الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الماسة للاحتجاج فيها سواء كان هذا الاحتجاج بالشعر أو بغيره. لأنها كتب تشرح المعاني اللغوية للألفاظ والتراكيب، والحاجة قائمة للرجوع في ذلك إلى ما يعتبره العلماء حجة تؤيد هذا القول أو ذاك. فحرص المصنِّفُ على أن يكون قوله الذي يقوله في معنى الآية أو اللفظة مقرونًا بالحجة المقبولة عند العلماء على مثل هذه المسألة. ويدخل تحت غرض الاستشهاد بالشعر في كتب الغريب والمعاني، الصور التالية:
أولًا: الاستشهاد اللغوي
.
والمقصود به الشاهد الشعري الذي يستشهد به في إثبات الدلالة اللغوية. وشواهد الشعر في كتب غريب القرآن معظمها من هذا النوع، مثل غريب القرآن لابن قتيبة، فالشواهد الشعرية التي وردت فيه شواهد لغوية، وعددها 182 شاهدًا. وأَمّا شواهد الشعر في «مجاز القرآن» لأبي عبيدة فنسبة الشاهد اللغوي فيها أكثر من 95 % من شواهده، وقد تقدم أن الشاهد الشعري اللغوي يُمثِّلُ أغلب شواهد المفسرين أيضًا كالطبري، وابن عطية، والقرطبي. ومن أمثلة الاستشهاد اللغوي في كتب غريب القرآن:
1 -
عند بيان أبي عبيدة لمعنى قوله تعالى: {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12](1) قال شارحًا للمقصود بالبنان: «وهي أطرافُ الأصابعِ، واحدتُها بَنانَةٌ، قال عباس بن مرداس:
أَلا لَيْتَني قَطَّعْتُ مِنِّي بَنانَةً
…
ولا قيتُهُ في البيتِ يقظانَ حاذِرا
يعني أَبا ضَبٍ رجلًا من هذيلٍ قتلَ هُريْم بنَ مِرْداسٍ وهو نائم، وكان جاورهم بالربيع». (2) فقد شرح المقصود بالبنان، وأنه أطراف الأصابع، ثم استشهد بشاهد من الشعر يشهد لهذه الدلالة اللغوية، ويشهد أيضًا أن المفرد منها «بنانة» .
(1) الأنفال 12.
(2)
مجاز القرآن 1/ 242 - 243.
2 -
وعند أبي عبيدة أيضًا في تفسير قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ} [التوبة: 58](1) قال: «أي: يعيبون» . ثم استشهد على صحة هذا التفسير بقول زياد الأعجم:
إذا لَقيتُكَ تُبْدي لي مُكاشَرةً
…
وإِنْ أُغَيَّبْ فأَنْتَ العائبُ اللُّمَزَهْ (2)
ففَسَّر اللَّمْزَ بأَنَّه العيبُ، واستدلَّ بقولِ زياد الأعجم على صحة تفسيره، وقد استشهد أبو عبيدة مرة أخرى بهذا الشاهد مع تغيير طفيف في الرواية لا تَمَسُّ موضعَ الشاهد هنا، عند تفسيره لقوله تعالى:{وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1)} [الهمزة: 1](3)، حيث فَسَّرَ الهُمَزَةَ فقال: «الهُمَزَةُ: الذي يغتابُ الناسَ ويَغُضُّهُم. قال الأعجم:
تُدْلي بُودِّي إذا لا قَيتَنِي كَذِبًا
…
وإِنْ أُغَيَّبْ فأَنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ». (4)
فقد اختلف صدر الشاهد تمامًا، وأضاف في عجزه كلمة «الهامز» بدلًا من «العائب» ليستشهد على معنى الهُمَزَة. وأبو عبيدة وغيره يكررون الشواهد الشعرية بروايات متقاربة في مواضع من مصنفاتهم، مما يشير إلى أنهم كانوا يعتمدون على حفظهم في تصنيف هذه المؤلفات، ولا يرجعون فيها إلى دواوين مكتوبة إلا نادرًا. فالأخفش والفراء والطبري أملوا كتبهم على تلاميذهم كما ذكر الذين ترجموا لهم.
3 -
وأَمّا ابن قتيبة فمن أمثلة الشاهد اللغوي عنده أنه عند تفسيره لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1](5) قال: «أي بالعهود. يقال: عَقَدَ لي عَقْدًا، أي: جعلَ لي عَهْدًا؛ قال الحطيئة:
قَومٌ إذا عَقَدوا عَقْدًا لِجارِهِمُ
…
شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فَوقَهُ الكَرَبا (6)». (7)
وقد استشهد المفسرون واللغويون بهذا الشاهد الشعري للحطيئة
(1) التوبة 58.
(2)
انظر: مجاز القرآن 1/ 263، والبيت في الأغاني 14/ 98.
(3)
الهمزة 1.
(4)
مجاز القرآن 2/ 311.
(5)
المائدة 1.
(6)
انظر: ديوانه 15.
(7)
غريب القرآن 138.
على أنَّ العَقْدَ في اللغةِ هو العَهْدُ والميثاق. فاستشهد به أبو عبيدة، والطبريُّ، وابن عطية، والزمخشري، والقرطبي، والأزهري، وابن منظور وغيرهم. (1) وهو من الشواهد التي تعاقب العلماء على الاستشهاد بها على هذا المعنى، وأمثلتة توارد العلماء على الاستشهاد بشاهد واحد على معنى كثيرة، فهم ينقلون الشاهد عن بعضهم، مما يدل على وحدة مصادر الاستشهاد بالشعر عن الرواة الأوائل كأبي عبيدة والأصمعي وغيرهما كما تقدم تفصيل ذلك في بيان مصادر الشاهد الشعري.
4 -
ومن الأمثلة أيضًا قول ابن قتيبة في بيان معنى {الْمِحَالِ} في قوله تعالى: {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد: 13](2): «أَي: الكيدُ والمَكْرُ. وأَصلُ المِحالِ: الحِيْلَةُ، والحَوْلُ: الحِيلةُ. قال ذو الرمة:
وَلَبَّسَ بَيْنَ أَقوامٍ فَكلٌّ
…
أَعَدَّ لَهُ الشَّغازِبَ والمِحالا (3)». (4)
قال الباهلي شارح ديوان ذي الرمة في شرح هذا البيت: «اللَّبْسُ: الاختلاط
…
والمِحالُ: الجِدالُ، قال الله عَزَّوَجَلَّ:{وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} ، وأصلهُ المُكاظَّةُ والأَخذُ بالنَّفَسِ». (5) فقد استشهد شارح الشاهد بالآية، واستشهد ابن قتيبة في شرح الآية بالشعر، وهذا دليل على ترابط العلوم اللغوية والتفسير، وحاجة كل منهما للآخر. والأمثلة كثيرة على الشاهد الشعري اللغوي عند ابن قتيبة في كتابه غريب القرآن.
(1) انظر: مجاز القرآن 1/ 145، غريب القرآن لابن قتيبة 138، تفسير الطبري (هجر) 8/ 7 - 8، الجامع لأحكام القرآن 6/ 32، المحرر الوجيز 5/ 8، الكشاف 2/ 190، تهذيب اللغة 1/ 197، لسان العرب 9/ 309 (عقد)
(2)
الرعد 13.
(3)
في غريب القرآن المطبوع «وليَّسَ» بالياء، وفي بقية المصادر والديوان «ولبَّسَ». ورواية الديوان:
ولَبَّسَ بين أقوامٍ فَكُلٌّ
…
أَعَدَّ لَهُ السِّفارَةَ والمِحالا
انظر: ديوانه 3/ 1544.
(4)
غريب القرآن 226.
(5)
شرح الباهلي لديوان ذي الرمة 3/ 1544.