الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الحادي عشر: صلة الشعر الجاهلي بإعجاز القرآن الكريم
.
الإعجاز في اللغة هو الفوتُ والسَّبْقُ. يقال أعجزني فلانٌ، أي: فاتَنِي وعَجزت عن طلبه وإدراكه، والعَجْزُ هو الضَّعفُ. (1) ومنه سُمِّيت معجزات الأنبياء لعجز المخاطبين بِها عن مثلها، لكونها من خوارق العادات، أجراها الله على يد نبي من أنبيائه، لتكون شاهدًا على صدق نبوته، وعجز معارضيه ومكذبيه. (2)
وأَمَّا إعجازُ القرآن فمن تعريفاته «أَنَّه يتعذر على المتقدمين في الفصاحة فعل مثله، في القدر الذي اختص به» . (3) وقيل هو: «عجز المخاطبين بالقرآن وقت نزوله ومن بعدهم إلى يوم القيامة عن الإتيان بمثل هذا القرآن، مع تمكنهم من البيان، وتملكهم لأسباب الفصاحة والبلاغة، وتوفر الدواعي واستمرار البواعث» . (4)
وقد جاء التعبير في القرآن الكريم عن المعجزة بالآية، والبرهان، والبينة، والسلطان (5)، ولم ترد فيه لفظة المعجزة، ولا في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم. وقد نزلَ القرآنُ الكريمُ على العربِ وغايةُ ما يُفاخرونَ به في
(1) انظر: تهذيب اللغة 1/ 340، مقاييس اللغة 4/ 232، لسان العرب 9/ 58 (عجز)، المفردات للأصفهاني 547.
(2)
انظر: مباحث في إعجاز القرآن للدكتور مصطفى مسلم 13.
(3)
المغني في أبواب التوحيد والعدل للقاضي عبد الجبار 16/ 226.
(4)
دراسات في علوم القرآن الكريم للدكتور فهد الرومي 288.
(5)
انظر هذه الآيات: الأنعام 109، الأعراف 73، 105، 106، النساء 174، القصص 32، إبراهيم 10 - 11، المؤمنون 45 - 46.
البلاغةِ شعرُهُم الذي يُعَدُّ ذِروةَ كلامِهم، وقد كان القرآنُ الكريمُ الآيةَ التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم دليلًا قاطعًا على صِدقِ نُبوَّتِهِ، كما كانت العصا آيةً لصدق موسى صلى الله عليه وسلم، وإحياء الموتى وإبراء الأكمه آية لصدق عيسى صلى الله عليه وسلم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«ما من الأنبياءِ نَبِيٌّ إلا أُعْطِيَ مِن الآيات ما مِثلُهُ آمنَ عليه البشرُ، وإِنَّما كانَ الذي أوتيته وحيًا أوحاهُ اللهُ إليَّ، فأرجو أن أكونَ أكثرهم تابعًا يوم القيامة» . (1) غير أنَّ آيات الأنبياء السابقين لنبينا كانت آياتٍ حسيةً ظاهرةً لِمَن شاهدها، وكان العَجْزُ عن الإتيان بِمثلها مركوزًا في الفِطَرِ البشرية، فلا أحد يستطيع أن يأتي بِمثلها ولا يدعي ذلك؛ لاستئثار الله سبحانه وتعالى بالقدرة على مثلها، ولأن العجز عنها ظاهر للجميع.
وأَمَّا آيةُ نبينا مُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فقد اختلفتْ عن تلك الآيات السابقةِ، من جهةِ أَنَّها آية بيانية، والعرب كانوا أهلَ بيانٍ وفصاحةٍ، لهم قدرةٌ على الإبانة عمَّا في أنفسهم أوضح بيانٍ وأبلغَه. ولذلك فإنه ينبغي لِمَن يريد معرفةَ سِرَّ إعجاز القرآن الكريم أن ينظرَ في أفصحِ كلامِ أولئك القوم الذين نَزَلَ عليهم القرآن، ثُمَّ يستخرج أسبابَ البلاغةِ والتفرد في ذلك الكلام، ثُمَّ يبحثُ بعد ذلك عن أسباب البلاغة في القرآن الكريم، وكيف فاقت ما كان يألفه العرب من كلامهم، والأوجه التي فاق بها كلامُ الله كلامَ العرب الذين نزلَ القرآنُ الكريمُ بلغتِهم. ولأنه لم يبق بين أيدي الناس اليوم من كلام من نزل القرآن الكريم عليهم ليكون شاهدًا على هذا ودليلًا عليه إلا الشعر الجاهلي الذي حفظه العلماء، وبلَّغَهُ الرواةُ الثقات، فإِنَّهُ يُعَدُّ مدخلًا مُهمًّا لدارس إعجاز القرآن الكريم.
والاكتفاء بالشعر الجاهلي في مثل هذا الدرس المتعلِّقِ بإعجاز القرآنِ، والاقتصار عليه أمر مهمٌّ؛ حتى لا يبقى مدخلٌ للتأثر بأسلوب
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن 9/ 3 (4981)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان 1/ 134 (152).
القرآن الكريم وألفاظه، فيُقتصَرُ على دراسة شعر الشعراء الذين لم يدركوا بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد كان عبد القاهر الجُرجاني (ت 471 هـ) من أوائل مَنْ أشار إلى العلاقة الوثيقة بين دراسة إعجاز القرآن ومعرفة كنهه، وبين دراسة الشعر الجاهلي والتفقه فيه وفي معانيه، وشنع على من يعارض ذلك، وينكره، فقال في معرض تأكيده على أهمية ذلك: «وذاك أَنَّا إذا كنَّا نعلم أن الجهة التي منها قامت الحجة بالقرآن وظهرت، وبانت وبَهَرت، هي أَنْ كان على حَدٍّ من الفصاحةِ تقصر عنه قوى البشر، ومنتهيًا إلى غايةٍ لا يُطمحُ إليها بالفِكَرِ، وكان مُحالًا أن يَعرِفَ كونَه كذلك، إِلَّا مَن عرفَ الشِّعرَ الذي هو ديوانُ العرب، وعنوان الأدب، والذي لا يشك أنه كان ميدان القوم إذا تجاروا في الفصاحة والبيان، وتنازعوا فيهما قَصَبَ الرِّهانِ، ثُمَّ بَحثَ عن العلل التي بِها كان التباينُ في الفضلِ، وزاد بعضُ الشعر على بعضٍ كان الصادُّ عن ذلكَ صادًّا عن أن تُعرفَ حُجةُ الله تعالى، وكان مَثَلُهُ مَثَلَ مَنْ يتصدَّى للنَّاسِ فيمنعهم عن أن يَحفظوا كتابَ الله تعالى، ويقوموا بهِ، ويتلوه ويُقْرئِوه، ويصنعَ في الجملة صنيعًا يؤدِّي إلى أن يَقِلَّ حُفاظهُ والقائمون به، والمقرئون له
…
». (1)
وقد حاول بعضهم أن يوازن بين القرآن وشعر الجاهلية، ويُفَضِّلَ شعرَ بعض شعراء الجاهلية على القرآن، فما كان من أبي بكر الباقلاني (ت 403 هـ)(2) إلا أن تصدَّى للرد على أمثال هؤلاء، وعَقَدَ موازنةً بين
(1) دلائل الإعجاز للجرجاني 8 - 9.
(2)
هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المالكي الأشعري، ولد في البصرة، وأخذ عن علمائها الحديث والفقه والأصول واللغة، وكان متمكنًا من علم الكلام، ففاق أهل زمانه في الرد على المتكلمين، وقد انتقل إلى بغداد، واشتهر ذكره وعلمه بها، وله مصنفات كثيرة معروفة، منها إعجاز القرآن، والانتصار للقرآن وغيرها. انظر: تاريخ بغداد 5/ 379، ترتيب المدارك 7/ 45.
القرآن والشعر الجاهلي، فاختار قصيدةَ امرئ القيس المُعلَّقةَ؛ لإجْماعِ العَرَبِ والأدباء على تقدمِ امرئ القيس في شعره، ثُمَّ تقديْمِهم لهذه القصيدة على سائر شعره.
وقال بين يدي هذه الموازنة: «ونظمُ القرآنِ جِنسٌ متميزٌ، وأسلوبٌ متخصصٌ، وقَبِيلٌ عن النَّظِيْرِ مُتخلِّص، فإذا شئت أَن تعرفَ عِظَمَ شأنهِ، فتأمَّل ما نقوله في هذا الفصلِ لامرئ القيسِ في أَجودِ أشعارهِ، وما نُبيِّنُ لك من عَواره على التفصيل» (1)، ثُمَّ شرع في ذكر أبيات المعلقة، مبينًا ما يرى أنه عيب وخلل في المعلقة، وما فيها من التكلف والخروج عن المعنى والتناقض والاختلاف. (2) إلى أن قال:«ولستُ أُطَوِّلُ عليكَ فتستثقلَ، ولا أُكثِرُ القولَ في ذَمِّهِ فتستوحشَ، وأَكِلُكَ الآنَ إلى جُملةٍ من القولِ، فإِنْ كنتَ من أهل الصنعةِ، فَطِنتَ واكتفيتَ وعرفتَ ما رمينا إليه واستغنيتَ، وإن كنتَ عن الطبقةِ خارجًا، وعن الإتقانِ بِهذا الشأنِ خاليًا فلا يكفيكَ البيانُ، وإن استَقْرَينا جَميعَ شِعرهِ، وتتبعنا عامَّةَ ألفاظه» . (3)
ثُمَّ عاد بعد ذلك فذكر ما استحسنه الأدباءُ من أبيات هذه القصيدة، فقَلَّلَ من شأنِها، وهَوَّنَ من بلاغتها، وقال:«إِنَّ هذا صالحٌ جَميلٌ، وليس من الباب الذي يقالُ: إنَّهُ مُتناهٍ عَجيبٌ، وفيه إلمامٌ بالتكلُّفِ، ودخولٌ في التعمُّلِ» . (4)
ثُمَّ ختمَ ببيان غرضه الذي قصده من هذا التتبع لمعلقة امرئ القيس فقال: «وإِنَّما أردنا أن نبيّن الجملةَ التي بيناها، لتعرفَ أن طريقةَ الشعر شريعةٌ مورودةٌ، ومَنْزِلةٌ مشهودةٌ، يأخذ منها أصحابُها على مقاديرِ أسبابِهم، ويتناولُ منها ذووها على حسبِ أحوالهم
…
فأَمَّا نَهجُ القرآن ونظمُهُ، وتأليفهُ ورصفهُ، فإِنَّ العقولَ تَتِيهُ في جهتهِ، وتَحارُ في بَحرهِ،
(1) إعجاز القرآن 159.
(2)
المصدر السابق 159 - 182.
(3)
المصدر السابق 179.
(4)
المصدر السابق 181.
وتضلُّ دونَ وصفهِ، ونَحنُ نذكر لك في تفصيل هذا ما تستدلُّ به على الغرضِ، وتستولي به على الأمَدِ، وتصلُ به إلى المقصدِ، وتتصور إعجازه كما تتصور الشمسَ، وتتيقن بلاغتَه كما تتيقن الفجرَ». (1)
ثم شرع بعد ذلك في عرض آيات من القرآن، مبينًا ما فيها من أوجه البلاغة، ومواطن الإعجاز.
وقد بالغ الباقلاني في الإزراء على معلقةِ امرئ القيس، واستخراج عُيوبِها، مع اعترافه بأنَّ «نقدَ الكلامِ شديدٌ، وتَمييزَهُ صَعبٌ» . (2) ولكنَّهُ سارَ على هذا المنهج، وأوصى بالسَّيْرِ فيه فقال:«وقد بسطنا لك القولَ رجاءَ إفهامِك، وهذا المنهاجُ الذي رأيتهُ، إِنْ سلكتَه يأخذ بيدكَ، ويدلكَ على رشدك، ويغنيك عن ذكرِ براعةِ آيةٍ آيةٍ لكَ» . (3) وكان مدفوعًا إلى هذا الإزراء لما كان من تفضيل بعضهم لشعر امرئ القيس على القرآن بدليل قوله في ختام هذه الموازنة: «إِنَّ الذي عارضَ القرآنَ بشعرِ امرئِ القيسِ لأَضلُّ مِن حِمارِ بِاهِلَةَ، وأَحْمَقُ من هَبَنَّقَةَ» . (4) وهو يريد بذلك بيان مزية القرآن، وأنه متفرد بالبلاغة.
وكان الصوابُ أَن يأتيَ إلى ما أَجْمعت العربُ على استحسانهِ وتقدِيمِه من شعر شعرائها كما في معلقة امرئ القيس، ثُمَّ ينظر في مواطنَ الجمال، وأسبابِ التقديم لهُ على غيره من الشعرِ، حتى إذا تبَيَّنَ له ذلك غايةَ البيانِ، واتضحَ له تَمامَ الاتضاح، جاء إلى القرآن الكريم، فتَلَمَّسَ هذه الأسبابَ فيه، وتدبر في ألفاظه ومعانيه، حتى يرى وجهَ تقدمِ القرآن على غيره من الكلام.
(1) إعجاز القرآن 183 - 184.
(2)
المصدر السابق 203.
(3)
المصدر السابق 204.
(4)
المصدر السابق 211، وهَبنَّقَةُ هو يزيد بن ثروان، أحد بني قيس بن ثعلبة. انظر: مجمع الأمثال 1/ 227، وهما مثلان مضروبان لمن بلغ الغاية في الضلال والحمق.
وأَمَّا الإزراءُ بفصيح كلام العربِ، والتهوينُ من شأنهِ فإِنَّهُ يَذهَبُ بقوة تقدمِ القرآن، حيث إِنَّه سيقال: إِنَّ القرآنَ تَحدَّى قومًا أهلَ عِيٍّ وفهاهةٍ، لا أهلَ بيانٍ وفصاحةٍ، حيث إِنَّ هذه الأشعار مقدمةٌ عندهم، وفيها ما ذكرتَ من العيبِ والتناقض.
وخيرُ من تكلَّمَ عن هذه المسألة من العلماءِ - فيما أعلم - من المتقدمين عبد القاهر الجرجاني، ومن المتأخرين الشيخ عبد الحميد الفراهي رحمه الله (ت 1349 هـ)، والأستاذ محمود محمد شاكر (1) رحمه الله (ت 1419 هـ).
فأما عبد القاهر الجرجاني فقد أكثر من تحليل الشعر والشواهد الشعرية في كتابه دلائل الإعجاز، وزادت شواهده عن أربعمائة شاهد شعري، غير أنه احتفل بشعر المتأخرين والمولدين (2)، وهو في هذا يسير على أَنَّ الشاهد البلاغي يصلح له شعر المتقدمين والمتأخرين على حد سواء، وأن المعاني يتناهبها الجميع كما قال ابن جني بعد استشهاده ببيت للمتنبي: «ولا تستنكر ذكر هذا الرجل - وإن كان مُولَّدًا - في أثناء ما نحن عليه من هذا الموضع وغموضه، ولطف متسربه؛ فإن المعاني يتناهبها المولدون كما يتناهبها المتقدمون، وقد كان أبو العباس (3) - وهو الكثير التعقب لجِلَّةِ الناس - احتجَّ بشيءٍ من شعر حبيب بن أوسٍ الطائي
(1) هو محمود محمد شاكر، ولد سنة 1327 هـ وتوفي سنة 1419 هـ، وله عدد من الكتب مثل كتابه
…
المتنبي، وأباطيل وأسمار، وحقق جزءًا كبيرًا من تفسير الطبري، ودلائل الإعجاز وأسرار البلاغة كلاهما لعبد القاهر الجرجاني، وغيرها من البحوث والمقالات والتحقيقات، تفرد عن علماء عصره بنفاذه في فهم شعر العرب، والبصر بكلام العلماء القدماء، وقد تخرج على يديه نخبة من العلماء. انظر: محمود محمد شاكر لعمر القيام 17.
(2)
انظر: الشواهد الشعرية في كتاب دلائل الإعجاز للدكتور نجاح الظهار 3/ 1379 - 1398.
(3)
يريد المُبَرِّد محمد بن يزيد، الإمام في النحو واللغة والأخبار، توفي سنة 285 هـ.
في كتابهِ الاشتقاق، لَمَّا كان غرضه فيه معناهُ، دون لفظه» (1) وهذا يصح في دراسة بلاغة اللغة بصفة عامة، دون تحديد للغة العرب في عصر نزول القرآن على وجه الخصوص، وأما دراسة لغة العرب في عهد نزول القرآن فلا بد من الاقتصار على لغة ذلك العصر الجاهلي من الشعر والنثر، غير أن ما حفظ من الشعر أضعاف ما حفظ من النثر، فلذلك خص الشعر بالحديث.
فأمَّا الفراهي فقد كان فريدًا في تدبر الشعر الجاهلي، والفقه في معانيه، واستخراج الشواهد الشعرية التي تدل على المعاني الدقيقة التي وردت في القرآن الكريم، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك (2)، وكان يدعو إلى البحث عن بلاغة القرآن والاستعانة على ذلك بدراسة الشعر الجاهلي (3).
وأما الأستاذ محمود شاكر فقد شغله أمرُ الشعرِ الجاهليِّ زمنًا طويلًا، فَعَكَفَ على دراستهِ وتذوقهِ، واستطاع أن يكتب شيئًا من نتائج دراسته الطويلة، ولأهمية هذه النتائج التي وصل إليها أحببت ألا يخلو هذا البحث في الشاهد الشعري في تفسير القرآن من التوقف عند هذه العلاقة الوثيقة بين دراسة سر إعجاز القرآن الكريم وفهم الشعر الجاهلي وتذوقه، لأنَّ الشعر في كتب التفسير يمثل جزءًا مهمًا من أجزاء تفسير القرآن الكريم باللغة بِحَسب ما توصلت إليه هذه الدراسة.
وقد ذكر محمود شاكر العلاقة بين الشعر الجاهلي وإعجاز القرآن فقال: «أما الأمر المرتبط بالشعر الجاهلي، أو بقضايا الشعر جميعًا، والمتصل بأساليب الجاهلية وغير الجاهلية، وأساليب العربية وغير العربية، ومقارنتها بأسلوب القرآن، فهو عِلمُ إعجازِ القرآنِ، ثُمَّ علمُ البلاغة» . (4)
(1) الخصائص 1/ 24.
(2)
انظر: ص 161 من البحث.
(3)
انظر: جمهرة البلاغة للفراهي.
(4)
مداخل إعجاز القرآن 152 - 153.
وقد ذكر بعد ذلك الدليل على أن ما تحدي به العرب هو نظم القرآن وبلاغته، وأنه يستوي قليل القرآن وكثيره في الإعجاز، وأن العرب الذين نزل عليهم القرآن، ووكلهم الله إلى أمانتهم في البيان والفصاحة، ليحكموا على هذا الكلام، فما خانوا الأمانة، واعترفوا بعجزهم عن النسج على منواله، وهذا دليل على أنهم قد بلغوا حدًا من الفصاحة والبلاغة، مكنتهم من أن يفهموا وجه الإعجاز في هذا القرآن.
قال ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)} [الإسراء: 88](1): «سبب هذه الآية أنَّ جَماعةً من قريش قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا مُحمدُ جئنَا بآية غريبةٍ غير هذا القرآن فإِنَّا نقدرُ نحن على المَجيء بِمثل هذا، فنَزَلت هذه الآيةُ المصرِّحةُ بالتعجيزِ، المُعلِمةُ بأَنَّ جَميع الخلائقِ إنسًا وجِنًا لو اجتمعوا على ذلك لم يقدروا عليه. والعجزُ في معارضةِ القرآنِ إِنَّما وقعَ في النَّظمِ والرَّصفِ لِمعانيهِ، وعِلَّةُ ذلك الإحاطةُ التي لا يتصفُ بِها إلا اللهُ تعالى، والبَشَرُ مُقصِّرٌ ضرورةً بالجهل والنسيان، والغفلةِ وأنواع النقص، فإذا نظمَ كلمةً خفي عنه - للعللِ التي ذكرنا - أليقُ الكلامِ بِها في المعنى» . (2)
وذكرَ تفرُّدَ العرب بفهمهم السليقي للقرآن فقال: «وفهمت العربُ بِخُلوصِ فهمِها في مَيْزِ الكلام، ودُربتِها بهِ ما لا نفهمهُ نحنُ، ولا كُلُّ مَنْ خالطته حضارةٌ، ففهموا العجزَ عنه ضرورةً ومشاهدةً، وعلمهُ الناسُ بعدهم استدلالًا ونظرًا، ولِكُلٍّ حَصلَ علمٌ قطعيٌّ، لكن ليس في مرتبةٍ واحدةٍ» . (3)
ولذلك فإنه ينبغي لدارس إعجاز القرآن أن يرجع إلى كلام هذه الطبقة التي بلغت هذا المبلغ من الفصاحة والبيان، لينظر ما فيه من أوجه
(1) الإسراء 88.
(2)
المحرر الوجيز (قطر) 9/ 185 - 186.
(3)
المصدر السابق 9/ 187.
البلاغة والبيان، لأنه هو الشاهد الوحيد الذي يدل على مدى فصاحتهم وبلاغتهم. قال محمود شاكر: «وهذه الصفات تفضي بنا إلى التماس ما ينبغي أن تكون عليه صفة كلامهم، إن كان بقي من كلامهم شيء، فالنظر المجرد أيضًا، يوجب أمرين في نعت ما خلفوه:
الأول: أن يكون ما بقي من كلامهم، شاهدًا على بلوغ لغتهم غاية من التمام والكمال والاستواء، حتى لا تعجزها الإبانة عن شيء مما يعتلج في صدر كل مبين منهم.
الثاني: أن تجتمع فيه ضروب مختلفة من البيان لا يجزئ أن تكون دالة على سعة لغتهم وتمامها
…
فهل بقي من كلامهم شيء يستحق أن يكون شاهدًا على هذا ودليلًا؟ نعم، بقي الشعر الجاهلي». (1)
فقد سعى أولًا إلى تَخليصِ مَفهومِ الإعجازِ في القرآنِ، وأَنَّهُ من قِبَلِ النظمِ والبَيانِ، ثُمَّ ساقَهُ الاستدلالُ إلى تحديدِ صفةِ القومِ الذين تَحدَّاهم، وصفة لغتهم، ثم خرج إلى طلبِ نعتِ كلامِهم، والتمسَ الشاهدَ والدليل على الذي أَدَّاهُ إليه النَّظرُ فإذا هذا الشاهد والدليل هو ما تبقى من الشِّعرِ الجاهلي، ليكون مدخلًا لدراسة إعجاز القرآن.
وما صنعه محمود شاكر من التوفر على دراسة شعر الجاهلية زمنًا طويلًا، أداه إلى أن يستخلص منه دلالته أنه شعر قد انفرد بخصائصه عن كل شعر جاء بعده من شعر أهل الإسلام». وإذا صحت له هذه المقدمة، وهي عنده صحيحة لا يشك فيها، «وجب أن ندرس هذا الشعر دراسة متعمقة، ملتمسين فيه هذه القدرة البيانية التي يمتاز بها أهل الجاهلية عمن جاء بعدهم، ومستنبطين من ضروب البيان المختلفة التي أطاقتها قوى لغتهم وألسنتهم، فإذا تم لنا ذلك، فمن الممكن القريب يومئذٍ أن نتلمس في القرآن الذي أعجزهم بيانه، خصائص هذا البيان المفارق لبيان البشر» . (2)
(1) مداخل إعجاز القرآن 166.
(2)
مداخل إعجاز القرآن 170.
وقد سلك عبد القاهر الجرجاني في دراسته للبلاغة مسلكًا قريبًا من هذا، ولكنه اعتمد على شعر المتأخرين، وقلت عنده شواهد شعر الجاهلية، فلم يصل إلى ما أشار إليه محمود شاكر في كلامه.
فدراسة الشاهد الشعري الجاهلي، على هذا الأساس تفتح للباحث في إعجاز القرآن بابًا أمام دراسة جديدةٍ في باب الدراسات القرآنية التي تناولت الإعجاز في القرآن الكريم، وبحسب هذا المبحث أن أشار إلى هذه المسألة على هذا الوجه من الاختصار، لعله يتاح لها من يوفيها حقها من الدرس فهي موضوع قائم بذاته.
* * *