الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكلُّ ذلك فَاشٍ في منطقها، موجودٌ في كلامها، من ذلك قول الشاعر:
أَسْتغفرُ اللهَ ذَنْبًا لَستُ مُحْصِيَهُ
…
رَبَّ العِبَادِ، إليهِ الوَجْهُ والعَمَلُ (1)
يريد: أستغفر الله لذنبٍ، كما قال جل ثناؤه:{وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [غافر: 55](2)، ومنه قول نابغة بني ذبيان:
فَيَصِيْدُنَا العَيْرَ المُدِلَّ بِحُضْرِهِ
…
قبلَ الوَنَى والأَشْعَبَ النَّباحَا (3)
يريدُ: فيصيدُ لَنَا، وذلكَ كثيرٌ في أَشعارِهم وكلامهم، وفيما ذكرنا منه كفاية» (4).
وفي هذا المثال كان يكفي ما ذكره الطبري من الآيات القرآنية الدالة على ما أراد من تعدية الفعلِ «هَدَى» بنفسه، وباللامِ، وبـ «إلى» ، غير أَنه عَضَدَ ما ذكره من الآيات، بِمَا وردَ في شعر العربِ على وجه الاختصارِ، والإشارة إلى كثرة ذلك في كلامهم وشعرهم على حد سواء، ولا شك أن هذا أدعى لاطمئنان القارئ وتسليمه بِحُجةِ المفسر، والاقتناع برأيه (5).
رابعًا: اعتماد الطبري الشاهد الشعري في إيضاح بلاغة الآيات
.
لم يكن الطبري يغلب جانب البلاغة في تفسيره، وإنما كان أحيانًا يقف مع بلاغة بعض الآيات، ويكشف عن وجه البلاغة فيها، ويستعين في ذلك بما بين يديه من شواهد الشعر.
- من أمثلة ذلك ما جاء عند تفسيره قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى
(1) غير منسوب، وهو من أبيات الكتاب التي لم يعرف قائلها كما في الكتاب 1/ 17، خزانة الأدب 1/ 486.
(2)
غافر 55.
(3)
لم أجده في ديوانه، وله قصيدة على الوزن نفسه والقافية 200 ليس منها البيت.
(4)
تفسير الطبري (شاكر) 1/ 169 - 170.
(5)
انظر: تفسير الطبري (شاكر) 2/ 542.
مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)} [آل عمران: 133](1)، فقد بَيَّنَ أنَّ معنى الآيةِ: بَادروا إلى ما يسترُ عليكم ذنوبَكم مِن رَحْمةِ الله، وما يُغطِّيها عليكم مِنْ عَفوِهِ، وبادروا أيضًا إلى جنةٍ عَرضُها كعرضِ السمواتِ السبعِ، والأَرضينَ السبعِ إذا ضُمَّ بعضها إلى بعضٍ، ثم قال: «وإِنَّمَا قيل: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} ، فوصفَ عرضَها بالسمواتِ والأَرَضِين، والمعنى ما وصفْنَا، من وصفِ عرضِها بعرض السموات والأرض تَشبيهًا به في السَّعَةِ والعِظَمِ، كما قيل:{مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان: 28](2)، يعني: إِلَّا كَبعثِ نَفسٍ واحدةٍ، وكما قال الشاعر (3):
كَأَنَّ عَذِيرَهُمْ بِجَنُوبِ سِلَّى
…
نَعَامٌ قَاقَ في بَلَدٍ قِفَارِ (4)
أي: عذيرُ نَعَامٍ، وكما قالَ الآخرُ (5):
حَسِبْتَ بُغَامَ راحلتي عَنَاقًا!
…
وما هيَ - ويبَ غَيْرِكَ - بِالعَنَاقِ (6)
يريد: صَوتَ عَنَاقٍ» (7).
وهذا الذي أشار إليه الطبري - معتمدًا على شواهد الشعر - هو من باب حذفِ المضافِ دون المضاف إليه، وقد حُذفَ لدلالةِ ما تقدم عليه من جهةٍ، ولإفادة معنىً لم يكن ليحصلَ للسامعِ لو لم يُحذفِ المضاف (8). وهو باب من أبواب البلاغة.
هذا شيء من صور اعتماد الإمام الطبري على الشاهد الشعري في تفسيره «جامع البيان» ، والذي يُعَدُّ بِحَقٍّ أقدرَ المفسرين على الاستفادة من
(1) آل عمران 133.
(2)
لقمان 28.
(3)
هو شقيق بن جزء بن رياح الباهلي.
(4)
الكامل 3/ 1253، وسِلَّى موضعٌ بالبادية. انظر: معجم البلدان 3/ 232.
(5)
هو ذو الخرق الطهوي كما نسبه الطبري نفسه في التفسير (شاكر) 3/ 339.
(6)
يصف ذئبًا تبعه، كما في معاني القرآن للفراء 1/ 62، مجالس ثعلب 1/ 61.
(7)
تفسير الطبري (شاكر) 7/ 207 - 208.
(8)
انظر: الصاحبي 337، خصائص التعبير القرآني للمطعني 2/ 43 - 47.