الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والحكم هو ابن عتيبة من الثقات الضّابطين من أثبت الناس في إبراهيم النّخعي إلّا أنّ شعبة كان شديدًا عليه؛ لأنه كان فيه تشيّع لم يظهر منه إلّا بعد موته.
يقول أبو عوانة: "سمعت منه أربعمائة حديث، ولم أحدِّث منها إلّا بحديثين وتركتُ الباقي من أجل شعبة".
فقول شعبة: "لم يسمع منه مقسم إلّا خمسة أشياء وليس منها هذا الحديث" فيه مبالغة؛ ولذا لم يأخذ أهل العلم بقول شعبة فأخرجوا حديثه في صحاحهم كما تقدم، ثم يقال: إنّه أخذ باقي الأحاديث من كتاب، فإن كان هذا الكتاب مناولة من مقسم فهو أحد طرق التحمّل، وأما كونه نسخة بدون علم الشيخ فهو بعيد من مثل الحكم الذي اتفق أهل العلم على توثيقه.
وللحديث طريق آخر يقويه، وهو ما رواه الترمذي (879)، وابن ماجه (3004) كلاهما من حديث إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم غدا إلى عرفات.
قال الترمذي: "وإسماعيل بن مسلم قد تكلّموا فيه من قبل حفظه".
قلت: وهو كذلك إلّا أنه لم يخطئ في هذا لوجود المتابعة وله شواهد صحيحة، كما مضى.
• عن ابن عمر، أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ إِذَا اسْتَطَاعَ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِمِنًى مِنْ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم صَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى.
حسن: رواه الإمام أحمد (6131) عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، ثني نافع، عن ابن عمر، فذكره. وإسناده حسن؛ لأنّ محمد بن إسحاق صرَّح بالتحديث.
• عن عبد الله بن الزبير قال: من سنّة الحج أن يصلي الإمام الظّهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والصّبح بمنى
…
الحديث.
صحيح: رواه ابن خزيمة (2800) عن يوسف بن موسي، ثنا جرير، عن يحيى، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن الزبير، قال (فذكره). وسيأتي بتمامه في باب بماذا يحصل التّحلل الأول.
73 - باب قصر الصلاة بمني
• عن عبد الله قال: صليتُ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم بمني ركعتين، وأبي بكر وعمر، ومع عثمان صدرًا من إمارته ثم أتمّها.
متفق عليه: رواه البخاريّ في تقصير الصلاة (1082)، ومسلم في صلاة المسافرين (694) كلاهما من حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
ذهب جمهور أهل العلم أبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم إلى أن هذا القصر خاص لمن كان بمني مسافرًا. قالوا: وأما أهل مكة فليس لهم أن يقصروا الصلاة بمنى، وقد كان عمر بن الخطاب
رضي الله عنه يصلي بهم فيقصر فإذا سلّم التفتَ فقال: "أتمّوا يا أهل مكّة، فإنّا قوم سَفر".
ولم ينقل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثل ذلك لاشتهار ذلك عنه صلى الله عليه وسلم، فصار إتمام الصلاة للمقيمين من العلم الظاهر العام.
قال الخطّابي في "معالمه"(2/ 415): "حدثني إسماعيل بن محمد بن خشك بن محرز، حدثنا سلمة بن شبيب، قال: قال الوليد بن مسلم: وافيت مكة وعليها محمد بن إبراهيم، وقد كتب إليه أن يقصر الصلاة بمنى وعرفة، فقصر، فرأيت سفيان الثوري قام فأعاد الصلاة، وقام ابن جريج فبني على صلاته فأتمّها. قال الوليد: ثم دخلتُ المدينة، فلقيت مالك بن أنس فذكرت له ذلك، وأخبرته بفعل الأمير وفعل سفيان وابن جريج؟ فقال: أصاب الأمير وأخطأ ابن جريج. ثم قدمت الشام فلقيت الأوزاعي، فذكرت له ذلك، فقال: أصاب مالك، وأصاب الأمير، وأخطأ سفيان وابن جريج. قال: ثم دخلت مصر فلقيت الشافعي، فذكرت ذلك له، فقال: أخطأ الأمير، وأخطأ مالك، وأخطأ الأوزاعي، وأصاب سفيان، وأصاب ابن جريج".
وقال: "أما ابن جريج فإنما بني على صلاته؛ لأنّ من مذهبه أن المفترض يجوز له أن يصلي خلف المتنفّل، وأعاد سفيان الصلاة؛ لأنه لا يرى للمفترض أن يصلي خلف المتنفِّل، وكانت صلاة الأمير عنده نافلة حين قصرها وهو مقيم بمكة واليا عليها، فاستأنف سفيان صلاته، وكذلك مذهب أصحاب الرأي في هذا "انتهي.
وذهب مالك والأوزاعي وإسحاق إلى أنّ الإمام إذا قصر قصروا معه، وسواء في ذلك أهل مكة وغيرهم.
وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: هل قصْرُ الصّلاة لأهل مكة في المشاعر خاص بالحجّاج فقط أم يشمل حتى الباعة منهم وغيرهم ممن يوجدون في المشاعر من غير حج؟ .
فأجاب بقوله: المشهور عند العلماء أنّ هذا القصر خاص بالحجاج من أهل مكة فقط على قول من أجازه لهم.
أما الجمهور فيرون أن أهل مكة لا يقصرون ولا يجمعون لأنهم غير مسافرين وعليهم أن يتمّوا كلّهم ويصلّوا الصّلاة في أوقاتها.
ولكن من أجازه للحجّاج فهو خاص بالحجّاج فقط من أهل مكة وهو الأصحّ؛ لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بالإتمام.
أما الباعة ونحوهم ممن لم يقصد الحجّ فإنه يتم ولا يجمع كسائر سكان مكة.
• عن ابن عمر، قال: صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِمِنًى صَلاةَ الْمُسَافِرِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ثَمَانِيَ سِنِينَ أَوْ قَالَ سِتَّ سِنِينَ.
قَالَ حَفْصٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَأْتِي فِرَاشَهُ، فَقُلْتُ: أَيْ عَمِّ، لَوْ صَلَّيْتَ
بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ. قَال: لَوْ فَعَلْتُ لأَتْمَمْتُ الصَّلاةَ.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (694: 18) عن عبيد الله بن معاذ، حدّثنا أبي، حدّثنا شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن سمع حفص بن عاصم، عن ابن عمر، فذكره.
• عن حارثة بن وهب، قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمني آمن ما كان الناس وأكثره ركعتين.
متفق عليه: رواه البخاريّ في تقصير الصلاة (1083)، ومسلم في صلاة المسافرين (696) كلاهما من وجهين عن أبي إسحاق قال -في رواية أحدهما- سمعت حارثة بن وهب، فذكره.
قال مسلم: حارثة بن وهب الخزاعيّ هو أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمّه.
• عن عبد الرحمن بن يزيد قال: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رضي الله عنه بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِعبد الله بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في تقصير الصلاة (1084)، ومسلم في صلاة المسافرين (695) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا عبد الواحد، عن الأعمش، قال: حدّثنا إبراهيم، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، فذكره.
ورواه أبو داود (1960) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش وزاد فيه: ثم تفرّقت بكم الطرق، فلوددت أنّ لي من أربع ركعات ركعتين متقبّلتين.
قال الأعمش: فحدثني معاوية بن قرّة، عن أشياخه، أنّ عبد الله صلّى أربعًا، قال: فقيل له: عبت عثمان ثم صليت أربعًا. قال: الخلاف شرّ".
وفيه شيوخ معاوية بن مرة مجهولون؛ ولكن لوجود جمع يجبر بعضهم بعضًا كما يقال.
وقال البيهقي (3/ 144) وقد رُوي بإسناد موصول: فأخرجه من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا مع عبد الله بن مسعود بجمع، فلما دخل مسجد مني فقال: كم صلى أمير المؤمنين؟ قالوا: أربعًا. فصلي أربعًا. قال: فقلنا: ألم تحدّثنا أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين، وأبا بكر صلى ركعتين؟ قال: بلى. وأنا أحدثكموه الآن، ولكن عثمان كان إمامًا فما أخالفه، والخلاف شرّ".
وفي الإسناد أبو إسحاق وهو السبيعي مختلط ومدلس.
ولكن رُوي بأسانيد أخرى عند أبي يعلى وأبي عوانة والبزّار والطبراني في الأوسط وغيرهم يقوّي بعضُها بعضًا فتصح هذه الزيادة بمجموع هذه الطّرق.
• عن عائشة قالت: الصَّلاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ فَأْقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلاةُ الْحَضَرِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ؟ قَال: تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في تقصير الصلاة (1090)، ومسلم في صلاة المسافرين (685: 3) كلاهما من حديث سفيان، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة، فذكرته.
ومعنى تأويلهما كما قال جمهور أهل العلم أنهما رأيا القصْر جائزًا لا واجبًا، وقيل غير ذلك. انظر "خلاصة النووي"(2/ 725).
وأما ما رُوي عن عثمان رضي الله عنه مرفوعًا: "من تأهّل في بلد فليصل صلاة المقيم" فهو حديث ضعيف. انظر تخريجه في كتاب الصلاة - جموع أبواب صلاة المسافر.
وأضيف هنا ما قاله الحافظ في "الفتح"(2/ 570): "هذا الحديث لا يصح لأنه منقطع، وفي رواته من لا يحتج به، ويردّه قول عروة: إنّ عائشة تأوّلتْ ما تأوّل عثمان، ولا جائز أن تتأهل عائشة أصلًا، فدلّ على وهن الخبر".
وقال: "ثم ظهر لي أنه يمكن أن يكون مراد عروة بقوله: "كما تأوّل عثمان" التشبيه بعثمان في الإتمام بتأويل لا اتحاد تأويلهما، ويقويه أن الأسباب اختلفت في تأويل عثمان فتكاثرت بخلاف تأويل عائشة.
وقيل: إن عثمان إنما أتمّ الصلاة لأنه نوى الإقامة بعد الحجّ إلا أنه مرسل. رواه عبد الرزاق عن الزهريّ أن عثمان فذكره.
وقيل: إنّ عثمان بن عفّان أتمّ الصلاة بمني من أجل الأعراب؛ لأنهم كثروا عامئذ، فصلي بالناس أربعًا ليعلمهم أنّ الصلاة أربع.
رواه أبو داود (1964) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا حماد، عن أيوب، عن الزهري، أنّ عثمان بن عفان، فذكره. وهذا أيضًا مرسل.
ولكن يقويه ما رواه البيهقيّ (3/ 144) من طريق عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن عثمان أنه أتمّ بمني ثم خطب فقال:"إنّ القصر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ولكنه حدث طَغَام (بفتح الطاء والمعجمة، كما في الفتح) - فخفت أن يستنوا".
وعن ابن جريج أنّ أعرابيًّا ناداه في منى: يا أمير المؤمنين، ما زلتُ أصليها منذ رأيتك عام أوّل ركعتين".
قال ابن حجر: "هذه طرق يقوي بعضها بعضًا".
وقال البيهقي عقب حديث عبد الرحمن بن حميد: "وقد قيل غير هذا، والأشبه أن يكون رآه رخصة، فرأى الإتمام جائزًا كما رأته عائشة، وقد رُوي ذلك عن غير واحد من الصحابة مع اختيارهم القصر".
• عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، قال: لما قدم علينا معاوية حاجًّا قدمنا معه مكّة، قال: فصلّي بنا الظّهر ركعتين، ثم انصرف إلى دار النّدوة، قال: وكان عثمان حين أتمّ الصّلاة إذا قدم مكة صلّى بها الظّهر والعصر والعشاء الآخرة أربعًا أربعًا فإذا خرج إلى منى وعرفات قصر الصّلاة فإذا فرغ من الحج وأقام بمنى أتم الصّلاة حتى يخرج من مكة، فلما صلّى بنا الظهر ركعتين نهض إليه مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان فقالا له: ما عابَ أحدٌ ابنَ عمِّك بأقبحَ ما عبْتَه به! فقال لهما: وما ذاك؟ قال: فقالا له: ألم تعلمْ أنّه أتّم الصّلاة بمكة؟ قال: فقال لهما: ويحكما! وهل كان غير ما صنعتُ قد صليتُهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. قالا: فإنّ ابنَ عمِّك قد كان أتَمّها وإنّ خلافك إيّاه له عيب! قال: فخرج معاوية إلى العصر فصلاها بنا أربعًا.
حسن: رواه الإمام أحمد (16857)، والطبراني في الكبير (19/ 333) كلاهما من حديث يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدّثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، فذكره. واللفظ لأحمد ولفظ الطبرانيّ مختصر.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه مدلّس، ولكنّه صرَّح وحسّنه أيضًا الحافظ في "الفتح". وذكره الهيثميّ في "المجمع" (2/ 156 - 157) وقال: رواه أحمد، وروى الطبرانيّ بعضه في الكبير، ورجال أحمد موَّثقون.
ويفهم من هذا الحديث أنّ عثمان رضي الله عنه كان يرى القصر مختصًا بمن كان شاخصًا سائرًا، وأمّا من أقام في مكان في أثناء سفره فله حكم المقيم فيُتم. انظر:"الفتح"(2/ 571).
• عن أنس بن مالك، أنه قال: صليتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى، ومع أبي بكر وعمر ركعتين، ومع عثمان ركعتين صدرًا من إمارته.
حسن: رواه النسائيّ (1447) عن قتيبة، حدّثنا الليث، عن بكير بن عبد الله، عن محمد بن عبد الله بن أبي سليم، عن أنس، فذكره.
وإسناده صحيح من أجل محمد بن عبد الله بن أبي سليم، وهو "صدوق" كما في التقريب، ووثقه النسائيّ، وروى له، وذكره ابن حبان في "الثقات" (5/ 362) فلا معنى لقول الذهبي في "الميزان":"لا يعرف".
وأخرجه أيضًا الإمام أحمد (12464) من حديث الليث وهو ابن سعد بإسناده مثله.
• عن أبي جحيفة، قال: صليتُ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم بمنى الظّهر ركعتين، ثم لم نزل نصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة.