الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تقديم عدد من شواهد القرآن على الشعر:
وربَّما قَدَّمَ المُفَسِّرُ عدةَ شواهد من القرآن على شاهد الشعر، كقول الطبري:«واختلفت القَرَأَةُ في قراءة قوله: {دَكَّاءَ} [الكهف: 98] (1)، فقرأته عامةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينة والبصرة «دَكًّا» مقصورًا بالتنوين، بِمَعنى: دَكَّ اللهُ الجبلَ دَكًّا، أَي: فَتَّتَهُ (2)، واعتبارًا بقول الله:{كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21)} [الفجر: 21](3) وقوله: {} {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14)} [الحاقة: 14](4). واستشهد بعضهم على ذلك بقول حُمَيد (5):
يَدُكُّ أركانَ الجبالِ هَزَمُهْ
…
تَخْطُرُ بالبِيْضِ الرِّقَاقِ بُهَمُهْ» (6).
فقد قدم الطبري شاهدين من القرآن الكريم على معنى الدك في اللغة وأنه التفتيت، ثم أتبع ذلك بشاهد من الشعر. والذي يبدو لي من صنيع المفسرين أنهم لا يقدمون على شواهد القرآن اللغوية - إذا وجدت - شيئًا من كلام العرب، غير أنه قد لا توجد الشواهد من القرآن في مواضع كثيرة غير الآية المفسرة فيَعدلُ المفسرونَ إلى شواهد الشعر حينئذ.
تقديم الحديث على الشاهد الشعري
.
ومن أمثلة هذه الصورة في الترتيب قول الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} [يونس: 71](7): «يقال منه: «أَجْمَعتُ على كَذا» بِمَعنى: عَزَمْتُ عليه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:«مَنْ لَمْ يُجمعِ على الصومِ من الليلِ فلا صومَ له» (8)، بِمَعنى: مَن لم يَعْزِم، ومنه قول الشاعر (9):
(1) الكهف 98.
(2)
هي قراءة العشرة عدا حَمزة والكسائي. انظر: التيسير للداني 113، حجة القراءت 295.
(3)
الفجر 21.
(4)
الحاقة 14.
(5)
هو حُميدُ الأرقط كما ذكر محمود شاكر. انظر: تفسير الطبري (شاكر) 13/ 100.
(6)
لم أجد الشاهد عند غير الطبري، انظر: تفسير الطبري (شاكر) 13/ 100.
(7)
يونس 71.
(8)
أخرجه أحمد في المسند 6/ 287، وأبو داود 2/ 441، 442 برقم 2454 وغيرهما من حديث حفصة، وصححه الألباني في إرواء الغليل 4/ 25 - 26.
(9)
قال محمود شاكر: «لم أعرف قائله، ولكني أظنه لأبي النجم العجلي» . انظر: تفسير =
يَا ليتَ شِعْرِي وَالمُنَى لا تَنْفَعُ
…
هَلْ أَغْدُوَنْ يَومًا وَأَمْرِي مُجْمَعُ (1)» (2).
فقدم الحديث النبوي على الشاهد الشعري، مع اختلاف صيغ اللفظة موضع الشاهد في الآية عنه في الحديث النبوي والشاهد الشعري، ففي الآية وردت اللفظة بصيغة فِعْلِ الأمر «أَجْمِعُوا» ، وفي الحديث وردت بصيغة فعل المضارع «يُجْمِعُ» ، وفي الشعر وردت بصيغة اسم المفعول «مُجْمَعُ» ، مع الاتفاق في أصل المعنى وهو العزم على الشيء.
- ومن الأمثلة قول الزمخشري عند تفسيره لقوله تعالى: {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13)} [الرعد: 13](3): «وَمَحَلَ بِفلانٍ إذا كَادَهُ وسَعَى به إلى السلطان، ومنه الحديث: «ولا تَجْعَلْه علينا مَاحِلًا مُصَدَّقا» (4)، وقال الأعشى:
فَرعُ نَبْعٍ يَهشُّ في غُصُنِ المَجْدِ
…
غَزِيرِ النَّدى شَديدِ المِحَالِ (5)
والمعنى: أنه شديدُ المكرِ والكَيدِ لأعدائه». (6) وقد قدم الاستشهاد بالآية ثم أتبعها بالحديث، ثم الشاهد الشعري بعدهما.
- وقال ابن عطية: «وقوله: {ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} [يونس: 71] (7)، أي: مُلْتَبِسًا مُشْكِلًا. ومنه قوله في الهلال: «فإنْ غُمَّ عَليكم» (8)،
= الطبري (شاكر) 15/ 148 حاشية (2)، ولم أجده في ديوانه.
(1)
انظر: معاني القرآن للفراء 2/ 185، شرح المفضليات 66، 323، الخصائص 2/ 136.
(2)
تفسير الطبري (شاكر) 15/ 147 - 148.
(3)
الرعد 13.
(4)
غريب بهذا اللفظ كما ذكر الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف 2/ 187، وورد بلفظ آخر مرفوعًا كما في صحيح ابن حبان 1/ 331 رقم (124)، وشعب الإيمان للبيهقي 2/ 351، وورد موقوفًا على عبد الله بن مسعود كما في الزهد للإمام أحمد 155، والمصنف لعبدالرزاق 3/ 372 رقم 6010.
(5)
ديوانه 57.
(6)
الكشاف 2/ 519 - 520، وانظر: تفسير الطبري (شاكر) 8/ 399.
(7)
يونس 71.
(8)
رواه البخاري، كتاب الصيام، باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان 2/ 672 (1800)، ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال 2/ 759 (1080) عن ابن عمر رضي الله عنهما.