الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البخاري اختصاص كراهة البصاق عن اليمين حال الصلاة، وهو قول المالكية، والأكثرون على خلاف ذلك، قال معاذ: ما بصقت عن يميني منذ أسلمت. ورُوي كراهته عن ابن مسعود، وابن سيرين.
قلتُ: أثر معاذ، وابن مسعود أخرجهما عبد الرزاق (1/ 435)، وهما ثابتان عنهما، وأثر ابن مسعود أصح من أثر معاذ، وقد علل الكارهون للبصاق عن اليمين خارج الصلاة بما جاء في «البخاري» (416)، عن أبي هريرة رضي الله عنه:«فإنَّ عن يمينه ملكًا» ، وهو خارج «الصحيح» عن حذيفة بلفظ:«فإنَّ كاتب الحسنات عن يمينه» ، وهو صحيح، موقوفٌ عليه، أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 365)، وعبدالرزاق (1/ 432)، والذي يظهر لي أنَّ الصواب ما ذهب إليه المالكية، والبخاري، أنَّ النهي عن ذلك خاصٌّ بالصلاة؛ للقيد المذكور في حديث أنس، وأبي هريرة، وغيرهما، وهو قوله:«إذا قام أحدكم إلى الصلاة» ، والله أعلم.
مسألة [3]: بصاق المصلي عن يساره، وحكم البصاق والتنخم في المسجد
.
قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» ، فيه جواز بَصقِ، وَتَنَخُّم المصلي عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى.
• واستدل بعض العلماء بهذا الحديث أعني قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» على جواز التنخم في المسجد، لكن بشرط أن يدفنه، وقال به أحمد في رواية عنه، وأبو عبيد كما في «الفتح» لابن رجب (2/ 343).
• وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه لا يجوز له أن يفعل ذلك في المسجد، قال ابن رجب: وهذا هو أكثر النصوص عن أحمد.
قلتُ: ونصر القولَ الأولَ القاضي عياضٌ، والقولَ الثاني الإمامُ النوويُّ رحمة الله عليهما، واستدل الإمام النووي على ذلك بحديث:«البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها» ، متفق عليه عن أنس رضي الله عنه.
(1)
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في «الفتح» (415): وهذا يستدل به من يقول: إن البزاق لا يجوز في المسجد مع دفنه، كما لا يجوز لأحد أن يعمل ذنبًا، ويتبعه بما يكفره من الحسنات الماحية. اهـ
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في «الفتح» (415): قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: إِنَّمَا يَكُون خَطِيئَة إِذَا لَمْ يَدْفِنهُ، وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ دَفْنه، فَلَا. وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: هُوَ خِلَافُ صَرِيحِ الْحَدِيثِ.
قال الحافظ رحمه الله: قُلْت: وَحَاصِلُ النِّزَاع أَنَّ هُنَا عُمُومَيْنِ تَعَارَضَا، وَهُمَا قَوْله:«الْبُزَاق فِي المَسْجِد خَطِيئَة» ، وَقَوْله:«وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَاره أَوْ تَحْت قَدَمه» ، فَالنَّوَوِيُّ يَجْعَل الْأَوَّل عَامًّا، وَيَخُصّ الثَّانِي بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِد، وَالْقَاضِي بِخِلَافِهِ، يَجْعَل الثَّانِي عَامًّا، وَيَخُصّ الْأَوَّل بِمَنْ لَمْ يُرِدْ دَفْنهَا، وَقَدْ وَافَقَ الْقَاضِي جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: اِبْن مَكِّيّ فِي «التَّنْقِيب» ، وَالْقُرْطُبِيّ فِي «المُفْهِم» ، وَغَيْرهمَا، وَيَشْهَد لَهُمْ مَا رَوَاهُ أَحْمَد بِإِسْنَادٍ حَسَن مِنْ حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ مَرْفُوعًا
(1)
سيأتي في الكتاب برقم (253).
(1)
، وَأَوْضَحُ مِنْهُ فِي المَقْصُود مَا رَوَاهُ أَحْمَد أَيْضًا، وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَن مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ:«مَنْ تَنَخَّعَ فِي المَسْجِد فَلَمْ يَدْفِنهُ فَسَيِّئَةٌ، وَإِنْ دَفَنَهُ فَحَسَنَةٌ»
(2)
، فَلَمْ يَجْعَلهُ سَيِّئَة إِلَّا بِقَيْدِ عَدَم الدَّفْن.
وَنَحْوه حَدِيث أَبِي ذَرٍّ عِنْد مُسْلِم مَرْفُوعًا قَالَ: «وَوَجَدْت فِي مَسَاوِئِ أَعْمَال أُمَّتِي النُّخَاعَة تَكُون فِي المَسْجِد لَا تُدْفَن» ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: فَلَمْ يُثْبِتْ لَهَا حُكْم السَّيِّئَة لِمُجَرَّدِ إِيقَاعهَا فِي المَسْجِد، بَلْ بِهِ وَبِتَرْكِهَا غَيْر مَدْفُونَة. اِنْتَهَى.
وَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ أَبِي عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح أَنَّهُ تَنَخَّمَ فِي الْمَسْجِد لَيْلَة، فَنَسِيَ أَنْ يَدْفِنهَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى مَنْزِله، فَأَخَذَ شُعْلَة مِنْ نَار، ثُمَّ جَاءَ فَطَلَبهَا حَتَّى دَفَنَهَا، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لله الَّذِي لَمْ يَكْتُب عَلَيَّ خَطِيئَة اللَّيْلَة.
(3)
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْخَطِيئَة تَخْتَصّ بِمَنْ تَرَكَهَا لَا بِمَنْ دَفَنَهَا، وَعِلَّة النَّهْي تُرْشِد إِلَيْهِ، وَهِيَ تَأَذِّي الْمُؤْمِن بِهَا، وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ عُمُومه مَخْصُوص: جَوَاز ذَلِكَ فِي
(1)
أخرجه أحمد (1/ 179)،قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن ابن إسحاق، ويعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن محمد، قال يعقوب: ابن أبي عتيق عن عامر بن سعد، حدثه عن أبيه سعد به.
وهذا إسناد حسن، وابن إسحاق قد صرح بالسماع.
(2)
أخرجه الطبراني برقم (8092)، وفي إسناده: أبو غالب حزور، الراجح ضعفه، ولا بأس بقبول روايته عن أبي أمامة؛ لأنه أكثر عنه.
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 366 - 367) بإسنادين منقطعين، لا بأس بتحسين الأثر بهما، وليس عنده زيادة:«الحمد لله الذي لم يكتب .... » .
الثَّوْب، وَلَوْ كَانَ فِي الْمَسْجِد، بِلَا خِلَاف، وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَبْد الله بْن الشِّخِّير، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فَبَصَقَ تَحْت قَدَمه الْيُسْرَى، ثُمَّ دَلَكَهُ بِنَعْلِهِ.
(1)
إِسْنَاده صَحِيح، وَأَصْله فِي «مُسْلِم» ، وَالظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْمَسْجِد، فَيُؤَيِّد مَا تَقَدَّمَ. انتهى.
قلتُ: فالحافظ في هذا البحث يؤيد ما ذهب إليه القاضي عياض.
لكن قال الشوكاني رحمه الله في «نيل الأوطار» (858): فَيُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ النَّوَوِيِّ تَصْرِيحُهُ صلى الله عليه وسلم في الْحَدِيثِ الْمتَّفَقِ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْبُزَاقَ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَأَنَّ دَفْنَهَا كَفَّارَةٌ لَهَا؛ فَإِنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى كَتْبِ الْخَطِيئَةِ بِمُجَرَّدِ الْبُزَاقِ فِي الْمَسْجِدِ ظَاهِرَةٌ غَايَةَ الظُّهُورِ، وَلَكِنَّهَا تَزُولُ بِالدَّفْنِ وَتَبْقَى بِعَدَمِهِ. انتهى.
قلتُ: الذي قاله النووي، وأيده الشوكاني هو الصواب؛ لأنَّ حديث أنس:«البصاق في المسجد خطيئة» نَصٌّ في ذلك، وتأويله مستبعد، وأما الأدلة التي ساقها الحافظ فدونك بيانها:
فأما حديث سعد بن أبي وقاص: «من تنخم في المسجد؛ فليغيب نخامته» ؛ فإنه لا يفيد الجواز؛ لأنَّ الشرط لا يدل على ذلك، كما يقال: من عصى الله، فليستغفره. فليس فيه إباحة للمعصية.
وأما حديث أبي أمامة؛ فاللفظ المذكور لفظ الطبراني، وأما غير الطبراني
(1)
أخرجه أبو داود (483) بإسناد صحيح، وأصله في «مسلم» برقم (554).
فيرويه بلفظ: «التفل في المسجد سيئة، ودفنه حسنة» .
وفي إسناده: أبو غالب، والرَّاجح ضَعْفُه، ومع ذلك فهو وحديث أبي ذر الذي بعده لا ينافيان حديث أنس، بل يحملان على حديث أنس؛ فإنهما يدلان على أنَّ النخاعة إذا لم تدفن سيئة، ومعناهما أنَّ السيئة ما زالت موجودة؛ لأنها لم تدفن.
وحديث أنس يدل على ذلك أيضًا، فتأمل، ويؤيد عدم جواز التفل، والتنخم في المسجد حديث:«فإنْ عجلت به بادرة، فليقل بثوبه هكذا» ، أخرجه مسلم (3008) عن جابر رضي الله عنه.
فأرشد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى التنخم في الثوب، والله أعلم.
237 -
وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ قِرَامٌ
(1)
لِعَائِشَةَ رضي الله عنها سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَك هَذَا؛ فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاتِي» . رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
(2)
238 -
وَاتَّفَقَا عَلَى حَدِيثِهَا فِي قِصَّةِ أَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، وفيه:«فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي عَنْ صَلَاتِي» .
(3)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
قال الإمام الصنعاني رحمه الله في «سبل السلام» (1/ 313): وفي الحديث دلالة على كراهة ما يشغل عن الصلاة من النقوش ونحوها مما يشغل القلب، وفيه مبادرته صلى الله عليه وسلم إلى صيانة الصلاة عما يلهي، وإزالة ما يشغل عن الإقبال عليها.
وقال أيضًا: وفيه كراهة الصلاة على المفارش، والسجاجيد المنقوشة، وكراهة نقش المساجد ونحوه.
وقال أيضًا: ولا دليل فيه على بطلان الصلاة؛ لأنه لم يُرْوَ أنه صلى الله عليه وسلم أعادها. اهـ
(1)
هو ستر رقيق من صوف ذو ألوان.
(2)
أخرجه البخاري (374)(5959).
(3)
أخرجه البخاري (373)، ومسلم (556). ولفظه عند البخاري: إن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة فلما انصرف قال:«اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بإنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي» ، والخميصة قال في «النهاية»: هي ثوب خزٍّ، أو صوفٍ معلم، والأنبجانية: كساء من صوف لا علم له. وإنما خصَّ أبا جهم بالخميصة؛ لأنه كان أهداها له كما في بعض طرق الحديث خارج «الصحيحين» ، وطلب منه ثوبًا غيرها؛ ليعلمه أنه لم يرد هديته استخفافًا به.