الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسألة
(1)
التكليف بالمحال جائز عند الأشعرى وأكثر الأصحاب وهو واقع أيضًا، ونقل عن الشيخ أنه لم يقع، وغلَّط إمام الحرمين (2) ناقله.
وقالت المعتزلة: التكليف بالمحال محال (3).
واختاره جماعة من محققى أصحابنا (4).
قلت: وهو ظاهر نص الشافعى فى الأم، فإنه قال -ما نصه- "يحتمل قول النبى -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم-:"فأتوا منه ما استطعتم"(5) أن عليكم إتيان الأمر مما استطعتم، لأن الناس إنما كلفوا بما
(1) انظر المسألة فى هذه الكتب: المعتمد 1/ 150، 177، البرهان 1/ 102، المستصفى 1/ 55، المحصول 1/ 2/ 363، العدة 2/ 395، الإحكام للآمدى 1/ 191، المنهاج بشرحى الإسنوى والبدخشى 1/ 145، الإبهاج 1/ 170، شرح التنقيح ص 143، المنتهى ص 30، والبحر المحيط للمؤلف 1/ 219 وقارنه بما هنا فإنه مختصر منه.
(2)
انظر البرهان 1/ 103 وعبارته: "وهذا سوء معرفة بمذهب الرجل. . " إلخ.
(3)
انظر المعتمد 1/ 178 - 179، والبحر المحيط 1/ 220.
(4)
هم: الغزالى، أبو حامد الاسفرائينى، إمام الحرمين، ابن القشيرى، أبو بكر الصيرفى، وغيرهم.
المحصول 1/ 2/ 363، الإبهاج 1/ 170، والبحر المحيط 1/ 220.
(5)
هذا جزء من حديث أخرجه مسلم فى صحيحه ولفظه: (خطبنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم- فقال: "أيها الناس قد فرض اللَّه عليكم الحج فحجوا. -فقال رجل: أكل عام يا رسول اللَّه! فسكت حتى قالها ثلاثًا- فقال رسول اللَّه- صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم-: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذرونى ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن =
استطاعوا من الفعل استطاعة شىء لأنه متكلف، وأما النهى فالتارك لكل ما أراد تركه يستطيع، لأنه ليس بتكليف شىء يحدث إنما هو شىء متكلف عنه (1) ". انتهى هذا النص بحروفه.
وأصل الخلاف يلتفت على أمرين:
أحدهما: أن الأمر هل يشترط فيه الإرادة أم لا؟ فالمعتزلة يشترطونها، ونحن لا نشترطها، فلما اشترطوا كون الآمر مريدًا لوقوع ما أمر به استحال عندهم تكليف المستحيل، لأن اللَّه تعالى إذا أمر بإيقاع أمر مستحيل فلا شك أنه سبحانه عالم بأنه لا يقع، ومن أصلهم أن الآمر يريد وقوع ما أمر به، والجمع بين العلم بعدم وقوعه وإرادته بأن يقع متناف ونحن لم نشترط ذلك فجوزنا، فإن قيل: فإن إمام الحرمين قد وافق المعتزلة على وقوعه (2) مع أنه يقول بالأصل المذكور. قلنا: بنوا مذهبهم على هذا الأصل (3)، وأما الإمام فمدركه غير ذلك
= شىء فدعوه").
كتاب الحج باب فرض الحج مرة 4/ 102، سنن النسائى 5/ 110، البخارى فى صحيحه -كتاب الاعتصام- باب الأقتداء بسنن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم-4/ 258، وابن ماجة 1/ 1.
(1)
لم أجد هذا الكلام فى الأم لعدم معرفة مكان مظنته فيها.
(2)
انظر البرهان 1/ 104.
(3)
يعنى التقبيح العقلى لأنهم يقولون: إذا كان اللَّه يأمر بشىء ولا يريده فذلك قبيح، واللَّه منزه عن القبيح، إذن اللَّه لا يأمر بشىء إلا إذا أراد وقوعه.
البحر المحيط 1/ 220، الإبهاج 1/ 171.
والذى يفهم من كلام إمام الحرمين أنه لا يجوز التكليف بالمحال لغيره حيث قال: "فإن قبل: ما علم اللَّه تعالى أنه لا يكون وأخبر على وفق علمه بأنه لا يكون فلا يكون، والتكليف بخلاف المعلوم جائز؟
قلنا: إنما يسوغ ذلك لأن خلاف المعلوم مقدور فى نفسه وليس امتناعه للعلم بأنه لا يقع، ولكن إذا كان لا يقع مع إمكانه فى نفسه فالعلم يتعلق به على ما هو عليه، وتعلق العلم بالمعلوم لا يغيره ولا يوجبه بل تبعه فى النفى والإثبات".
البرهان 1/ 105.
وذكر الغزالى نحوه فى المستصفى 1/ 56.
وهو أن الطلب فى نفسه لا يتحقق مع علم الطالب أن المطلوب بأمره مستحيل (1).
فحاصل المسألة أن طلب المستحيل من عالم باستحالته هل يتحقق أم لا؟
الثانى: أن القدرة مع الفعل، وعندهم قبله، واعلم أن الشيخ لم يصرح بالجواز فى هذه المسألة إلا أن له أصلين (2) يقتضيان تجويزه:
أحدهما: أن القدرة مع الفعل لا قبله والتكليف يتوجه قطعًا (3) والتكليف بغير المقدور تكليف بما لا يطاق.
والثانى: أن أفعال العباد بقدرة اللَّه تعالى، فالعبد مطلوب بإيقاع فعل غيره، وفعل الغير لا نطيق اختراعه (4)، واعلم أن هذه المسألة تكلم عليها أهل العلمين
(1) ذكر المؤلف رحمه الله فى البحر المحيط: أن مأخذ المعتزلة التقبيح العقلى، ومأخذ إمام الحرمين ومن وافقه من الشافعية أن الفعل والترك لا يصحان من العاجز. انظره 1/ 220 إلا أنه نقله عن ابن القشيرى هناك وتعقبه بما يوافق رأيه هنا.
(2)
انظر هذين الأصلين والرد عليهما. البرهان 1/ 103، المستصفى 1/ 55، والبحر المحيط 1/ 1 22.
(3)
يعنى قبل الفعل.
(4)
حاصل المسألة أن فيها ثلاثة أقوال:
أحدها: جوازه مطلقًا، وهو مذهب الجمهور، والقاضى الباقلانى، والأشعرى، وقول عن الغزالى.
الثانى: المنع مطلقًا وهو مذهب المعتزلة، وبعض الشافعية، وظاهر كلام الشافعى فى الأم كما ذكر المصنف هنا.
الثالث: التفصيل بين أن يكون ممتنعًا لذاته، فلا يجوز أو لغيره فيجوز. ونقل عن بعض المعتزلة واختاره الآمدى، ونقله عن الغزالى، واختاره صاحب المنهاج، وبه قال ابن دقيق العيد.
وهذا القول هو الراجح فى نظرى، لأن الواقع فى الشرع من التكليف بالمحال هو من باب المحال لغيره كتكليف أبى جهل وأبى لهب بالإيمان مع أنه محال حيث أخبرنا اللَّه عن عدم إيمانهم لعلمه السابق بذلك، ولأنه جمع بين الأقوال.
انظر الأحكام للآمدى 1/ 192، الإبهاج 1/ 172، والبحر المحيط 1/ 220.
علم الكلام، وعلم أصول الفقه، أما المتكلمون فلتعلقها بأحكام القدر، وخلق الأفعال، وأما الأصوليون فلتعلقها بأحكام التكليف وما يصح الأمر إلا به وما لا يصح.
* * *