الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كَبيرٍ؛ أمَّا أحَدُهُما فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِه". مُتَّفَقٌ عليه (6). وفي رِوَايةٍ: "لا يَسْتَنْزِهُ من بَوْلِه". ولأنَّها إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ، فكانت شَرْطًا للصَّلاةِ، كالطَّهَارَةِ من الحَدَثِ.
فصل:
وطَهارةُ مَوْضِعِ الصَّلاةِ شَرْطٌ أيضًا، وهو المَوْضِعُ الذي تَقَعُ عليه أعْضاؤُه وتُلاقِيهِ ثيابُه التي عليه، فلو كان على رَأْسِه طَرَفُ عِمَامَةٍ، وطَرَفُها الآخَرُ يَسْقُطُ على نَجَاسةٍ، لم تَصِحَّ صَلاتُه. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ احْتِمَالًا فيما تَقَعُ عليه ثِيَابُه خاصَّةً، أنَّه لا يشترط طَهارتُه؛ لأنَّه يُبَاشِرُها بما هو مُنْفَصِلٌ عن ذَاتِه، أشْبَهَ ما لو صَلَّى إلى جانِبِه إنْسَانٌ نَجِسُ الثَّوْبِ، فالْتَصَقَ ثَوْبُه به. والأوَّلُ المَذْهبُ؛ لأنَّ سُتْرَتَه تَابِعَةٌ له، فهى كأعْضاءِ سُجُودِه. فأمَّا إذا كان ثَوْبُه يَمسُّ شيئًا نَجِسًا، كَثَوْبِ مَن يُصَلِّي إلى جَانِبِه، أو حائِطٍ لا يَسْتَنِدُ إليه، فقال ابنُ عَقِيلٍ: لا تَفْسُدُ صَلاتُه بذلك؛ لأنَّه لَيْسَ بمَحَلٍّ لِبَدَنِه ولا سُتْرَتِه، ويَحْتَمِلُ أن يَفْسُدَ؛ لأن سُتْرَتَه مُلاقِيةٌ لِنَجَاسَةٍ، أَشْبَه ما لو وَقَعَتْ عليها. وإن كانت النَّجَاسَةُ مُحَاذِيَةً لِجِسْمِهِ في حال سُجُودِه؛ بحيثُ لا يَلْتَصِقُ بها شيءٌ من بَدَنِه ولا أعْضائِه، لم يَمْنَعْ صِحَّةَ صَلاتِه؛ لأنَّه لم يُبَاشِر النَّجاسةَ، فأشْبَهَ ما لو خَرَجَتْ عن مُحَاذَاتِه.
فصل: وإذا صَلَّى، ثم رَأَى عليه نَجَاسَةً في بَدَنِه أو ثِيَابِهِ، لا يَعْلَمُ؛ هل كانت عليه في الصَّلاةِ، أو لا؟ فصَلاتُه صَحِيحَةٌ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُها في الصَّلاةِ. وإن عَلِمَ أنَّها كانت في الصَّلاةِ، لكن جَهِلَها حتى فَرَغَ من الصَّلاةِ، فَفِيه رِوَايتان: إحْدَاهما،
(6) أخرجه البخاري، في: باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله، وباب ما جاء في غسل البول، من كتاب الوضوء، وفى: باب الجريد على القبر، وباب عذاب القبر من الغيبة والبول، من كتاب الجنائز، وفى: باب الغيبة، وباب النميمة من الكبائر، من كتاب الأدب. صحيح البخاري 1/ 64، 65، 2/ 119، 120، 124، 8/ 20، 21. ومسلم، في: باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 240، 241. كما أخرجه أبو داود، في: باب الاستبراء من البول، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 5. والترمذي، في: باب التشديد في البول، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذى 1/ 90. والنسائي، في: باب التنزه عن البول، من كتاب الطهارة. وفى: باب وضع الجريدة على القبر، من كتاب =
لا تَفْسُدُ صَلاتُه. وهذا قولُ ابْنِ عمرَ، وعَطَاءٍ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وسَالمٍ، ومُجَاهِدٍ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، ويَحْيَى الأَنْصَارِيّ، وإسْحَاقَ، وابْنِ المُنْذِرِ. والثانية: يُعِيدُ. وهو قولُ أبي قِلابَةَ، والشَّافِعِيِّ؛ لأنَّها طهارةٌ مُشْتَرَطَةٌ للصَّلَاةِ، فلم تَسْقُطْ بِجَهلِها، كطهارةِ الحَدَثِ. وقال رَبِيعةُ، ومَالِكٌ: يُعِيدُ ما كان في الوَقْتِ، ولا يُعِيدُ بعدَه. ووَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى، ما رَوَى أبو سعيدٍ، قال: بَيْنَا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بأصْحابِه، إذ خَلَعَ نَعْلَيْه، فوَضَعَهما عن يسارِهِ، [فخَلَعَ الناسُ نِعَالَهُم](7)، فلما قَضَى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صلاتَه قال:"مَا حَمَلَكُم عَلَى إلْقَائِكُم نِعَالَكُمْ؟ ". قالوا: رَأيْنَاكَ ألْقَيْتَ نَعْلَيْكَ، فألْقَيْنَا نِعَالَنا. قال:"إن جِبْرِيلَ أتَانِى، فأخْبَرَنِى أنَّ فِيهِمَا قَذَرًا". رَوَاهُ أبو داوُدَ (8). ولو كانت الطَّهارةُ شَرْطًا، مع عَدَمِ العِلْمِ بها، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ الصَّلاةِ، وتُفَارِقُ طهارةَ الحَدَثِ؛ لأنَّها آكَدُ؛ لأنَّها لا يُعْفَى عن يَسِيرِها، وتَخْتَصُّ البَدَنَ، وإن كان قد عَلِمَ بالنَّجَاسَةِ ثم أُنْسِيَها (9)، فقال القاضي: حَكَى أصْحَابُنا في المَسْأَلَتَيْنِ رِوَايَتَيْنِ. وذَكَرَ هو في مَسْأَلَةِ النِّسْيَانِ، أنَّ الصَّلاةَ باطِلَةٌ؛ لأنَّه مَنْسُوبٌ إلى التَّفْرِيطِ، بخِلافِ الجاهِل بها. قال الآمِدِيُّ: يُعِيدُ إذا كان قد تَوَانَى، رِوَايَةً واحِدَةً. والصَّحِيحُ التَّسْوِيَةُ بينهما؛ لأنَّ ما عُذِرَ فيه بالجَهْلِ عُذِرَ فيه بالنِّسْيَانِ، بل النِّسْيَانُ أوْلَى؛ لِوُرُودِ النَّصِّ بالعَفْوِ فيه، بقَوْلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:"عُفِى لأُمَّتِى عن الخَطَإِ والنِّسْيَاِن"(10). وإنْ عَلِمَ بالنَّجَاسَةِ في أَثْناء الصَّلاةِ، فإنْ قُلْنَا: يُعْذَرُ. فصَلاتُه صَحِيحَةٌ. ثم إن أمْكَنَه طَرْحُ النَّجَاسَةِ من غير زَمَنٍ طَوِيلٍ، ولا عَمَلٍ كَثِيرٍ، ألْقَاهَا، وبَنَى، كما خَلَعَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم نَعْلَيْهِ حين أخْبَرَه جِبْرِيلُ بالقَذَرِ فيهما. وإنِ احتَاجَ إلى أحَدِ هذين، بَطَلَتْ صَلاتُه؛ لأنه يُفْضِى إلى أحَدِ أمْرَيْنِ؛ إما
= الجنائز. المجتبى 1/ 29، 4/ 87، 88. وابن ماجه، في: باب التشديد في البول، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 125. والدارمي، في: باب الاتقاء من البول، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 188. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 225.
(7)
سقط من: أ.
(8)
في: باب الصلاة في النعل، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 151. كما أخرجه الدارمي، في: باب الصلاة في النعلين، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 320. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 92.
(9)
في م: "نسيها".
(10)
تقدم في 1/ 146.