الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشعري، كما عند أبي جعفر النحاس (1) في شرحه لشواهد سيبويه (2) حيث يكثر من عبارة «وهذا حجة لكذا». يقول بعد إيراده لبيت من أبيات الكتاب وهو قول هُدْبَةَ بنِ خَشْرَم (3):
عسى الكربُ الذي أمسيتُ فيه
…
يكون وراءه فرج قريبُ (4)
«حُجَّةُ أنَّ «أنْ» محذوفة، أراد: عسى الكربُ أن يكونَ وراءه فرجٌ» (5). وقال تعقيبًا على قول أبي طالب وهو يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم:
مُحمدُ تفدِ نَفَسكَ كُلُّ نفسٍ
…
إذا مَا خفتَ مِنْ أمرٍ تَبَالا (6)
«والبيتُ حُجةٌ أَنَّ العَرَبَ لا تأمر الغائب إلا باللام» (7).
رابعًا: نشأة مصطلح الشاهد
.
بدأ الشاهد يأخذ معناه الاصطلاحي قديمًا، حيث يُعَدُّ المفسرون أول من اتخذ من الشعر شواهد لفهم غريب القرآن الكريم، وذلك على يد حبر الأمة عبدالله بن عباس، كما في مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس رضي الله عنهما (8).
(1) هو أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري، نحوي لغوي، من مصنفاته «معاني القرآن» ، و «إعراب القرآن» ، و «شرح أبيات سيبويه» وغيرها. توفي سنة 338 هـ. انظر: إنباه الرواة 1/ 136.
(2)
الكتاب المطبوع مختصر جدًا، وفيه شواهد كثيرة ليست من شواهد سيبويه، وهو مخالف لما وصفه العلماء من الغزارة وسعة المسائل والفوائد، مما دفع الدكتور خالد عبدالكريم جمعة إلى التشكيك في كونه الكتاب الأصلي لابن النحاس الذي شرح به شواهد سيبويه، وإنما هو في أحسن الأحوال مختصر فيه إخلال واختلاف بقلم أحد النساخ. انظر: شواهد الشعر في كتاب سيبويه للدكتور خالد جمعة 87 - 90.
(3)
هو هدبة بن خشرم بن كُرز، شاعر جاهلي. انظر: خزانة الأدب 9/ 334.
(4)
انظر: ديوانه 54، الكتاب 3/ 159، تحصيل عين الذهب 437.
(5)
شرح أبيات سيبويه 157.
(6)
انظر: ديوانه 73، وشرح شذور الذهب لابن هشام 202.
(7)
شرح أبيات سيبويه 157.
(8)
انظر: الكامل 3/ 1144 وما بعدها، وستأتي في البحث ص 219.
ويُذْكَرُ أن الفرزدق (1) لما رَدَّ عليه عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي بيتًا من شعره، ولَحَّنَهُ فيه، قال له:«والله لأهجونَّكَ ببيتٍ يكون شاهدًا على ألسنة النحويين أبدًا» (2). فهجاه بقوله:
فلو كانَ عبدُ الله مَولىً هَجوتُهُ
…
ولكنَّ عبد اللهِ مَولَى مَواليا (3)
والفرزدق توفي سنة 112 هـ، وقد قال ذلك لابن أبي إسحاق الذي توفي سنة 117 هـ (4). وهذا القول من الفرزدق مستبعد من بدوي مثله، ولا يعول على مثل هذا النقل في إثبات الصفة الاصطلاحية للشاهد الشعري.
والذي يُعوَّلُ عليه أَنَّ الشاهد الشعري أصبح يَحملُ المعنى الاصطلاحي الدقيق في الاحتجاج اللغوي والنحوي في القرن الثاني الهجري وما بعده ، وذلك في أقدم كتاب نحوي معروف، وكذلك كتب إعراب القرآن المتقدمة كمعاني الفراء والأخفش.
وقد أصبح لكلمة الشاهد فيما بعد معنى عرفيٌّ ينصرف الذهن عند سماعه إلى الشاهد الشعري دون غيره من أنواع الشواهد الأخرى، وكان للنحويين دور كبير في إكساب هذه اللفظة هذا المعنى (5).
وكثيرًا ما تَرِدُ في كتب المفسرين والنحويين واللغويين قبل إيرادهم
(1) هو هَمَّامُ بنُ غالب التميمي، قيل توفي سنة 112 هـ، شاعر إسلامي من المُقدَّمين، شعره جَزْلٌ، أَكثرَ أهلُ اللغة والنحوِ والتفسير من الاستشهاد به. انظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 300، الشعر والشعراء 1/ 471.
(2)
مراتب النحويين 31.
(3)
البيت من شواهد النحويين على أن بعض العرب يجر نحو «جوار» بالفتحة، فيقول: مررت بجواريَ، بالفتح كما في قول الفرزدق «مولى مواليا». انظر: الكتاب 3/ 313، 315.
(4)
انظر: إنباه الرواة 2/ 107، البيان والتبيين 1/ 271، 252، 4/ 24.
(5)
انظر: البحث اللغوي للدكتور أحمد مختار عمر 39، الرواية والاستشهاد لمحمد عيد 124.
للشاهد الشعري عبارة «وأنشد» ، أو «وينشد» ، والنشيد هو رفع الصوت، وإنشاد الشعر هو إلقاؤه، وكانت وما زالت عادة ملقي الشعر أن يرفع صوته عند الإلقاء فَسُمِّيَ منشدًا (1). وهي صيغة من صيغ رواية الشعر المعروفة (2).
ونظرًا لأن كتب التفسير والدراسات القرآنية المبكرة قد اتخذت من نص القرآن الكريم مادةً لها، تشرحه وتبينه بكل وسيلة، فقد شَملت مسائلَ العربية من نحو ولغة وصرف وبلاغة وغيرها، كما شملت كثيرًا من قضايا التاريخ والسيرة النبوية، وغيرها من المسائل التي تتعلق بالنص القرآني المفسَّر، ولذلك فقد اشتملت هذه المدونات على أغلب أنواع الشواهد الشعرية المعروفة، ففيها شواهد اللغة والنحو والبلاغة والتاريخ وشواهد أدبية للتمثل وغير ذلك، وقد تعامل المفسرون مع هذه الأنواع كما تعامل معها المتخصصون في هذه العلوم في مصنفاتهم المختصة، وفي المبحث التالي بيان لأنواع الشواهد الشعرية في كتب التفسير.
* * *
(1) انظر: لسان العرب 14/ 139 - 140 (نشد).
(2)
انظر: الشاهد وأصول النحو لخديجة الحديثي 147.