الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم استشهد على قوله هذا بقول الحطيئة:
قومٌ إذا عَقَدوا عَقْدًا لِجارِهمُ
…
شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فوقَهُ الكَرَبا (1)
وعند بيان معنى قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} [الأنفال: 1](2) قال ابن قتيبة: «الغنائم، واحدُها نَفَلٌ» . (3) ثم استشهد على ذلك بقول لبيد:
إِنَّ تَقْوى رَبِّنا خَيْرُ نَفَلْ
…
وبِإذنِ اللهِ رَيثي وعَجَلْ (4)
والأمثلة على هذا المنهج في إيراد الشاهد الشعري كثيرة، وتكاد تكون هي الطريقة الغالبة في كتب غريب القرآن. (5)
وصَنَعَ مثلَ ذلك أصحابُ المعاني، فكانوا يوردون الشاهد الشعري بعد شرح اللفظة الغريبة، إذا كان شاهدًا لغويًا، أو بعد تقرير المسألة النحوية إن كان الشاهد نحويًا وهو الغالب على كتب المعاني وخاصة معاني القرآن للفراء والأخفش.
ومن أمثلة ذلك عند الفراء قوله: «والعَنْوَةُ في قول العرب: أخذت هذا الشيء عَنْوةً يكون غَلَبَةً، ويكون عن تسليمٍ وطاعةٍ مِمَّن يُؤخذ منه الشيءُ، قال الشاعر (6):
فما أَخَذوها عَنْوَةً عَن مَودَّةٍ
…
ولكنْ بِضَرْبِ المشرفيِّ استقالَها (7)
فهذا على معنى الطاعة والتسليم بلا قتال». (8)
ثالثًا: منهجهم في عزو الشاهد الشعري:
عُنِيَ أبو عبيدة بعزو شواهده الشعرية، وتميز في هذا الجانب على
(1) انظر: غريب القرآن 138، ديوان الحطيئة 15.
(2)
الأنفال 1.
(3)
غريب القرآن 177.
(4)
انظر: ديوان لبيد 174، غريب القرآن 177.
(5)
انظر: مجاز القرآن 1/ 64، 66، 70، 73، 127، 158، غريب القرآن لابن قتيبة 204، 239، 270، 291، 351، 370.
(6)
هو كثير عزة.
(7)
انظر: ديوانه 148.
(8)
معاني القرآن 2/ 193.
بقية المؤلفين في غريب القرآن ومعانيه، ثم جاء بعده ابن قتيبة، وكان الفراءُ أقلَّ مَنْ عُنِيَ بِهذا الجانب، وتأثر به كثيرٌ مِمَّن جاء بعده في إغفال نسبة الشواهد الشعرية لقائليها.
وللمؤلفين في غريب القرآن ومعانيه في نسبتهم للشواهد الشعرية طرق كثيرة، بعضها يُعَيّنُ القائلَ باسمهِ فقط، إن كان من المشهورين كلبيد وزهير وطَرَفَة، أو باسمه واسم أبيه إن كان هذا كافيًا في الدلالة عليه، أو باسمه واسم أبيه ونسبته لقبيلة من قبائل العرب زيادةً في البيان، وربما نُسِبَ الشعرُ لقائلهِ بلَقَبِهِ الذي اشتُهِرَ به بين الشعراء كالأعشى والحطيئة والفرزدق.
وأحيانًا لا يُعَيّنُ المؤلفُ قائلَ الشاهد الشعري، وإنما ينسب الشعرَ نسبةً غير مُبيَّنةٍ بيانًا تامًا، كأن ينسبه لقبيلته، أو نحو ذلك.
وفيما يلي أمثلة من كتب غريب القرآن ومعانيه على هذا البيان لقائل الشاهد الشعري قبل إيراده والاستشهاد به.
- عزو الشاهد إلى قائله: ويكون ذلك بذكر اسم الشاعر الأول أو اسمه واسم أبيه، أو لقبه أو كنيته.
من أمثلة الاكتفاء بنسبة الشاهد للشاعر باسمه الأول لشهرته قول أبي عبيدة: «قال رؤبة» . (1) وهو رؤبة بن العجاج التميميُّ، ولا يشاركه غيره في هذا الاسم، وقد تقدمت ترجمته.
وقال أبو عبيدة أيضًا: «قال طرفةُ» . (2) وهو طرفة بن العبد البكري، ولم يشتهر أحد من الشعراء بهذا الاسم غيره، وقد تقدمت ترجمته.
ومن الأمثلة عند ابن قتيبة قوله: «قال لبيد» . (3) فقد اقتصر أبو
(1) مجاز القرآن 1/ 355.
(2)
مجاز القرآن 1/ 408.
(3)
غريب القرآن 177.
عبيدة وابن قتيبة على نسبة الشواهد للشاعر باسمه الأول الذي اشتهر به لعدم وجود من يشاركه في هذا الاسم من الشعراء المعروفين.
وربما ذُكر الشاعرُ باسمه واسم أبيه كاملًا، وربما نسب فوق ذلك إلى قبيلته زيادةً في البيان. ومن أمثلة ذلك قول أبي عبيدة:«قال محمدُ بن نُميرٍ الثقفيُّ» . (1) فذكر اسم الشاعر كاملًا باسمه واسم أبيه ونسبته لثقيف لعدم شهرته. وقال أبو عبيدة: «قال سحيم بن وثيل اليربوعي» . (2) وقال الفراء: «وقال حسان بن ثابت» . (3) ومن الأمثلة عند ابن قتيبة قوله: «قال أَوسُ بنُ حَجَر» . (4)
وقد يزيد فيذكر اسم الشاعر واسم أبيه وجده، كقول أبي عبيدة:«قال عوف بن الأحوص بن جعفر» . (5) وقد يكون الشاعر مغمورًا، فيزيد المؤلف في الدلالة عليه، كما في قول أبي عبيدة: «وقال الأزرق بن طرفة بن العمرد الفراصي من بني فراص من باهلة:
رماني بأَمْرٍ كنتُ منه ووالدِي
…
بَرِيئًا ومِنْ دُونِ الطَّويِّ رَماني». (6)
وربما كان الشاعر مشهورًا بلقب من الألقاب، عُرِفَ به بين الشعراء، فيكتفي أبو عبيدة وغيره بنسبة الشعر إليه بذكر لقبه.
ومن أمثلة ذلك قول أبي عبيدة: «قال الأخطل
…
وقال الفرزدق». (7) فقد اكتفى أبو عبيدة بنسبة الشواهد للشاعرين بِذِكْرِ اللَّقَبِ الذي اشتُهِر بهِ كُلٌّ منهما.
وقال ابن قتيبة: «قال الأعشى» . (8) والأعشى إذا أطلق - كما تقدم - هو الأعشى الكبير ميمون بن قيس أبو بصير. وقال ابن قتيبة: «قال
(1) مجاز القرآن 1/ 365، 1/ 61.
(2)
مجاز القرآن 1/ 332.
(3)
معاني القرآن 1/ 21.
(4)
غريب القرآن 221.
(5)
مجاز القرآن 1/ 194.
(6)
المصدر السابق 1/ 161.
(7)
المصدر السابق 1/ 277.
(8)
غريب القرآن 185.
النابغة». (1) والنابغة إذا أطلق فهو لقب لزياد بن معاوية الذبياني الشاعر الجاهلي، وإذا أريد به غيره قُيِّدَ، كالنابغة الجعدي. (2)
وقد يكون لقب الشاعر غريبًا فيبين معناه ويطيل في بيانه قبل إيراده لشعره، ومن ذلك قول أبي عبيدة: «قال الخِنَّوّتُ - وهو توبة بن مضرس، أحد بني مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وإنما سَمَّاهُ الخنوتَ الأحنفُ بن قيس؛ لأنَّ الأحنفَ كلَّمَهُ فلم يُكلِّمهُ احتقارًا له، فقال: إِنَّ صاحبَكم هذا لَخِنَّوت. والخِنَّوتُ: المُتَجَبِّرُ الذاهب بنفسه، المستصغرُ للناسِ، فيما أخبرني أبو عبيدة محمد بن حفص بن محبور الأسيدي:
وأَهلُ خِباءٍ صَالحٍ ذات بينِهم
…
قد احتَرَبوا في عاجِلٍ أَنا آَجِلُهْ». (3)
وقد يُنسبُ الشاهدُ لقائله بكنيته التي اشتهر بها، كأبي فلان أو ابن فلان. ومن ذلك قول أبي عبيدة:«كقول ابن الرعلاء» . (4) واستطرد فشرح معنى الرعلاء فقال: «واسم الرعلاء كوتي، والكؤتي والكوتي يهمز ولا يهمز، والكوتي من الخيل والحمير: القصار. قال: فلا أدري أيكون في الناس أم لا، قال: ولا أدري الرعلاء أبوه أو أمه» . (5) وقول أبي عبيدة: «وقال ابن أحمر» . (6) وقوله: «وقال ابن هرمة» . (7)
فيظهر من طريقة المؤلفين في غريب القرآن في ذكر اسم الشاعر قبل إيراد الشعر رغبتهم في الاختصار، فعندما يكون الشاعر مشهورًا باسمه الأول، اكتفوا به، وإلا زادوا في البيان فذكروا اسم الشاعر واسم أبيه، وقد يزيدون نسبته للقبيلة. وربما اكتفوا بلقب الشاعر إن كان له لقب مشهور يعرف به، أو كنيته إن كانت أشهر.
(1) المصدر السابق 303.
(2)
انظر: مجاز القرآن 1/ 379.
(3)
مجاز القرآن 1/ 162 - 163.
(4)
المصدر السابق 1/ 148.
(5)
المصدر السابق 1/ 148.
(6)
المصدر السابق 1/ 149.
(7)
المصدر السابق 1/ 149.