الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يعني بذلك: تَيقنوا ألفي مدجج تأتيكم». (1)
فالطبري لم ينسب الشاهد لقائله في الموضع الأول، ونسبه له في الثاني، ومع اختلاف الرواية، إلا أن الشاهد في الروايتين واحد، وهو ورودُ «الظنِّ» في لغة العرب بِمَعنى اليقين.
*
سادسًا: نَقْلُ الشاهد الشعري عن المتقدمين:
المفسرون يتعرضون لأقوال العلماء السابقين من المفسرين وغيرهم، وفي معرض نقلهم ومناقشتهم ينقلون الشواهد الشعرية المستشهد بها، وربما جرى خلاف حول فهم هذه الشواهد، أو توجيهها.
- ومن أمثلة ذلك قول الطبري عند حديثه عن القراءات في كلمة: {مُرْدِفِينَ} في قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)} [الأنفال: 9](2): «واختلفَ أهلُ العلم بكلام العرب في معنى ذلكَ إذا قُرئَ بفتح الدَّالِ أَو بِكَسرِهَا. فقال بعض البصريين والكوفيين: معنى ذلك إذا قُرئَ بالكسرِ، أَنَّ الملائكةَ جاءت يتبعُ بعضُهُم بعضًا، على لغةِ مَن قالَ: «أَرْدَفْتُهُ» . وقالوا: العَربُ تقولُ: «أَرْدَفْتُهُ» وَ «رَدِفْتُهُ» ، بِمَعنى:«تَبِعْتُهُ» و «أَتْبَعْتُهُ» ، واستشهدَ لصحة قولهم ذلك بِمَا قال الشاعر:(3)
إذَا الجَوْزَاءُ أَرْدَفَتِ الثُّرَيَّا
…
ظَنَنْتُ بِآلِ فَاطمةَ الظُّنُونَا (4)
قالوا: فقال الشاعرُ: «أَرْدَفَتْ» ، وإِنَّمَا أرادَ «رَدِفَتْ» ، جاءت بعدها لأَنَّ الجوزاءَ تَجِيءُ بعد الثريا». (5)
(1) تفسير الطبري (شاكر) 2/ 17 - 18.
(2)
الأنفال 9.
(3)
هو حَزِيْمَةُ بنُ نَهْدٍ القُضاعيُّ.
(4)
انظر: المعارف لابن قتيبة 617، الأغاني 13/ 78، سمط اللآلي 100.
(5)
تفسير الطبري (شاكر) 13/ 414 - 416.
فقد نقل أقوالَ مَنْ وَجَّهَ قِراءَة الفَتحِ، ونقل الشاهد الشعري الذي استشهدوا به، ووجهَ الاستشهاد، وقد رجَّحَ الطبريُّ قراءةَ الكسرِ، وقال:«والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءةُ مَنْ قرأ {بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} بكسرِ الدَّالِ؛ لإجماع أهل التأويل على ما ذكرت من تأويلهم» . (1)
- ومن الأمثلة كذلك قول الطبري: «فإن قال قائل: وكيف قيل لهم: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 91](2) فابتدأ الخبر على لفظ المستقبل، ثم أخبر أنه قد مضى؟ قيل: إن أهل العربية مختلفون في تأويل ذلك.
فقال بعضُ البصريين (3): معنى ذلك: فلم قتلتم أنبياء الله من قبلُ، كما قال جل ثناؤه:{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} [البقرة: 102](4) أَيْ: مَا تَلَتْ.
وكما قال الشاعر: (5)
ولقدْ أَمُرُّ على اللئيمِ يَسُبُّنِي
…
فَمضيتُ عنهُ، وقُلتُ: لا يَعنيني (6)
يريد بقوله: «ولقد أَمُرُّ» ، ولقد مَررتُ، واستدلَّ على أنَّ ذلك كذلك، بقوله:«فمضيتُ عنه» ، ولم يقلْ: فأمضي عنه. وزعم أن «فَعَلَ» و «يَفْعَلُ» قد تشترك في معنى واحد، واستشهد على ذلك بقول الشاعر (7):
(1) المصدر السابق 13/ 416، وانظر: مجاز القرآن 1/ 241، معاني القرآن للفراء 1/ 404.
(2)
البقرة 91.
(3)
هو الأخفش الأوسط، كما في معاني القرآن له 1/ 144 - 145.
(4)
البقرة 102.
(5)
هو شمر بن عمرو الحنفي كما في الأصمعيات 126، ولعميرة بن جابر الحنفي كما في حماسة البحتري 171، ولرجل من بني سلول كما في الكتاب 3/ 24، وبلا نسبة في الصاحبي 364.
(6)
انظر: الكتاب لسيبويه 3/ 24، الخصائص 3/ 330، والمصادر في الحاشية السابقة.
(7)
هو الطرماح بن حكيم الطائي.
وإِنِّي لآَتيِكمْ تَشُكَّرَ مَا مضى
…
مِن الأَمْرِ واستيجَابَ مَا كانَ في غَدِ (1)
يعني بذلك: ما يكونُ في غَدٍ. وبقول الحطيئة:
شَهِدَ الحُطيئةُ يومَ يلقى ربَّهُ
…
أَنَّ الوليدَ أَحقُّ بالعُذرِ (2)
يعني: يَشْهَدُ. وكما قال الآخر (3):
فَمَا أُضْحِي ولا أَمْسيتُ إِلَّا
…
أَرَانِي مِنكُمُ في كَوّفَانِ (4)
فقال: «أُضحي» ، ثُمَّ قال:«ولا أمسيتُ» . (5)
وهذه الشواهد منقولة، نقلها الطبري عن المتقدمين أو المعاصرين من العلماء، مقرونة ببيان موضع الشاهد منها.
- وقال ابن عطية وهو يفسر قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18](6): « .... يقالُ: خَالَ الرجلُ، يَخُولُ خَوْلًا (7)، إذا تَكَبَّرَ، وأُعْجِبَ بنفسهِ، وأنشد الطبري:(8)
فَإِنْ كُنتَ سَيّدَنَا سُدْتَنَا
…
وإِنْ كُنتَ لِلخَالِ فَاذْهَبْ فَخَلْ (9)». (10)
فقد صرح ابن عطية هنا بأنه نقل الشاهد عن الطبري، والشاهد مذكور في تفسير الطبري عند تفسيره لهذه الآية، وكثيرًا ما ينقل ابن عطية الشواهد الشعرية عن الطبري مع الإشارة إلى ذلك، أو عدم الإشارة في
(1) انظر: ديوانه 312 في المنسوب له من الشعر.
(2)
انظر: ديوانه 85.
(3)
لم أعرفه.
(4)
انظر: الصاحبي 364، لسان العرب 12/ 188 (كوف). يقولون: وقعنا في كُوفان وكُوَّفَانِ، أي عناء ومشقة، كأنهم اشتقوا ذلك من الرَّمْلِ المُتَكوِّف؛ لأنَّ المشي فيه يُعنِّي. انظر: مقاييس اللغة 5/ 147.
(5)
تفسير الطبري (شاكر) 2/ 350 - 351
(6)
النساء 36.
(7)
انظر: تهذيب اللغة 7/ 560، الصحاح 4/ 1691 (خيل).
(8)
انظر: تفسير الطبري (شاكر) 8/ 349، (هجر) 7/ 20.
(9)
البيت لرجل من عبدالقيس اسمه أنس بن مساحق العبديُّ. انظر: مجاز القرآن 1/ 127، الصحاح 4/ 1692 (خيل).
(10)
المحرر الوجيز 4/ 113.