الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال: وَلَيْسَ هَذَا مُسْتَوِيًا بَيْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ الْمَوْهُوبَةِ الّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وَهِيَ خَالِصَةٌ لَهُ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَإِنّ تِلْكَ وَهَبَتْ نَفْسَهَا هِبَةً مُجَرّدَةً عَنْ وَلِيّ وَصَدَاقٍ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ فَإِنّهُ نِكَاحٌ بِوَلِيّ وَصَدَاقٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَالِيّ؛ فَإِنّ الْمَرْأَةَ جَعَلَتْهُ عِوَضًا عَنْ الْمَالِ؛ لِمَا يَرْجِعُ إلَيْهَا مِنْ نَفْعِهِ، وَلَمْ تَهَبْ نَفْسَهَا لِلزّوْجِ هِبَةً مُجَرّدَةً كَهِبَةِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهَا بِخِلَافِ الْمَوْهُوبَةِ الَّتِي خَصَّ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم، هَذَا مُقْتَضَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ. اهـ
(1)
تنبيه: إذا تزوجها على تعليم القرآن، أو بعضه، فمن قال بجواز ذلك اشترط أن يعين المقدار الذي يعلمها، أو المدة التي يعلمها فيها.
(2)
مسألة [8]: هل يصح أن يتزوج أمته، ويجعل عتقها صداقها
؟
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في «الفتح» (5086) -بعد ذكره حديث أنس رضي الله عنه الذي في أول الباب-: وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهِ مِنْ الْقُدَمَاء: سَعِيد بْن المُسَيِّب، وَإِبْرَاهِيم، وَطَاوُسٌ، وَالزُّهْرِيّ، وَمِنْ فُقَهَاء الْأَمْصَار: الثَّوْرِيّ، وَأَبُو يُوسُف، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، قَالُوا: إِذَا أَعْتَقَ أَمَته عَلَى أَنْ يَجْعَل عِتْقهَا صَدَاقهَا؛ صَحَّ الْعَقْد، وَالْعِتْق، وَالْمَهْر عَلَى ظَاهِر الْحَدِيث.
قال: وَأَجَابَ الْبَاقُونَ عَنْ ظَاهِر الْحَدِيث بِأَجْوِبَةٍ، أَقْرَبهَا إِلَى ظَاهِرِ الْحَدِيث: أَنَّهُ أَعْتَقَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَتَزَوَّجهَا؛ فَوَجَبَتْ لَهُ عَلَيْهَا قِيمَتهَا، وَكَانَتْ مَعْلُومَة فَتَزَوَّجَهَا بِهَا. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ جَعَلَ نَفْس الْعِتْق مَهْرًا، وَلَكِنَّهُ مِنْ خَصَائِصه، وَمِمَّنْ جَزَمَ
(1)
انظر: «زاد المعاد» (5/ 178 - 179)«المغني» (10/ 103 - )«البيان» (9/ 377)«الفتح» (5149).
(2)
«البيان» (9/ 377)«المغني» (10/ 105).
بِذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقَالَ آخَرُونَ: قَوْله: (أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا) مَعْنَاهُ: أَعْتَقَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا لَمْ يَعْلَم أَنَّهُ سَاقَ لَهَا صَدَاقًا قَالَ: أَصْدَقهَا نَفْسهَا، أَيْ: لَمْ يُصْدِقهَا شَيْئًا فِيمَا أَعْلَم، وَلَمْ يَنْفِ أَصْل الصَّدَاق. وَقِيْلَ: قَالَ ذَلِكَ أَنَس بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَعْطَاهَا بِغَيْرِ عِلْمِهِ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَعْتَقَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَنْكِحهَا بِغَيْرِ مَهْر، فَلَزِمَهَا الْوَفَاء بِذَلِكَ، وَهَذَا خَاصّ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَقِيْلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْعِتْق يَحِلّ مَحَلّ الصَّدَاق، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَدَاقًا، كَقَوْلِهِمْ (الْجُوع زَاد مَنْ لَا زَادَ لَهُ) قَالَهُ ابنُ الصَّلَاحِ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيّ فِي «الرَّوْضَة» .
واستقرب الحافظ هذا القول، فقال: وَهَذَا الْوَجُهُ أَصَحُّ الْأَوْجُهِ، وَأَقَرَبِهَا إِلَى لَفْظِ الْحَدِيْثِ. انتهى بتصرف واختصار.
وسبب تأويلهم للحديث أمران:
أحدهما: أن عقدها على نفسها إما أن يقع قبل عتقها وهو محال؛ لتناقض الحكمين: الحرية والرق؛ فإن الحرية حكمها الاستقلال والرق ضده وإما بعد العتق؛ فيزول حكم الجبر عنها بالعتق، فيجوز أن لا ترضى، وحينئذٍ لا تنكح إلا برضاها.
الثاني: إذا جُعِلَ العتق صداقًا، فإما أن يتقرر العتق حالة الرق وهذا محال؛ لتناقضهما أو حالة الحرية؛ فيلزم أسبقيته على العقد؛ فيلزم وجود العتق حالة فرض عدمه، وهو محال؛ لأنَّ الصداق لابد أن يتقدم تقرره على الزوج إما نصًّا، أو حكمًا؛ حتى تملك الزوجة طلبه. ذكر ذلك القرطبي.
وأجاب الشوكاني رحمه الله عن الأول: بأنَّ العقد يكون بعد العتق، فإذا وقع منها الامتناع؛ لزمها السعاية بقيمتها، ولا محذور في ذلك.
وعن الثاني قال الحافظ رحمه الله: وتعقب ما ادعاه من الاستحالة بجواز تعليق الصداق على شرطٍ إذا وجد استحقته المرأة، كأن يقول: تزوجتك على ما سيستحق لي عند فلان، وهو كذا، فإذا حل المال الذي وقع العقد عليه؛ استحقته. اهـ
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله في «زاد المعاد» (1/ 112 - ): وَتَزَوّجَ صلى الله عليه وسلم صَفِيّةَ بِنْتَ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ سَيّدِ بَنِي النّضِيرِ مِنْ وَلَدِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ أَخِي مُوسَى؛ فَهِيَ ابْنَةُ نَبِيّ، وَزَوْجَةُ نَبِيّ، وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، وَكَانَتْ قَدْ صَارَتْ لَهُ مِنْ الصّفِيّ أَمَةً، فَأَعْتَقَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، فَصَارَ ذَلِكَ سُنّةً لِلْأَمَةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَنْ يَعْتِقَ الرّجُلُ أَمَتَهُ، وَيَجْعَلُ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا؛ فَتَصِيرُ زَوْجَتَهُ بِذَلِكَ، فَإِذَا قَالَ: أَعْتَقْت أَمَتِي وَجَعَلَتْ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. أَوْ قَالَ: جَعَلْت عِتْقَ أَمَتِي صَدَاقَهَا. صَحّ الْعِتْقُ وَالنّكَاحُ، وَصَارَتْ زَوْجَتَهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ، وَلَا وَلِيّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
قال: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ هَذَا خَاصّ بِالنّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ مِمّا خَصّهُ اللهُ بِهِ فِي النّكَاحِ دُونَ الْأَمَةِ. وَهَذَا قَوْلُ الْأَئِمّةِ الثّلَاثَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَالصّحِيحُ الْقَوْلُ الْأَوّلُ؛ لِأَنّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاخْتِصَاصِ حَتّى يَقُومَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَاَللهُ سُبْحَانَهُ لَمّا خَصّهُ بِنِكَاحِ الْمَوْهُوبَةِ لَهُ قَالَ فِيهَا:{خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الْأَحْزَابُ:50]، وَلَمْ يَقُلْ هَذَا
فِي الْمُعْتَقَةِ، وَلَا قَالَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِيَقْطَعَ تَأَسّي الْأُمّةِ بِهِ فِي ذَلِكَ، فَاَلله سُبْحَانَهُ أَبَاحَ لَهُ نِكَاحَ امْرَأَةِ مَنْ تَبَنّاهُ؛ لِئَلّا يَكُونَ عَلَى الْأُمّةِ حَرَجٌ فِي نِكَاحِ أَزْوَاجِ مَنْ تَبَنّوْهُ، فَدَلّ عَلَى أَنّهُ إذَا نَكَحَ نِكَاحًا؛ فَلِأُمّتِهِ التّأَسّي بِهِ فِيهِ مَا لَمْ يَأْتِ عَنْ الله وَرَسُولِهِ نصٌّ بِالِاخْتِصَاصِ، وَقَطْعِ التّأَسّي، وَهَذَا ظَاهِرٌ.
قال رحمه الله (3/ 349): وَمِنْهَا: جَوَازُ عِتْقِ الرّجُلِ أَمَتَهُ، وَجَعْلِ عِتْقِهَا صَدَاقًا لَهَا، وَيَجْعَلُهَا زَوْجَتَهُ بِغَيْرِ إذْنِهَا، وَلَا شُهُودٍ، وَلَا وَلِيّ غَيْرِهِ، وَلَا لَفْظِ إنْكَاحٍ، وَلَا تَزْوِيجٍ كَمَا فَعَلَ صلى الله عليه وسلم بِصَفِيّةَ، وَلَمْ يَقِلْ قَطّ هَذَا خَاصّ بِي، وَلَا أَشَارَ إلَى ذَلِك؛ مَعَ عِلْمِهِ بِاقْتِدَاءِ أُمّتِهِ بَهْ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الصّحَابَةِ إنّ هَذَا لَا يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ، بَلْ رَوَوْا الْقِصّةَ وَنَقَلُوهَا إلَى الْأُمّةِ، وَلَمْ يَمْنَعُوهُمْ، وَلَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي ذَلِكَ.
ثم قال: وَالْقِيَاسُ الصّحِيحُ يَقْتَضِي جَوَازَ ذَلِكَ؛ فَإِنّهُ يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا، وَمَنْفَعَةَ وَطْئِهَا، وَخِدْمَتِهَا؛ فَلَهُ أَنْ يُسْقِطَ حَقّهُ مِنْ مِلْكِ الرّقَبَةِ وَيَسْتَبْقِيَ مِلْكَ المَنْفَعَةِ، أَوْ نَوْعًا مِنْهَا كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْدِمَهُ مَا عَاشَ، فَإِذَا أَخْرَجَ المَالِكُ رَقَبَةَ مِلْكِهِ وَاسْتَثْنَى نَوْعًا مِنْ مَنْفَعَتِهِ؛ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، فَكَيْفَ يُمْنَعُ مِنْهُ فِي عَقْدِ النّكَاحِ.
وَلمَّا كَانَتْ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ لَا تُسْتَبَاحُ إلّا بِعَقْدِ نِكَاحٍ، أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، وَكَانَ إعْتَاقُهَا يُزِيلُ مِلْكَ الْيَمِينِ عَنْهَا؛ كَانَ مِنْ ضَرُورَةِ اسْتِبَاحَةِ هَذِهِ المَنْفَعَةِ جَعْلُهَا زَوْجَةً وَسَيّدُهَا كَانَ يَلِي نِكَاحَهَا، وَبَيْعَهَا مِمَّنْ شَاءَ بِغَيْرِ رِضَاهَا، فَاسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ مِنْهَا، وَلمَّا كَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ عَقْدُ النّكَاحِ مَلَكَهُ؛ لِأَنّ بَقَاءَ مِلْكِهِ