الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسألة [2]: طلاق من زال عقله بغير المسكر
.
قال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» (10/ 345): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الزَّائِلَ الْعَقْلُ بِغَيْرِ سُكْرٍ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ، لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ. كَذَلِكَ قَالَ عُثْمَانُ
(1)
، وَعَلِيٌّ
(2)
وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
قال: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا طَلَّقَ فِي حَالِ نَوْمِهِ، لَا طَلَاقَ لَهُ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِل» ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُزِيلُ الْمِلْكَ، فَاعْتُبِرَ لَهُ الْعَقْلُ، كَالْبَيْعِ.
قال: وَسَوَاءٌ زَالَ عَقْلُهُ لَجُنُونٍ، أَوْ إغْمَاءٍ، أَوْ نَوْمٍ، أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ، أَوْ إكْرَاهٍ عَلَى شُرْبِ خَمْرٍ، أَوْ شَرِبَ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ شُرْبُهُ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُزِيلٌ لِلْعَقْلِ، فَكُلُّ هَذَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. اهـ
(3)
مسألة [3]: هل يقع طلاق من شرب الخمر مختارًا فسكر
؟
• من أهل العلم من قال: يقع طلاقه. وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والنخعي، وميمون بن مهران،
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة (5/ 30)، والبيهقي (7/ 359) بإسناد صحيح.
(2)
يؤخذ ذلك من حديثه الذي في الباب.
(3)
وانظر: «البيان» (10/ 68).
والحكم، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد في رواية، والشافعي، وأصحاب الرأي.
واستدلوا بحديث: «كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه» ، وبأن عمر استشار الصحابة فيمن شربوا الخمر، فقال علي: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى؛ فحدُّه حد المفتري. فَجَلَدَه عمرُ ثمانين. فقالوا: فيه مؤاخذة للشارب بما يقول في سكره. وقالوا: هو مكلف، ويؤاخذ بجنايته.
• وقال بعضهم: يقع طلاقه؛ عقوبة له. وقالوا: قد ورد عن بعض الصحابة أنهم أوقعوا طلاقه. جاء ذلك عن عمر، أن رجلًا طلق امرأته وهو سكران، فشهد أربع نسوة بذلك، ففرق عمر رضي الله عنه بينهما. وكذا جاء عن معاوية أنه أجاز طلاق السكران، وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما.
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يقع طلاق السكران. وهو قول عمر بن عبدالعزيز، والقاسم، وطاوس، وربيعة، ويحيى الأنصاري، والليث، والعنبري، وإسحاق، وأبي ثور، والمزني، وأحمد في رواية، وصحَّ عن عثمان بن عفان عند ابن أبي شيبة (5/ 30)، وغيره قال: ليس لمجنون ولا سكران طلاق.
وهذا قولٌ للشافعي، والظاهرية، واستقر عليه مذهب أحمد، وقال به من الحنفية: أبو جعفر الطحاوي، وأبو الحسن الكرخي.
وصحَّ هذا القول أيضًا عن ابن عباس، علَّقه البخاري عنه بصيغة الجزم في
[كتاب الطلاق باب (11)]، ووصله ابن أبي شيبة (5/ 48).
واستدل هؤلاء بقوله تعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء:43]، فجعل سبحانه قول السكران غير معتبر؛ لأنه لا يعلم ما يقول، وصحَّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه أمر بالمقِر بالزِّنى أن يستنكه
(1)
ليعتبر قوله الذي أقرَّ به، أو يلغى.
وفي «الصحيحين»
(2)
أن حمزة لما سكر قبل تحريم الخمر، قال للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومن معه:«هل أنتم إلا عبيد لأبي» ، وهذا القول لو قاله غير سكران؛ لكان رِدَّةً وكفرًا، ولم يؤاخذ بذلك حمزة.
قالوا: ولأنه عند أن زال عقله أشبه المجنون والنائم؛ ولأنه مفقود الإرادة، فأشبه المكره.
وهذا القول هو اختيار البخاري، ورجَّحه شيخ الإسلام، وابن القيم وغيرهما من المحققين، وهو الصواب في هذه المسألة.
وأما ما استدل به أصحاب القول الأول، فحديثهم:«كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه» حديث شديد الضعف، أخرجه الترمذي (1191)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه: عطاء ابن العجلان، وهو شديد الضعف.
(1)
انظر: «صحيح مسلم» (1695) من حديث بريدة رضي الله عنه.
(2)
أخرجه البخاري برقم (4003)، ومسلم برقم (1979)، من حديث علي رضي الله عنه.
وأما خبر أنَّ الصحابة جعلوه كالصاحي في القذف؛ فهو حديث ضعيفٌ، أخرجه مالك (2/ 842) بإسناد منقطع، ووصله البيهقي (8/ 321) بإسناد ضعيف، فيه يحيى بن فُليح، وهو مجهول.
وأما قولهم (هو مكلف) فباطل؛ إذ الإجماع منعقد على أنَّ شرط التكليف العقل، وهو لا يعقل، فليس بمكلف.
وأما كون الله خاطبهم فقال: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} فليس فيه ذلك، بل المقصود أنه خاطب الصاحي، وأمره أن لا يسكر إذا أراد الصلاة، وأما من لا يعقل فلا يؤمر ولا ينهى.
وأما كونه يلزم بالجنايات؛ فهو كالمجنون في ذلك، يتحمل الجنايات وليه، وذلك من الأحكام الوضعية، وقد دلَّت الأدلة على أنه لا يلزم بأقواله في حال فقد عقله.
وأما قولهم (يقع عقوبة له) فقول ضعيفٌ؛ فإنَّ الحد يكفيه عقوبة الشرع، وقد رضي الله سبحانه من هذه العقوبة بالحد، ولا عهد لنا بالشريعة بالعقوبة بالطلاق والتفريق بين الزوجين.
وأما قولهم (إنَّ إيقاع الطلاق من ربط الأحكام بالأسباب) ففي غاية الفساد، والسقوط؛ فإنَّ هذا يوجب إيقاع الطلاق ممن سكر مكرهًا، أو جاهلًا بأنه خمر، وبالمجنون، بل وبالنائم، ثم يقال: وهل ثبت لكم أنَّ طلاق السكران سبب حتى
يربط الحكم به، وهل النزاع إلا في ذلك؟
وأما ما نقلوه عن الصحابة من إيقاع الطلاق، فأثر عمر لم يثبت؛ فإنه من طريق: أبي لبيد عن عمر كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (5/ 38)، وأبو لبيد هو لمازة بن زبار، ولم يلق عمر كما في «التهذيب» .
وأما أثر معاوية فثابت عنه، أخرجه أبو عبيد بإسناد صحيح كما في «زاد المعاد» ، وأما أثر ابن عباس، فلم يثبت عنه، ففي إحدى طريقيه: الحجاج بن أرطاة، وفي الأخرى: إبراهيم بن أبي يحيى، قاله ابن حزم، وقد ثبت عنه خلافه كما تقدم.
وقد لخصنا هذه الردود من كلام ابن القيم في «زاد المعاد» ، فراجعه؛ فإنه مفيد.
(1)
تنبيه: الحكم في عتق السكران، ونذره، وبيعه، وشرائه، وردته، وإقراره، وقتله، وقذفه، وسرقته كالحكم في طلاقه؛ لأنَّ المعنى في الجميع واحد.
(2)
تنبيه آخر: حد السكر الذي وقع الاختلاف فيه هو الذي يخلط في كلامه ولا يعي ما يقول؛ لقوله تعالى: {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} ، أما إذا كان السكر غير
(1)
وانظر: «المغني» (10/ 346 - 347)«الإنصاف» (8/ 433 - 434)«زاد المعاد» (5/ 209 - 214)«المحلى» (1972)«البيان» (10/ 69 - 70)«الفتح» [باب: (11) من كتاب الطلاق]«مجموع الفتاوى» (33/ 106 - 109)(33/ 102 - 103)«ابن أبي شيبة» (5/ 39).
(2)
«المغني» (10/ 348).