الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول الحالة السياسية فى عصر الإمام الزركشى
لقد عاش الزركشى من سنة 745 هـ إلى سنة 794 هـ، وعاصر فترتين من حكم المماليك.
الفترة الأولى: المماليك البحرية.
الفترة الثانية: المماليك الجراكسة أو الشراكسة (1).
أما فترة المماليك البحرية والتى تبدأ من سنة 648 هـ حتى سنة 784 هـ فقد قامت دولتهم بعد انتهاء دولة بنى أيوب بقتل آخر ملوكها نجم الدين أيوب الملك الصالح سنة 648 هـ (2).
وأول سلاطين المماليك البحرية عز الدين أيبك التركمانى الصالحى الذى تولى عام 648 هـ، وقتل عام 655 هـ، ثم جاء بعده ابنه المنصور نور الدين، ثم خلفه بعد سنتين الملك المظفر (يوسف بن قطز) ووقعت بينه وبين هلاكوا التترى موقعة عين جالوت سنة 658 هـ التى انتصر فيها المسلمون وقتل فيها قائد المغول، واستخلص المسلمون منهم الشام بعد استيلائهم عليه، وتدميرهم المساجد، وإفسادهم فى الأرض بقتل النساء والأطفال والشيوخ، ثم وحد المظفر بين مصر والشام (3) وجعل عليه أحد ملوك الترك، ثم قتل الملك المظفر على يد بيبرس بعد انتصاره على التتار سنة 658 هـ، ثم تولى بيبرس الأيوبى على الديار المصرية
(1) انظر الخطط التوفيقية لعلى مبارك، ط. الثانية 1/ 78 - 79، وعصر المماليك ونتاجه العلمى لمحمود رزق سليم، ط. الثانية 1/ 19 - 21، وموسوعة الدكتور شلبى 5/ 186 ط. الثانية.
(2)
انظر النجوم الزاهرة لابن تغرى 6/ 364، والخطط التوفيقية 1/ 77.
(3)
انظر البداية والنهاية 13/ 86، 220.
والشام والحجاز سنة 658 هـ، ثم توالى الملوك بعده، وصار بعضهم يقتل بعضًا، وقامت الحروب بين المسلمين، واستمر وضعهم فى حالة يرثى لها إلى أن تولى الملك الناصر بن قلاوون حيث حكم وعُزل عدة مرات، كان آخرها عزله عام 741 هـ.
والذى يهمنا من أحداث هذه الفترة لدراسة حياة الإمام الزركشى ما كان فى مطلع القرن الثامن الهجرى من إرادة التتار غزو بلاد الشام ومصر بعد أن استولى الملك الناصر محمد بن قلاوون على الحكم بقليل فاستعد لقتال التتار، وزحف بجيوشه إلى الشام، ووقعت بينه وبين التتار معركة كانت الدائرة فيها على الملك الناصر وجيشه، فبالغ التتار فى التخريب والسلب والنهب والقتل إلا أن الناصر أخذ يعد العدة لملاقات أعدائه، وأعاد الكرة، فزحف إليهم ثانية عام 702 هـ، ووقعت بينهم موقعة (مرج راهط) وانتصر فيها المسلمون انتصارًا حاسمًا، وقُضى على التتار قضاء مبرمًا، وخضعت بلاد الشام ثانية لسلطان مصر، ثم عاد الناصر إلى مصر، وبقى فى منصبه حتى ساءت العلاقة بينه وبين الظاهر بيبرس فرحل إلى الحج، ولكنه عندما وصل إلى الكرك خلع نفسه من السلطنة عام 708 هـ بعد أن حكم فى هذه المدة قريبًا من تسع سنوات ونصف (1).
وتولى بعده السلطان الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وفى زمنه تفشت الأمراض، وعم الوباء، وارتفع سعر القمح وغيره من المواد وتشاءم الناس بطلعة المظفر بيبرس، ووقعت الوحشة بينه وبين عامة المصريين واضطربت الأوضاع، ووقعت المواجهة بينه وبين الناصر بن قلاوون حتى كانت نهاية المظفر على يد الناصر عام 709 هـ (2).
وهكذا ابتدأ القرن الثامن بالاضطرابات والفتن والحرص على السلطة والملك والحروب الطاحنة التى ذهب ضحيتها نفوس كثيرة، وأريقت دماء غزيرة، ولم
(1) البداية والنهاية 13/ 334، 14/ 48، وعصر سلاطين المماليك 1/ 32.
(2)
النجوم الزاهرة 8/ 268، 275.
يكن ذلك خاصًا بمصر والشام، بل كان الحال فى المغرب والأندلس أسوء منه فى مصر والشام، ثم عاد الملك الناصر إلى ملك مصر مرة ثالثة واستمر من عام 709 هـ إلى عام 741 هـ كما تقدم، وعندما عاد هذه المرة استبد بالأمر، وقام بالإصلاح، ورد المظالم، وأبطل المكوس حتى توفى عام 741 هـ (1). وكان عصره من أحسن عصور المماليك، واتسع أقصى الاتساع بعد أن نجح فى قهر التتار والصليبيين من الشام، واستطاع أن يثبت جدارته بحسن تصريف شؤون الدولة.
ولما توفى الناصر بن قلاوون دخلت دولة المماليك مرحلة جديدة فى تاريخها، وهى مرحلة عصر أبناء الناصر وأحفاده، واستمرت إلى نهاية المماليك البحرية وقيام دولة الشراكسة، واستمر حكم أولاد الناصر إلى عام 762 هـ، وانتقل الحكم إلى أحفاده.
وأهم ما سجل التاريخ فى هذا العصر هو زيادة نفوذ الأمراء وتعاقب عدد كبير من أبناء الناصر وأحفاده من الأحداث فى منصب السلطنة، مما جعل الأمراء يتلاعبون بعقولهم، وعاش أهل مصر والشام فى أوضاع وتيارات داخلية متضاربة ومؤامرات متلاحقة بين الأفراد (2).
بالإضافة إلى شدة الصراع بين السلاطين والذى أودى بالبلاد إلى حالة من الفوضى لا مثيل لها، وكثر الانحلال الخلقى حتى تحرك الصليبيون بحملة إلى الأسكندرية خربتها، وأغاروا على طرابلس بالشام، وقد فشلت محاولاتهم بفضل اللَّه، وهذا مما يدل على عدم هيبة دولة المماليك فى هذا العصر وضعفها (3).
(1) خطط المقريزى 3/ 96، والنجوم الزاهرة 9/ 3، 49، 164.
(2)
العصر المماليكى للدكتور سعيد عاشور ص 132.
(3)
العصر المماليكى ص 139، وخطط المقريزى 3/ 97.