الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [1]: الإسرار، أو الجهر بالبسملة
.
• هذه المسألة مما كَثُرَ فيها النزاع بين الفقهاء، حتى ألفوا فيها مصنفات، فممن أفردها بالتصنيف: ابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، وابن عبد البر، وآخرون.
وسأذكر في هذه المسألة أصح، وأشهر ما عند الفريقين من الأدلة:
فأما القائلون بالإسرار بالبسملة فاحتجوا بحديث أنس المذكور في الباب، وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه في «صحيح مسلم» (395)، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال:«قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي» ، واحتجوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه في «صحيح مسلم» (599): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا قام في الركعة الثانية استفتح القراءة بـ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، ولم يسكت.
واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها في «صحيح مسلم» (498): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، وقالوا: هذا هو عمل كبار الصحابة، كما حكاه أنس عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وذكره ابن المنذر عن علي، وعمار، بإسناد فيه: شريك القاضي، وهو سيء الحفظ، وذكره عن ابن مسعود، بإسناد فيه: سعيد بن المرزبان، وهو ضعيفٌ.
وأخرج عبد الرزاق (2/ 89)، وغيره بإسناد صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: الجهر بـ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قراءة الأعراب. وأخرج ابن أبي شيبة (1/ 411)، بإسناد حسن عن الأسود بن يزيد، قال: صليت خلف عمر سبعين صلاة، فلم يجهر بـ:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .
وأما القائلون بالجهر بـ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، فاستدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه الموجود في الباب، واستدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه:«إذا قرأتم فاتحة الكتاب، فاقرءُوا {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}؛ فإنها إحدى آياتها» .
(1)
واستدلوا بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه سُئل عن قراءة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ فقال: كانت مدًّا، ثم قرأ:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، يمد {بِسْمِ اللَّهِ} ، ويمُدُّ {الرَّحْمَنِ} ، ويمدُّ {الرَّحِيمِ} .
واستدلوا بحديث أم سلمة أنها قالت: كانت قراءة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-
…
، فوصفت:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} حرفًا، حرفًا، قراءة بطيئة، وفي رواية: كان يصلي في بيتها، فيقرأ:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، إلى آخر الفاتحة.
وللقائلين بالجهر أحاديث كثيرة مرفوعة، ولكنها كلها مردودة، فهي إما موضوعة، أو واهية، أو ليست محفوظة، انظرها في «نصب الراية» (1/ 335 - 356).
(1)
سيأتي في الكتاب برقم (273).
واستدلوا بما أخرجه البيهقي في «سننه» (2/ 48)، والطحاوي في «معاني الآثار» (1/ 200) عن عبد الرحمن بن أبزى، قال: صليت خلف عمر بن الخطاب، فجهر بـ:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . وهو ثابت عنه.
وأسند البيهقي (2/ 48)، عن علي بن أبي طالب من طريق: الشعبي، قال: رأيت علي بن أبي طالب، وصليت خلفه، فسمعته يجهر بـ:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .
وفي إسناده رجلان لم أقف على من وثقهما. وأسند البيهقي (2/ 48)، بإسناد حسن، عن عبد الله بن عمر أنه كان يفتتح أم الكتاب بـ:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .
وهو عند ابن أبي شيبة (1/ 412)، بإسناد صحيح، بلفظ: كان إذا افتتح الصلاة قرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .
وأخرج ابن المنذر في «الأوسط» (3/ 126 - 127)، بإسناد صحيح عن عكرمة، قال: كان ابن عباس يستفتح القراءة بـ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، ويقول: إنما هو شيء استرقه الشيطان من الناس.
وصحَّ عن عبد الله بن الزبير عند ابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي، أنه كان يجهر بها، وصحَّ عند البيهقي أنه قال: ما يمنعهم منها إلا الكبر.
واستدلوا بأثر معاوية بن أبي سفيان، أنه صلى بالناس بالمدينة صلاةً، فجهر فيها بالقراءة، فبدأ بـ:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة، ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة، فلما
سلم ناداه من شهد ذلك من المهاجرين من كل مكان: يا معاوية، أسرقت الصلاة، أم نسيت؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، للسورة التي بعد أم القرآن، وكبر حين يهوي ساجدًا.
أخرجه الحاكم (1/ 233)، من طريق: أبي بكر بن حفص، عن أنس رضي الله عنه، فذكر القصة.
وقال هؤلاء في حديث أنس الذي في «الصحيحين» : المحفوظ فيه رواية «الصحيحين» : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بـ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، قالوا: ومراد أنس أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يبتدئ القراءة بسورة الفاتحة، وليس مراده نفي قراءة البسملة، أو الجهر بها.
قالوا: ويؤيد ذلك ما صحَّ عن سعيد بن زيد أنه سأل أنس بن مالك، كما في «مسند أحمد» (3/ 166)، و «سنن الدارقطني» (1/ 316): أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ؟ أو {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ؟ قال إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، أو ما سألني عنه أحد قبلك. قالوا: والروايات الأخرى وَهَمٌ من الرواة؛ لأنهم ظنوا ذلك معنى الحديث، فرووه بالمعنى.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القولان قويان كما ترى، ولكن الأقرب إلى الصواب هو القول الأول، وهو قول جمهور العلماء.
قال ابن رجب رحمه الله في «فتح الباري» (743، 744): وإلى ذلك ذهب أكثر
أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، لا يرون أن يجهر بـ:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، وحكى ابن المنذر هذا القول عن سفيان، وأهل الرأي، وأحمد، وأبي عبيد.
ثم قال: وحكاه ابن شاهين عن عامة أهل السنة.
قال: وهو السواد الأعظم. قال النخعي: ما أدركت أحدًا يجهر بـ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .اهـ
وأما رد القائلين بالجهر لحديث أنس رضي الله عنه بأنه غير محفوظ إلا لفظ «الصحيحين» ، فغير صواب، فالروايات الأخرى التي فيها التصريح بنفي الجهر بالبسملة رواها جمعٌ عن شعبة، ورواها مع شعبة جمعٌ عن قتادة، ورواها مع قتادة جمعٌ عن أنس كما بيَّنَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله في «الفتح» .
وعلى التسليم أنها رُويت بالمعنى؛ فقد أجاب عن ذلك الحافظ ابن رجب رحمه الله في «فتح الباري»
فقال: والجواب عَن ذَلِكَ: أن مَا ذكروه من اخْتِلَاف ألفاظ الرواية يدل عَلَى أنهم كانوا يروون الحَدِيْث بالمعنى، ولا يراعون اللفظ، فإذا كَانَ أحد الألفاظ محتملًا، والآخر صريحًا لا احتمال فِيهِ، علم أنهم أرادوا باللفظ المحتمل هُوَ مَا دل عَلَيْهَا اللفظ الصريح الَّذِي لا احتمال فِيهِ، وأن معناهما عندهم واحد، وإلا
لكان الرواة قَدْ رووا الحَدِيْث الواحد بألفاظ مختلفة متناقضة، ولا يظن ذَلِكَ بهم مَعَ علمهم، وفقههم، وعدالتهم، وورعهم؛ لاسيما وبعضهم قَدْ زاد فِي الحَدِيْث زيادة تنفي كل احتمال وشك، وهي عدم ذكر قراءة البسملة فِي القراءة، وهذه زيادة من ثقات عدول حفاظ، تقضي عَلَى كل لفظ محتمل، فكيف لا تقبل؟ لاسيما وممن زاد هذه الزيادة الأوزاعي، فقيه أهل الشام، وإمامهم، وعالمهم.
قال: والذي رَوَى نفي قراءة البسملة من أصْحَاب حميد هُوَ: مَالِك، ومالك مَالِك فِي فقهه، وعلمه، وورعه، وتَحَرِّيِه فِي الرواية، فكيف تُرَدُّ روايته المصرحة بهذا المعنى برواية شيوخ ليسوا فقهاء لحديث حميد بلفظ محتمل؟ فالواجب فِي هَذَا ونحوه أن تجعل الرواية الصريحة مفسرة للرواية المحتملة؛ فإن هَذَا من بَاب عرض المتشابه على المحكم، فأما رد الروايات الصريحة للرواية المحتملة فغير جائز، كما لا يجوز رد المحكم للمتشابه. انتهى المراد.
وأما استدلالهم على ردِّ الحديث بقول أنس: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، أو ما سألني عنه أحد قبلك. فقد أجاب عنه الحافظ ابن رجب رحمه الله في «الفتح»
فقال: فالمراد: هَلْ كَانَ يقرأ البسملة فِي نفسه، أم لا؟ فَلَمْ يكن عنده مِنْهُ علم؛ لأنه لَمْ يسمع قراءتها، فلا يدري: هَلْ كَانَ يسرها، أم لا؟ وأيضًا فقد شك الرَّاوي: هَلْ قَالَ: لا أحفظه. أو: مَا سألني عَنْهُ أحد قبلك؟ فالظاهر أَنَّهُ إنما قَالَ: مَا سألني عَنْهُ أحد قبلك. كما رواه شعبة وغيره عَن قتادة، كما تقدم، وعلى تقدير
أن يكون قَالَ: مَا أحفظه. فيجوز أن يكون نسي مَا أخبر بِهِ قتادة وغيره من قبل ذلك، ويكون قَالَ ذَلِكَ عِنْدَ كبره، وبعد عهده بما سئل عَنْهُ. قَالَ ابن عَبْد البر: من حفظ عَنْهُ حجة عَلَى من سأله فِي حال نسيانه. والله أعلم. اهـ
وأما استدلالهم بحديث نُعيم بن المجَمِّر، عن أبي هريرة الذي في الكتاب، فقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: وسعيد، وخالد -يعني سعيد بن أبي هلال، وخالد ابن يزيد اللَّذَيْنِ في سند حديث أبي هريرة- وإن كانا ثقتين، لكن قال أبو عثمان البرذعي، عن أبي زرعة الرَّازي، أنه قال فيهما: ربما وقع في قلبي من حسن حديثهما، قال: وقال أبو حاتم: أخاف أن يكون بعضها مراسيل عن ابن أبي فروة، وابن سمعان. يعني مُدلسة عنهما.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: ثم هذا الحديث ليس بصريح في الجهر، إنما فيه أنه قرأ البسملة، وهذا يصدق بقراءتها سِرًّا، وقد خرَّجه النسائي في [باب ترك الجهر بالبسملة]، وعلى تقدير أن يكون جهر بِهَا، فيحتمل أن يكون جهر بِهَا ليعلم النَّاس استحباب قراءتها فِي الصلاة، كما جهر عُمَر بالتعوذ لذلك، وأيضًا فإنه قَالَ: قرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، ثُمَّ قرأ بأم القرآن، وهذا دليل عَلَى أنها ليست من أم القرآن، وإنما تقرأ قَبْلَ أم القرآن تبركًا بقراءتها، وأيضًا فليس فِي الحَدِيْث تصريح بأن جميع مَا فعله أبو هُرَيْرَةَ فِي هذه الصلاة نقله صريحًا عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وإنما فِيهِ أن صلاته أشبه بصلاة النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم من غيره. اهـ
وأما حديثهم الثاني عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ فالراجح أنه موقوف على أبي هريرة،
وسيأتي بيانه إن شاء الله في هذا الباب.
وأما حديث أنس رضي الله عنه؛ فهو في «البخاري» (5046)، من طريق: عمرو بن عاصم، عن همام، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه.
قال ابن رجب رحمه الله في «الفتح» : فتفرد عَمْرِو بْن عاصم عَن همام بذكر البسملة فِي هَذَا الحَدِيْث، وقد روي عَن شعبة، عَن همام بدون هذه الزيادة، خرجه أبو الحسين بن المظفر فِي «غرائب شعبة» .
قال: وعلى تقدير أن تكون محفوظة، فليس فِي الحَدِيْث التصريح بقراءته فِي الصلاة، فَقَدْ يكون وصف قراءته فِي غير الصلاة، ويحتمل وَهُوَ أشبه أنْ يكون أَنَس، أو قتادة قرأ:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} عَلَى هَذَا الوجه، وأراد تمثيل قراءته بالمد، ولم يُرِدْ بِهِ حكاية عين قراءته للبسملة. اهـ
وأما حديث أم سلمة، فقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: وفي لفظ الحديث اختلافٌ في ذكر البسملة، وإسقاطها، وفي إسناده أيضًا اختلاف، فقد أدخل الليث ابن سعد في روايته، عن ابن أبي مليكة بينه، وبين أم سلمة: يعلى بن مملك، وصحح روايته الترمذي وغيره. وقال النسائي: يعلى هذا ليس بالمشهور.
قلتُ: هو مجهول، تفرَّد بالرواية عنه: ابن أبي مُليكة، ولم يوثقه معتبر، وقد قيل: إنَّ قراءة الآيات في حديث أم سلمة إنما هو من حكاية ابن جريج لحديث أم سلمة، وقولها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته آيةً آية. كذلك قاله النسائي، وأبو داود السجستاني حكاه عنها أبو بكر بن أبي داود
في كتابه «المصاحف» ، وكذلك قاله الإمام أحمد في رواية ابن القاسم عنه، وقالوا: ابن جريج هو الذي قرأ: (ملك)، وليس ذلك في حديث أم سلمة. انتهى، قاله ابن رجب.
قلتُ: وأكثر روايات الحديث بلفظ: كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وليس فيها:(في الصلاة)؛ إلا في رواية عمر بن هارون، وهو كذاب، ورواية حفص بن غياث عند الطحاوي، ولا يُعتمد عليها؛ لمخالفته لمن هو أحفظ منه.
وأما أثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال ابن رجب رحمه الله: وأما المروي عن عمر فقد ثبت عنه في «صحيح مسلم»
(1)
من حديث أنس أنه لم يكن يجهر بها، فلعله جهر بها مرةً ليُبَيِّن جواز ذلك، وخرَّج ابن أبي شيبة (1/ 411)، بإسناد جيد عن الأسود، قال: صليت خلف عمر سبعين صلاة، فلم يجهر فيها بـ:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .
وأما أثر ابن عمر رضي الله عنهما، فقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: وليس عن ابن عمر تصريح بالجهر، بل بقراءة البسملة.
وأما قصة معاوية رضي الله عنه مع من معه من الصحابة، فقد أجاب الزيلعي في «نصب الراية» عنه بأجوبة، فقال رحمه الله: وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ مَدَارَهُ عَلَى عَبْدِ الله بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ، لَكِنَّهُ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ، أَسْنَدَ ابْنُ عَدِيٍّ إلَى ابْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: أَحَادِيثُهُ غَيْرُ قَوِيَّةٍ.
(1)
تقدمت روايته لذلك في أحاديث الباب.
وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيِّنُ الْحَدِيثِ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِيهِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: ضَعِيفٌ لَيَّنُوهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَلَا يُقْبَلُ مَا تَفَرَّدَ بِهِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ اضْطَرَبَ فِي إسْنَادِهِ، وَمَتْنِهِ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ أَسْبَابِ الضَّعْفِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ شَرْطَ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ أَنْ لَا يَكُونَ شَاذًّا، وَلَا مُعَلَّلًا، وَهَذَا شَاذٌّ مُعَلَّلٌ؛ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ الْأَثْبَاتُ عَنْ أَنَسٍ، وَكَيْفَ يَرْوِي أَنَسٌ مِثْلَ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ هَذَا مُحْتَجًّا بِهِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَعَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ أَنَسٍ الْمَعْرُوفِينَ بِصُحْبَتِهِ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِمَّا يَرُدُّ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ هَذَا أَنَّ أَنَسًا كَانَ مُقِيمًا بِالْبَصْرَةِ، وَمُعَاوِيَةُ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ عَلِمْنَاهُ أَنَّ أَنَسًا كَانَ مَعَهُ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ، وَالله أَعْلَمُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَدِيمًا، وَحَدِيثًا تَرْكُ الْجَهْرِ بِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى قِرَاءَتَهَا أَصْلًا، قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ: أَدْرَكْت الْأَئِمَّةَ وَمَا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ إلَّا بِـ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ: مَا سَمِعْت الْقَاسِمَ يَقْرَأُ بِهَا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ: أَدْرَكْت الْأَئِمَّةَ وَمَا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ إلَّا بِـ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِهَا إلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ، وَلَهُ مَحْمَلٌ، وَهَذَا عَمَلُهُمْ يَتَوَارَثُهُ آخِرُهُمْ عَنْ أَوَّلِهِمْ، فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ عَلَى مُعَاوِيَةَ مَا هُوَ شَبَهُهُمْ؟ هَذَا بَاطِلٌ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَوْ رَجَعَ إلَى الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ، كَمَا نَقَلُوهُ؛ لَكَانَ هَذَا مَعْرُوفًا مِنْ أَمْرِهِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّامِ الَّذِينَ صَحِبُوهُ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْهُمْ، بَلْ الشَّامِيُّونَ كُلُّهُمْ خُلَفَاؤُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ، كَانَ مَذْهَبُهُمْ تَرْكَ الْجَهْرِ بِهَا.
الوجه الخامس: مَعْلُومٌ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَوْ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ لَمَا تَرَكَهَا حَتَّى يُنْكِرَ عَلَيْهِ رَعِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي، وَهَذِهِ الْوُجُوهُ مَنْ تَدَبَّرَهَا عَلِمَ أَنَّ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ هَذَا بَاطِلٌ، أَوْ مُغَيَّرٌ عَنْ وَجْهِهِ. انتهى المراد.
وهناك جواب آخر للحافظ ابن رجب رحمه الله:
قال في «الفتح» : وليس هَذَا الحَدِيْث مرفوعًا، وإنما فِيهِ إنكار من كَانَ حاضرًا تلك الصلاة من المهاجرين، وإنما حضر ذَلِكَ قليل منهم؛ فإن أكابرهم توفوا قَبْلَ ذَلِكَ، فغاية هَذَا أن يكون موقوفًا عَلَى جماعة من الصَّحَابَة، فكيف ترد بِهِ الرواية المرفوعة، وليس فِيهِ تصريح بإنكار ترك الجهر بالبسملة؟ بل يحتمل أنهم إنما أنكروا ترك قراءتها فِي الجملة.
ثم قال: وعلى كل حال؛ المضطرب إسناده وألفاظه لا يجوز أن يكون معارضًا لأحاديث أَنَس الصحيحة الصريحة، وقد تفرد بهذا الحَدِيْث عَبْد الله بْن عُثْمَان بْن خثيم، وليس بالقوي؛ تَرَكَ حديثَه يَحْيَى القطان، وابنُ مهدي. اهـ
قلتُ: وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله ستة أوجه في الجواب عن أثر معاوية رضي الله عنه، بنحو كلام الزيلعي، وابن رجب رحمة الله عليهما، كما في «مجموع الفتاوى»
(22/ 430 - ).
والقائلون بالجهر هم: الشافعي، وأصحابه، وأبو ثور، ورُوي عن الليث بن سعد، وذكر ابن عبد البر جماعةً ممن كان يرى الجهر بها، منهم: مكحول، وعمر ابن عبد العزيز، ومحمد بن كعب القُرَظي، قال البيهقي: رُوينا الجهر بها عن فقهاء مكة: عطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير.
وقال الإمام أحمد في رواية مهنا: عامة أهل المدينة يجهر بها، الزهري، وربيعة، وذكر ابن عباس، وابن الزبير.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: وأما ما ذكره الخطيب في كتابه «الجهر بالبسملة من الآثار الكثيرة في المسألة» ، حتى اعتقد بعض من وقف عليه أنه قول الجمهور، فغالب آثاره، أو كثير منها معلولٌ لا يصح عند التحقيق، وكثير منهم يروي الجهر، والإسرار. اهـ
قال ابن رجب رحمه الله: ورُوي عن طائفة أنه يُخَيَّر بين الجهر والإسرار، ولا يُكره الجهر، وإن كان الإسرار أفضل، وحُكِي هذا عن ابن أبي ليلى، وإسحاق، ورجَّحه طائفة من أهل الحديث، ومنهم من قال: الجهر أفضل.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الإسرار بالبسملة هو الصواب، ويُكره الجهر بها عند جمهور القائلين بالإسرار، وهو ترجيح الإمام الألباني، والإمام ابن باز،
والإمام الوادعي، والإمام ابن عثيمين، رحمة الله عليهم.
(1)
فائدة مهمة: قال شيخ الإسلام رحمه الله كما في «مجموع الفتاوى» (22/ 436): وَمَعَ هَذَا فَالصَّوَابُ أَنَّ مَا لَا يُجْهَرُ بِهِ قَدْ يُشْرَع الْجَهْرُ بِهِ لِمَصْلَحَةِ رَاجِحَةٍ؛ فَيُشْرَعُ لِلْإِمَامِ أَحْيَانًا لِمِثْلِ تَعْلِيمِ الْمَأْمُومِينَ، وَيَسُوغُ لِلْمُصَلِّينَ أَنْ يَجْهَرُوا بِالْكَلِمَاتِ الْيَسِيرَةِ أَحْيَانًا، وَيَسُوغُ أَيْضًا أَنْ يَتْرُكَ الْإِنْسَانُ الْأَفْضَلَ لِتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ، وَاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ؛ خَوْفًا مِنْ التَّنْفِيرِ عَمَّا يَصْلُحُ، كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِنَاءَ الْبَيْتِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ؛ لِكَوْنِ قُرَيْشٍ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ، وَخَشِيَ تَنْفِيرَهُمْ بِذَلِكَ، وَرَأَى أَنَّ مَصْلَحَةَ الِاجْتِمَاعِ والائتلاف مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَصْلَحَةِ الْبِنَاءِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَمَّا أَكْمَلَ الصَّلَاةَ خَلْفَ عُثْمَانَ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: الْخِلَافُ شَرٌّ. وَلِهَذَا نَصَّ الْأَئِمَّةُ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَلَى ذَلِكَ بِالْبَسْمَلَةِ، وَفِي وَصْلِ الْوِتْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ الْعُدُولُ عَنْ الْأَفْضَلِ إلَى الْجَائِزِ الْمَفْضُولِ؛ مُرَاعَاةَ ائْتِلَافِ الْمَأْمُومِينَ، أَوْ لِتَعْرِيفِهِمْ السُّنَّةَ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ
(1)
وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (743، 744)، «نصب الراية» (1/ 323 - 362)، «الأوسط» (3/ 125)، «مصنف ابن أبي شيبة» (1/ 410)، «مصنف عبدالرزاق» (2/ 88 - )، «سنن البيهقي» (2/ 46).