم فيكتموه مع تصلبهم في الدين وعدم تقيتهم فإنهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، وكذلك اتفق لهم عند موت النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم اجتمعوا لذلك وتفاوضوا فيه مفاوضة من لا يتقي شيئًا، ولا يخاف أحدًا حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، ولم يذكر أحد منهم نصًّا، ولا ادعى أحد منهم أنه نص عليه ولو كان عندهم من ذلك شيء لكانوا هم أحق بمعرفته ونقله، ولما اختلفوا في شيء من ذلك، ومر، العجب ألا يكون عند أحد من هؤلاء نص على ذلك ولا يذكره مع قرب العهد وتوفر الدين والجد ودعاء الحاجة الشديدة إلى ذلك، ويأتي بعدهم بأزمان متطاولة وأوقات مختلفة، وقلة علم، وعدم فهم من يدعي: أن عنده من العلم بالنص على واحد معين، ما لم يكن عند أولئك الملأ الكرام، ولا سمع منهم، وهذا محض الكذب الذي لا يقبله سليم العقل، لكن غلبت التعصب والأهواء تُورِّطُ صاحبها في الظلماء، وقد ذهبت الشيعة على اختلاف فرقها إلى أنه نص على خلافة علي رضي الله عنه وذهبت الراواندية إلى أنه نص على خلافة العباس رضي الله عنه واختلق كل واحد منهما من الكذب والزور والبهتان ما لا يرضى به من في قلبه حبة خردل من الإيمان، وما ذكرناه من عدم النص على واحد بعينه، هو مذهب جمهور أهل السنة من السلف والخلف، لا على أبي بكر ولا غيره، غير أنهم استندوا في استحقاق أبي بكر رضي الله عنه بالخلافة إلى أصول كلية وقرائن خالية، ومجموع ظواهر جلية، حَصَلتْ لهم العلم بأنه أحق بالخلافة وأولى بالإمامة يعلم ذلك من استقرأ أخباره وخصائصه"
(1)
.
(1)
المفهم (6/ 247).
وقال في موضع آخر: "الأحاديث الدالة على خلافة الصديق رضي الله عنه ليست نصوصًا في ذلك لكنها ظواهر قوية إذا انضاف إليها استقراء ما في الشريعة مما يدل على ذلك المعنى علم استحقاقه للخلافة وانعقادها له ضرورة شرعية والقادح في خلافته مقطوع بخطئه وتفسيقه، وهل يكفر أم لا؟ مختلف فيه، والأظهر: تكفيره لما استقر في الشريعة مما يدل على استحقاقه لها، وأنه أحق وأولى بها، سيما وقد انعقد إجماع الصحابة على ذلك، ولم يبق منهم مخالف في شيء مما جرى هنالك"
(1)
.
وما ذكره رحمه الله في التشديد على من قال بالنص وتكذيبه يجري على أهل البدع من الشيعة وغيرهم من أهل أهواء.
وأما من ذهب إلى ذلك من أهل السنة فحاشاهم من ذلك، وغاية الأمر أنهم قد أخطأوا في اجتهادهم، فلا يلامون على ذلك
(2)
.
وقال المازري في هذه المسألة: "أما غلو الشيعة في قولهم بأن عليًّا رضي الله عنه وصي النبي صلى الله عليه وسلم فباطل لا أصل له، وأما الصديق رضي الله عنه فإذا أثبتنا ولايته باتفاق الصحابة عليه على وجه يوجب إمامته، فإن المحققين من أئمتنا أنكروا أن يكون ذلك بنص قاطع منه صلى الله عليه وسلم على إمامته، وقالوا: لو كان النص عند الصحابة لم يقع منها ما وقع عند إقامته والعقد له، ولا كان ما كان من الاختلاف فدل ذلك على أنه رأي منهم وقع فيه تردد من طائفة ثم استقر الأمر، فانجزم الرأي عليه، ويجعل هؤلاء ما وقع في هذا الحديث: "ويأبى الله والمؤمنون إلَّا أبا بكر"
(3)
مع ما وقع من
(1)
المفهم (6/ 249).
(2)
انظر: الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة للدكتور عبد الله الدميجي ص (130).
(3)
رواه البخاري في كتاب المرضى باب ما رخص للمريض أن يقول ح 5666 (10/ 128)، =
أمثاله من الظواهر التي لا تبلغ النص الجلي القاطع الذي لا يسوغ خلافه ولا الاجتهاد معه"
(1)
.
= ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه ح 2387 (15/ 163).
(1)
المعلم (3/ 137).