الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسألة [2]: إذا طلق امرأته حال حيضها، أو في طهرٍ أصابها فيه، ولم يتبين حملها، هل يقع طلاقه
؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ الطلاق يقع، ويأثم الرجل على ذلك الطلاق، حتى قال ابن المنذر، وابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال. ولعلهما عنيا بذلك إبراهيم ابن عُليَّه، وهشام بن الحكم، والشيعة.
واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر رضي الله عنهما، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمره بمراجعتها. وبقول ابن عمر رضي الله عنهما: وحُسِبت علي تطليقة.
وأخرج ابن وهب في «جامعه» عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، وفيه: مره فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، وهي واحدة. وأخرجه أيضًا الدارقطني (4/ 9) من طريق: يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب به.
وللمخالف أن يقول: إن ابن أبي ذئب تفرد بهذه الزيادة عن نافع، ولم يذكرها الثقات الأثبات في نافع، وهم: مالك، وعبيد الله، والليث، وموسى بن عقبة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومعهم محمد بن إسحاق، وروايتهم في «الصحيحين» و «السنن» .
وبيَّن المعلمي أنَّ الدارقطني فهم أن مقصود ابن أبي ذئب أن ابن عمر طلق واحدة لا ثلاثًا كما قال بعضهم.
(1)
واستدلوا على ذلك بأنَّ ابن عمر كان يفتي بذلك كما في حديث الباب.
(1)
انظر: «السنن» (4/ 7 - 9)«المسند الجامع» (10/ 411).
وروى مسلم في «صحيحه» عن محمد بن سيرين قال: مكثت عشرين سنة يحدثني من لا أتهم أنَّ ابن عمر طلَّق امرأته ثلاثًا وهي حائض، فأُمر أن يراجعها، فجعلتُ لا أتهمهم، ولا أعرف الحديث حتى لقيت أبا غلاب يونس بن جبير الباهلي، وكان ذا ثبت، فحدثني أنه سأل ابن عمر، فحدثه أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض، فأُمر أن يراجعها.
قال ابن رجب رحمه الله: استنكار ابن سيرين لرواية الثلاث يدل على أنه لم يعرف قائلًا معتبرًا قال: إنَّ الطلاق المحرم غير واقع، وأنَّ هذا القول لا وجه له.
قال: وسُئل أحمد عمَّن قال: لا يقع الطلاق المحرم؛ لأنه يخالف ما أمر به؟ فقال: هذا قول سوءٍ، رديء.
ثم ذكر قصة ابن عمر، وأنه احتسب بطلاقه في الحيض.
قال: وقال أبو عبيد: الوقوع هو الذي عليه العلماء مجمعون في جميع الأمصار، حجازهم، وتهامهم، ويمنهم، وشامهم، وعراقهم، ومصرهم. اهـ
• وذهب ابن حزم، وشيخ الإسلام، وابن القيم، والشوكاني إلى عدم وقوع الطلاق.
واستدلوا على ذلك برواية أبي الزبير المتقدمة، وهي رواية منكرة كما تقدم، وقد روى الحديث عن ابن عمر نافع، وسالم، وأنس بن سيرين، وطاوس، ويونس ابن جبير، وعبد الله بن دينار، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران وغيرهم، ولم
يذكروا ما ذكره أبو الزبير، بل صرح بعضهم عن ابن عمر أنها حسبت عليه بتطليقة.
واستدلوا بما رواه سعيد بن منصور (1552) بإسناده عن ابن عمر، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال:«ليس ذلك بشيء» ، وهي رواية ضعيفة، منكرة؛ فإن شيخ سعيد: حديج ابن معاوية فيه ضعف، والراوي عن ابن عمر هو عبد الله بن مالك بن الحارث الهمداني مجهول الحال، وقد خالف الأثبات من تلاميذ ابن عمر كما تقدم.
واستدلوا على ذلك بأنه صح عن ابن عمر أنه قال: لا يعتد بها. وصحَّ أيضًا مثل ذلك عن خلاس بن عمرو، وقالوا: هذا طلاق بدعة فلا يصح؛ لحديث: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» .
وقالوا: النكاح متيقن؛ فلا يزول إلا بيقين مثله من كتاب، أو سنة، أو إجماع.
وقالوا: ليس في الأحاديث أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- احتسب عليه تلك الطلقة، بل فيه أنها حسبت من طلاقه، ولم يذكر من الذي احتسبها عليه.
وقالوا: أما قوله: «فليراجعها» فالمقصود أن يجتمعا كما كانا قبل الطلاق.
وقد أطال ابن القيم رحمه الله في الدفاع عن هذا القول، وأطال الحافظ ابن حجر في نصر القول الأول، وهو الذي يظهر، والله أعلم؛ لأنَّ أدلة القائلين بعدم الوقوع ضعيفة.
وأما قولهم (بأنه طلاق محرم مبتدع؛ فلا يقع) فيقال: هذا هو الأصل لو لم
تثبت الأحاديث باعتداد تلك الطلقة، وأما مع ثبوتها كما تقدم؛ فهي لازمة.
وأما ما نقلوه عن ابن عمر، وخلاس بن عمرو، فقد بين وجه ذلك الحافظ ابن رجب رحمه الله.
فقال رحمه الله كما في «جامع العلوم والحكم» : وأمَّا ما حكاه ابنُ حزم عن ابن عمر أنَّه لا يقع الطلاقُ في الحيضِ، مستندًا إلى ما رواه من طريق محمد بن عبد السلام الخشني الأندلسي، حدَّثنا محمَّد بن بشار، حدثنا عبد الوهَّاب الثقفي، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابنِ عمر في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال: لا يُعتَدُّ بها. وبإسناده عن خِلاس نحوه؛ فإنَّ هذا الأثرَ قد سقط من آخره لفظة وهي قال: لا يعتد بتلك الحيضة. كذلك رواه أبو بكر بنُ أبي شيبة في كتابه
(1)
عن عبد الوهَّاب الثقفي، وكذا رواه يحيى بنُ معين، عن عبد الوهَّاب أيضًا، وقال: هو غريب لم يحدث به إلا عبدُ الوهَّاب، ومرادُ ابنِ عمر أنَّ الحيضة التي طلق فيها المرأة لا تعتدُّ بها المرأة قرءًا، وهذا هو مرادُ خِلاس وغيره. وقد روي ذلك أيضًا عن جماعةٍ منَ السَّلف، منهم: زيدُ بنُ ثابت، وسعيد بنُ المسيب، فوهم جماعة من المفسرين وغيرهم كما وهم ابنُ حزم، فحَكَوا عن بعضِ من سمينا أنَّ الطلاق في الحيض لا يقع، وهذا سببُ وهمهم، واللهُ أعلم. اهـ
وأما قولهم: (لم يصرح ابن عمر بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو الذي حسبها عليه).
فقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم هُوَ الْآمِر بِالْمُرَاجَعَةِ، وَهُوَ
(1)
انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (5/ 5).
الْمُرْشِد لِابْنِ عُمَر فِيمَا يَفْعَل إِذَا أَرَادَ طَلَاقهَا بَعْد ذَلِكَ، وَإِذَا أَخْبَرَ اِبْنُ عُمَر أَنَّ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ حُسِبَتْ عَلَيْهِ بِتَطْلِيقَةٍ كَانَ اِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ الَّذِي حَسَبَهَا عَلَيْهِ غَيْر النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بَعِيدًا جِدًّا، مَعَ اِحْتِفَاف الْقَرَائِن فِي هَذِهِ الْقِصَّة بِذَلِكَ.
ثم ذكر رواية ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر «هي واحدة» .
قال: وَهَذَا نَصّ فِي مَوْضِع الْخِلَاف؛ فَيَجِب الْمَصِير إِلَيْهِ. وَقَدْ أَوْرَدَهُ بَعْض الْعُلَمَاء عَلَى اِبْنِ حَزْم، فَأَجَابَهُ بِأَنَّ قَوْله «هِيَ وَاحِدَة» لَعَلَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فَأَلْزَمَهُ بِأَنَّهُ نَقَضَ أَصْله؛ لِأَنَّ الْأَصْل لَا يُدْفَع بِالِاحْتِمَالِ.
قال: وَعِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ أَنَسِ بْن سِيرِينَ، عَنْ اِبْنِ عُمَر فِي الْقِصَّة، فَقَالَ عُمَر: يَا رَسُول الله، أَفَتُحْتَسَب بِتِلْكَ التَّطْلِيقَة؟ قَالَ:«نَعَمْ» .
قلتُ: هي عند الدارقطني (4/ 5)، ورجاله ثقات؛ إلا عبد الملك بن محمد الرقاشي؛ فإنه حسن الحديث له أوهام، وقد وهم؛ فجعل السؤال موجهًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وقوله:(نعم) من قول النبي صلى الله عليه وسلم، والمحفوظ في طرق الحديث من أوجهٍ كثيرة، أنه من فتوى ابن عمر رضي الله عنهما، وأنه هو الذي سئل عن ذلك.
قال الحافظ: وَعِنْده -يعني الدارقطني- مِنْ طَرِيق سَعِيد بنِ عَبْد الرَّحْمَن الْجُمَحِيِّ، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر، عَنْ نَافِع، عَنْ اِبْنِ عُمَر، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: إِنِّي طَلَّقْت اِمْرَأَتِي الْبَتَّة وَهِيَ حَائِض. فَقَالَ: عَصَيْت رَبَّك، وَفَارَقْتَ اِمْرَأَتك. قَالَ: فَإِنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَ اِبْنَ عُمَر أَنْ يُرَاجِع اِمْرَأَته، قَالَ: إِنَّهُ أَمَرَ اِبْنَ عُمَر أَنْ يُرَاجِعَهَا