الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال أبو عبد الله غفر الله له: الظاهر أنَّ الوتر هو مجموع صلاة الليل إذا خُتمت بوتر، وأما حديث:«فإذا خشيت الصبح؛ فأوتر بواحدة» ، ففيها محذوف تقديره: فأوتر ما مضى من صلاتك بواحدة، كما صرَّح به في الرواية الأخرى المتقدمة، وهو ظاهر اختيار الإمام ناصر الدين الألباني رحمه الله في كتابه «صلاة التراويح» .
مسألة [5]: إذا أوتر بثلاث، فهل يفصل بينهن، أم يوصل
؟
• قال الإمام النووي رحمه الله في «شرح المهذب» (4/ 24): ذكرنا اختلاف أصحابنا في الأفضل من ذلك، وأن الصحيح عندنا: أنَّ الفصل أفضل، وهو قول ابن عمر، ومعاذ القارئ
(1)
، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، ومالك وأحمد، وإسحق، وأبي ثور، وقال الأوزاعي: كلاهما حسن. وقال أبو حنيفة: لا تجوز إلا موصولات. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، وهو جواز الوصل والفصل، والفصل أفضل؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما:«مثنى، مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح؛ صلَّى واحدة توتر له ما قد صلَّى» ، وحديث:«الوتر ركعة من آخر الليل» ، والله أعلم.
وكثير ممن أجاز الوصل يختارون أن يكون بتشهدين، وصحَّ ذلك عن ابن مسعود
(2)
، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الوتر بثلاث موصولة يكون بتشهد
(1)
حسن. أخرجه عنهما ابن المنذر (5/ 178) بأسانيد صحيحة.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 283) بإسناد صحيح.
واحد، وهو وجهٌ عند الحنابلة، والشافعية، ورُوي عن عطاء، وصحَّ عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: لا توتروا بثلاث، تشبهوا بالمغرب، ولكن أوتروا بخمس
…
وقد رُوي مرفوعًا، قال ابن رجب: وفي رفعه نكارة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: المُختار أن يكون بتشهد واحد، وهو اختيار الإمام الوادعي، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما؛ لما صحَّ عن عائشة في «الصحيحين» ، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يوتر بخمسٍ لا يجلس إلا في آخرها.
وهو ظاهر حديثها في الثلاث: كان يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن، وطولهن .. ، ثم يُصلي ثلاثًا. والله أعلم.
(1)
فائدة: قال ابن رجب رحمه الله في «الفتح» (6/ 201): وأجاز أحمد وأصحابه، وإسحاق، أن يوتر بثلاث موصولة، وأن يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن، وبتسع لا يجلس إلا في الثامنة، ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي ركعة، ثم يسلم؛ لما جاء في حديث عائشة المتقدم، وجعلوا هذه النصوص تخص عموم حديث:«صلاة الليل مثنى مثنى» ، وقالوا -في التسع، والسبع، والخمس-: الأفضل أن تكون بسلام واحد؛ لذلك. فأما الوتر بسبع، فنصَّ أحمد على أنه لا يجلس إلا في آخرهن، ومن أصحابنا من قالَ: يجلس عقيب السادسة بتشهد، ولا يسلم. وقد اختلف ألفاظ حديث عائشة في ذلك. اهـ
وقد دلَّتِ الأدلة على ما ذهب إليه أحمد، وإسحاق.
(1)
انظر: «الفتح» لابن رجب (990)، و «روضة الطالبين» (1/ 328)، «الإنصاف» (2/ 166)، «شرح الهداية» (2/ 575).
363 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا.
قَالَتْ عَائِشَةُ، قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(1)
364 -
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْهَا: كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، فَتِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ.
(2)
365 -
وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي آخِرِهَا.
(3)
الأحكام المستفادة من الأحاديث
اختلفت الروايات المتقدمة في عدد ركعات النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من الليل، وفي «الصحيحين»
(4)
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة. وأخرج البخاري (1139) عن مسروق، قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِالَّليْلِ؟ فَقَالَتْ: سَبْعٌ وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ سِوَى رَكْعَتِي الْفَجْرِ.
(1)
أخرجه البخاري (1147)، ومسلم (738).
(2)
أخرجه البخاري (1140)، ومسلم (738)(128) واللفظ لمسلم.
(3)
أخرجه مسلم برقم (737). ولم يخرجه البخاري.
(4)
أخرجه البخاري برقم (1138)، ومسلم برقم (764).
وقد جمع أهل العلم بين الروايات بأنَّ صلاة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كانت لا تزيد على إحدى عشرة ركعة، ومن ذكرها ثلاث عشرة، فعدَّها مع ركعتي الفجر كما في بعض الروايات، أو عَدَّ منها الركعتين الخفيفتين كما في روايات أخرى.
صلاة التراويح.
حديث عائشة المتقدم: «ما كان يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة» ، كان جوابًا لأبي سلمة بن عبد الرحمن حيث سأل: كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ وفيه ردٌّ على من ذهب إلى استحباب صلاة التراويح بثلاث وعشرين ركعة، أو بست وثلاثين ركعة، أو بأربعين ركعة، ثم يوتر، فكل هذه تحديدات لا دليل عليها.
وقد استدل القائلون بأنها عشرون ركعة بدون الوتر بحديث ابن عباس رضي الله عنهما، عند البيهقي (2/ 496)، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عشرين ركعة، والوتر. وهو حديث ضعيفٌ جدًّا، في إسناده: إبراهيم بن عثمان أبو شيبة العبسي، وهو متروكٌ، واستدلوا بما أخرجه البيهقي (2/ 496) من طريق: يزيد بن خُصيفة عن السائب بن يزيد، قال: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في شهر رمضان بعشرين ركعة. قال: وكانوا يقرءُون بالمئين، وكانوا يتوكؤون على عِصِيِّهِم في عهد عثمان رضي الله عنه، من شدة القيام. وهذا إسنادٌ ظاهره الصحة.
قال الإمام الألباني رحمه الله في «صلاة التراويح» (ص 49 - 51): لكن له علة، بل عللٌ تمنع القول بصحته، وتجعله ضعيفًا مُنْكَرًا، وبيان ذلك من وجوه:
الأول: أنَّ ابن خصيفة وإن كان ثقة؛ إلا أنه تفرد بما لم يروه الثقات، وهذا الأثر من هذا القبيل؛ فإنَّ مداره على السائب بن يزيد، وقد رواه عنه محمد بن يوسف، وابن خصيفة، واختلفا عليه في العدد، فالأول قال عنه:(11)، والآخر قال:(20)، والرَّاجح قول الأول؛ لأنه أوثق منه، فقد وصفه الحافظ ابن حجر بأنه ثقة ثبتٌ، واقتصر في الثاني على قوله: ثقة.
الثاني: أن محمد بن يوسف هو ابن أخت السائب بن يزيد؛ فهو لقرابته للسائب أعرف بروايته من غيره، وأحفظ؛ فما رواه من العدد أولى مما رواه عنه مُخالِفُه ابن خصيفة، ويؤيده أنه موافقٌ لحديث عائشة يعني الذي في الباب. انتهى كلام الشيخ رحمه الله بتصرفٍ، واختصار.
وللأثر عن عمر رضي الله عنه، طريق أخرى عند البيهقي (2/ 496) وغيره، من طريق: يزيد بن رومان، عن عمر، وهو منقطعٌ؛ لأنَّ يزيدًا لم يدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وقد جاء ذلك أيضًا عن علي رضي الله عنه، كما في «سنن البيهقي» (2/ 496)، من طريقين:
إحداهما فيها: أبو الحسناء، مجهولٌ، ويروي عن علي، وهو لا يروي عنه إلا بواسطة.
والثانية فيها: حماد بن شعيب، ضعيفٌ جدًّا، يرويه عن عطاء بن السائب، وهو مختلطٌ.
وجاء عن أبي بن كعب رضي الله عنه، وفي إسناده انقطاع، وطريق أخرى فيها ضعفٌ، ونكارة.
وجاء عن ابن مسعود رضي الله عنه بإسناد منقطع.
وقد أبان هذه الآثار بعللها الإمام الألباني رحمه الله في كتابه «صلاة التراويح» (ص 48 - 71).
366 -
وَعَنْهَا رضي الله عنها، قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
(1)
الحكم المستفاد من الحديث
يستفاد من الحديث مشروعية صلاة الليل في أوله، وفي أوسطه، وفي آخره، فكله مشروع، والأفضل في آخره لمن أمن النوم، وفوات وقت الوتر.
وسيأتي الكلام على وقت الوتر، ووقته المفضل، وبالله التوفيق.
(1)
أخرجه البخاري (996)، ومسلم (745).
367 -
وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا عَبْدَاللهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(1)
الحكم المستفاد من الحديث
يُستفاد من الحديث الحثُّ على قيام الليل، والاستمرار عليه، وعلى فعل جميع الطاعات.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح الحديث: وفيه استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من الخير من غير تفريط، ويستنبط منه كراهة قطع العبادة، وإن لم تكن واجبة. اهـ
قلتُ: وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أنه قال:«أحبُّ العمل إلى الله تعالى أدومه وإن قلَّ» .
(2)
368 -
وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ القُرْآنِ؛ فَإِنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ» . رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
(3)
الحكم المستفاد من الحديث
فيه الحث على قيام الليل، والوتر، وعلى استحباب ذلك استحبابًا مُؤَكَّدًا، وقد استدل بالحديث على وجوب الوتر، وقد تقدم الكلام على ذلك.
(1)
أخرجه البخاري (1152)، ومسلم (1159)(185).
(2)
أخرجه البخاري (5861)، ومسلم برقم (782)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
(3)
حسن. أخرجه أحمد (1/ 110)، وأبوداود (1416)، والنسائي (3/ 228 - 229) والترمذي (453)، وابن ماجه (1169) وابن خزيمة (1067) من طريق عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه به، وإسناده حسن.