الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أخْبَارِ الجَهْرِ ضعيفَةٌ؛ فإنَّ رُوَاتَها هم رُوَاةُ الإِخْفَاءِ، وإسْنَادُ الإِخْفَاءِ صَحِيحٌ ثَابتٌ بغيرِ خلَافٍ فيه، فَدَلَّ على ضَعْفِ رِوَايةِ الجَهْرِ، وقد بَلَغَنَا أنَّ الدَّارَقُطْنِىّ قال: لم يَصِحَّ في الجَهْرِ حديثٌ.
فصل:
واخْتَلَفَت الرِّوَايَةُ عن أحمدَ؛ هل هي آيَةٌ مِن الفاتِحةِ يَجِبُ قراءَتُها في الصلاةِ، أو لا؟ فَعَنْه أنَّها مِن الفاتحَةِ. وذهب إليهِ أبو عبد اللَّه ابن بَطَّةَ، وأبو حَفْص. وهو قولُ ابْنِ المُبَارَكِ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأبِى عبيدٍ. قال ابْنُ المُبارَكِ: مَنْ تَرَكَ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فقد تَرَكَ مائةً وثلاثَ عشرةَ آيةً. وكذلك قال الشَّافِعِىُّ: هي آيَةٌ مِن كُلِّ سُورَةٍ؛ لحديثِ أُمِّ سَلَمَة (11). ورَوَى أبو هُرَيْرَة، أنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قال:"إذَا قَرَأْتُم: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، فَاقرَءُوا: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. فَإنَّهَا أُمُّ الكِتَابِ، وإنَّهَا السَّبْعُ المَثَانِى، و {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} آيَةٌ مِنْهَا (12) ". ولأنَّ الصحابةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم، أثْبَتُوهَا في المصاحفِ بِخَطِّها (13)، ولم يُثْبِتُوا بين الدَّفَّتَيْنِ سِوَى القُرْآنَ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّها ليست من الفاتحَةِ، ولا آيةً مِن غيرِها، ولا يجِبُ قِرَاءَتُها في الصلاةِ. وهى المَنْصُورَةُ عند أصحابِه، وقولُ أبي
= الكتاب، وباب إذا سمع الإمام الآية، من كتاب الأذان. صحيح البخاري 1/ 193، 197. ومسلم، في: باب القراءة في الظهر والعصر، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 333. كما أخرجه النسائي، في: باب تطويل القيام في الركعة الأولى من صلاة الظهر، وباب إسماع الإمام الآية في الظهر، وباب تقصير القيام في الركعة الثانية من الظهر، وباب القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر، وباب القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة العصر، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 127، 128. وابن ماجه، في: باب الجهر بالآية أحيانا في صلاة الظهر والعصر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 271. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 295، 297، 300، 301، 305، 307، 309، 310، 311.
(11)
الذي تقدم في صفحة 148.
(12)
أخرجه الدارقطني، في: باب وجوب قراءة {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . . . إلخ، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 312.
(13)
كذا في النسخ. ولعل الصواب: "بخطهم".
حنيفةَ، ومالِكٍ، والأَوْزَاعِىِّ، وعَبْدِ اللَّه بِن مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ (14). واخْتَلَفَ (15) عن أحمدَ فيها، فقِيل عنه: هي آيَةٌ مُفْرَدَةٌ كانت تَنْزِلُ بين سُورَتَيْنِ، فَصْلًا بَيْنَ السُّوَرِ. وعنهُ: إنَّما هي بَعْضُ آيَةٍ مِن سُورَةِ النَّمْلِ. كذلكَ قال عبدُ اللَّه بن مَعْبَدٍ، والأوْزاعِيُّ: ما أَنْزَلَ اللهُ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} إلَّا في سُورَةِ النَّمْلِ (16): {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (17). والدَّلِيلُ على أنَّها ليست مِن الفاتحَةِ، ما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، يقولُ:"قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِى وبَيْنَ عَبْدِى نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِى مَا سَأَلَ، فَإذَا قَالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ. قالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِى عَبْدِى. فإذَا قالَ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. قالَ اللهُ: أثْنَى عَلَىَّ عَبْدِى. فَإذَا قالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. قالَ اللهُ: مَجَّدَنِى عَبْدِى. فَإذَا قَالَ: إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ. قالَ اللهُ: هَذَا بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِى، ولِعَبْدِى مَا سَأَلَ. فَإذَا قَالَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ. قال: هَذَا لِعَبْدِى، وَلِعَبْدِى مَا سَأَلَ". أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (18). فلو كانت {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} آيةً لَعَدَّها (19)، وبدأ بها، ولم يَتَحَقَّق التَّنْصِيفُ، لأنَّ آياتِ الثَّنَاءِ تكونُ أرْبَعًا ونِصْفًا، وآياتِ الدُّعَاءِ [اثْنَتَيْنِ ونِصْفًا] (20). وعلى ما ذَكَرْنَاه يَتَحَقَّقُ التَّنْصِيفُ. فإنْ قيل: فقد رَوَى عبدُ اللهِ بن زِيَاد بن سَمْعَانَ (21): "يقولُ
(14) عبد اللَّه بن معبد الزماني، بصرى تابعي ثقة. والزماني نسبة إلى زِمَّان بن صعب بن على بن بكر بن وائل، من ربيعة. الأنساب 6/ 296. تهذيب التهذيب 6/ 40.
(15)
أي النقلُ.
(16)
سقط من: م.
(17)
سورة النمل 30.
(18)
تقدم في صفحة 142.
(19)
في الأصل: "عدها".
(20)
في الأصل: "ثلاث ونصف".
(21)
أي عن أبي هريرة، وهو الحديث السابق. وأخرجه الدارقطني بهذا اللفظ في: باب وجوب قراءة {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . . . إلخ، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 312.
عبدِى إذَا افْتَتَحَ الصلاةَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فيَذْكُرُنِى عَبْدِى". قُلْنا: ابْنُ سَمْعانَ مَتْرُوكُ الحديثِ، لا يُحْتَجُّ بِهِ. قالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (22). واتِّفَاقُ الرُّوَاةِ على خِلَافِ رِوَايَتِهِ أوْلَى بِالصَّوَابِ. وَرُوِىَ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّه قالَ: "سُورَةٌ هِىَ ثَلَاثُونَ آيةً، شَفَعَتْ لِقَارِئِهَا، أَلَا وَهِىَ {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} (23) ". وهى ثَلَاثُونَ آيةً سِوَى {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، وأجْمعَ الناسُ على أنَّ سُورَةَ الكَوْثَرِ ثَلَاثُ آياتٍ، بِدُونِ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، ولو كانتْ منها لَكانتْ أرْبَعًا، ولأنَّ مَوَاضِعَ الآىِ تَجْرِى مَجْرَى الآى أنْفُسِها، في أنَّها لا تَثْبُتُ إلَّا بِالتَّوَاتُرِ، ولم يُنقَلْ في ذلك تَوَاتُرٌ (24). فأمَّا قَوْلُ أُمِّ سَلمةَ فمِن رَأْيها، ولا يُنْكَرُ الاختلافُ في ذلك. على أَنَّنَا نقولُ: هي آيَةٌ مُفْرَدَةٌ للْفَصْلِ بين السُّوَرِ. وحديثُ أبي هُرَيْرَةَ موقُوفٌ عليهِ، فَإنّه مِنْ رِوايَةِ أبي بكرٍ الحَنَفِيِّ، عن عبد الحميد بن جعفَرٍ، عن نُوحِ بنِ أبي بلالٍ، (25) قال أبو بكْر:[رَاجَعْتُ فيه نُوحًا، فَوَقَفَه](26). وهذا يَدُلُّ على أَنَّ رَفْعَهُ كان وَهَمًا مِن عبد الحميد. وأَمَّا إثْبَاتُها بين السُّوَرِ في المُصْحَفِ، فللْفَصْلِ بينها، ولذلكَ أُفْرِدَتْ سَطْرًا على حِدَتِها (27).
(22) في الموضع السابق في التعليق السابق.
(23)
أخرجه أبو داود، في: باب في عدد الآى، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 324. والترمذي، في: باب ما جاء في فضل سورة الملك، من أبواب ثواب القرآن. عارضة الأحوذى 11/ 20، 21. وابن ماجه، في: باب ثواب القرآن، من كتاب الأدب. سنن ابن ماجه 2/ 1244. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 299، 321. وقال السيوطي: أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن الضريس، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي هريرة. الدر المنثور 6/ 246. ومراده بالنسائى، أي في سننه الكبير وفى عمل اليوم والليلة، كما جاء في تحفة الأحوذى 10/ 129.
(24)
في حاشية م: هذا غلط وقع فيه كثيرون. فقد اتفق علها القراء السبعة، وقراءتهم متواترة. ورسم المصحف دليل علمى على التواتر. كما قال العضد، بل هو أقوى من الرواية القولية.
(25)
في م زيادة: "قال".
(26)
في سنن الدارقطني 1/ 312: "ثم لقيت نوحا، فحدثنى عن سعيد بن أبي سعيد المقبرى بمثله، ولم يرفعه".
(27)
في حاشية م: مسألة الفصل لا ترد على سورة الفاتحة. كما تقدم لنا. ورد هذا الرأى أيضًا بسورة براءة "التوبة" فلم يفصل بينها وبين الأنفال بالبسملة. وذكروا أن سبب نزولها معها: أنها نزلت بالسيف والعقوبة، لا بالرحمة. وإفرادها بسطر لا يدل على شيء. وكتبه محمد رشيد رضا.