الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كما إنه «يُروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سَمِعَ كعب بن مالك يُنشدُ:
أَلَا هَل أَتَى غَسَّانَ عَنَّا ودُونَنَا
…
مِن الأَرضِ خَرْقٌ غَوْلُهُ مُتَتَعْتِعُ
مُجَالَدَنا عَن جِذْمِنا كُلّ فَخْمةٍ
…
مُذرَّبَةٍ فيها القَوانسُ تَلْمَعُ (1)
مِمَّا يدل على معرفته بنقد الشعر وفهمه له عليه الصلاة والسلام. وروى السكريُّ أَنَّ كعب بن زهير رضي الله عنه عندما أنشد قوله في وصف راحلته بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم:
وَجْناءُ في حُرَّتَيْها لِلبَصِيْرِ بِها
…
عِتْقٌ مُبِيْنٌ وفي الخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ
استوقفه الرسول صلى الله عليه وسلم وسأل الصحابة: "ما حُرَّتاها؟ " فقال بعضهم: عيناها، وسكت بعضهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هما أذناها"، نسبهما إلى الكرم. (3) وذكر الزهري ما كان يحفظه النبي صلى الله عليه وسلم من الشعر فقال:«كان رسول الله لا يقول من الشعر إلا ما قد قيلَ قبله» (4)، أي أَنَّه كان يَحفظ من شعر الجاهلية.
حكم الاستشهاد بالشعر في التفسير:
أما حكم الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن، فقد نُقِلَ عن الإمام أحمد بن حنبل أنه «سُئِلَ عن القرآن تَمثلَ له الرجل بشيء من الشعر،
(1) المُجالدةُ: المدافعة، الفخمة: الكتيبة العظيمة، المذربة: المدربة على القتال، القوانس: جمع قونس، وهي أعلى خوذة الحديد. انظر: ديوانه 56
(2)
الفاضل للمبرد 12، الروض الأنف للسهيلي 6/ 104، جزء في أحاديث الشعر للمقدسي 107.
(3)
انظر: شرح بانت سعاد لعبداللطيف البغدادي 130 - 131، شرح قصيدة كعب بن زهير لابن هشام 210.
(4)
أخبار النحويين البصريين 84.
فقال: «ما يُعْجِبُنِي» (1). وقد انتقد بعضُ العلماء النحويين؛ لاستشهادهم بالشعر في تفسير القرآن وقالوا: «إذا فعلتم ذلك، جعلتم الشعرَ أصلًا للقرآن
…
وكيف يَجوزُ أَن يُحتجَّ بالشعر على القرآن، وقد قال الله تعالى:{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224)} [الشعراء: 224](2)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«لأَنْ يَمتلئَ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه، خير له من أن يمتلئَ شعرًا؟ » (3).
كما استغرب ابن حزم من صنيع اللغويين فقال: «ولا عَجَبَ أَعجبُ مِمَّن إن وجدَ لامرئ القيسِ، أو لزهير (4)، أو لجرير (5)، أو الحطيئة، أو الطرماح، أو للشماخ، أو لأعرابيٍّ أسديٍّ أو سُلَميٍّ، أو تَميميٍّ، أو من سائر أبناء العربِ بوالٍ على عقبيه لفظًا في شِعْرٍ أَو نَثرٍ جَعَلَهُ في اللغة، وقطعَ بهِ، ولم يعترض فيه، ثم إذا وجد لله - تعالى - خالقِ اللغاتِ وأَهلِها كلامًا، لم يلتفت إليه، ولا جعله حجةً، وجَعَلَ يصرفُهُ عن وجهه، ويُحرِّفه عن مواضعه، ويتحيل في إحالتهِ عمَّا أوقعهُ اللهُ عليهِ، وإذا وجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم كلامًا فعل به مثل ذلك.
وتالله لقد كان محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم قبل أن يكرمه الله تعالى بالنبوة وأيام كونه فتى بِمكةَ بلا شك عند كل ذي مُسْكةٍ من عَقْلٍ أعلم بلغة قومه وأفصح فيها وأولى بأن يكون ما نطق به من ذلك حجةً من كل خِنْدِفيٍّ وقيسيٍّ وربيعيٍّ وإياديٍّ وتيميٍّ وقُضاعيٍّ وحِميريٍّ،
(1) المسودة في أصول الفقه 1/ 383، البرهان في علوم القرآن 2/ 302.
(2)
الشعراء 224.
(3)
إيضاح الوقف والابتداء 1/ 100، والحديث تقدم تخريجه قريبًا.
(4)
هو زهير بن ربيعة أبي سُلْمَى المُزني، من شعراء المعلقات، عَدَّهُ ابنُ سلَاّم من الطبقة الأولى من الجاهليين توفي سنة 609 م. انظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 50، 63 - 65، الشعر والشعراء 1/ 137.
(5)
هو جرير بن عطيَّة الخَطَفَى اليَربوعيُّ التَميميُّ، توفي سنة 113 هـ على خلاف، وهو من أبرز الشعراء الإسلاميين، وقد أكثر المفسرون من الاستشهاد بشعره. انظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 374، الشعر والشعراء 1/ 464.
فكيف بعد أن اختصه الله تعالى للنِّذَارةِ (1) واجتباه للوساطةِ بينه وبين خلقهِ وأجرى على لسانه كلامَهُ وضَمِنَ حفظه وحِفظَ ما يأتي به؟ » (2).
وقال الرازي: «إذا جوزنا إثبات اللغة بشعرٍ مَجهولٍ، منقول عن قائلٍ مجهولٍ، فلأن يَجوزَ إثباتُها بالقرآنِ العظيم كان أولى
…
وكثيرًا أرى النحويين يتحيَّرونَ في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريره ببيتٍ مَجهولٍ فرحوا به، وأنا شديدُ التعجبِ منهم، فإِنَّهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المَجهولِ على وفقه دليلًا على صحته، فلأن يَجعلوا ورود القرآن به دليلًا على صحته كان أولى» (3)، ويقول أيضًا:«والعَجَبُ من هؤلاء النحاةِ أَنَّهم يستحسنون هذه اللغةَ بِهذين البيتين المَجهولين، ولا يستحسنون إثباتَها بقراءةِ حَمزةَ ومُجاهد، مع أَنَّهما كانا من أكابر علماء السلف في علم القرآن» (4) وهذه الأقوال من ابن حزم والرازي لا تدل على كراهية الاستشهاد بالشعر في التفسير واللغة، وغايتها التعجب من العناية بشعر العرب وشواهده، وإغفال شواهد القرآن والحديث.
فأَمّا قول الإمام أحمد فظاهرهُ المنعُ من ذلك، غير أَنَّ بعض أصحابه قد ذهب به إلى الكراهة، أو أَنَّ المقصود به مَن يصرفُ الآية عن ظاهرها إلى معانٍ صالحةٍ مُحتملةٍ يدلُّ عليها القليل من كلام العرب، ولا يوجد غالبًا إلا في الشعر ونحوه، ويكون المتبادر خلافه. وكأَنَّ صنيعَ أبي عُبيدة مَعمر بن المُثَنَّى (5) في «مَجازِ القرآن» كان دافعًا لقول الإمام
(1) النِّذارةُ هي الإِنذارُ، وهي لفظةٌ نادرة حُفظت عن الإمام الشافعي، ولا توجد في معاجم اللغة إلا معزوة له. انظر: الرسالة للشافعي 15.
(2)
الفصل في الملل والأهواء والنحل 3/ 231.
(3)
تفسير الرازي 9/ 57، دراسات لأسلوب القرآن الكريم لمحمد عضيمة 1/ 27.
(4)
تفسير الرازي 9/ 170.
(5)
هو أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي بالولاء البصري، علامة بشعر العرب وأخبارها =
أحمد هذا، وسيأَتي تفصيلُ ذلك عند الحديث عن كتابِ أبي عُبيدة.
وذكر الفراء الحنبلي (ت 526 هـ)(1) في ذلك روايتين عن الإمام أَحْمد، وقال: «أصحُّهما لا يَجوزُ؛ لأن تفسيرَ القرآنِ يَجبُ أن يؤخذَ توقيفًا
…
وفيه روايةٌ أخرى: يَجوزُ؛ لأنَّ القرآنَ عربيٌّ نَزلَ بلغتهم، فجازَ تفسيرهُ على معاني كلامهم» (2).
وقول الإمامِ أَحْمد: «ما يُعجبُنِي» محتملٌ لأكثرَ مِن وجهٍ من الكراهة وما فوقها، غَيْرَ أَنَّ عملَ السَّلفِ من لدنِ ابن عباس وحتى عصر الإمام أحمد وبعده موافق للرواية الثانية للإمامِ أَحْمد، فقد استشهدوا بالشعر على تفسير القرآن الكريم، ولم ينقل عن أحد منهم إنكارٌ على من فعل ذلك (3)، بل نقل عن ابن عباس قوله:«إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب» (4). وكان إذا سُئِل عن الشيء من عربية القرآن يُنْشِدُ الشعر (5).
=وغريب اللغة، اتهم برأي الخوارج، وله أكثر من مائتي مصنف، أشهرها مجاز القرآن الذي يعد من أهم مصادر الشاهد الشعري في التفسير، وشرح النقائض، وغيرها. توفي سنة 210 هـ. انظر: تاريخ بغداد 13/ 252، سير أعلام النبلاء 9/ 445، وقد كتب عنه الدكتور محمد بن خالد الفاضل رسالة الماجستير بعنوان:«أبو عبيدة ودراساته النحوية في كتابه مجاز القرآن» . بقسم النحو بكلية اللغة العربية بجامعة الإمام، عام 1401 هـ. وكتب الدكتور نهاد الموسى عنه رسالته الدكتوراه بعنوان:«أبو عبيدة مَعْمَرُ بن المُثنَّى» نشرتها دار العلوم بالرياض عام 1405 هـ.
(1)
هو محمد بن محمد بن الحسين الفراء، القاضي، كان عارفًا بمذهب الحنابلة، له من المصنفات: التمام لكتاب
…
الروايتين والوجهين وهو تكملة لكتاب أبيه، والمفردات في أصول الفقه. انظر: الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 176.
(2)
انظر: التمام للفراء الحنبلي 1/ 165 - 166، المسودة 1/ 384.
(3)
انظر: التفسير اللغوي للقرآن الكريم للدكتور مساعد الطيار 160.
(4)
أثرٌ حَسَنٌ عن ابن عباس، أخرجه الحاكم برقم 3845 وقال: صحيح الإسناد، وقيل: حسن الإسناد. انظر كتابه: المقدمات الأساسية في علوم القرآن 309.
(5)
أخرجه ابن أبي شيبة رقم: 29974 وعبدالله بن أحمد في زوائد فضائل الصحابة رقم 1916 من طريق عكرمة عن ابن عباس، وإسناده صحيح. وكذلك روى عبيدالله بن عبد الله بن =
وكتبُ التفسيرِ حافلةٌ بالشواهد الشعرية، مما يدلُّ على أَنَّهم يرونَهُ جائزًا، وإن كان بعضُ العلماءِ يتورع عن مثل هذا، كما فعل أَحْمدُ بن فارس (1) عندما استشهد ببيتٍ للأَعشى (2) وهو قوله:
لو أَسْنَدَتْ مَيْتًا إِلى نَحْرِهَا
…
عَاشَ وَلَمْ يُنْقَلْ إِلى قَابِرِ (3)
ثُمَّ استشهدَ بعدَهُ بقوله تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21)} [عبس: 21](4)، حيث قال:«ولولا أَنَّ العلماءَ تَجوزُوا في هذا لَمَا رأينَا أَن يُجمعَ بينَ قولِ الله، وبينَ الشِّعْرِ في كتابٍ، فكيف في ورقةٍ، أو صفحةٍ، ولكنَّا اقتدينا بِهم، واللهُ تعالى يغفرُ لنَا، ويعفو عنَّا وعنهم» (5). وغاية ما يدل عليه هذا النص ورعُ بعضِ العلماء عن الجمع في الاستشهاد بين الشعر والقرآن، مع إشارة ابن فارس إلى أَنَّ العلماء قد تواردوا على العمل بهذا في كتبهم ورواياتهم.
ولذلك يقول ابن الأنباري بعد أن أوردَ خَمسين مسألة من مسائل سأل نافعُ بن الأزرقِ (6) عنها عبدَالله بن عباس، فكان ابن عباس يجيبه
= عتبة نحوه عن ابن عباس، كما أخرجه سعيد بن منصور في التفسير رقم 91، وأحمد في الفضائل رقم 1865 وأبو عبيد في فضائل القرآن 343، وغريب الحديث 4/ 373، والبيهقي في شعب الإيمان رقم 1681.
(1)
هو أحمد بن فارس بن زكريا الرازي العلامة اللغوي الثقة، توفي عام 395 هـ، من كتبه مقاييس اللغة، والصاحبي في فقه اللغة، وغيرها. انظر: معجم الأدباء 1/ 533.
(2)
هو أبو بصير ميمون بن قيس البكري، اشتهر بالأعشى الكبير، ولقب بصنَّاجةِ العرب، عده ابن سلام من الطبقة الأولى من شعراء الجاهلية، أدرك الإسلام ولم يسلم، وهو أكثر من استشهد المفسرون بشعره من شعراء الجاهلية. انظر: الشعر والشعراء 1/ 257، معجم الشعراء لعفيف عبدالرحمن 325.
(3)
انظر: ديوانه 93.
(4)
عبس 21.
(5)
مقاييس اللغة 5/ 47.
(6)
هو أبو راشد نافع بن الأزرق بن قيس الحنفي البكري الوائلي الحروري، رأس فرقة الأزارقة من الخوارج، وإليه ينسبون، كان أمير قومه وفقيههم، من أهل البصرة، كان كثيرًا ما يسأل عبدالله بن عباس رضي الله عنهما عن مسائل من القرآن الكريم والعلم، وكانت بينهما مكاتبات، قُتِل نافع بن الأزرق في وقعة دولاب عام 65 هـ. انظر: الكامل 3/ 1102، لسان الميزان 6/ 144.
عن كل سؤال، ويستشهد على جوابه ببيت من الشعر:«وهذا كثير في الحديث عن الصحابة والتابعين - أي الاستشهاد بالشعر في التفسير - إلا أنا نجتزئ بما ذكرنا كراهيةً لتطويل الكتاب، وإنما دعانا إلى ذكر هذا أن جماعة لا علم لهم بحديث رسول الله صلى الله عليه [وسلم]، ولا معرفة لهم بلغة العرب، أنكروا على النحويين احتجاجهم على القرآن بالشعر» (1).
وأَمَّا ما نُقِلَ عن بعض العلماء من إنكارهم على النحويين استشهادهم بالشعر في التفسير فقد ردَّ محمد بنُ القاسم الأنباري (ت 328 هـ)(2) هذا القول فقال: «فأمَّا ما ادَّعوه على النَّحويِّينَ مِنْ أنَّهم جعلوا الشِّعْرَ أصلًا للقرآنِ، فليس كذلك، إنَّمَا أرادوا أنْ يَتَبَيَّنُوا الحرفَ الغريبَ منَ القرآنِ بالشِّعْرِ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 3] (3)، وقالَ: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)} [الشعراء: 195] (4)، وقال ابن عباس: «الشعر ديوان العرب» . فإذا خَفِيَ عليهم الحَرْفُ من القرآنِ الذي أنزلَه اللهُ بلغةِ العربِ، رجعوا إلى ديوانها فالتمسُوا معرفةَ ذلك منه
…
» (5).
وما ذكره ابن حزم والرازي رحمهما الله من تعجبهم من صنيع اللغويين والعلماء في استشهادهم بالشعر، وتركهم للقرآن الكريم، فإن هذا لم يكن منهجًا لأحد من العلماء فيما اطلعت عليه، وإِنَّما المنهج الذي سار عليه العلماء أَنَّهم قد جعلوا القرآن أصلًا أصيلًا يُقَاسُ عليهِ، وأن الشعر يأتي بعد ذلك من حيث الاستشهاد والثقة، غير أن القرآن
(1) إيضاح الوقف والابتداء 1/ 99 - 100، والإتقان 1/ 149.
(2)
هو محمد بن القاسم بن بشار الأنباري اللغويُّ المقرئُ الثقة ذو الفنون، (272 - 328 هـ) له من الكتب: الأضداد، وإيضاح الوقف والابتداء، وغيرها، وهو من أحفظ العلماء لشواهد التفسير الشعرية، روى عنه أبو علي القالي كثيرًا منها في أماليه. انظر: معجم الأدباء 18/ 306، سير أعلام النبلاء 15/ 274.
(3)
الزخرف 3.
(4)
الشعراء 195.
(5)
إيضاح الوقف والابتداء 1/ 100.
الكريم مَحدودٌ، وأساليب العرب في الكلام أوسع من ذلك، فلجأ العلماء إلى الشعر لذلك، فالمعيب هو إسرافهم في الاعتماد على الشعر.
والذي عليه العلماء، هو جواز الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، وعدم وجود دليلٍ يَمنع من ذلك، بل إن البحث يذهب إلى أن القرآن الكريم نفسه هو الذي وجَّهَ إلى الاستشهاد بالشعر على التفسير، وهذا يُفهَمُ من قوله تعالى:{بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)} [الشعراء: 195](1)، وأمثالها من الآيات التي وصفت القرآن بأنه عربي مبين. يقول الشاطبي (2):«وأما إذا نظرنا إلى الأمر في نفسه، فالاستشهاد بالمعنى، فإذا كان شرعيًا فمقبول، وإلا فلا» (3).
وقد فهم بعض الكُتَّابِ أمرَ الاستشهاد على تفسير القرآن بالشعر على غير وجهه، كما ذكر ابن الأنباري من أنهم قالوا أنَّهم جعلوا الشِّعْرَ أصلًا للقرآنِ، ونحو ذلك، ولإيضاح الأمر، فإن في القرآن الكريم كلمات ذات معانٍ ظاهرة يعرفها الناس كلهم، وهذه الكلمات لا يحتاج مفسر الآية إلى الاستشهاد عليها بشيء من الشعر أو النثر، وهذه كثيرة جدًا في القرآن الكريم.
وفي القرآن كلمات ذات معانٍ متعددة، ومن هذه المعاني ما هو معروف متداول على ألسنة العرب، ومنها ما ليس كذلك. فإذا اقتضت البلاغة في نظر المفسر أن يحمل مثل هذه الكلمات على معنى غير المعنى المعروف لدى الجمهور من العرب احتاج إلى الاستشهاد بشعر العرب أو نثرها، بحيث تكون دلالته على هذا المعنى الذي ذهب بالآية
(1) هو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (ت 790 هـ)، أصولي فقيه لغوي، له مصنفات فائقة أهمها الموافقات، والاعتصام، وشرح ألفية ابن مالك. انظر: شجرة النور الزكية 231، الموافقات 6/ 7.
(2)
الموافقات 1/ 116.
(3)
الموافقات 1/ 116.