الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولًا: الاستدلال بالشاهد الشعري على المعنى اللغوي
.
وظَّفَ المفسرون شواهد الشعر في شرحهم ألفاظ القرآن، وتبين دلالتها، ومعرفة المعاني اللغوية التي تدل عليها هذه الألفاظ عند العرب قبل نزول القرآن الكريم، وذلك لتتضح دلالة هذه الألفاظ لمن لا يعرف لغة العرب من جهة، وللرد على من طعن في عربية بعض ألفاظ القرآن الكريم من جهة ثانية (1).
وقد كان لإيراد الشاهد الشعري والاستعانة به في شرح معاني ألفاظ القرآن صور متعددة في كتب التفسير، من أهمها:
- أن يجيء الشاهد الشعري وحده مفسرًا الدلالة اللغوية، دون الحاجة إلى شرح للفظة القرآنية، ومن أمثلة ذلك أن أعرابيًا جاء إلى ابن عباس، يشكو أخاه فقال:
تَخَوَّفَنِي مَالي أَخٌ لِيَ ظَالِمٌ
…
فَلا تَخْذُلَّنِي اليومَ يَا خَيرَ مَنْ بَقِيْ (2)
فقال ابن عباس: تَخوَّفَكَ، أَي: تَنَقَّصَكَ؟ قال: نعم. قال: الله أكبر، {يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} [النحل: 47] (3) أي تَنَقُّصٍ مِن خِيارهم (4). فقد جَمع ابن عباس بين معنى اللفظة في الشعر الذي سَمِعه، وفي الآية القرآنية، فكان في ذلك تفسيرًا لهذه اللفظة. ويكثر التأكيد من المفسرين على أن معنى اللفظة في هذه الآية أو تلك هو نظير معناها في الشاهد الشعري الذي أورده.
* أن تذكر الدلالة اللغوية، ثم يؤتى بالشاهد الشعري شاهدًا لها. وذلك مثل قول الطبري في معنى «زَنِيْم» في قوله تعالى:{عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13)} [القلم: 13](5) حيث قال: «الزَّنيمُ في كلام العرب: المُلْصَقُ بالقَومِ وليس منهم، ومنه قول حسان بن ثابت:
(1) انظر: مجاز القرآن 1/ 17.
(2)
لم أجده، ولعله للأعرابي.
(3)
النحل 47.
(4)
انظر: أمالي القالي 2/ 112، المزهر 2/ 311.
(5)
القلم 13.
وَأَنْتَ زَنِيمٌ نِيْطَ في آَلِ هَاشِمٍ
…
كَمَا نِيْطَ خَلْفَ الرَّاكبِ القَدَحُ الفَرْدُ (1)
وقال آخر:
زَنِيْمٌ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أَبوُهُ
…
بَغِيُّ الأُمِّ ذُو حَسَبٍ لَئِيْمِ (2)» (3).
ومن الملحوظ أن السلف من الصحابةِ والتابعينَ ومن بعدهم بقليل كانوا يكتفون بإيراد الشاهد من الشعر دون الحاجة لشرحه للسائل، وهذا يعود إلى أنَّ فَهْمَ الشِّعْرِ كان أمرًا شائعًا في تلك الطبقات، حتى قال عمر رضي الله عنه:«كانَ الشعرُ علمَ قومٍ لم يكنْ لهم علمٌ أصحّ منه» (4). فلم يكن العربي الذي يستمع إلى الشعر حينئذٍ بحاجةٍ إلى من يفسِّر له المراد باللفظ في بيت الشعر. ومن الأمثلة على ذلك قول ابن عباس لمن سأله عن معنى قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17)} [الانشقاق: 17](5) فقال: ما جَمَعَ، ألم تسمع قول الشاعر:(6)
مُسْتَوسِقَاتٍ لَمْ يَجِدْنَ سَائِقَا (7)
حيث اكتفى بتذكير السائلِ بالشاهد من الشعرِ، دونَ أَن يزيد على ذلك، اكتفاءًا بسليقةِ السائلِ، وثقةً في فهمه للشعر.
ومن الأمثلة قول ابن عطية: «وأما قوله: {فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} [التوبة: 72](8). فمعناه في جنات إقامة وثبوت، يقال: عَدَنَ الشيءُ في المكانِ إذا أقام به وثبت، ومنه المعدن أي موضع ثبوت الشيء. ومنه قول الأعشى:
(1) ديوانه 118، وانظر: إيضاح الوقف والابتداء 1/ 65.
(2)
لم أقف على قائله، وهو في الجامع لأحكام القرآن 18/ 234.
(3)
تفسير الطبري (هجر) 23/ 164.
(4)
كنْز العمال 3/ 853، طبقات فحول الشعراء 1/ 24، 524، العمدة في صناعة الشعر ونقده 1/ 22.
(5)
الانشقاق 17.
(6)
لم أعرفه.
(7)
انظر: مجاز القرآن 2/ 292، وانظر: تفسير الطبري (هجر) 24/ 247، إيضاح الوقف والابتداء 1/ 68 - 69.
(8)
التوبة 72.
وإِنْ يَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ
…
يُضافوا إلى راجِحٍ قد عَدَنْ (1)
هذا الكلام اللغوي» (2). وهناك رواية أخرى للبيت «وَزَن» بدل «عَدَن» ، وقد نبَّه عليها الطبريُّ. (3) فقول ابن عطية هنا:«هذا الكلام اللغوي» ، معناه: التفسير اللغوي، كما في الشاهد الشعري دون أن يشرح ابن عطية اللفظة في الشاهد الشعري؛ اتكالًا على فهم القارئ للشِّعر، فإن لم يتمكن القارئ من فهم العلاقة بين الشواهد والآية، فليرجع إلى شروح تلك الأشعار في مظانها.
وفي هذه الصورةِ رُبَّما أطال المفسِّرُ في توضيح المفردة القرآنية بالشواهد الشعرية بعد تفسيرها كما في تفسير ابن عطية لقوله تعالى: {وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13)} [مريم: 13](4)، حيث فسر معنى الحنَان فقال: «والحنانُ: الرَّحْمَةُ، والشَّفَقَةُ، والمَحبَّةُ، قاله جُمهور المفسرين، وهو تفسيرُ اللغةِ
…
ومن الشواهد في الحَنَانِ قول امرئ القيس:
وتَمنحُها بنو شَمَجَى بنِ جَرْمٍ
…
مَعِيْزَهُمُ حَنَانَكَ ذا الحَنَانِ (5)
وقال النابغة:
أبا منذرٍ أفنيتَ فاستبقِ بعضَنَا
…
حنَانيكَ بعضُ الشَّرِّ أهونُ منْ بَعضِ (6)
وقال الآخر:
فقالت حنانٌ ما أَتى بكَ هَا هُنَا
…
أَذُو نَسبٍ أم أنتَ بالحيِّ عَارِفُ (7)» (8).
(1) رواية الديوان:
وإِنْ يُسْتَضَافُوا إلى حُكْمِهِ
…
يُضَافُوا إِلى هَادِنٍ قدْ رَزَنْ
انظر: ديوانه 69.
(2)
المحرر الوجيز 8/ 230، وانظر: مجاز القرآن 1/ 264.
(3)
انظر: تفسير الطبري (هجر) 11/ 559.
(4)
مريم 13.
(5)
انظر: ديوانه 143.
(6)
انظر: ديوانه 152.
(7)
سبق تخريجه ص 158.
(8)
المحرر الوجيز 11/ 17.
فهو هنا قد أورد ثلاثة شواهد شعرية لتوضيح معنى الحنان في اللغة، بعد أن بَيَّنَ دلالته اللغوية، وهذا الغالب في إيراد الشواهد الشعرية عند المفسرين، حيث يورده المفسرون بعد إيضاح الدلالة اللغوية للفظة، فيكون شاهدًا للمعنى يُفَسِّرُه.
* أن تتعدد الدلالة اللغوية، ولبعضها شواهد دون بعض. وذلك مثل تفسير «السَّكَرِ» في قوله تعالى:{تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل: 67](1)، حيث قال أبو عبيدة في تفسيرها: «أي: طُعْمًا، ويقال: جعلوا لك هذا سَكَرًا، أي: طعمًا، وهذا سَكَرٌ، أي: طُعْمٌ، وقال جَنْدَلُ (2):
جَعَلْتَ عَيْبَ الأَكْرَمينَ سَكَرا (3)» (4).
وقد اعترضه الزجاج في دلالة اللفظ، فقال: «وقالوا في تفسير قوله: {سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} : إنه الخمرُ قبل أن تُحَرَّم، والرزق الحسن يؤكل من الأعناب والتمور. وقيل: إن معنى السَّكَرِ: الطُّعمُ، وأنشدوا:
جَعَلْتَ عَيْبَ الأَكْرَمينَ سَكَرا (6)
أي: جعلت دمهم (5) طُعْمًا لك، وهذا بالتفسير الأول أشبه، والمعنى: جعلت تَتَخَمَّرُ بأَعراض الكرام، وهو أَبْيَنُ فيما يقالُ: الذي يَتَبَرك (6) في أعراض
…
الناس». (7) وفي لغة العرب: «وقيل: السَّكَرُ -
(1) النحل 67.
(2)
هو جندل بن المثنى الطهوي، شاعر إسلامي راجز. انظر: سمط اللآلي للبكري 2/ 644.
(3)
لم أجده عند أحد قبل أبي عبيدة، وهو في تفسير الطبري 4/ 84، والزجاج في معانيه 3/ 209.
(4)
مجاز القرآن 1/ 363.
(5)
هكذا، ورُبَّمَا تَكونُ: ذَمَّهم؛ لمناسبتها للسياق.
(6)
هكذا في المعاني، ولعل صوابها: يَبْتَرِكُ كما نقلها الأزهري عن الزجاج في تهذيب اللغة 10/ 58.
(7)
معاني القرآن وإعرابه 3/ 209.
بالتحريك - الطعامُ، وأنكر أهلُ اللغة هذا، والعرب لا تعرفه». (1) في حين عدَّ الطبريُّ هذا المعنى أحد معاني السَّكَرِ عند العرب (2).
ومن الأمثلة كذلك تفسير الطبري للتلاوة في قوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [البقرة: 102](3)، حيث قال: «ولقول القائل: هو يتلو كذا، في كلام العرب معنيان:
أحدهما الاتباع، كما يقال: تلوت فلانًا، إذا مشيت خلفه، وتبعت أثره. كما قال جل ثناؤه:{هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ} [يونس: 30](4) يعني بذلك: تتبع.
والآخر: القراءة والدراسة، كما تقول: فلانٌ يتلو القرآنَ، بمعنى: أنه يقرأه ويدرسه، كما قال حسان بن ثابت:
نَبِيٌّ يَرَى مَا لايَرَى النَّاسُ حَوْلَهُ
…
ويَتْلُو كِتَابَ اللهِ في كُلِّ مَشْهَدِ (5)» (6).
فالطبري أورد دلالتين لغويتين للتلاوة، فاستشهد على الأولى بقراءة من القراءات المتواترة، واستشهد على الدلالة الثانية بشاهد شعري.
* أن تتعدد الدلالة اللغوية، ولجميعها شواهد. ومن ذلك تفسير المَخْمَصَةِ في قوله تعالى:{فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 3](7) حيث يقول الطبري: «في مخمصة، يعني: في مجاعةٍ، وهي مفعلةٌ
…
مِنْ خَمَصِ البَطْنِ، وهو اضطماره، وأظنه هو في هذا الموضع، معنيٌّ به اضطماره من الجوع وشدة السَّغَبِ، ولكنْ مِنْ خِلْقَةٍ، كما قال نابغة بني ذبيان في صفة امرأة بِخَمَصِ البطن:
(1) لسان العرب 6/ 145 (سكر).
(2)
انظر: تفسير الطبري (هجر) 14/ 284.
(3)
البقرة 102.
(4)
يونس 30، وهذه قراءة حمزة والكسائي وخلف ويعقوب. تتلو بتاءين. انظر: السبعة 325، التيسير 121.
(5)
انظر: ديوانه 88.
(6)
تفسير الطبري (شاكر) 2/ 411.
(7)
المائدة 3.
والبَطْنُ ذُو عُكَنٍ خَمِيصٌ لَيّنٌ
…
والنَّحْرُ تَنْفُجُهُ بثَدْيٍ مُقْعَدِ (1)
فمعلومٌ أنه لم يرد صفتها بقوله: «خميصٌ» بالهُزالِ والضر من الجوع، ولكنه أراد وصفها بلطافة طي ما على الأوراك والأفخاذ من جسدها؛ لأن ذلك مما يحمد من النساء. ولكن الذي في معنى الوصف بالاضطمار والهزال من الضر من ذلك قول أعشى بني ثعلبة:
تَبِيتُونَ في المَشْتَى مِلاءً بُطُونُكُمْ
…
وَجَارَاتُكُمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَائِصَا (2)
يعني بذلك: يَبِتْنَ مُضطمراتِ البطون من الجوع والسَّغَبِ والضُّرِّ، فمن هذا المعنى قوله: في مَخْمَصةٍ» (3).
وهذا الاستقصاء الدقيق لمعاني المخمصة في الشعر العربي، والمعنى المناسب منها لدلالة اللفظة في الآية الكريمة عليه حُسْنُ بَصَرٍ من الطبري رحمه الله بالتفسير والشعر معًا، بل إن شرحه لبيت النابغة أوفى من شرح شارح الديوان (4).
بواعث الاستشهاد:
- قد يكون الباعث على الاستشهاد هو غموض دلالة اللفظة، كما فعل أبو عبيدة في تفسير الطلح في قوله تعالى:{وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29)} [الواقعة: 29](5)، حيث قال: «زعم المفسرونَ أَنَّهُ الموزُ، وأَمَّا العربُ فالطلحُ عندهم شَجَرٌ عظيمٌ، كثيرُ الشوك، وقال الحادي:(6)
بَشَّرَهَا دَليلُها وقَالا
…
غَدًا تَرَيْنَ الطلحَ والحِبَالا (7)» (8).
فأبو عبيدة ذكر قول المفسرين أولًا في المراد بالطلح وأنه الموز، ولكنه ذكر معنى آخر للطلح عند العرب وهو نوعٌ من الشجر، وقد استند
(1) انظر: ديوانه 66.
(2)
انظر: ديوانه 109.
(3)
تفسير الطبري (شاكر) 9/ 532 - 533.
(4)
انظر: ديوان النابغة الذبياني 92.
(5)
الواقعة 29.
(6)
هو النابغة الجعدي كما في تفسير القرطبي 17/ 135.
(7)
ليس في ديوانه.
(8)
مجاز القرآن 2/ 250.
في ذلك التفسير إلى شاهد شعريٍّ، ، وهذا المعنى غامض، مما دفع الطبريّ للتعقيب على كلام أبي عبيدة بقوله: «وأما الطلح فإن معمر بن المثنى كان يقول: هو عند العرب شَجَرٌ عِظَامٌ، كثير الشوك. وأنشد لبعض الحداة
…
وأما أهل التأويل من الصحابة والتابعين فإنهم يقولون: إنه الموزُ» (1).
فتفسير أبي عبيدة اللغوي اعتمد على شاهد شعري، مع ذكره تفسير ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين، ولكن الطبري عاب أبا عبيدة بذلك في مواضع كثيرة من تفسيره، وقد كثرت تعقبات الطبري لأبي عبيدة في فهمه للشواهد الشعرية (2).
- وقد يكون الاستشهاد للاشتراك في معنى اللفظة، ومن أمثلة ذلك أن أبا عبيدة عند تفسير قوله تعالى:{ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)} [يوسف: 49](3) قال: «أي به يَنْجُونَ، وهو من العَصَرِ، وهي العُصْرَةُ أيضًا، وهي المَنْجَاةُ، قال:(4)
...................
…
وَلَقَدْ كَانَ عُصْرَةَ المَنْجُودِ (5)
أي المقهور المغلوبُ، وقال لبيد:
فَبَاتَ وأَسْرَى القَومُ آخرَ لَيْلِهِمْ
…
ومَا كانَ وَقَّافًا بِغَيْرِ مُعَصَّرِ (6)» (7).
فتعقبه الطبري بقوله: «وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب، يوجه
(1) تفسير الطبري (هجر) 22/ 310.
(2)
ينظر لتعقبات الطبري لأبي عبيدة: تفسير الطبري (شاكر) 1/ 224، 227، 320.
(3)
يوسف 49.
(4)
هو أبو زبيد الطائي.
(5)
عجز بيت، وصدره:
صَادِيًا يَستغيثُ غَيْرَ مُغَاثٍ
…
............................
وهذه القصيدة من المجمهرات. انظر: جمهرة أشعار العرب 583.
(6)
انظر: ديوانه 65.
(7)
مجاز القرآن 1/ 313 - 314.