الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولًا: المصادر المباشرة
.
فأما القسم الأول من مصادر الشاهد الشعري، وهو الشعراء، فقد روى المفسرون واللغويون عن كثير من الشعراء مباشرةً، ومن أقدم الأمثلة لذلك عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، فقد كان يستشهد بأشعار حسان بن ثابت (1)، ولبيد بن ربيعة (2)، وعبدالله بن رواحة (3)، وغيرهم من الصحابة الذين عاصرهم، وسمع منهم أو من بعضهم مباشرةً، وقد استشهد بأشعار عمر بن أبي ربيعة المخزومي (95 هـ) على تفسير القرآن الكريم. (4) وقد كان هذا الصنيع من ابن عباس أول عمل منظم لعملية الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، وسيأتي مزيد بيان لذلك في مبحثٍ تالٍ.
وقد أدرك عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي (118 هـ)، وأبو عمرو بن العلاء (154 هـ)، شعراءَ الاحتجاج، كالفرزدق، والكُميت، وذي الرمة، والعجاج، ورؤبة وأضرابهم، وهم من طبقة شعراء الإسلام. (5)
يقول الخليل بن أحمد (170 هـ): «دفنَّا الشعر واللغة والفصاحة اليومَ، فقيل له: وكيف ذاك؟ فقال: هذا حين انصرفنا من دفن رؤبة بن العجاج» . (6) وسئل يونس بن حبيب عن فصاحة رؤبة فقال: ما رأيت قط عربيًا أفصح منه. (7) ويقول الأصمعي: «ساقةُ الشعراءِ ابنُ ميَّادة
(1) انظر: إيضاح الوقف والابتداء 1/ 65، مسائل نافع بن الأزرق 62، 121.
(2)
انظر: إيضاح الوقف والابتداء 1/ 89، مسائل نافع بن الأزرق 141.
(3)
انظر: مسائل نافع بن الأزرق 140، 143.
(4)
انظر: مسائل نافع بن الأزرق 91 - 92.
(5)
انظر: معاني القرآن للفراء 2/ 183، الشعر والشعراء 1/ 89، 480، الموشح 238، 282، خزانة الأدب 1/ 4، 5/ 144.
(6)
الأغاني 20/ 370، وخزانة الأدب 1/ 91.
(7)
انظر: الأغاني 20/ 360.
(146 هـ)، وابنُ هَرْمَة (145 هـ)، ورؤبَةُ (145 هـ)، وحَكَمُ الخُضَريُّ، ومَكِيْنُ العُذريُّ (160 هـ)، وقد رأَيتهُم أَجْمعين» (1).
وقد أدرك أبو عبيدة رؤبةَ بن العجاج، وسأله عن قوله:
فيها خُطوطٌ مِنْ بَيَاضٍ وَبَلَقْ
…
كأَنَّهُ في الجلد توليعُ البَهَقْ (2)
حيث قال: «قلت لرؤبة: إن كانت خطوط فقل: كأَنَّها، وإن كانَ سوادٌ وبَلَقٌ فقل: كأَنَّهُما. فقال: كأَنَّ ذاكَ - ويلك - تَولِيعُ البَهَقْ» (3). وكذلك الأصمعيُّ روى الشواهدَ والأشعارَ عن رُؤبةَ وغيره (4).
ومن أئمةِ الكوفيين يحيى بن زياد الفراء الذي أدرك كثيرًا من الشعراء، وروى عنهم. ومن ذلك قوله: «وأنشدني بعض بني أسد يصف فَرَسَهُ:
عَلفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً باردَا
…
حَتى شَتَتْ هَمَّالةً عيناها» (5).
وهذا الشاهد من الشواهد السائرة في كتب النحو والتفسير، والشاهد فيه «وماءً» حيث نصبَ الماءَ بفعلٍ مقدرٍ هو «أَسْقَيْتُها» ، ولم يذكره؛ لكون الماء لا يُعلفُ وإِنّما يُشرَبُ (6).
وأكثر من تهيأت لهم الرواية المباشرة عن الشعراء هم العلماء الرواة الذين أدركوا عصور الاحتجاج، وأولهم وأوثقهم أبو عمرو بن العلاء (154 هـ)، ومن طبقته حَمَّاد بن مَيْسَرة المعروفُ بِحَمَّاد الراوية
(1) الشعر والشعراء 2/ 753، وخزانة الأدب 1/ 8، 425.
(2)
انظر: ديوانه 104.
(3)
مجاز القرآن 1/ 43 - 44، والكشاف 1/ 149، 470، 4/ 15.
(4)
انظر: الكشاف 1/ 149، 470، 4/ 15.
(5)
معاني القرآن 1/ 14.
(6)
انظر: الخصائص 2/ 431، شرح شذور الذهب 240، شرح الأشموني 2/ 140، الإنصاف 488، معجم شواهد النحو الشعرية 773 رقم 3716.
(156 هـ)(1)، وعن هذين أخذ سائر شيوخ العلم والرواية كخلف الأحمر (180 هـ)، والمفضل الضبي (178 هـ)، والأصمعي (215 هـ)، وأبي عبيدة (210 هـ)، وأبي عمرو الشيباني (206 هـ)، والفراء (207 هـ) وغيرهم، ثم أخذ عن هؤلاء من تلاهم كابن الأعرابي (231 هـ)، ومحمد بن حبيب (245 هـ)، وأبي حاتم السجستاني (255 هـ)، ثم أخذ عن هؤلاء أبو سعيد السكري (285 هـ)، وثعلب (286 هـ) وأضرابهما (2).
وأما من أتى بعدهم فقد اعتمدوا على الرواية عنهم وعن تلاميذهم، وعلى المصنفات التي دونها هؤلاء. يقول أبو الطيب اللغوي:«وكان في هذا العصر ثلاثةٌ، هُم أَئِمةُ النَّاسِ في اللغة، والشعرِ، وعُلومِ العرب، لم يُرَ مِثلُهُم قَبْلَهم ولا بَعدهم، عنهم أُخِذَ جُلُّ مَا في أَيدي الناس من هذا العلمِ بَلْ كُلُّهُ، وهُم أبو زيدٍ، وأَبو عبيدةَ، والأَصمعيُّ، وكلهم أخذوا عن أَبي عَمروٍ اللغةَ، والنحوَ، والشعرَ، ورَووا عنه القراءةَ، ثم أَخذُوا بعدَ أبي عمروٍ عن عيسى بنِ عُمرَ، وأَبي الخطابِ الأخفشِ، ويونسَ بن حبيب عن جماعةٍ من ثقاتِ الأعراب وعلمائهم» (3).
وهذا المصدر المباشر لم أجد له أثرًا ظاهرًا إلا في كتابي «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، و «معاني القرآن» للفراء، حيث تقدم أخذهم مباشرةً من الشعراء، ونقلُهُم لعدد من الشواهد الشعرية، وستأتي الأمثلة على ذلك في هذا المبحث، وأثر هذا المصدر المباشر في تفسيرهم للقرآن الكريم، أما بقية كتب التفسير موضوع الدراسة فلم يدرك أحدٌ منهم شاعرًا يحتج بشعره.
(1) هو حَمَّاد بن ميسرة بن المبارك الديلمي الكوفي المعروف بالراوية، من أعلم الناس بشعر العرب وأخبارهم، قدمه خلفاء بني أمية، ولد سنة 95 هـ وتوفي سنة 155 هـ. انظر: معجم الأدباء 3/ 246 - 250.
(2)
انظر: مصادر الشعر الجاهلي 252.
(3)
مراتب النحويين 39 - 40.