الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسألة
الحقيقة (1) الشرعية واقعة خلافًا للقاضى، فإنها عنده حقائق لغوية لم يستعملها الشارع إلا بها، والزيادات شروط، وتبعه أبو نصر بن القشيرى (2) من أصحابنا.
(1) الحقيقة لغة: استعمال اللفظ فيما وضع له فى العرف الذى وقع به التخاطب، وهى ثلاثة أقسام:
لغوية: كاستعمال الإنسان فى الحيوان الناطق.
وشرعية: كاستعمال لفظ الصلاة فى الأقوال والأفعال المخصوصة.
وعرفية: كاستعمال لفظ الدابة فى ذوات الأربع خاصة مع أنه موضوع لكل ما يدب على الأرض.
وعرف صاحب مراقى السعود الحقيقة الشرعية بقوله:
وما أفاد لاسمه النبى
…
لا الوضع مطقًا هو الشرعى
وانظر تعريف الحقيقة وأقسامها فى: التعريفات للجرجانى ص 89، التلخيص ص 328، شرح التنقيح للقرافى ص 42، المعتمد 1/ 16، الإحكام للآمدى 1/ 36، فواتح الرحموت 1/ 203، العضد على ابن الحاجب 1/ 138، المزهر 1/ 355، إرشاد الفحول ص 21، المحصول 1/ 1/ 395، الإبهاج 1/ 271، نشر البنود 1/ 127، البرهان لإمام الحرمين 1/ 174، المنتهى لابن الحاجب ص 14، المستصفى 1/ 149، الخصائص 2/ 442، التبصرة ص 195، التمهيد للأسنوى ص 185، شرح الكوكب 1/ 149، مذكرة الشيخ رحمه الله ص 174، والبحر 1/ 37، وقارنه بما هنا.
(2)
هو عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن، إمام جليل.
من شيوخه: أبوه، وإمام الحرمين، والشيرازى.
من تلاميذه: سبطه ابن الصفار، وأبو الفتوح الطائى، وخطيب الموصل الطوسى.
من تآليفه: تفسير القرآن.
توفى عام 514 هـ.
طبقات السبكى 7/ 159، تبيين كذب المفترى ص 308، وفيات الأعيان 2/ 377، وابن كثير 12/ 178.
قلت: ونقله الإمام أبو المظفر بن طاهر بن محمد الأسفرائينى (1) فى كتابه "الأوسط" عن الشيخ أبى الحسن الأشعرى.
وقالت المعتزلة: بل نقل الشرع هذه الألفاظ عن مسمياتها اللغوية إلى هذه المفهومات الشرعية، واستعملها حقائق فيه باعتبار الوضع.
فالمعتزلة يقولون: إن الشارع اخترعها وليس للعرب فيها (2) تصرف.
والقاضى يقول: العرب اخترعتها وليس للشارع فيها تصرف إلا بزيادة شرط أو نحوه.
وقال الإمام فخر الدين الرازى: لم يستعملها فى مفهوماتها اللغوية، ولم ينقلها بل استعملها مجازات فى المفهومات الشرعية من باب التعبير بالجزء عن الكل، لأن الصلاة جزؤها الدعاء (3).
وسمى المعتزلة ما أجرى على الفاعل كالمؤمن دينية، وما أجرى على الفعل كالصلاة فشرعية.
ثم هل وقعا أو وقعت الشرعية لا الدينية؟ خلاف.
صحح إمام الحرمين، والشيخ أبو إسحاق الثانى (4).
(1) هو شهفور بن طاهر بن محمد الأسفرائينى. أصولى، فقيه، محدث، له مصاهرة مع الأستاذ إلى منصور البغدادى، رحل فى طلب العلم.
من شيوخه: أصحاب الأصم.
من تآليفه: كتاب الأوسط فى الأصول، والتفسير الكبير.
توفى عام 471 هـ.
تبيين كذب المفترى ص 676، طبقات السبكى 5/ 11، وطبقات الأصوليين 1/ 251.
(2)
فى الأصل (فيه).
(3)
المحصول 1/ 1/ 427 - 429.
(4)
البرهان 1/ 176 - 177، والتبصرة ص 195، وانظر المستصفى 1/ 147، المنخول ص 70، الإحكام 1/ 48 فما بعدها، المنتهى لابن الحاجب ص 15، والإبهاج 1/ 276، اللمع ص 69، والمحصول 1/ 1/ 420 فما بعدها.
وأصل الخلاف فى هذه المسألة يلتفت على تفسير الإيمان. هل هو التصديق، أو الطاعات (1)؟ .
فإن قلنا: هو التصديق. امتنع النقل، وإلا فلا ومن هذا تنشأ مسألة الفاسق (2) هل يخرج عن الإيمان؟ وهل تثبت منزلته بين المنزلتين؟ وهى الفسق بين الإيمان والكفر.
قال الشيخ أبو إسحاق فى شرح اللمع (3): هذا أول مسألة نشأت فى الاعتزال، وذلك أن عثمان (4) -رضى اللَّه عنه- لما قتل ظهرت البدعة،
(1) الإيمان فى اللغة: التصديق بالقلب.
وفى الشرع: الاعتقاد بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح؛ لأن من شهد وعمل ولم يعتقد فهو منافق، ومن شهد واعتقد ولم يعمل فهو فاسق متكاسل، ومن أخل بالشهادة فهو كافر.
وانظر تعريف الإيمان فى: الإنصاف للباقلانى ص 22، غاية المرام للآمدى ص 309 - 311، التعريفات للجرجانى ص 40، الفرق بين الفرق ص 8 - 11، شرح الطحاوية ص 373، فما بعدها، الأربعين للرازى ص 388، فما بعدها، شرح الأصول الخمسة ص 695، والاعتقاد للأصبهانى ص 353.
(2)
الفسق هو ارتكاب المعاصى وانتهاك محارم الدين مع الإقرار بوجوب تركه. ولذلك قيل: الفاسق من كان رأيه فى شريعته التى يتدين بها رأى الفضلاء، وأفعاله أفعال الجهال، أو الذى يعتقد الخير ويفعل الجميل، لكن ظن ما ليس بحق حقًّا، وما ليس بجميل جميلًا. انظر الاعتقاد ص 375.
(3)
انظر اللمع ص 5 - 6، ونقله عنه السبكى فى الإبهاج 1/ 278.
(4)
هو أمير المؤمنين عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس، القرشى الأموى، أبو عمر. أسلم على يد أبى بكر، وكان زوجًا لكل من رقية، وأم كلثوم ابنتى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم- ولذلك كان يلقب ذا النورين، له فضائل كثيرة منها: تجهيز جيش العسرة، ومبايعة النبى -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم- عنه تحت الشجرة، وثراؤه بئر رومة، وغير ذلك، روى عن النبى -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم-، وأبى بكر وعمر. وروى عنه ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم، ولد بعد الفيل بست سنين، وتوفى عام 35 هـ. الإصابة 2/ 455، والاستيعاب مع الإصابة 3/ 69.
وكثرت الشرور، وقال أهل الشام: نحن دم عثمان، وجرت بينهم من الحروب ما لا يخفى فجاءت المعتزلة بعدهم فقالوا: ننزلهم منزلة بين المنزلتين، فلا نسميهم كفارًا، ولا مؤمنين، ونسميهم فسقة حتى أطلقوا هذا الاسم على أكابر الصحابة كطلحة (1) والزبير (2) -رضى اللَّه عنهما-.
ووجه بناء هذا الأصل أن المعتزلة قالوا: إن الأسماء المستعملة فى أصول الديانات حقائق شرعية بمعنى أن الشرع اخترعها، وكان الإيمان فى الشرع عبارة عن التصديق مع العمل، فهؤلاء ليسوا مؤمنين؛ لأنه وإن وجد فيهم التصديق لكن لم يوجد منهم العمل، وليسوا بكافرين لقيام الإجماع عليه، فتثبت الواسطة (3).
(1) طلحة بن عبيد اللَّه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى القرشى التيمى، أحد العشرة والسابقين الأولين، وأحد السنة أصحاب الشورى. روى عن النبى -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم- وعنه بنوه يحيى وموسى وعيسى. توفى عام 36 هـ وعمره 64 عامًا.
الإصابة والاستيعاب 2/ 210، 220.
(2)
الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب القرشى الأسدى، حوارى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم- وابن عمته وأحد العشرة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وركن من أركان الدين.
أسلم وهو صغير. توفى عام 36 هـ وعمره 76 عامًا.
الإصابة مع الاستيعاب 1/ 526، 560.
(3)
اختلف الناس فى الإيمان: فقيل: هو الاعتقاد بالقلب فقط، وهو قول الأشاعرة، وأبى منصور الماتريدى، وقول عن أبى حنيفة رحمه الله.
وقيل: هو الإقرار باللسان فقط، وهو قول الكرامية.
وقيل: هو الاعتقاد والإقرإر والعمل الصالح معًا، وهو القول الصحيح.
وعليه عامة السلف، وحكى الشافعى الإجماع عليه، وأنه يزيد وينقص.
انظر هذه الأقوال وأدلتها فى: أصول الدين ص 248، التمهيد ص 346، شرح المواقف 8/ 322، شرح العقيدة الطحاوية ص 373، الإيمان لابن تيمية ص 265، فتح البارى 1/ 47، غاية المرام ص 310، الإيمان لابن منده 1/ 116 فما بعدها، والبرهان 1/ 174 فما بعدها.
ولما كان القاضى يرى أنها حقائق لغوية وأن الشرع استعملها على موضعها أطلق عليها اسم الإيمان حقيقة، لأن الإيمان فى اللغة التصديق، وشرط معه الشرع شرطًا آخر، وبانتفاء الشرط لا ينتفى المشروط.
قال الشيخ أبو إسحاق: سمعت القاضى أبا الطيب الطبرى يقول: سمعت أبا بكر يقول: ذهبت ناشئة المعتزلة القدرية إلى أن فى الأسماء شيئًا منقولًا، وتابعهم على ذلك جماعة من المتفقهة، ولم يعلموا ما فى ذلك من الكفر والطغيان، وقال: هذا قول عظيم فى السلف.
قال الشيخ: ويمكن أن يقال: إن الأسماء منقولة إلا فى هذه المسألة. كما نقول فى الأمر: يقتضى الوجوب، وإن كان منها ما لا يقتضيه، وقال فى موضع آخر: وأما إثبات الاسم من جهة عرف الشرع وهو أن يكون اللفظ موضوعًا فى اللغة لمعنى وورد الشرع به فى غيره وكثرة استعماله فيه كالأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع كالوضوء، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، فذهبت المعتزلة إلى أنها منقولة من اللغة إلى الشرع.
ومن أصحابنا من ذهب إلى أن الأسماء كلها مبقاة على موضوعاتها فى اللغة لم ينقل شىء منها (1).
قال: وهو قول أهل الحق، ومذهب أهل السنة.
وقد ذكرنا أن ذلك أول بدعة ظهرت فى الإسلام، وأصله مسألة الإيمان.
قال: وقد نصرت فى التبصرة أن الأسماء منقولة.
قال: ويمكننا نصرة ذلك من غير أن نشارك المعتزلة فى مذهبهم فنقول: هذه الألفاظ منقولة من اللغة إلى الشرع، فأما الإيمان فهو مبقى على موضوعه فى اللغة غير منقول إلى الشرع (2). انتهى.
(1) انظر اللمع ص 6.
(2)
انظر التبصرة ص 190 - 197.
وبنحو ذلك قال ابن برهان فى رد شبهة أن نقل الأسامى من اللغة إلى الشرع يفضى إلى إخراج الفاسق من الإيمان. فقال: هذا إذا قلنا: إن جميع الأسامى منقولة وليس كذلك، بل مذهبنا أن بعضها منقولة، وبعضها مبقى على حقائقها اللغوية، ومنه اسم الإيمان، فلا جرم إذا وجد التصديق حكمنا بإيمان الشخص، وإن تخلف بعض الأركان.
وقال القاضى مجلى (1) فى الذخائر:
فائدة: الخلاف فى هذه المسألة أنه إذا ورد فى الشرع أمر بصلاة أو زكاة أو صيام أو حج، فإنه يحمل على ما يقتضيه اللفظ فى الشرع دون اللغة، وسيأتى فى باب البيان مسألة مفرعة على هذا الأصل أيضًا.
* * *
(1) هو قاضى القضاة أبو المعالى مجلى بن جُميع بن نجا المخزومى. إمام فى الفقه، إليه ترجع الفتيا فى مصر، يقال إنه تفقه من غير شيخ بل كان يقرأ ويراجع بنفسه.
من تلاميذه: أبو إسحاق العراقى شارح المهذب.
من تآليفه: الذخائر فى الفقه، وإثبات الجهر بالبسملة، والكلام على مسألة الدّوْر.
توفى عام 550 هـ.
طبقات السبكى 7/ 277، وفيات الأعيان 3/ 300، ابن كثير 12/ 233، حسن المحاضرة 1/ 405، وكشف الظنون 1/ 822.