الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأشاعرة في حصر دلالة صدق النبي على المعجزة، كما سبق نقل كلامه عند الحديث عن دلائل الربوبية
(1)
.
وقول القرطبي هنا أن المعجزة لا يظهرها الله على يد كاذب صحيح، لكن الله تعالى يفعل ذلك لحكمة، وهو منزه تعالى عن ذلك، لا كما تعلل الأشاعرة بأن المعجزة هي الدليل الوحيد على صدق النبي، أو أن إظهارها على يد الكاذب يفضي إلى تعجيز الرب عن إثبات صدق أنبيائه
(2)
.
وأما جعلهم الفرق بين المعجزة والسحر والشعوذة هو فقط عدم المعارضة، وكونها جاءت على يد مدعي النبوة، فهذا فرقٌ ضعيفٌ، فإن من الناس من ادَّعى النبوة وكان كاذبًا وظهرت على يده بعض هذه الخوارق، فلم يُمنع منها، ولم يعارضه أحد، كما حدث للأسود العنسي ومسيلمة وغيرهما
(3)
.
المطلب الثاني: معجزاته عليه الصلاة والسلام:
معجزات الأنبياء عليهم السلام مناسبة لحال أقوامهم حيث جاء موسى عليه السلام بالعصا على صورة ما يضع السحرة لكنها تلقفت ما صنعوا، ولم يقع ذلك بعينه لغيره؛ لأنه جاء إلى قوم فشا فيهم السحر، وعيسى- عليه السلام أرسل إلى قوم كثر فيهم الأطباء والحكماء، فأتاهم الله بمعجزة من جنس عملهم، لم تصل قدرتهم إليها، وكان العرب الذين بعث فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم بلغوا الغاية من البلاغة والفصاحة، فجاءهم تعالى بالقرآن المعجزة الخالدة الباقية إلى قيام الساعة، مع العديد من
(1)
انظر: ص (198).
(2)
انظر: النبوات لابن تيمية (1/ 6، 7) والجواب الصحيح لابن تيمية (6/ 397).
(3)
انظر: النبوات ص (13، 14، 203).
معجزاته عليه الصلاة والسلام، التي جاءهم بها كانشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه وتكثير الطعام والإخبار عن المغيبات وغيرها من دلائل النبوة التي أيدَهُ بها سبحانه وتعالى.
وأقف هنا مع بعض دلائل النبوة التي ذكرها القرطبي في المفهم والمازري في المعلم:
1 -
القرآن الكريم:
القرآن الكريم هو أعظم الآيات التي أعطيها رسولنا صلى الله عليه وسلم بل أعظم آيات الرسل كلهم على الإطلاق آية دائمة باقية إلى قيام الساعة تحدى الله تعالى بها الفصحاء والبلغاء من العرب، بل من الإنس والجن:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)} [الإسراء: 88]
(1)
بل لا يأتون بسورة من مثله قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38)} [يونس: 38]
(2)
. فهو المعجزة التي شاهدها من عاصر الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أتى بعده إلى قيام الساعة.
قال القرطبي عن هذه الآية: "كل رسول أُيِّد بمعجزة تدل على صحة رسالته فيظهر صدقه، وتثبت حجته، كما قد علم من أحوالهم بما أخبرنا الله به وبينه عنهم غير أن معجزاتهم تنقرض بانقراضهم، فلا يبقى منها بعدهم إلَّا الإخبار بها وذلك قد يخفى مع توالي الأعصار ونبينا صلى الله عليه وسلم وإن كان قد أعطي من كل نوع من أنواع معجزات الأنبياء قبله، كما قد أوضحناه في كتابنا المسمى بـ "الإعلام بصحة نبوة محمد عليه أفضل
(1)
سورة الإسراء، الآية:88.
(2)
سورة يونس، الآية:38.
الصلاة والسلام" لكنه فُضل على جميعهم بالمعجزة العظمى الباقية ما بقيت الدنيا وهي: الكتاب العزيز الذي أعجزت السورة منه الجن والإنس أي تعجيز فإعجازه مشاهد بالعيان متجدد ما تعاقب الجديدان فمن ارتاب الآن في صدق قوله قيل له: فائت بسورة من مثله، ولما كانت هذه المعجزة قاطعة الظهور مستمرة مدى الدهور اشترك في معرفتها المتقدمون والمتأخرون واستوى في معرفة صدق محمد صلى الله عليه وسلم: السابقون واللاحقون فدخل العقلاء في دينه دخولًا متتابعًا وحقق الله تعالى له رجاءه فكان أكثر الأنبياء تابعًا"
(1)
.
2 -
خاتم النبوة:
إن من دلائل النبوة الحسية الظاهرة التي أُيد بها صلى الله عليه وسلم ما جعل بين كتفيه من أصل خلقه من خاتم النبوة الظاهر لكل متأمل فقد جاء في حديث جابر بن سمرة- رضي الله عنه: "رأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده"
(2)
.
قال القرطبي: خاتم النبوة من علاماته المعروفة في الكتب السابقة، وفي صدور علماء الملل السالفة، ولذا لما حصل عند سلمان الفارسي رضي الله عنه العلم بصفاته وأحواله وعلاماته وموضع مبعثه ودار هجرته، جد في الطلب، حتى ظفر بما طلب، ولما لقيه جعل يتأمل ظهره، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنه يريد أن يقف على ما يعرفه من خاتم النبوة، فنزع رداءه من على ظهره، فلما رأى سلمان الخاتم، أكب عليه يقبله وهو
(1)
المفهم (6/ 50).
(2)
رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب إثبات خاتم النبوة وصفته، ومحله من جسده صلى الله عليه وسلم ح 2344 (15/ 106).
يقول: أشهد أنك رسول الله"
(1)
.
3 -
عصمته من الناس:
من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام حفظ الله تعالى له من أعدائه، الذين كانوا يتربصون به، ويسعون للتخلص منه، ولكن الله تعالى تكفل بحفظه فلم يستطيعوا أن يصلوا إليه مع محاولاتهم المتكررة قال تعالى:{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}
(2)
.
وقد جاء في حديث جابر رضي الله عنه قوله: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة قِبَل نجدٍ فأدْرَكَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في وادٍ كثير العِضَاةِ فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة، فعلق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي، يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن رجلًا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظتُ وهو قائمُ على رأسي، فلم أشعر إلَّا والسيف صلتٌ في يده" فقال لي: من يمنعك مني؟ قال: "قلت الله! " ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: "قلت الله! " قال: "فشام السيف فها هو ذا جالس" ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم"
(3)
.
قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: "لم يبال النبي صلى الله عليه وسلم بقوله، ولا عرج عليه، ثقة منه بوعد الله، وتوكلًا عليه، وعلمًا منه بأنه ليس في الوجود فعل إلَّا لله تعالى، فإنه أعلم الناس بالله تعالى، وأشدهم له خشية، فأجابه بقوله: "الله" ثانية وثالثة، فلما سمع الرجل ذلك وشاهد تلك القوة
(1)
المفهم (6/ 135).
(2)
سورة المائدة، الآية:67.
(3)
رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة ح 2910 (6/ 113)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الخوف ح 843 (6/ 377).
التي فارق بها عادة الناس في مثل تلك الحال تحقق صدقه وعلم أنه لا يصل إليه بضرر.
وهذا من أعظم الخوارق للعادة فإنه عدو متمكن بيده سيف شاهر وموت حاضر، ولا حال تغيرت، ولا روعة حصلت هذا محال في العادات، فوقوعه من أبلغ الكرامات، ومع اقتران التحدي به يكون من أوضح المعجزات"
(1)
.
4 -
انشقاق القمر:
وهو من معجزاته عليه الصلاة والسلام التي تحدى بها قومه ودعاهم بها إلى تصديقه والإيمان به، قال تعالى:{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2)}
(2)
.
قال الطبري في تفسير هذه الآية: "إن كفار مكة سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم آية فأراهم انشقاق القمر آية حجة على صدق قوله، وحقيقة نبوته، فلما أراهم أعرضوا وكذَّبوا"
(3)
.
قال القرطبي: "وقع ذلك الانشقاق على حقيقته، ووجد ذلك بمكة ومنى بعد أن سألت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم آية، فأراهم انشقاقه على نحو ما ذكر من أن عبد الله بن مسعود أوضح كيفية هذا الانشقاق حتى لم يترك لقائل مقالًا، فقال: وكانت فلقة وراء الجبل، وفلقة دونه، وفي رواية: فسترت الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل، ونحو ذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما وقد روى هذا الحديث جماعة كثيرة من الصحابة رضي الله عنهم منهم: عبد الله بن مسعود وأنس، وابن عباس، وابن
(1)
المفهم (6/ 63).
(2)
سورة القمر، الآيتان: 1، 2.
(3)
تفسير الطبري، (11/ 544).
عمر، وحذيفة، وعلي، وجبير بن مطعم، وغيرهم، وروى ذلك عن الصحابة أمثالهم من التابعين، ثم كذلك ينقله الجم الغفير والعدد الكثير إلى أن انتهى ذلك إلينا، وفاضت أنواره علينا، وانضاف إلى ذلك ما جاء من ذلك في القرآن المتواتر عند كل إنسان فقد حصل بهذه المعجزة العلم اليقين الذي لا يشك فيه أحدٌ من العاقلين"
(1)
.
وقد ردّ على الذين استبعدوا وقوعه أو كذبوه من بعض أهل الملة أو من الملاحدة قال في ختامه: "والذي يحسم مادة الخلاف بين أهل ملتنا أن نقول: "لا بعد في أن يكون الله تعالى خرق العادة في ذلك الوقت، فصرف جميع أهل الأرض عن الالتفات إلى القمر في تلك الساعة، لتختص مشاهدة تلك الآية بأهل مكة، كما اختصوا بأكثر مشاهدة آياته، كحنين الجذع، وتسبيح الحصى، وكلام الشجر، إلى غير ذلك من الخوارق التي شاهدوها ونقلوها إلى غيرهم، كما قد فصلنا ذلك في كتابنا المسمى "الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإثبات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم" وهذا الكلام خاصٌّ للمنكر للإنشقاق من أهل الإسلام، وأما الملاحدة فالكلام معهم في إبطال أصولهم الفاسدة"
(2)
.
5 -
نطق الجمادات:
من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم ما جاء في بعض الأحاديث من نطق الحجر والشجر تصديقًا له وآية لرسالته، قال صلى الله عليه وسلم:"إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن"
(3)
قال القرطبي: "يعني أنه كان
(1)
المفهم (7/ 403).
(2)
المفهم (7/ 404).
(3)
رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب نسب الرسول صلى الله عليه وسلم وتسليم الحجر عليه قبل النبوة ح 2277 (15/ 42).
يسلم عليه بالنبوة والرسالة، قبل أن يشافهه الملك بالرسالة، وقد سمع الكثير ممن حضر مجالسه تسبيح الحصى في كفه وحنين الجذع
(1)
والمسجد قد غصَّ بأهله"
(2)
.
6 -
الإخبار بالمغيبات:
الغيب لا يعلمه إلَّا الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (38)} [فاطر: 38]
(3)
. ولكن قد يظهر الله تعالى بعض أمور الغيب لمن يشاء من عباده، كما أظهر سبحانه للخضر ما أخفاه عن موسى، وكما أظهر لموسى عليه السلام وغيره من الأنبياء ما أخفاه عما سواهم قال تعالى:{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا}
(4)
.
ولذا فالإخبار ببعض أمور الغيب، جعلها الله تعالى من دلائل النبوة، التي تدل على صدق الأنبياء عليهم السلام فيما يخبرون به. وقد وقع للرسول صلى الله عليه وسلم من الإخبار ببعض أمور الغيب، فَوَقَعَ منها ماوقع ممَّا شوهد في حياته صلى الله عليه وسلم ومنه ما حدث بعد ذلك، ومنه ما سيأتي. فمنها إخباره صلى الله عليه وسلم أن أمره سيظهر وهو يومئذ بمكة بضيق ومحاصرة
(5)
.
قال القرطبي في هذا الخبر: "وهذا من إخباره بالغيب، فهو داخل
(1)
حنين الجذع جاء من حديث جابر رضي الله عنه وغيره، قال:"كان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جذع في قبلته يقوم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته، فلما وضع المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه" رواه البخاري في كتاب الجمعة باب الخطبة على المنبر ح 918 (2/ 461).
(2)
المفهم (6/ 51) بتصرف يسير.
(3)
سورة فاطر، الآية:38.
(4)
سورة الجن، الآيتان: 26، 27.
(5)
رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب إسلام عمرو بن عبسة ح 832 (6/ 362).
في باب دلالات نبوته، فإنه أخبر عن غيب وقع على نحو ما أخبر عنه"
(1)
.
وعند قوله صلى الله عليه وسلم عن الخوارج: "يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان"
(2)
.
قال القرطبي: "هذا منه صلى الله عليه وسلم إخبار عن أمر غيب وقع على نحو ما أخبر عنه، فكان من أدلة نبوته صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم لما حكموا بكفر من خرجوا عليه من المسلمين استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذمة وقالوا: نفي لهم بذمتهم، وعدلوا عن قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين"
(3)
.
وعند إخباره صلى الله عليه وسلم بفتح اليمن والشام والعراق
(4)
. قال القرطبي: "وهذا الحديث من دلائل نبوته وصدقه صلى الله عليه وسلم فإنه أخبر بوقوع أمور قبل وقوعها، ثم وقعت بعد ذلك على نحو خبره، فكان ذلك دليلًا على صدقه"
(5)
.
وهذا في السنة كثير يصعب حصره، وقد بيَّن القرطبي عند شرحه لأمثال هذه الأحاديث المخبرة ببعض أمور الغيب التي وقعت كما أخبر بها صلى الله عليه وسلم أن هذا من دلائل نبوته، وعلامات صدق رسالته، فقد قال عند ذكر أحد هذه الأخبار: "هذا من المعجزات الغيبية وهي من الكثرة بحيث لا تحصى، يحصل بمجموعها العلم القطعي بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم كثيرًا من
(1)
المفهم (2/ 461).
(2)
سبق تخريجه ص (370).
(3)
المفهم (3/ 114).
(4)
رواه البخاري في كتاب فضائل المدينة، باب من رغب عن المدينة ح 1875 (4/ 107)، ومسلم في كتاب الحج، باب الترغيب في المدينة عند فتح الأمصار ح 1388 (9/ 167).
(5)
المفهم (3/ 500).
علم الغيب الذي لا يعلمه إلَّا الله، أو من ارتضاه من الرسل، فأطلعه الله عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أطلعه الله عليه فهو رسول من أفضل الرسل
(1)
"
(2)
.
7 -
تكثير الطعام والشراب:
وقد وقع من ذلك كثير، منها ما جاء في حديث إياس بن سلمة عن أبيه، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فأصابنا جهد، حتى هممنا أن ننحر بعض دوابنا، فأمر نبي الله صلى الله عليه وسلم فجمعنا أزوادنا، فبسطنا له نطعًا، فاجتمع زاد القوم على النطع، قال: فتطاولت لأحزره
(3)
كم هو، فحزرته كربضة العنز، ونحن أربع عشرة مئة، قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعًا، ثم حشونا جربنا، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم:"فهل من وضوء؟ " فجاء رجل بإداوة فيها نطفة، فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا نُدَغْفِقُةُ دغفقةً
(4)
أربع عشرة مئة"
(5)
.
قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: "هذا الحديث قد اشتمل على معجزتين من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم في الطعام والشراب، وقد وقع ذلك منه مراتٍ كثيرة، ورُوي من طرق عديدة، ووقع منه في جموع كثيرة، ومشاهد عظيمة، فهي من معجزاته المتواترة وكراماته المتظاهرة"
(6)
.
وقال المازري عند شرحه لهذا الحديث: "هذا أحد معجزاته صلى الله عليه وسلم تكثير الماء، وتكثير الطعام، والباري سبحانه قادرٌ على خرق العادات،
(1)
المفهم (6/ 58).
(2)
انظر: المفهم (2/ 120، 133، 3/ 617، 627، 683، 754، 760، 4/ 58. 547، 5/ 309، 403، 6/ 274، 291، 296، 415، 443، 498، 499، 506، 572، 705، 7/ 217).
(3)
أي: لأعلم مقداره.
(4)
أي: نأخذ منه ونصب على أيدينا صبًّا شديدًا.
(5)
رواه مسلم في كتاب اللقطة، باب استحباب خلط الأزواد إذا قلت ح 1729 (12/ 276).
(6)
المفهم (5/ 203)، وانظر: المفهم (2/ 321، 5/ 308، 6/ 56).
فيمكن أن يكون كلما أكل منه جزء خلق الباري -جلت قدرته- جزءًا آخر يخلفه، وكذلك في الماء.
ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم ضروب: فأما القرآن فمنقول تواترًا، أما مثل هذه المعجزة فلك فيها طريقان:
أحدهما: أن نقول تواترت على المعنى كتواتر جود حاتم، وحلم الأحنف، فإنه لا تنقل قصة بعينها في ذلك تواترًا ولكن تكاثرت القصص من جهة الآحاد حتى صار محصولها التواتر بالكرم والحلم، وكذلك تواترت معجزات سوى القرآن حتى ثبت انخراق العادة له صلى الله عليه وسلم بغير القرآن.
والطريق الثانية: أن نقول فإن الصاحب إذا روى مثل هذا الأمر العجيب وأحال على حضوره فيه مع سائر الصحابة وهم يسمعون روايته ودعواه حضورهم معه، ولا ينكرون ذلك عليه، فإن ذلك تصديق له يوجب العلم بصحة ما قال"
(1)
.
وقد أشار أيضًا إلى هذه المعجزة، والتي قبلها عند شرحه لحديث أبي قتادة حيث توضأ صلى الله عليه وسلم في أحد الغزوات من ميضأة أبي قتادة، ثم أمره أن يحتفظ بها؛ وأخبره صلى الله عليه وسلم أنه سيكون لها نبأ، ثم طلبها منه صلى الله عليه وسلم لما عطش الناس، وفُقِدَ الماء، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب وأبو قتادة يسقيهم حتى شربوا وتوضؤوا جميعًا
(2)
. حيث قال: "هذا فيه للنبي صلى الله عليه وسلم معجزتان: قولية وفعلية، فالقولية: إخباره عليه السلام بالغيب، وأنها سيكون لها نبأ، والفعلية: تكثير الماء القليل"
(3)
.
(1)
المعلم (2/ 271).
(2)
رواه مسلم في كتاب المساجد، ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة ح 680 (5/ 188).
(3)
المعلم (1/ 295).
8 -
نبع الماء من بين أصابعه:
وهي من دلائل نبوته التي شاهدها الصحابة رضي الله عنهم في أكثر من موضع، حيث جاء في حديث أنس- رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء، فلم يجدوه، فأُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضؤوا منه، قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه فتوضأ الناسُ حتى توضؤوا من عند آخرهم"
(1)
.
قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: "هذه المعجزة تكررت من النبي صلى الله عليه وسلم مرات عديدة، في مشاهد عظيمة، وجموع كثيرة، بلغتنا بطرق صحيحة من رواية أنس، وعبدالله بن مسعود، وجابر، وعمران بن حصين، وغيرهم، ممن يحصل بمجموع أخبارهم العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي، وبهذا الطريق: حصل لنا العلم بأكثر معجزاته الدالة على صدق رسالاته، كما قد ذكرنا جملة من ذلك في كتاب "الإعلام" وهذه المعجزة أبلغ من معجزة موسى عليه السلام في نبع الماء من الحجر من ضربه بالعصا إذ من المألوف نبع الماء من بعض الحجارة فأما نبعه من بين عظم ولحم وعصب ودم فشيء لم يسمع بمثله ولا تُحُدِّث به عن غيره"
(2)
.
9 -
رمي الكفار بالتراب وإصابتهم جميعًا:
جاء في حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه في ذكر غزوة حنين قال: ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار،
(1)
رواه البخاري في كتاب الوضوء، باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة ح 169 (1/ 325)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ح 2279 (15/ 44).
(2)
المفهم (6/ 52)، وانظر أيضًا:(6/ 80).
ثم قال: "انهَزَمُوا وربّ محمد" قال: فذهبت انظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى قال: فوالله ما هو إلَّا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى أحدهم كليلًا وأمرهم مدبرًا"
(1)
.
قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: "رميه صلى الله عليه وسلم في وجوه الكفار بالتراب، وإصابته أعين جميعهم من أعظم معجزاته، إذ ليس في قوة البشر إيصال ذلك إلى أعينهم، ولا يسع كفه ما يعمهم، وإنما كان ذلك من صنع الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال تعالى:{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}
(2)
"
(3)
.
10 -
إجابة دعواته:
إن من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم استجابة دعائه فكان عليه الصلاة والسلام إذا دعا استجاب الله تعالى له، وقد وقع ذلك كثيرًا، وجاءت السنة به، فمنها: دعوته عليه الصلاة والسلام على أبي جهل وعتبة، وشيبة، ومن معهم، عند اشتداد أذاهم، فصرعوا في بدر جميع الذين سمَّاهم صلى الله عليه وسلم
(4)
.
قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: "وإجابة الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الدعاء من أدلة نبوته وصحتها"
(5)
.
وقد بيَّن القرطبي في عدة مواضع عند ذكر أمثال هذا الحديث. أن استجابة دعوته عليه الصلاة والسلام من دلائل نبوته
(6)
.
(1)
رواه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين ح 1775 (12/ 355).
(2)
سورة الأنفال، الآية:17.
(3)
المفهم (3/ 617).
(4)
رواه البخاري في كتاب الوضوء باب إذا وضع على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته ح 240 (1/ 416)، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين ح 1794 (12/ 393).
(5)
المفهم (3/ 654).
(6)
انظر: المفهم (2/ 546، 3/ 394، 4/ 550، 5/ 297، 334، 6/ 404).
وقال في موضع آخر: "هذه من بعض دعوات النبي صلى الله عليه وسلم المعجلة الإجابة، وهي من الكثرة بحيث تفوق الحصر، ويحصل بمجموعها القطع، بأن الله تعالى قد أكرم محمدًا صلى الله عليه وسلم بإجابة دعواته، وأسعفه في كثير من طلباته، وكل ذلك يدل على مكانته وصدق رسالته"
(1)
.
(1)
المفهم (6/ 68).