الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كِتَابُ النِّكَاحِ
كتاب النكاح
تعريفه:
النكاح في اللغة: الضم، والتداخل، ومنه قولهم: نكح المطر الأرض، ونكح النعاس عينه، ونكحت القمح في الأرض إذا حرثتها، وبذرتها فيها.
قال الأزهري: أصل النكاح في لغة العرب: الوطء. وقيل: للتزويج نكاح؛ لأنه سبب الوطء. وبنحوه قال الفَرَّاء.
وقال أبو القاسم الزجاجي: النكاح في كلام العرب بمعنى الوطء، والعقد جميعًا.
وقال الفارسي: (إذا قالوا: نكح فلانة، أو بنت فلان)؛ فالمراد به العقد، وإذا قالوا:(نكح زوجته)؛ فالمراد به الوطء.
قلتُ: فالظاهر أنه في اللغة يُطلق على الأمرين، ويعرف المراد بقرائن الكلام، كما أشار إلى ذلك الفارسي.
وفي الشرع: حقيقة في العقد، مجاز في الوطء. هذا اختيار الأكثر من الحنابلة، والشافعية وغيرهم.
والحجة في ذلك: كثرة وروده في الكتاب والسنة للعقد حتى قيل: إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد، ولا يرد مثل قوله تعالى:{حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة:230]؛ لأنَّ شرط الوطء في التحليل إنما ثبت في السنة، وإلا فالعقد لابد منه.
وقد أفاد أبو الحسين بن فارس أنَّ النكاح لم يرد في القرآن إلا للتزويج إلا في قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} [النساء:6]؛ فإنَّ المراد به الحُلُمَ.
• وذهب الحنفية، وبعض الشافعية إلى أنَّ النكاح هو حقيقة في الوطء، مجاز في العقد. وهو قول بعض الحنابلة.
• وقيل: هو مشترك بينهما. وهو قول بعض الشافعية والحنابلة.
وهذا هو الأقرب إلا أنَّ الأصل في إطلاقه بالنصوص الشرعية أنَّ المراد به العقد؛ إلا أنْ يأتي دليل يدل على أنه أراد زيادة على ذلك، وهو الوطء، والله أعلم.
(1)
(1)
انظر: «الفتح» [كتاب النكاح]، «المغني» (9/ 239)«تحرير ألفاظ التنبيه» (ص 249)«الإنصاف» (8/ 4 - 5).
960 -
عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(1)
قوله: «البَاءَةَ» .
• اختلف العلماء في تفسير (الباءة) في حديث الباب، فقيل: المراد بها الجماع، وصححه النووي، والمازري. وقال بعضهم: المراد به مؤن النكاح. وهو اختيار شيخ الإسلام. قال: لأنَّ الحديث فيه خطابٌ للقادر على الوطء، ولذلك قال:«فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ» .
وقال النووي رحمه الله: انفصل القائلون بالقول الأول بأنْ قالوا: تقدير الحديث: من استطاع منكم الجماع؛ لقدرته على مؤنة النكاح؛ فليتزوج. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: لا مانع من الحمل على المعنى الأعم بأنْ يُراد بالباءة القدرة على الوطء، ومؤن التزويج. اهـ
وأجاب على الإشكال في قوله: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ» إلى أنه يجوز أن يرشد من لا يستطيع الجماع إلى ما يهيء له استمرار تلك الحالة بالصوم.
(2)
قوله: «وِجَاء» .
الوِجَاء بكسر الواو والمد، أصله الغمز، والمقصود به: رض الأنثيين، حتى تنقطع الشهوة، وإطلاق الوجاء على الصيام من مجاز المشابهة.
(1)
أخرجه البخاري (1905)، ومسلم (1400).
(2)
انظر: «الفتح» (5065)«مجموع الفتاوى» (32/ 6)«شرح مسلم» (1400).
961 -
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ:«لَكِنِّي أَنَا أُصَلِّي، وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(1)
قوله: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» .
قال الحافظ رحمه الله: المُرَاد بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَة لَا الَّتِي تُقَابِل الْفَرْض، وَالرَّغْبَة عَنْ الشَّيْء الْإِعْرَاض عَنْهُ إِلَى غَيْره، وَالْمُرَاد:(مَنْ تَرَكَ طَرِيقَتِي وَأَخَذَ بِطَرِيقَةِ غَيْرِي؛ فَلَيْسَ مِنِّي)، وَلمَّحَ بِذَلِكَ إِلَى طَرِيق الرَّهْبَانِيَّة؛ فَإِنَّهُمْ الَّذِينَ اِبْتَدَعُوا التَّشْدِيد كَمَا وَصَفَهُمْ اللهُ تَعَالَى، وَقَدْ عَابَهُمْ بِأَنَّهُمْ مَا وَفُّوهُ بِمَا اِلْتَزَمُوهُ، وَطَرِيقَة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم الْحَنِيفِيَّة السَّمْحَة، فَيُفْطِر لِيَتَقَوَّى عَلَى الصَّوْم، وَيَنَام لِيَتَقَوَّى عَلَى الْقِيَام، وَيَتَزَوَّج لِكَسْرِ الشَّهْوَة، وَإِعْفَاف النَّفْس، وَتَكْثِير النَّسْل.
وَقَوْله «فَلَيْسَ مِنِّي» : إِنْ كَانَتْ الرَّغْبَة بِضَرْبٍ مِنْ التَّأْوِيل يُعْذَر صَاحِبه فِيهِ، فَمَعْنَى «فَلَيْسَ مِنِّي» ، أَيْ:(عَلَى طَرِيقَتِي) وَلَا يَلْزَم أَنْ يَخْرُج عَنْ المِلَّة، وَإِنْ كَانَ إِعْرَاضًا وَتَنَطُّعًا يُفْضِي إِلَى اِعْتِقَاد أَرْجَحِيَّة عَمَله؛ فَمَعْنَى «فَلَيْسَ مِنِّي» لَيْسَ عَلَى مِلَّتِي؛ لِأَنَّ اِعْتِقَاد ذَلِكَ نَوْع مِنْ الْكُفْر. اهـ
(1)
أخرجه البخاري (5063)، ومسلم (1401).