الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرابع الهجري سنة 300 هـ تقريبًا لكتابه «السبعة» ، واقتصاره على القراءات السبعِ أثر كبير في التصنيف المفرد في الاحتجاج للقراءات السبع وغيرها فيما بعد. فقد احتج لهذه القراءات السبع عددٌ من العلماء من تلاميذ ابن مجاهد كابن خالويه (ت 370 هـ)، وأَبي عليٍّ الفارسي (ت 377 هـ)، واحتج لها من علماء المغرب مكي بن أبي طالب (ت 437 هـ). (1) ثم جاء بعدهم ابن جني (ت 392 هـ) تلميذ أبي علي الفارسي فصنَّفَ كتابَه «المُحتسَب» في الاحتجاج للقراءات الشاذة وتوجيهها، ليكمل صنيع شيخه أبي علي الفارسي في الاحتجاج للقراءات السبع.
هذه أهم مراحل الاحتجاج للقراءات القرآنية وتوجيهها، وقد انتصر هؤلاء العلماء للقراءات القرآنية المتواترة والشاذة، حتى إِنَّ ابن جني (ت 392 هـ) قد وصف القراء عامةً في بعض كتبه بضعفِ الدراية (2)، وبالسَّهوِ والغَلَطِ لأَنَّه ليس لهم قِياسٌ يرجعون إليه (3)، ثُمَّ صنَّفَ في الدفاع عنهم، ورَدَّ على مَن اتهمهم بالخطأ وضعفِ الدرايةِ، والمعرفة باللغة. (4)
-
أثر الشاهد الشعري في كتب الاحتجاج للقراءات:
اعتمد المفسرون على المصنفات المختصة بالاحتجاج في توجيههم
(1) صنَّفَ ابنُ خالويه «إعراب القراءات السبع وعللها» ، ونُسِبَ إليه كتاب «الحجة» ، وصنف الفارسي «الحجة» ، وصنف مكي «الكشف عن وجوه القراءات وعللها» . وكلها مطبوعة.
(2)
انظر: الخصائص 1/ 72 - 73.
(3)
انظر: المنصف شرح تصريف المازني 1/ 311.
(4)
انظر: المحتسب 1/ 32 - 33، دراسات لأسلوب القرآن الكريم للشيخ محمد عبد الخالق عضيمة 1/ 32 - 33، الاحتجاج للقراءات للدكتور عبد الفتاح شلبي 71 - 72، مجلة البحث العلمي بجامعة أم القرى، العدد 4 عام 1401 هـ، توجيه مشكل القراءات العشرية لعبد العزيز الحربي 68 - 71، 78 - 93، شرح الهداية للمهدوي، تحقيق الدكتور حازم حيدر، قسم الدراسة 1/ 28 - 38.
للقراءات، وساروا في توجيههم للقراءات على المنهج الذي سار عليه هؤلاء المصنفون، فاستشهدوا بالشعر كما استشهدوا، وقد كان للشِّعْرِ النصيبُ الأوفرُ بين شواهد كتب الاحتجاج للقراءات، فقد استشهد ابن خالويه (ت 370 هـ) في «إعراب القراءات السبع وعللها» بأكثر من سبعمائة شاهد (1)، واستشهد أبو علي الفارسي (ت 377 هـ) في «الحجة» الذي يُعَدُّ أكبَرَ كتب الاحتجاج للقراءات بأكثر من ألفٍ وخَمسمائةِ شاهدٍ من الشعرِ، حتى قال عبد الفتاح شلبي:«وقد أورد أبو علي في الحُجَّةِ من الأشعارِ ما لو جُمِعَ لكان كتابًا ضخمًا قائمًا بذاته» (2)، واستشهد ابن جني (ت 392 هـ) في كتابه «المُحتسَب» بأكثر من سبعمائة شاهد شعري. (3)
والعلماءُ الذين اشتغلوا بتوجيهِ القراءات كانوا يشترطون لصحةِ القراءة موافقتَها للغةِ العَرَبِ، مع صحةِ إسنادها، ومِنْ أَهَمِّ ما يبحثون عنه في لغة العربِ شواهد الشعر، ولذلك لَمَّا روى أحدُ رواة (4) أبي عمرو بن العلاء روايةً في قراءة قوله تعالى:{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35](5) وهي قراءة قوله: {مُكَاءً} بالقصر (مُكًا)، قال ابن مجاهد:«ولا وَجْهَ للقَصْرِ» . (6) فقال ابن خالويه تعقيبًا
(1) انظر: إعراب القراءات السبع وعللها 2/ 581 - 606.
(2)
أبو علي الفارسي لعبد الفتاح شلبي 208.
(3)
انظر: المحتسب 1/ 14، وانظر: الموضح لابن أبي مريم فيه، والحجة لابن خالويه فيه 70 شاهدًا، والكشف لمكي فيه 15 شاهدًا، وشرح الهداية للمهدوي فيه 81 شاهدًا.
(4)
اسم هذا الراوي عباس، ولعله العباس بن الفضل أحد من أخذوا عن أبي عمرو. انظر: غاية النهاية 1/ 290.
(5)
الأنفال 35، وهذه القراءة بالرفع والمد هي قراءة الجماعة. انظر: السبعة 305، مشكل إعراب القرآن 1/ 346.
(6)
إعراب القراءات السبع وعللها 1/ 59.
على قول ابن مجاهد: «وقد جاءَ البكاءُ مَمدودًا ومقصورًا، قال الشاعر (1):
بَكَتْ عَينِي وحُقَّ لَها بُكاها
…
وما يُغْنِي البُكاءُ ولا العَويلُ (2)
فإن صَحَّ في اللغة قَصرُها على ما رُويَ عن أبي عمروٍ جازَ كما قُصِرَ البكاءُ، وإن لم يصحَّ في اللغة كما شَذَّ في القراءةِ رُفِضَ فاعرف ذلك فإِنَّهُ لطيفٌ». (3)
فهم يعتمدون على الشواهد الشعرية في تصحيح بعض الوجوه الشاذة التي تُروى في بعض أَحرفِ القِراءات، ولو رُويتْ عن أحد القراء السبعة المشهورين من طرقٍ شاذةٍ. (4)
بل إِنَّ أبا بكر ابن مجاهد (ت 324 هـ) الذي صنَّفَ كتاب «السبعة» (5) واختار القراءات، كان يَحفظُ شواهدَ الشعر التي يَحتجُّ بِها على توجيه القراءات من حيث اللغة والنحو، وقد روى عنه بعضَها تلميذُهُ ابن خالويه. (6) وقد انتفع ابن مجاهد بشيخه الطبري في ذلك، وروى عنه كثيرًا من تلكم الشواهد، كما انتفع بعلمه بالعربية والنحو، فقد روى أبو بكر بن مجاهد «أَنَّ أبا العباس ثعلبًا سأَلَهُ: مَنْ بَقيَ عندَكم - يعني في الجانب الشرقي ببغداد - من النحويين؟ فقلت له: ما بقي أحدٌ، مات الشيوخ! فقال: حتى خلا جانبُكُم؟ قلتُ: نعم، إلا أن يكون الطبري
(1) هو حسان بن ثابت كما في ديوانه 504 بتحقيق وليد عرفات، ونسبت لابن رواحة كما في ديوانه 132، ونسب لكعب بن مالك كما في ديوانه 252.
(2)
انظر: المقتضب 4/ 292، المنصف لابن جني 3/ 40، شرح الجمل لابن عصفور 2/ 362، المقصور والممدود لابن ولاد 15، إضافة لمراجع الحاشية السابقة.
(3)
إعراب القراءات السبع وعللها 1/ 228.
(4)
انظر: حاشية الشهاب على البيضاوي 5/ 220، التذكرة لابن غلبون 1/ 25.
(5)
هذا هو الاسم المشهور له، وقد سَمَّاهُ أبو علي الفارسي «معرفة قراءات أهل الأمصار والحجاز والعراق والشام». انظر: الحجة 1/ 2.
(6)
انظر: إعراب القراءات السبع وعللها 1/ 262، 271.
الفقيه. فقال: ابنُ جرير؟ قلتُ: نعم. قال: ذاك مِن حُذَّاقِ الكوفيين. قال أبو بكر: وهذا من أبي العباس كثِيْرٌ؛ لأَنَّهُ كان شديدَ النَّفْسِ، شَرِسَ الأخلاق، وكان قليلَ الشهادةِ لأحدٍ بالحِذْقِ في عِلْمِه». (1)
وسأكتفي ببعض الأمثلة من هذه الكتب التي صرح فيها مؤلفوها بكون هذه الشواهد الشعرية شاهدةً لقراءةِ فلان، أو حجةً لها. فمن أمثلة ذلك:
1 -
ذكر ابن خالويه قراءة ورش لقوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3](2) وأَنَّهُ يترك الهمزة في قوله: {يُؤْمِنُونَ} فقال: «وروى ورشٌ عن نافعٍ بتركِ الهمزاتِ الساكنات والمتحركات، وحُجتهُ في ذلك أَنَّ الهمزةَ المتحركةَ أثقلُ من الهمزة الساكنة
…
أَنشدني ابنُ عَرَفَةَ (3) شاهدًا لوَرْشٍ:
تَضوَّعَ مِسكًا بَطنُ نَعْمانَ أَنْ مَشَتْ
…
بِهِ زينَبٌ في نِسوَةٍ عَطِرَاتِ
وَلَما رَأَت رَكبَ النُّمَيْريِّ أَعرَضَتْ
…
وَكُنَّ مِنَ انْ يَلقينَهُ حَذِراتِ (4)
أرادَ: مِنْ أَنْ، بنقلِ فتحةِ الهمزةِ إلى النَّونِ». (5)
وهذا احتجاجٌ لُغويٌّ بالشعر على أَنَّ من العرب مَنْ ينقلُ حركةَ الهَمزة إلى الحرف الساكن قبلها لبيانِ الهمزةِ، كما قال سيبويه: «واعلم أَنَّ ناسًا من العربِ كثيرًا يُلقونَ على السَّاكنِ الذي قبلَ الهمزةِ حَركةَ الهمزةِ، سَمِعنا ذلكَ مِن تَميم وأَسَد، يريدون بذلك بيانَ الهمزة، وهو
(1) معجم الأدباء 18/ 60.
(2)
البقرة 3.
(3)
هو إبراهيم بن محمد بن عَرَفَةَ الأزدي النحوي، المعروف بنفطويه المتوفى سنة 323 هـ، أخذ عن ثعلب والمُبَرِّد، وكان من أهل السنة، واشتهر بحفظ الشعر ومعرفته. له كتاب في غريب القرآن. انظر: إنباه الرواة 1/ 211 - 217، بغية الوعاة 1/ 428.
(4)
هذان البيتان لمُحمد بن نُميرٍ الثقفي الأموي. انظر: ديوانه ضمن القسم الثالث من كتاب (شعراء أمويون) للدكتور نوري حَمّودي القيسي 108 - 134، مجالس ثعلب 160 - 161.
(5)
إعراب القراءات السبع وعللها 1/ 57.
أَبْيَنُ لها إذا وَلِيَتْ صوتًا». (1) وذكر المهدويُّ (2)«أَنَّ ذلكَ هو حكمُ تَخفيفِ الهمزةِ في كلام العرب إذا سَكَنَ ما قبلها؛ لأَنَّهم كرهوا أن يجعلوها بَيْنَ بَيْن، فتقرب من الساكن وقبلها ساكن، فيصير كالجمع بين الساكنين، فألقوا حركتها على الساكن الذي قبلها وحذفوها وبقيت حركتها تدل عليها» . (3) وصنيع ابن خالويه تصحيحٌ لقراءةِ ورش، واستشهادٌ بالشعر على أَنَّ هذه القراءة لغةٌ فصيحةٌ للعرب.
2 -
وقال ابن خالويه عند بيانه للقراءات في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)} [البقرة: 6](4): «وقرأ ابن عامر {أأنذرْتَهُم} بِهَمزتَيْنِ بينهما مَدَّةٌ، كأَنَّه كَرِهَ أن يَجمعَ بينَ هَمزتين، وأَن يَحذفَ إحداهما. (5) قال الشاعرُ (6) شاهدًا لقراءة ابن عامر:
تَطالَلْتُ فاستَشْرَفْتُهُ فَعَرَفْتُهُ
…
فقلتُ لهُ: آأنتَ زيدُ الأَراقِمِ (7)». (8)
وهذا شاهد لغويُّ كذلك يتعلَّق باللهجات، يدلُّ على أَنَّ القراءةَ بلغةٍ فصيحةٍ معروفةٍ في شعرِ بعض العرب. وقد زاد أبو علي المالكيِّ (9) في الاستشهادِ لهذه القراءةِ فقال: «الحُجَّةُ لِمَنْ هَمَزَ هَمزتينِ وداخلَ بينهما
(1) الكتاب 4/ 177، وانظر: شرح المفصل لابن يعيش 9/ 73.
(2)
هو أبو العباس أحمد بن عَمَّار المَهدويُّ المتوفى سنة 440 هـ. من علماء القراءات بالأندلس، له مصنفات كالتبصرة والهداية وشرحها في القراءات، وله في التفسير التفصيل الجامع لعلوم التنْزِيل وهو من أهم مصادر ابن عطية في تفسيره. انظر: جذوة المقتبس 114، بغية الملتمس 163، معجم الأدباء 5/ 39.
(3)
شرح الهداية 1/ 62.
(4)
البقرة 6.
(5)
انظر: السبعة 136، الكشف عن وجوه القراءات لمكي 1/ 73.
(6)
هو ذو الرمة.
(7)
انظر: ملحق ديوانه 3/ 1849.
(8)
إعراب القراءات السبع وعللها 1/ 59.
(9)
هو أبو علي الحسن بن محمد بن إبراهيم البغدادي المالكي المتوفى سنة 438 هـ بمصر. من أئمة القراءات، له تصانيف من أَجلِّها «الروضة في القراءات الإحدى عشرة». انظر: معرفة القراء 1/ 396، غاية النهاية 1/ 230.
أَلِفًا، أَنَّ مِن العَرَبِ مَنْ يَمُدُّ بين الهمزتين المفتوحتين من كلمةٍ فأُجريَ ما كانت الأولى فيه مفتوحةً والثانية مكسورةً مَجراهما. (1) قال الشاعر (2):
أَيَا ظَبْيَةَ الوَعْساءِ بَيْنَ جُلاجِلٍ
…
وبَيْنَ النَّقا آأنْتِ أَمْ أُمُّ سالِمِ (3)
وقال الآخر
…
» (4). ثم ذكر بيتَ ذي الرمة الذي ذكره ابن خالويه قبلُ، مِمَّا يدل على اعتمادِ علماءِ القراءات على الشاهد الشعريِّ في التوجيه والاحتجاج للقراءات، وتصحيح ذلك بشواهد الشعر التي تنفي الشبهة عن القراءات، وموافقتها للغة العرب.
غَيْرَ أَنَّ القرطبيَّ يذكرُ قراءةَ أهلِ المدينة وأَبي عمرو والأعمش وعبد الله بن أبي إسحاق لهذه الكلمةِ، وأَنَّهم يقرأَونَها {أانذَرْتَهُم} بتحقيق الهمزةِ الأولى وتسهيلِ الثانيةِ، وأَنَّ هذهِ لغةُ قريشٍ، وسعدِ بن بكرٍ، وقد اختارها الخليل وسيبويه. (5) ثُمَّ يستشهدُ لِهذهِ القراءةِ بالشاهدينِ السابقين لذي الرمة، اللذين استشهد بهما ابنُ خالويه وغيره على قراءةِ ابن عامر وهي قراءة «مَنْ هَمَزَ هَمزتينِ وداخلَ بينهما أَلِفًا» .
وسيبويه قد استشهد بِالشاهد الثاني منهما على «إِنَّ من العربِ ناسٌ يُدخلونَ بين ألف الاستفهامِ وبين الهمزة ألفًا إذا التقتا؛ وذلك أَنَّهم كرهوا التقاءَ هَمزتين ففصلوا، كما قالوا: اخشينان، فَفَصلوا بالألفِ كراهيةَ التقاء هذه الحروف المضاعفة» . (6) وليس على ما ذكره القرطبيُّ، فالشاهدان يشهدان للغة مَنْ يُدخِلُ بَيْنَ الهمزتينِ أَلفًا، لا للغة من يُسهِّلُ الهمزةَ الثانية (7)، وهذا يدل على أن هناك من المفسرين من قد يقع منه
(1) انظر: الكتاب 3/ 551، المقتضب 1/ 162 - 163.
(2)
هو ذو الرمة. .
(3)
انظر: ديوانه 2/ 767، أمالي القالي 2/ 58.
(4)
الروضة في القراءات الإحدى عشرة 1/ 201.
(5)
انظر: الجامع لأحكام القرآن 1/ 185.
(6)
انظر: الكتاب 3/ 551.
(7)
انظر: الحجة للفارسي 1/ 279 - 290، الدر المصون 1/ 110.