الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يعني أنه إذا كان في غير طوافه الأول كالزيارة والوداع فلا يرمل فيه.
122 - باب ما جاء في شرب ماء زمزم وصبه على الرّأس للحاج والمعتمر وغيرهما وأنه ماء مبارك، ويستشفى به
• عن أبي ذرّ، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "متى كنت ههنا؟ ". قال: قلت: قد كنت ههنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم. قال: "فمن كان يُطعمك؟ ". قال: قلت ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنتُ حتى تكسرت عُكَنُ بطني، وما أجد على كبدي سخفة جوع! قال:"إنّها مباركةٌ، إنّها طعام طُعْم".
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (2473) عن هداب بن خالد الأزديّ، حدّثنا سليمان ابن المغيرة، أخبرنا حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، قال: قال أبو ذر (فذكر حديثًا طويلًا في خروجه من قومه إلى مكة).
ورواه أبو داود الطيالسيّ (459) عن سليمان بن المغيرة، وزاد فيه:"وشفاء سُقم". وهي زيادة صحيحة ولم يذكرها مسلم لأنه لم تقع لشيخه هداب بن خالد.
وكذلك رواه ابن حبان (7133) من حديث هداب بن خالد بدون هذه الزّيادة.
ووهمَ البيهقيّ (5/ 147) عندما عزاه لمسلم من حديث هداب بن خالد مع هذه الزيادة.
• عن جابر بن عبد الله، قال: ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت، فصلّى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال:"انزعوا بني عبد المطلب! فلولا أن يغلبكم الناسُ على سقايتكم لنزعتُ معكم". فناولوه دلوًا فشرب منه.
صحيح: رواه مسلم في الحج (1218) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، به. وهو آخر جزء من الحديث الطويل في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم.
• عن جابر بن عبد الله: أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ذهب إلى زمزم، فشرب منها، وصبَّ على رأسه.
حسن: رواه الإمام أحمد (15243) عن موسى بن داود، حدّثنا سليمان بن بلال، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل موسي بن داود وهو الضّبيّ من رجال مسلم، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
قال في التقريب: "صدوق فقيه زاهد له أوهام".
فيا ترى هل قوله: "وصبَّ على رأسه" من أوهامه لانفراده؟ . لأنّ كلَّ من روى صفة حجّة النبيّ صلى الله عليه وسلم من حديث جابر لم يذكر هذه الزّيادة.
فلما نظرنا إلى الأحاديث الأخرى وجدنا أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حثّ على استعمال ماء زمزم لإبراد الحمّى.
• عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ماء زمزم لما شرب له".
حسن: رواه ابن ماجه (3062)، وأحمد (14849)، والبيهقيّ (5/ 148) كلّهم من حديث عبد الله بن المؤمل، أنه سمع أبا الزبير يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول (فذكر الحديث).
قال البيهقيّ: "تفرّد به عبد الله بن المؤمل".
قلت: عبد الله بن المؤمل هو ابن هبة المخزوميّ مختلف فيه، فقال أحمد: أحاديثه مناكير. وقال أبو حاتم: ليس بقوي، ولكن قال ابن معين: صالح الحديث.
ثم هو لم يتفرد به، بل تابعه إبراهيم بن طهمان، قال: ثنا أبو الزبير، قال: كنا عند جابر بن عبد الله فتحدثنا، فحضرت صلاة العصر، فقام فصلى بنا في ثوب واحد قد تلبّب به، ورداؤه موضوع، ثم أُتي بماء من زمزم فشرب. فقالوا: ما هذا؟ قال: هذا ماء زمزم. وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ماء زمزم لما شرب له". قال: ثم أرسل النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة قبل أن تفتح مكة إلى سهيل ابن عمرو: "أن اهدِ لنا من ماء زمزم ولا يترك". قال: فبعث إليه بمزادتين. رواه البيهقيّ (5/ 202).
ونقل ابن الملقن في البدر المنير (6/ 300) عن المنذري أنه قال في كلامه على أحاديث "المهذب": "إنه حديث حسن".
وللحديث إسناد آخر، رواه البيهقيّ في شعب الإيمان (4128)(3/ 481 - 482)، والخطيب في تاريخه (11/ 405) في ترجمة عبد الله بن المبارك، كلاهما من طريق سويد بن سعيد، قال: رأيت ابن المبارك أتي زمزم فملأ إناء، ثم استقبل الكعبة، فقال: اللَّهم إنّ ابن الموال، نا عن ابن المنكدر، عن جابر، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"ماء زمزم لما شرب له" وهو ذا أشرب هذا لعطش يوم القيامة، ثم شربه.
قال البيهقيّ: "غريب من حديث ابن أبي الموال، عن ابن المنكدر، تفرّد به سويد عن ابن المبارك من هذا الوجه".
قلت: ابن أبي الموال هو عبد الرحمن بن أبي الموال من رجال البخاريّ، وثقه النسائي، وابن معين، والعجلي، وغيرهم. وقال أبو حاتم: لا بأس به.
وسويد بن سعيد الهروي الأصل، ثم الحدثانيّ مختلف فيه، فضعّفه النسائي، ووثقه العجلي، وأخرج له مسلم.
ولذا قال الشيخ شرف الدين الدمياطيّ: "هذا حديث على رسم الصحيح، فإنّ عبد الرحمن بن أبي الموال انفرد به البخاريّ، وسويد بن سعيد انفرد به مسلم" البدر المنير (6/ 301).
وعزاه المنذريّ في الترغيب والترهيب (1842) إلى أحمد وقال: "بإسناد صحيح. ثم قال: والمرفوع منه رواه عبد الله بن المؤمل أنه سمع أبا الزبير يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول
(فذكره). وهذا إسناد حسن" انتهى.
قلت: عزوه حديث سويد بن سعيد إلى أحمد وهم منه.
كما تعقّب الحافظ في "التلخيص" الدّمياطي فقال: غفل عن أن مسلمًا أخرج لسويد ما توبع عليه، ولا ما انفرد، فضلًا عمّا خولف فيه".
والخلاصة في حديث جابر أنه حسن بمجموع هذه الطرق.
• عن ابن عباس، قال: سقيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب قائمًا، واستسقى وهو عند البيت.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (1637)، ومسلم في الأشربة (2027: 120) كلاهما من طريق عاصم، عن الشعبيّ، عن ابن عباس، فذكره. واللفظ لمسلم.
وعاصم هو الأحول وقال: فحلف عكرمة ما كان يومئذ إلا على بعير. كذا ذكره البخاريّ دون مسلم وعند ابن ماجه (3422): "فذكرت ذلك لعكرمة، فحلف بالله ما فعل".
قلت: إنكار عكرمة هذا عجيب منه؛ لأن ابن عباس يصرّح بأنه سقى النبيّ صلى الله عليه وسلم فشرب قائمًا، فهل يريد أن يكذب ابن عباس! .
مع أنه يمكن الجمع بين قوله: "كان يومئذ على بعير"، وبين قول ابن عباس بأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بعدما انتهى من الطواف أناخ ناقته فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين كما ذكره جابر في صفة حجة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعكرمة نفسه ذكر هذا عن ابن عباس، قال:"إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته، كلما أتى الركن استلم الركن بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين".
رواه أبو داود (1881) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة.
ويزيد بن أبي زياد هو الهاشميّ مولاهم ضعيف. فلعله شرب زمزم بعد ذلك وهو قائم.
وقد أشار علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب قائمًا، وذلك عندما قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة
…
فشرب وهو قائم، ثم قال: إنّ ناسًا يكرهون الشرب قائمًا، وإنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعتُ". رواه البخاريّ في الأشربة (5616).
ولكن هل الشرب قائمًا خاص بماء زمزم؟ فالظّاهر من فعل علي بن أبي طالب أنه ليس خاصًا بماء زمزم، ولم أقف على قول أهل العلم في استحباب شرب ماء زمزم قائمًا.
فماء زمزم وغيره من الماء سواء في شربه قائمًا وقاعدًا.
وأما النهي الوارد عن شرب الماء قائمًا، فهو للتنزيه لا للتحريم، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
• عن ابن عباس: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى السِّقاية فاستسقى، فقال العباس: يا فضل! اذهبْ إلى أمَّك فأتِ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بشراب من عندها. فقال: "اسْقِني". قال: يا رسول الله! إنهم يجعلون أيديهم فيه! قال: "اسْقِني". فشرب منه، ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال:"اعملُوا فإنّكم على عمل صالح". ثم قال: "لولا أن تُغلبوا لنزلتُ حتّى أضع الحبل على هذه" يعني عاتقه وأشار إلى عاتقه.
صحيح: رواه البخاريّ في الحجّ (1635) عن إسحاق (ابن شاهين)، حدّثنا خالد، عن خالد الحذّاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
• عن ابن عباس، قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ الحُمّى من فيح جهنّم، فأبردوها بماء زمزم".
صحيح: رواه الإمام أحمد (2649) وصحّحه ابن حبان (6028)، والحاكم (4/ 403) كلّهم من طريق عفان، حدّثنا همام، أخبرنا أبو جمرة، قال: كنتُ أدفع النّاس عن ابن عباس، فاحتبستُ أيامًا، فقال: ما حبسك؟ قلت: الحُمّى. قال: إنّ رسول الله قال (فذكر الحديث).
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا السّياق".
قلت: وهو كما قال، إلا أنه وهم في استدراكه على البخاريّ؛ لأنّ الحديث رواه البخاريّ (3261) عن عبد الله بن محمد، حدّثنا أبو عامر، حدّثنا همام، بإسناده. وفيه: قال ابن عباس: أبردها عنك بماء زمزم، ثم قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الحمّى من فيح جهنّم فأبردوها بالماء، أو قال: بماء زمزم" شكّ فيه همام.
فلعلّ الحاكم أخرجه من أجل اليقين بماء زمزم؛ فإنّ البخاريّ لم يخرجه بهذا السّياق -أعني- اليقين.
وعفّان هو ابن مسلم إمام حافظ متقن. قال ابن المديني: "كان إذا شكّ في حرف من الحديث تركهـ". فيقينه مقدّم على من شكّ فيه عن همّام، وهو أبو عامر العقديّ (عبد الملك بن عمرو القيسيّ) الذي روى من طريقه البخاريّ وهو دون عفان بن مسلم في الحفظ والإتقان.
وذكر زمزم في هذا الحديث لا يمنع من إبراد الحمّى بالماء المطلق لمن لا يجد ماء زمزم؛ لأنّ البخاري بعد أن أخرج حديث ابن عباس، وذكر أنه كان بمكة وفيها ماء زمزم، أخرج بعده حديث رافع بن خديج يقول: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: "الحمّى من فور جهنّم فأبردوها عنكم بالماء".
وكذلك أخرج حديث عائشة وابن عمر إشارة إلى استعمال الماء المطلق لإبراد الحمّى، فمن وجد ماء زمزم يبردها به، ومن لم يجد فيبردها بأيّ ماء وجد.
• عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من الطُّعم، وشفاء من السُّقْم. وشرّ ماء على وجه الأرض ماء
بوادي برهوت بحضرموت، عليه كرجل الجراد من الهوام، يصبح يتدفق ويُمسي لا بلال فيه".
حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (11/ 98)، والفاكهي في أخبار مكة (2/ 41)، كلاهما من حديث الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، ثنا مسكين بن بكير، ثنا محمد بن مهاجر، عن إبراهيم بن أبي حرة، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في مسكين بن بكير، وإبراهيم بن أبي حرة غير أنهما حسنا الحديث.
وذكره الهيثميّ في "المجمع"(3/ 286) وقال: "رواه الطبراني في "الكبير" ورجاله ثقات، وصحّحه ابن حبان".
كذا قال: "وصحّحه ابن حبان"! ولم أجد هذا الحديث في "الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان"، ولم يذكره الهيثمي نفسه في "موارد الظمآن"، فيا تُرى هل وهم الهيثميّ في عزوه إلى ابن حبان؟ أو تبع في ذلك المنذري فإنه عزاه أيضًا في "الترغيب والترهيب"(1838) إلى ابن حبان.
• عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: كنت عند ابن عباس جالسًا، فجاءه رجل فقال: من أين جئتَ؟ قال: من زمزم. قال: فشربتَ منها كما ينبغي؟ قال: وكيف؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل القبلة، واذكر اسم الله، وتنفّس ثلاثًا، وتضلّع منها. فإذا فرغت فاحمد الله عز وجل، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنّ آية ما بيننا وبين المنافقين إنهم لا يتضلّعون من زمزم".
حسن: رواه ابن ماجه (3016) عن علي بن محمد، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن عثمان بن الأسود، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر وهو الجمحيّ أبو الثورين، ذكره ابن حبان في الثقات (5/ 375). روى عنه عمرو بن دينار، وعثمان بن الأسود، وكان هذا الرجل معروفًا عند أهل العلم.
قال الدوريّ في تاريخه (421): "سمعت يحيى بن معين يقول: حديث أبي الثورين يحدّث به سفيان بن عيينة يقول: أبو الثورين، ويقول حماد بن سلمة: عن محمد بن عبد الرحمن القرشيّ.
ويقول شعبة: أبو السوار. وكلّهم يحدّث به عن عمرو بن دينار هذا. وأخطأ فيه شعبة إنما هو عمرو ابن دينار عن أبي الثورين وهو محمد بن عبد الرحمن القرشيّ"
قلت: فمثل هذا يحسن حديثه. وقال الحافظ في "التقريب": "مقبول".
قلت: وقد وجدتُ له متابعات ذكرها البيهقي.
منها: ما رواه من طريق عبد الوهاب الثقفي، ثنا عثمان بن الأسود، قال: حدثني جليس لابن
عباس، قال: قال لي ابن عباس: من أين جئتَ؟ " فذكر الحديث. أخرجه البيهقي (5/ 147).
فعثمان بن الأسود سمع الحديث من محمد بن عبد الرحمن، كما سمعه أيضًا من الرجل الذي دار الحديث بينه وبين ابن عباس.
ومنها: ما رواه إسماعيل بن زكريا، عن عثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة، قال:"جاء رجل إلى ابن عباس" فذكر الحديث.
رواه الدارقطني، والبيهقي عن شيخه أبي عبد الله الحاكم وهو في المستدرك (1/ 472). ولكن بدون ذكر ابن أبي مليكة. وقال الحاكم:"صحيح على شرط الشيخين، إن كان عثمان بن الأسود سمع من ابن عباس". وتعقبه الذهبي فقال: "لا والله! ما لحقه، توفي عام خمسين ومائة، وأكبر مشيخته سعيد بن جبير".
فالظاهر أن هذا سقط القلم من الحكم عند تأليف كتابه، وإلّا فالذي سمع منه البيهقيّ وروى عنه هو بذكر ابن أبي مليكة.
وقد أكّد البيهقيّ أنّ الفضل بن موسى السينانيّ، رواه أيضًا عن عثمان بن الأسود، عن عبد الرحمن بن أبي ملكية: "جاء رجل إلى ابن عباس
…
" فذكره.
وبهذه المتابعات لا يشك أحدٌ في صحة هذا الحديث، وفي أقل أحواله في تحسينه؛ لأنه ليس فيه منهم.
وقد قال البوصيريّ في زوائد ابن ماجه: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، رواه الدارقطني في سننه، والحاكم في المستدرك من طريق عبد الله بن أبي مليكة، عن ابن عباس، ورواه البيهقيّ في سننه الكبرى عن الحاكم".
والتّضلّع: هو الإكثار من الشّرب حتى يتمدّد جنبه وأضلاعه.
وقد رُوي عن ابن عباس مرفوعًا: "ماء زمزم لما شُرب، إن شربتَه تستشفى به شفاك الله، وإن شربتَه لشبعك أشبعك الله، وإن شربته ليقطع ظمأك قطعه الله، وهي هزمة جبريل، وسقيا الله إسماعيل".
رواه الدارقطني (2739) عن عمر بن الحسن بن علي، حدثنا محمد بن هشام بن علي المروزي، حدثنا محمد بن حبيب الجاروديّ، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره.
وعمر بن الحسن هو الأشناني القاضي ضعّفه الدارقطنيّ في سؤالات الحاكم (252) فقال الذهبي في "الميزان" في ترجمته: "لقد أثم الدارقطني بسكوته عنه، فإنه بهذا الإسناد باطل، ما رواه ابن عيينة قط، بل المعروف من حديث عبد الله بن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر، مختصرًا".
قلت: ولكن عمر بن الحسن لم ينفرد به، بل رواه الحاكم (1/ 473) عن شيخه علي بن حمشاذ
العدل أبي عبد الله، عن محمد بن هشام، بإسناده نحوه. ولم يذكر:"هزمة جبريل، وسقيا الله إسماعيل".
وزاد فيه: "وكان ابن عباس إذا شرب ماء زمزم قال: اللهم! أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاء من كل داء".
قال الحاكم: "صحيح الإسناد إن سلم من الجاروديّ".
قال المنذري في "الترغيب والترهيب"(1841): "سلم منه فإنه صدوق، قاله الخطيب البغداديّ وغيره، لكن الراوي عنه محمد بن هشام المروزي عنه لا أعرفه. وروى الدارقطني دعاء ابن عباس مفردًا من رواية حفص بن عمر العدني".
وقال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام"(3/ 479): "محمد هذا (يعني الجارودي) قدم بغداد وحدّث بها، كان صدوقًا، لكن الراوي عنه لا يعرف حاله، وهو محمد بن هشام بن علي المروزيّ".
ولكن ظاهر من كلام الحاكم أنه يعرف حاله، إذ لم يتوقف إلا عن الجارودي فقط، قاله ابن الملقن في "البدر المنير"(6/ 302).
وأما قول الذهبي في تأثيم الدارقطني فقال الحافظ في اللسان (4/ 291): "والذي يغلب على الظن أن المؤلف هو الذي أثم بتأثيمه الدارقطني، فإنّ الأشناني لم ينفرد بهذا، تابعه عليه في مستدرك الحاكم، ولقد عجبتُ من قول المؤلف (يعني الذهبي): ما رواه ابن عيينة قطّ مع أنه رواه عنه الحميدي، وابن أبي عمر، وسعيد بن منصور، وغيرهم من حفّاظ أصحابه إلّا أنّهم وقفوه على مجاهد. لم يذكروا ابن عباس فيه، فغايته أن يكون محمد بن حبيب وهم في رفعه". انتهى.
وقلت: وكذلك رواه أيضًا عبد الرزاق في المصنف (9124) عن ابن عيينة بإسناده، موقوفًا عن مجاهد.
وهذا ترجيح من الحافظ ابن حجر على أنه موقوف على مجاهد، وهو أقرب إلى الصّواب، والخلاف قائم بين أهل العلم بأنّ قول التابعي الذي لا مجال للرأي فيه حكمه مرفوع أم لا؟
وقد قيل عن مالك أنه يلحق قول التابعي بقول الصحابي الذي لا مجال للاجتهاد فيه، ولعله من أجل ذلك يكثر من آثار التابعين في كتابه "الموطأ" في مجال الاستدلال بها. وعلى كلّ حال فهو موقوف على مجاهد مع زيادات لم تأت من وجه آخر صحيح.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن معاوية رضي الله عنه موقوفًا.
رواه محمد بن إسحاق الفاكهيّ في أخبار مكة (2/ 37) عن محمد بن إسحاق الصيني (كذا! ولعله: الضّبي)، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: "لما حجّ معاوية حججنا معه، فلما طاف بالبيت، وصلى عند المقام ركعتين، ثم مر بزمزم وهو خارج إلى الصفا، فقال: انزع لي منها