الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يا دارَ سَلْمَى يا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي
…
عَنْ سَمْسَمٍ وَعَنْ يَمِيْنِ سَمْسَمِ (1)
وإِنَّمَا أكثرنا الشاهدَ في هذا الحرف كما فَعَلَ مَن قبلَنَا، وإِنَّمَا فعلوا ذلك لقلةِ اعتيادِ العامَّةِ لدخول «يا» إِلَّا في النداء، لا تكاد العامة تقول: يَا قَدْ قَدِمَ زَيدٌ، ولا: يَا اذْهَبْ بِسَلامٍ». (2) وهو يعني بقوله: «وإِنَّمَا أكثرنا الشاهدَ في هذا الحرف كما فَعَلَ مَن قبلَنَا» أبا عبيدة مَعْمَرَ بنَ المُثَنَّى، فقد أورد الشواهد الثلاثة عند هذا الحرف (3)، في حين لم يورد الأخفشُ سوى شطرٍ من بيت ذي الرمة (4)، والفراء لم يورد إلا بيتَ الأخطل (5)، وتابعه في ذلك الطبري فلم يزد على ما عنده. (6) غير أَنَّ الشواهد اللغوية في كتب «معاني القرآن» ليست كثيرة، ولا سيما في معاني القرآن للأخفش، فيغلب عليها الشاهد النحوي كما سيأتي.
ثانيًا: الاستشهاد النحوي
.
وهو الاستشهاد بالشعر لإثبات قاعدة نحوية، أو بيان ما خرج عنها أو غير ذلك. وهي الشواهد الغالبة في معاني القرآن للفراء، والأخفش. ومعظم شواهد الكوفيين النحوية هي التي أوردها الفراء في معاني القرآن، وعنه نقلت تلك الشواهد في كتب التفسير وكتب النحو. وقد نقل الطبري في تفسيره شواهد الكوفيين عن الفراء، ونقل أكثر شواهد البصريين عن الأخفش.
والفراء كان من أعلم الكوفيين بعد الكسائي بالنحو، وأبرعهم في علمهم (7)، وقد ذكر له ابن النديم كثيرًا من الكتب التي صنفها في النحو
(1) سَمْسَم بلد من بلاد تميم، أو كثبات رمل. ورواية الديوان للشطر الثاني من الرجز:
بِسَمْسَمٍ أو عَنْ يَميْنِ سَمْسَم
انظر: ديوانه 278.
(2)
معاني القرآن 4/ 115 - 116.
(3)
انظر: مجاز القرآن 2/ 93 - 94.
(4)
انظر: معاني القرآن 2/ 465.
(5)
انظر: معاني القرآن 2/ 290.
(6)
انظر: تفسير الطبري (هجر) 18/ 41.
(7)
انظر: نزهة الألباء 101، طبقات النحويين واللغويين 143.
مثل كتاب الحدود، والمقصود والممدود، والمذكر والمؤنث، والكافي في النحو، ومختصر في النحو، ومعاني القرآن، وغيرها. (1) ولذلك فإنه يعد زعيم المدرسة الكوفية في النحو بعد الكسائي، وقد جمع الفراء إلى علم الكوفيين علم البصريين، فأخذ عن الكسائي الكوفي، وعن يونس بن حبيب البصري، حتى لقب بأمير المؤمنين في النحو.
ويُعَدُّ كتابه «معاني القرآن» أوفى كتبه وأكبرها، وأجمعها لآرائه النحوية «فهو يُعْتَبَرُ - بِحَقٍّ - المرجعَ الأوفى لنحو الكوفيين ومذهبهم، وهو المرجع الباقي لهذا المذهب، ومسائل الخلاف بينهم وبين البصريين» . (2) وهو ليس كتاب نحو مقسمًا على أبواب النحو ككتب النحو المتأخرة، ولكن القارئ لا يكاد يَمُرُّ بصفحةٍ منه لا يَجدُ فيها حديثًا عن النحو، وذِكْرِ قاعدةٍ من قواعدهِ، أو توجيهٍ من توجيهاتهِ، أو شاهدٍ شعريٍّ من شواهدهِ، وأصلٍ من أصوله. (3)
وقد عُنِي الفراءُ في كتابه بالقرآن الكريم كدليلٍ نحويٍّ في تأصيله للقواعد النحوية، فهو يحرص على أن يكون استشهاده بها تعبيرًا عن القيمة العظيمة التي يمثلها القرآن الكريم في فصاحته، ولغته. ومع ذلك فقد استشهد بالشعر في أكثر من أربعمائةٍ وخَمسين موضعًا، وبلغت شواهده 785 شاهدًا شعريًا. وقد استشهد بالشواهد النحوية للقواعد العامة التي أَجْمَعَ عليها النحويون، واستشهد بها لتأييد آرائه النحوية الخاصة، كما استشهد بها للاستدلال لأقوال المخالفين، وذكر بعض الشواهد الشعرية للضرورات الشعرية التي اختص بها الشعر دون النثر، واستشهد بالشعر أيضًا لبيان بعض لغات القبائل العربية ولهجاتها، والتي سمع الكثير منها بنفسه.
(1) انظر: الفهرست 100.
(2)
النحو وكتب التفسير 1/ 185.
(3)
انظر: النحو وكتب التفسير 1/ 185.
وصَنَعَ مثلَهُ الأخفشُ في كتابه «معاني القرآن» فأورد الكثير من شواهد النحو الشعرية التي نقلها النحويون عنه بعد ذلك، وكانت هي وشواهد سيبويه عُمدةً لدى النحويين حتى اليوم. ومن أمثلة شواهد النحو في كتب معاني القرآن ما يلي:
1 -
في تفسير قوله تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا} [الأنعام: 96](1) أجاز الفراء في قراءة: (وجَاعِلُ اللَّيلِ سَكَنًا) نصب "اللَّيلِ" في المعنى، فقال: «الليل في موضع نصب في المعنى. فرد الشمس والقمر على معناه لما فرق بينهما بقوله: فإذا لم تفرق بينهما بشيء آثروا الخفض. وقد يجوز أن ينصب وإن لم يُحَلْ بينهما بشيء، أنشد بعضهم:
وبَيْنا نَحنُ نَنْظُرُهُ أَتانا
…
مُعَلِّقَ شَكْوةٍ وزِنادَ راعِ (2)». (3)
والشاهد في قوله: «زِنادَ رَاعِ» ، حيث عطفه على موضع قوله:«شَكْوةٍ» ؛ لأن معناه: يُعَلِّقُ شكوةً وزِنادَ راعِ. (4)
2 -
عند تفسير قوله تعالى: {وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152](5) تكلم الفراء عن تعدية الفعل شكر بحرف الجر فقال: «العرب لا تكاد تقول: شكرتك، إنما تقول شكرت لك، ونصحت لك، ولا يقولون نصحتك، وربما قيلتا» . ثم استشهد على تعدي الفعل (شَكَرَ) بقول عمرو بن لجأ التميمي:
هُمُ جَمَعوا بُؤْسَى ونُعْمَى عَليكُمُ
…
فَهلَاّ شَكَرْتَ القَومَ إِذْ لَمْ تُقاتِلِ (6)
(1) الأنعام 97.
(2)
الشَّكْوَةُ: وِعَاءٌ من أدَم يُجْعَلُ فيه الماءُ واللَّبَنُ كأنَّه الدَّلْوُ، والبيت لنصيب بن رباح كما في ديوانه 140، ونُسِبَ لرجلٍ من قيس عيلان كما في الكتاب 1/ 171، وشرح شواهد المغني 2/ 798، وبلا نسبة في شرح أبيات سيبويه 1/ 405، لسان العرب 7/ 181 (شكو).
(3)
معاني القرآن 1/ 346.
(4)
انظر: شرح أبيات سيبويه 1/ 405.
(5)
البقرة 152.
(6)
انظر: البحر المحيط 1/ 447، وليس في ديوان عمرو بن لجأ.
والشاهد في البيت قوله: «شكرت القوم» ، حيث تعدى الفعل شكر بنفسه، والأفصح تعديته باللام. قال أبو حيان:«الفعلُ (شَكَرَ) من الأفعال التي ذُكِرَ أَنَّها تارةً تتعدى بحرف جَرٍّ، وتارةً تتعدَّى بنفسها» . (1) ثم استشهد أبو حيان ببيت عمرو بن لجأ الذي استشهد به الفراء، علمًا أن الفراء لم ينسبه لقائله.
واستشهد الفراء على تعدية الفعل (نصح) بقول النابغة الذبياني:
نَصَحْتُ بَنِي عَوفٍ فَلَمْ يَتَقَبَّلوا
…
رَسُولي ولَمْ تَنْجَحْ لَديهمْ وَسائِلي (2)
والشاهد فيه قوله: «نصحتُ بَنِي عوفٍ» ، حيث تَعدَّى الفعلُ (نَصَحَ) بنفسه على لغةٍ، والأفصح تَعدِّيهِ باللام. وقد تَحدَّثَ النحويون عن هذه المسألةِ في باب تعديةِ الفِعْلِ بِحرفِ الجَرِّ، وتعديتهِ بِنفسهِ «قالوا: وحَذفُ اللامِ مع (كالَ) و (وَزَنَ) أفصحُ، وإثباتُها مع (شَكَرَ) و (نَصَحَ) أفصحُ، وبذلك جاء التنْزِيلُ العزيز». (3)
3 -
وأَمّا الأمثلة في كتاب «معاني القرآن» للأخفش فهي غالب شواهده الشعرية، فنادرًا ما تَجِدُ في كتابه شاهدًا لغويًا.
ومن أمثلة هذه الشواهد النحوية في معاني القرآن له قوله عند تفسير قوله تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} [البقرة: 150](4) قال الأخفش: «هذا بِمعنى: لَكِنْ
…
نَحو قولِ الشاعر (5):
وأَرَى لَها دَارًا بِأَغْدِرَةِ السِّيـ
…
ـدانِ لَمْ يَدْرُسْ لَها رَسْمُ
إِلاّ رَمادًا هَامِدًا دَفَعَتْ
…
عَنْهُ الرِّياحَ خَوالِدٌ سُحْمُ (6)
أراد: أرى لها دارًا ورمادًا». (7)
(1) البحر المحيط 1/ 447.
(2)
سبق تخريجه.
(3)
الكتاب لسيبويه 1/ 28، البحر المحيط 2/ 117.
(4)
البقرة 150.
(5)
هو المخبل السعدي.
(6)
انظر: المفضليات 114.
(7)
معاني القرآن 1/ 162.
وللعلماء في بيان نوع الاستثناء في هذه الآية ثلاثة أقوال:
الأول: أنه استثناء متصلٌ، وهذا اختيار الطبري (1)، وبدأ به ابن عطية، ولم يذكر الزمخشري غيره. قال الزمخشري:«ومعناه: لئلا يكون حجةٌ لأَحدٍ من اليهود إلا للمُعاندين منهم، القائلين: ما ترك قِبْلتَنا إلى الكعبة إِلاّ مَيلًا لِدِين قومه، وحُبًّا لهم. وأطلقَ على قولهِم (حُجَّةً)؛ لأَنَّهم ساقوه مَساقَ الحُجَّةِ» . (2) وقال ابن عطية: «المعنى أنه لا حُجَّةَ لأَحدٍ عليكم إِلاّ الحجةُ الداحضةُ للذين ظلموا من اليهودِ وغَيرِهم الذين تكلموا في النازلة، وسَمّاها حُجَّةً، وحَكَمَ بفسادها حين كانت مِنْ ظالمٍ» . (3)
الثاني: أنه استثناءٌ منقطعٌ، فيُقدَّرُ بـ (لكنْ) عند البصريين، وبـ (بل) عند الكوفيين؛ لأَنه استثناءٌ مِن غَير جِنْسِ المستثنى منهُ. والتقديرُ: لكنْ الذين ظَلَموا فإِنَّهم يتعلَّقونَ عليكمْ بالشُّبْهَةِ يَضعونَها مَوضعَ الحُجَّةِ.
وسببُ الخلاف في هذه الآيةِ هو كما قال السمين الحلبي: «هَل الحجةُ هو الدليل الصحيحُ، أو الاحتجاجُ صحيحًا كان أو فاسدًا؟ فعلى الأول يكون مُنقطعًا، وعلى الثاني يكونُ مُتَّصِلًا» . (4)
الثالث: أَنَّ (إِلاّ) بمعنى الواو العاطفة. وهذا القول قد انفرد به أبو عبيدة في مجاز القرآن (5)، وهو من أمثلة المسائل التي استشهد عليها أبو عبيدة بشاهدٍ نَحويٍّ، وهو من المواضع القليلة في كتب غريب القرآن التي وردت فيها شواهد نحوية. وقد استشهد أبو عبيدة على صحةِ قوله هذا بشاهدين من الشعر، أولهما قول عمرو بن معد يكرب:
وكُلُّ أَخٍ مُفارِقُهُ أَخوهُ
…
لَعَمْرُ أَبيكَ إِلاّ الفَرْقَدانِ (6)
والآخر قول الفرزدق:
(1) انظر: تفسير الطري (شاكر) 3/ 204.
(2)
الكشاف 1/ 322.
(3)
المحرر الوجيز 1/ 452.
(4)
الدر المصون 2/ 178.
(5)
انظر: مجاز القرآن 1/ 60.
(6)
انظر: ديوانه 178.