الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: أَثَرُ الشاهدِ الشعري في توجيه القراءات والاحتجاج لها في كتب التفسير
.
التوجيه مصدرٌ مأخوذٌ مِنْ وَجَّهَ يُوجِّهُ. ومنه قوله تعالى: {أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ} [النحل: 76](1). ومنه: وجَّهْتُ الشيءَ إذا جعلتهُ على جِهَةٍ. (2) قال ابن منظور: «وقال بعضهم: وجِّهِ الحَجَرَ وِجْهَةً وَجِهَةً مَّا له (3)
…
يريد: وجِّهِ الأمرَ وجْهَهَ، يُضربُ مَثَلًا للأَمرِ إذا لم يستقم مِن جهةٍ أن يُوجِّهَ له تدبيرًا من جهةٍ أُخرى، وأَصلُ هذا في الحَجَرِ يُوضعُ في البناء، فلا يستقيمُ، فيُقلَبُ على وجهٍ آخر فيستقيم». (4)
وتوجيهُ القراءاتِ يدخلُ تَحتَ عِلمِ القراءاتِ بِمعناه الواسع، غير أن الذي قام به هم النحويون وأهل اللغة غالبًا، وقد أفرده الزركشي بالذكر في «البرهان» تحت النوع الثالث والعشرين فقال:«معرفةُ توجيهِ القراءاتِ وتبْيِيْنُ وجهِ ما ذهب إليه كلُّ قارئٍ» وأَشارَ إلى أَنَّه «فَنٌّ جليلٌ، وبه تُعرفُ جلالةُ المعاني وجزالتُها، وقد اعتنى الأئمةُ بهِ، وأَفردوا فيهِ كُتُبًا» (5).
وقد عُرِّفَ توجيهُ القراءات بأَنَّهُ «عِلْمٌ يُبحثُ فيه عن معاني القراءاتِ والكشفِ عن وجوهِها في العربية، أو الذهاب بالقراءة إلى الجهة التي
(1) النحل 76.
(2)
انظر: مقاييس اللغة 6/ 88 - 89.
(3)
قولهم: «وَجِّهِ الحَجَرَ وِجْهَةً ما لَهُ» مَثَلٌ يُضرَبُ في حُسنِ التدبير، أي: لكلِّ أمرٍ وجهٌ، لكن الإنسان ربَّما عَجَزَ ولم يهتد إليه. انظر: مجمع الأمثال للميداني 3/ 494.
(4)
انظر: لسان العرب 15/ 226 (وجه).
(5)
البرهان في علوم القرآن 1/ 488.
يتبيَّنُ فيها وجهُها ومعناها». (1)
و«توجيه القراءات» يُسمَّى بِهذا (2)، وله أسماءُ أُخرى المقصودُ بِها واحدٌ أو متقارب، ومنها «الاحتجاج للقراءات» (3)، و «وجوه القراءات» (4)، و «عِللُ القراءات» (5)، و «إعراب القراءات» (6)، و «معاني القراءات» (7) وبكلِّ اسمٍ من هذهِ الأسماءِ صُنِّفَتْ مُصنَّفاتٌ، غير أَنَّ الذي استقر عليه الاصطلاح في الوقت الراهن تسميته بتوجيه القراءات.
وقد عُنِيَ المفسرون بتوجيه القراءات من حيث اللغة والنحو في كتب التفسير، وظلَّ توجيه القراءات والاحتجاج لها منثورًا في كتب معاني القرآن والتفسير مدةً طويلةً من الزمن، ثُمَّ أَخَذَ يستقلُّ وينفصلُ شيئًا فشيئًا حتى نضجَ، واستقلَّ بأُصولهِ ومؤلفاته بعد تصنيف ابن مجاهد (ت 324 هـ)(8) لكتابه في القراءات السبع، واقتصاره على الطرق الصحيحة لتلك القراءات.
(1) توجيه مشكل القراءات العشرية للدكتور عبد العزيز الحربي 65، وانظر: القراءات القرآنية لعبد الحليم قابة 30، فصول في أصول التفسير لمساعد الطيار 126.
(2)
مثل تسمية شريح بن محمد الرعيني كتابًا له باسم «الجمع والتوجيه لما انفرد به الإمام يعقوب بن إسحاق الحضرمي» . انظر: فهرسة ابن خير 38 - 39، وكتاب عبد الفتاح القاضي «القراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب» .
(3)
ككتاب «الحجة في القراءات السبع» للفارسي، و «الحجة» المنسوب لابن خالويه، و «حجة القراءات» لابن زنجلة.
(4)
مثل كتاب ابن قتيبة «وجوه القراءات» . انظر: تأويل مشكل القرآن 64، وهذا المصطلح عند المتقدمين، وأَمَّا متأخرو القراء فيعنون به الخلاف الذي يقع في بعض صور الأداء: كأوجه البسملة، والوقوف.
(5)
مثل كتاب الأزهري «علل القراءات» ، ولابن الفَتِّي، والسَّجَاونديِّ كتبٌ بِهذا العنوان أيضًا.
(6)
مثل كتاب «إعراب القراءات وعللها» لابن خالويه، وإعراب القراءات لإسماعيل بن خلف.
(7)
مثل كتاب «معاني القراءات» لأحمد بن قاسم اللخمي. انظر: غاية النهاية 1/ 97.
(8)
هو أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد البغدادي، تتلمذ على أبي جعفر =
وقد بدأ الاحتجاج بالشِّعْرِ لتوجيه القراءاتِ مُبكرًا في عهد أئمة القراء الأوائل، فقد كان أبو عمرو بن العلاء البصري (ت 154 هـ) يَحتجُّ لقراءته بالشعر، كما في قراءته لقوله تعالى:{أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ} [الأعراف: 62](1) بتخفيف اللام في {أُبَلِّغُكُمْ} مِن أَبْلَغَ يُبْلِغُ (2)، فقد احتج بالقرآن وبالشعر. فأَمَّا القرآن فقد احتجَّ بقوله تعالى:{لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي} [الأعراف: 79](3).
وأما احتجاجه بالشعر فقد احتجَّ بشاهدين، الأول قول عَدِيِّ بن زيدٍ:
أَبْلِغِ النُّعمانَ عَنِّي مأْلكًا
…
أَنَّهُ قد طالَ حَبْسي وانتِظاري (4)
والثاني قول أبي القَمقام الأسديِّ (5):
أَبْلِغْ أَبا مالكٍ عَنِّي مُغَلْغَلَةً
…
وفي العتابِ حَياةٌ بَيْنَ أَقوامِ (6)
وأبو عمرو بن العلاء (ت 154 هـ) يُمثِّلُ باحتجاجهِ للقراءات وتوجيهها، واستشهاده بالشعر على ذلك، مرحلةً متقدمةً؛ لأَنَّهُ إمامُ علماء اللغةِ ورواة الشعر الذين دارت عليهم روايةُ الشِّعرِ باعتبارهِ شيخًا لأَبي
= الطبري، وكان يعدُّهُ أجلَّ شيوخه الذين أخذ عنهم القراءات، والتفسير، والشعر، كما تتلمذ على ثعلب في اللغة. وهو أول من اختار القراءات السبع ودونها مقتصرًا عليها في كتابه السبعة. توفي سنة 324 هـ ومن تلاميذه أبو علي الفارسي. انظر: تاريخ بغداد 5/ 144، معجم الأدباء 18/ 45، معرفة القراء الكبار 1/ 269، غاية النهاية 1/ 139.
(1)
الأعراف 62.
(2)
قرأ أبو عمرو واليزيدي {أُبْلِغُكُمْ} بسكون الباء وتخفيف اللام. وقرأ الجمهور {أُبَلِّغُكُمْ} بفتح الباء وتشديد اللام. انظر: السبعة 284، حجة القراءات 286، إعراب القراءات السبع وعللها 1/ 190 - 191.
(3)
الأعراف 79.
(4)
المألك: الرسالة. انظر: ديوانه 93.
(5)
هو أبو القمقام بن مصعب الأسدي شاعر سمعه أبو عمرو بن العلاء والفراء وغيرهما، ورد اسمه في كتب الشعر والأدب دون ترجمة. انظر: المبهج لابن جني 204، شرح أبيات المغني 5/ 324، شرح الحماسة للمرزوقي 3/ 1377.
(6)
انظر: إعراب القراءات السبع وعللها 1/ 190 - 191، والبيت في عيون الأخبار 1/ 91 ونسب لغيره.
عُبيدةَ، والأَصمعيِّ، وطبقتهم، ولكونه أحد القراء السبعة، وإمام قراء البصرة، وقراءته هي القراءة التي يقرأ بها أهلُ البصرة، وقد رواها عنه تلاميذه، فهو أبو العلماءِ وكهفُهُم - كما وصفه ابن جني (1) -، وأعلم الناس بالقرآن والعربية - كما يقول ابن الجزري (2)، فهو قارئٌ لغويٌّ إمامٌ في فُنونٍ متعددةٍ.
وقد ذكر أبو عبيدة أَنَّهُ سأل شيخه أبا عمرو بن العلاء عن توجيه قراءته لقوله تعالى: {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف: 77](3) حيث قرأها أبو عمرو بن العلاء {لَتَخِذْتَ} (4) مِنْ (تَخِذَ) لا من (اتَّخَذَ)، فقال أبو عمرو: هي لغةٌ فصيحةٌ، واستشهدَ لَهَا بِقولِ المُمَزَّقِ العبديِّ:
وقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إِلى جَنْبِ غَرْزِها
…
نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ القَطاةِ المُطَرِّقِ (5)
وهذا احتجاجٌ لصحة استعمال (تَخِذَ)، وأنه ورد عند العرب في الشعر الفصيح، فقرأ به، وقد اكتفى العلماء بشواهد مفردة للاستشهاد على بعض الأوجه المقروءِ بِها استدلالًا منهم على صحتها، وإن كان المتتبع لدواوين الشعراء سيجد غير تلك الشواهد.
ومنذ زمن أبي عمرو بن العلاء والقراء وعلماء القراءات يتتبعون شواهد الشعر التي تعينهم على توجيه القراءت من حيث اللغة والإعراب
(1) انظر: الخصائص 3/ 309.
(2)
انظر: غاية النهاية 1/ 290.
(3)
الكهف 77.
(4)
قراءة الجمهور {لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} بإدغام الذال في التاء إلا حفص فقد أظهرها، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {لَتَخِذْتَ} إلا أن أبا عمرو يدغم وابن كثير لا يدغم كحفص. انظر: السبعة 396.
(5)
انظر: مجالس العلماء للزجاجي 255، والغَرْزُ: هو للناقة مثل الحزامِ للفَرَسِ، والنَّسيفُ: أَثَرُ ركضِ الرجل بَجنبي البعير إذا انحصَّ عنه الوَبَرُ. وأُفْحُوصُ القطاةِ مجثمها وعشها لأنها تفحصه، والمُطَرَّقُ صفة للعُشِّ بمعنى المُعَدَّل، أو صفة للقطاة وهي التي تعالج خروجَ بيضِها، وذُكِّرَ لاختصاصهِ بالإِناثِ فاستُغنيَ عن العلامة. انظر: الأصمعيات 165، مجاز القرآن 1/ 412.
لتكونَ حجةً لهم أَنَّ الوجه الذي رَوَوهُ من القراءةِ صحيحٌ موافقٌ للغةِ العَرَبِ، وأَنَّهُ ليس خطأً لم تستعمله العرب. وهذا شاهد للركن الذي استقر عند علماء القراءات اعتباره للقراءة الصحيحة وهو موافقة لغة العرب ولو بوجهٍ مِنْ وُجُوهِها. (1) بل إنه يؤثر عن بعض القراء شواهد شعرية خاصة، يستشهد بها لتصحيح قراءته، فقد ذكرَ ابنُ الجَزَريِّ في ترجمةِ أَحْمد بن مُحمدٍ بن عَلْقَمةَ بن نافع النبَّال المتوفى سنة 240 هـ، أنه قرأ عليه قُنْبُلُ والبّزِّيُّ. ثم قال: «وروينا عنه أنَّهُ كان يُنْشِدُ شاهدًا على قراءةِ تشديدِ الياء من {حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42](2)، وهي قراءته التي رواها قُنْبلُ عنهُ:
سَأَلتَنِي جارَتي عَن مَعْشَرٍ
…
وَإِذا ما عَيَّ ذُو اللُّبِ سَأَلْ
سَأَلَتني عَن أُنَاسٍ ذَهَبُوا
…
شَرِبَ الدَهرُ عَليهِم وَأَكَلْ (3)». (4)
وربَّما خَصَّ ابنُ الجزري هذا الشاهدَ بالذكر لكونه حُفِظَ عن النَّبَّالِ دون غيره، وإِلَاّ فإِنَّ المفسرينَ وغيرَهم قد احتجوا لهذه القراءة بشواهد أخرى. (5) كقول عبيد بن الأبرص:
عَيَّوا بِأَمْرِهِمُ كما
…
عَيَّتْ بِبَيْضتِها الحَمامَه (6)
(1) ذكر العلماء أن القراءة المقبولة لها ثلاثة أركان: صحةُ الإسناد، وموافقة العربية ولو بوجهٍ، وموافقة رسم المصحف العثماني لها ولو احتمالًا. وأهم هذه الأركان صحة الإسناد، وأَمَّا موافقة العربية فلا بد منه، غير أنه يفرق بين هذا وبين موافقة قواعد النحويين. انظر: الإبانة عن معاني القراءات لمكي 58، والنشر 1/ 9.
(2)
الأنفال 42، وتتمة الآية:{لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42].
(3)
البيتان للنابغة الجعدي. انظر: ديوانه 98، ونسبه ابن عطية للبيد وليس في ديوانه. انظر: المحرر الوجيز (قطر) 6/ 322.
(4)
غاية النهاية 1/ 123 - 124.
(5)
انظر: إعراب القراءات السبع وعللها 1/ 225 - 226، المحرر الوجيز 8/ 77 - 78، الدر المصون 5/ 613 - 614.
(6)
انظر: ديوانه 78، الكتاب 2/ 387، المقتضب 1/ 182، المنصف لابن جني 2/ 191.
وبقول المتلَمِّسِ:
فهذا أَوانُ العِرْضِ حيَّ ذُبابُهُ
…
زَنابِيْرُهُ والأزرقُ المُتَلَمِّسُ (1)
وقال أبو عثمان المازني: «قرأتُ على أَبي وأنا غُلامٌ: {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} [النور: 43](2) قال: فقال أبو سوار (3) - وكان فصيحًا أخذ عنه أبو عبيدة فمن دونه - (خَلَلَهِ)، فقال أبي:{مِنْ خِلَالِهِ} قراءةٌ. فقال: أما سَمِعتَ قولَ الشاعر:
بَنَيْنَ بِغَمْرَةٍ فَخَرَجْنَ منها
…
خُروجَ الوَدْقِ مِنْ خَلَلِ السَّحابِ (4)
قال أبو عثمان: خَلَلُ وخِلالُ واحدٌ، وهما مصدران». (5) ومع أَنَّ القراءة التي قرأَ بها الجمهورُ هي القراءةُ التي قرأَ بِها المازنيُّ، إِلَّا أَنَّهُ عندما سَمِعَ احتجاجَ أبي سوار بالشاهد الشعري الصحيحِ سَلَّمَ لَهُ، وفَسَّرَ الخَلَلَ والخِلالَ بأَنَّهما بِمعنًى واحد، وأَنَّهما مصدران. وهذه أمثلة متقدمة على وجود الاحتجاج للقراءات بالشعر، والاعتماد على الشاهد الشعري في توجيه القراءات والاحتجاج لها.
وأوجه الاحتجاج للقراءات بالشعر وغيره كثيرة، فتارة يكون توجيهًا نَحويًا من حيث الإعراب، وتارة يكون توجيهًا صرفيًا يتعلق بوزن الكلمة أو اشتقاقها، أو لُغويًا يتعلق بعلم الأصوات، ولغات العرب (لهجاتها)، وأمثالهم، وأقوالهم، وأشعارهم، وقد يكون هذا التوجيه معنويًا تتوقف
(1) العِرْضُ: وادي اليمامة، والزنابِيْرُ: النَّحْلُ، والأزرقُ: ذُبابٌ يَلْسَعُ الحَمير، وسُمِّي المتلمسُ بهذا البيت. انظر: ديوانه 123، الخصائص 2/ 377، البحر المحيط لأبي حيان 4/ 501.
(2)
النور 43، وهذه قراءة الجمهور.
(3)
هو أبو سوار الغنوي، من الأعراب الفصحاء الذين تأثر بهم أبو عبيدة وأخذ عنهم. انظر: مجالس العلماء 75، الفهرست 67، إنباه الرواة 2/ 4، 383، أبو عبيدة معمر بن المثنى لنهاد الموسى 156.
(4)
تقدم تخريجه وشرحه.
(5)
المنصف لابن جني 3/ 334، وانظر: تصحيح التصحيف وتحرير التحريف للصفدي 248.
معرفته على معرفة سبب النُّزُول، أو معرفة التفسير. وقد مَرَّ توجيهُ القراءاتِ واحتجاجُ العلماءِ لها بمرحلتين أساسيتين:
الأولى: مرحلة الاحتجاج الفردية لبعض القراءات دون تدوين. وقد بدأت هذه المرحلة مبكرًا في عهد الصحابة رضي الله عنهم (1) ويدخلُ في هذه المرحلة احتجاج القراء أنفسهم لقراءاتهم كما كان يصنع أبو عمرو العلاء (ت 154 هـ) والكسائي (ت 189 هـ)، وتلاميذهما من بَعْدُ. (2) واحتجاج النحويين الأوائل الذين حفظت أقوالهم دون مؤلفاتهم كالخليل بن أحمد (ت 170 هـ).
الثانية: مرحلة التدوين والبَدءُ في جَمعِ أوجه القراءات وتتبعها.
وهذه المرحلة قد تشارك الأولى من حيث الزَّمَنِ مع الاختلاف في المنهج والغاية، ويُمكنُ التمييز في هذه المرحلة بين نوعين من التدوين، هما:
1 -
التدوين المختلط في كتب التفسير ومعاني القرآن والنحو. ويدخلُ تَحتَ هذه المرحلة ما دَوَّنَهُ المفسرون من أهل اللغة في كتب التفسير ومعاني القرآن والنحو من الاحتجاج للقراءات المتفرقة، حيث يذكرونَها عند بيانِ قراءةٍ من القراءات التي تَعرضُ لَهم أثناء التفسير، أو يكون فيها حجة نَحويةٌ لَهم، ومن أوائل الكتب التي ظَهَر فيها توجيه القراءات، والاستشهاد لها بشواهد الشعر كتاب سيبويه (ت 180 هـ). (3) حيث ورد في كتابه عدد من القراءات التي استشهد بها على مسائل
(1) انظر: غاية النهاية 1/ 426، معاني القرآن للفراء 1/ 176.
(2)
انظر: مجالس العلماء 263، مجلة البحث العلمي بجامعة أم القرى، العدد 4، ص 82 - 83.
(3)
سيبويه هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قَنْبَر، تلميذُ الخليل بن أحمد، ومُدَوِّنُ النحو في الكتاب. توفي سنة 180 هـ. انظر: مراتب اللغويين لأبي الطيب 65، أخبار النحويين البصريين للسيرافي 48.
نحوية، واحتج لها بشواهد الشعر واللغة، وسار النحويون بعده على منهجه.
ومن أمثلة ذلك عنده قوله: «وسألتُ الخليلَ عن قوله عَزَّوَجَلَّ: {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10](1)، فقال: هو كقولِ زُهير بن أبي سُلْمى:
بَدا لِيَ أَنِّي لَستُ مُدركَ ما مَضَى
…
ولا سابِقٍ شَيئًا إذا كانَ جَائِيا (2)
وإِنَّما جَرُّوا؛ لأَنَّ الأول قد يدخله الباء، فجاءوا بالثاني، وكأنهم قد أثبتوا في الأول الباء، فكذلك هذا لما كان الفعل الذي قبله، قد يكون جزمًا ولا فاء فيه تكلموا بالثاني، وكأنهم قد جزموا قبله، فعلى هذا تَوهَّموا هذا». (3)
وسيبويه هنا يُشيرُ إلى أَنَّ جَرَّ قولهِ: «سابقٍ» ؛ لأن «مُدركَ» قد تدخلُ عليه الباءُ فتجره فيكون «لستُ بِمُدركٍ» ، فجروا «سابق» ؛ لأَنَّه معطوف على موضعِ «مُدرك» توهُّمًا أَنَّ «مدرك» مجرور، فالباء مفقودة وأثرها وهو الجَرُّ موجود، وظهر أثرها في المعطوف عليه «سابق» لا في المعطوف «مدرك» . وأما الآية - على قول الخليل - فهي جزمٌ على توهم الشرط الذي يدل عليه التمني، والشرط هنا ليس بظاهر، وقد قرَّرَ النحويون أَنَّ العطفَ على الموضع لا يصح إلا حيث يظهر الشرط، كقوله تعالى:{مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186)} [الأعراف: 186](4) واستشهادُ الخليلِ بالشاهدِ الشعريِّ هنا من باب الموازنة الأسلوبية؛ حيث ناظَرَ جَزْمَ قولهِ: {وَأَكُنْ} في الآية بِجَرِّ قوله: «سابق» في الشاهد الشعري؛ فإِنَّ جَرَّ «سابق» عطفًا على «مدرك» الذي هو خَبْر «ليس» على توهم زيادة الباء فيه؛ لأنه كَثُر جَرُّ خَبَرِها بالباء المزيدة.
(1) المنافقون 10.
(2)
رواية الديوان: ولا سابقِي شيءٌ. انظر: ديوانه 287.
(3)
الكتاب 3/ 100 - 101، وانظر: 3/ 50.
(4)
الأعراف 186.
وأما في الآية الكريمة فجزمُ الفعلِ «أَكُنْ» على توهمِ سقوطِ الفاءِ من «فَأَصدَّقَ» ، وفي الشاهد جَرٌّ على توهم وجود الباءِ، والجامع بينهما توهم ما يقتضي جواز ذلك. (1)
والغرض التمثيلُ. وقد كان صنيع سيبويه في كتابه حافزًا للنحويين من بعده أن يتصدوا للمشككين في صحة القراءات القرآنية، وأنها مخالفة لقواعد كلام العرب (2). ويأتي بعد كتاب سيبويه الكتب التي صنفت في معاني القرآن والتفسير (3)
2 -
التدوين في توجيه القراءات خاصة.
أول ما يُذْكَرُ من المؤلفات في إفراد توجيه القراءات بالتدوين ما قام به هارون بن موسى العَتَكيِّ (4) المتوفى قبل المائتين من الهجرة (5)(6) وهناك عدد كبير من المصنفات المفردة للقراءات وتوجيهها في هذه المرحلة من أجمعها كتاب القراءات لأبي عبيد (ت 224 هـ)، وكتاب القراءات للطبري (ت 310 هـ)، الذي تتلمذ عليه أبو بكر بن مُجاهد (ت 324 هـ)، جامعُ القراءاتِ السَّبعِ، وعنه أخذ أبو بكر بن مجاهد التفسيرَ والقراءاتِ وشواهد التفسير، وكان يُجلِّهُ ويُقدِّمهُ (7).
وقد كان تصنيف أبي بكر بن مجاهد (ت 324 هـ) على رأس القرن
(1) انظر: المحرر الوجيز 16/ 23، الدر المصون 10/ 344 - 345.
(2)
انظر: العين 1/ 139، إعراب القراءات السبع وعللها لابن خالويه 1/ 267، أبو علي الفارسي لشلبي 161.
(3)
انظر: الاحتجاج للقراءات للدكتور عبد الفتاح شلبي 85، مجلة البحث العلمي بجامعة أم القرى، العدد 4 عام 1401 هـ.
(4)
هو أبو عبد الله هاورن بن موسى القارئ النحوي المعروف بالأعور، والعَتَكيُّ نسبةً لعَتيكِ بن النضر بن الأزد. روى القراءة عن عاصم الجحدري وعاصم بن أبي النجود. انظر: إنباه الرواة 3/ 361، غاية النهاية 2/ 348.
(5)
غاية النهاية 2/ 348.
(6)
انظر: طبقات النحويين واللغويين 51.
(7)
انظر: معجم الأدباء 18/ 46.