الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والأخفش قد ذكر في كتابه سماعه للشواهد من العرب مباشرة دون واسطة، وبواسطة أحيانًا. ومن ذلك قوله: «وسمعت من العرب من ينشد هذا البيت بغير لام:
فَيَبْكِ على المُنْجابِ أَضْيافُ قَفْرِهِ
…
سَروا وأُسارَى لَمْ تُفَكَّ قُيودُها (1)
يريد: فليبك، فحذف اللام». (2)
وأبو عبيدة والأخفش والفراء من بين أصحاب الغريب والمعاني قد انفردوا بإيراد شواهد شعرية أصبح لها قبول عند أهل اللغة والنحو، لتقدمهم ووصول كتبهم لمن بعدهم، بخلاف الكسائي والأصمعي اللذين فقدت أكثر كتبهما، ولم ينقل عنها العلماء إلا القليل. وقد قام بعض الباحثين بجمع النقول التي نقلت عن كتاب «معاني القرآن» للكسائي وطبعها في كتاب. (3)
منهج أصحاب كتب الغريب والمعاني في نسبة الشاهد الشعري لقائله:
للمؤلفين في غريب القرآن ومعانيه في نسبتهم للشواهد الشعرية طرقٌ كثيرةٌ لا تختلف عن طريقة المفسرين في ذلك. ولذلك سأكتفي بالإشارة الموجزة في هذا المبحث اكتفاءً بما تقدم من الكلام عن منهج المفسرين في ذلك.
فأمّا أبو عبيدة فقد حرص على نسبة أكثر شواهده الشعرية إلى قائليها، وقد نسب شواهده لشعراء كثيرين منهم طرفة بن العبد
(1) البيت لمعبد بن طوق العنبري.
(2)
معاني القرآن 1/ 83.
(3)
هو الدكتور عيسى شحاتة عيسى، ونشرته دار قباء للطباعة والنشر بالقاهرة عام 1418 هـ.
البكري (1)، والأسود بن يعفر التميمي (2)، وأخوه حطائط بن يعفر (3)، والنابغة الذبياني (4)، وزهير بن أبي سُلْمى (5)، وعبدمناف بن ربع الهذلي (6)، والأعشى (7)، والعباس بن مرداس السلمي (8)، وخُفاف بن نُدْبَة (9)، وعمرو بن معد يكرب الزبيدي (10)، وغيرهم. (11)
والفراءُ - كما تقدم- لا ينسب الشعرَ لقائله إِلاّ نادرًا، ومن هذا القليل نسبته شواهد شعرية لامرئ القيس (12)، والنابغة الذبياني (13)، وقيس بن زهير العبسي (14)، والأعشى البكري (15)، وحسان بن ثابت الخزرجي (16)، والكميت بن معروف الأسدي (17)، والفرزدق التميمي (18)، وذي الرمة (19).
وابن قتيبة نَسَبَ أكثر شواهده لقائليها، ولكن شواهده قليلة موازنةً بعددِ شواهد أبي عبيدة والفراء، وكذلك تأخرهُ عنهما جَعَلَه يُفيدُ مِن كتبهما. وقد نسب شواهده للشعراء الذين وردوا في معاني القرآن للفراء، وفي مجاز القرآن لأبي عبيدة. ومنهم لبيد (20)، والأعشى (21)، والطرمّاح (22)، والنابغة (23)، والخنساء (24)، وغيرهم.
(1) انظر: مجاز القرآن 2/ 186، 278.
(2)
انظر: المصدر السابق 1/ 36.
(3)
انظر: المصدر السابق 1/ 55.
(4)
انظر: المصدر السابق 2/ 58.
(5)
انظر: المصدر السابق 2/ 157 - 158.
(6)
انظر: مجاز القرآن 1/ 37.
(7)
انظر: المصدر السابق 1/ 61.
(8)
انظر: المصدر السابق 2/ 102.
(9)
انظر: المصدر السابق 2/ 289.
(10)
انظر: المصدر السابق 1/ 131.
(11)
انظر: المصدر السابق 1/ 49، 336، 2/ 232، 1/ 134، 346، 2/ 158.
(12)
انظر: معاني القرآن 2/ 50، 54.
(13)
انظر: المصدر السابق 1/ 92.
(14)
انظر: المصدر السابق 2/ 223.
(15)
انظر: المصدر السابق 1/ 98، 2/ 132.
(16)
انظر: المصدر السابق 1/ 21.
(17)
انظر: المصدر السابق 2/ 130.
(18)
انظر: معاني القرآن 1/ 144، 2/ 111.
(19)
انظر: المصدر السابق 1/ 271.
(20)
انظر: غريب القرآن 7.
(21)
انظر: غريب القرآن 8.
(22)
انظر: المصدر السابق 11.
(23)
انظر: المصدر السابق 12.
(24)
انظر: المصدر السابق 22.
وربَّما اكتفى المؤلف بنسبة الشعر للشاعر باسمه الأول، وقد يشترك معه غيره في هذا الاسم، ولا يكون هو الأشهر بهذا الاسم فيقع شيء من الاضطراب في تحديد القائل، خاصةً مع اختلاف العصرين. ومن أمثلة ذلك قول أبي عبيدة عند تفسير قوله تعالى:{أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143](1): «أي: عَدْلًا خِيارًا، ومنه قولهم: فلانٌ واسطٌ في عشيرتهِ، أي: في خِيارِ عشيرته. وقال غيلانُ:
وقدْ وَسَطْتُ مالكًا وحَنْظلا (2)
أي: صرتُ من أوسطِهِم وخِيارِهم». (3) وغيلانُ اسم مشترك لعدد من الشعراء، من أشهرهم به ذو الرُّمَّةِ واسمه غيلان بن عقبة (4)، غير أنَّ أبا عبيدة هنا قد أطلقه والمقصود به غيلانُ بنُ حُريثٍ.
وربما ذُكر الشاعرُ باسمه واسم أبيه كاملًا، وربما نسب فوق ذلك إلى قبيلته زيادةً في البيان. كقول أبي عبيدة:«قال مُحمدُ بن نُميرٍ الثقفيُّ» . (5)، فقد ذكر اسم الشاعر كاملًا؛ لعدم شهرته، وكذلك قوله:«وقال عَنْزُ بنُ دِجاجةَ المازنيُّ (6)» . (7)، للسبب نفسه.
وقد يزيد فيذكر اسم الشاعر واسم أبيه وجده، كقول أبي عبيدة:«قال عوف بن الأحوص بن جعفر» . (8)
(1) البقرة 143.
(2)
انظر: مجالس ثعلب 1/ 254.
(3)
مجاز القرآن 1/ 59.
(4)
انظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 465، وفيات الأعيان 1/ 510.
(5)
مجاز القرآن 1/ 365.
(6)
هو عَنْزُ بن دِجاجَة - بكسر الدال - شاعر جاهلي من بني مازن، ذكر ابن السيرافي أن اسمه عَتر بن دِجاجة، وربَّما وقع في النسخ عَنْز بن دِجاجة بن العَتر، والرواية الأولى أشهر، ونسبه في شعره: دِجاجةُ بن العتر. وتعقبه الأسود الغندجاني فقال: «والصواب ما أخبرنا به أبو الندى، أنه دجاجة بن عتر، بكسر الدال في دجاجة، والعين من عتر والتاء المعجمة بثنتين من فوق، والراء غير المعجمة. قال: واسم الرجل دجاجة بالكسر، والطائر دجاجة بفتح الدال» . انظر: شرح أبيات سيبويه 2/ 171 - 172، المؤتلف والمختلف للآمدي 26.
(7)
مجاز القرآن 1/ 61.
(8)
مجاز القرآن 1/ 194.
وقد يكون لقب الشاعر غريبًا فيبين معناه ويطيل في بيانه قبل إيراده لشعره، ومن ذلك قول أبي عبيدة: «قال الخِنَّوتُ - وهو توبة بن مضرس، أحد بني مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وإِنَّما سَمَّاه الخِنَّوتَ الأحنفُ بن قيس؛ لأَنَّ الأحنفَ كَلَّمَهُ فلم يُكلِّمهُ احتقارًا له، فقال: إِنَّ صاحبكم هذا لَخِنَّوتٌ. والخِنَّوتُ المُتجبِّرُ الذاهب بنفسه، المُستصغرُ للناس، فيما أَخْبَرني أبو عبيدة محمدُ بنُ حفصِ بن مَحبورٍ الأُسَيديُّ:
وَأَهلِ خِباءٍ صالِحٍ ذاتُ بَينِهِم
…
قَدِ اِحتَرَبوا في عاجِلٍ أَنا آجِلُه (1)». (2)
وقد يذكر الشاعر بكنيته التي اشتهر بها، كأبي فلان أو ابن فلان. ومن ذلك قول أبي عبيدة:«كقول ابن الرعلاء» . (3) واستطرد فشرح معنى الرعلاء فقال: «واسم الرعلاء كوتي، والكؤتي والكوتي يهمز ولا يهمز، والكوتي من الخيل والحمير: القصار. قال: فلا أدري أيكون في الناس أم لا، قال: ولا أدري الرعلاء أبوه أو أمه» . (4) وكذلك قول أبي عبيدة: «وقال ابن أحمر» . (5) وقوله: «وقال ابن هرمة» . (6)
والشعراء الذين نسب لهم الأخفش الشواهد هم الشعراء الذين نسب لهم أبو عبيدة والفراء وابن قتيبة شواهدهم. مما يدل على وحدة مصادرهم في الرواية الشعرية.
وقد تحدَّث المُحقق لكتابه عن صورٍ قليلةٍ من اضطرابِ الأخفش في رواية بعض الشواهد، أو عزوها مِمَّا يدل على أنه كان يُملي كتابه إملاءً. ومما ذكره قوله: «ومن أوضح أمثلة اضطرابه الدالة على اقتضابه اختلاط الأبيات وتداخلها في ذاكرته، كما حدث في الشاهدة الثامن والستين بعد المئتين، إذ لفقه من صدر بيت للحطئيئة هو:
(1) ينسب لزهير بن أبي سلمى، ولخوات بن جبير الأنصاري رضي الله عنه. انظر: ديوان زهير 145.
(2)
مجاز القرآن 1/ 162 - 163.
(3)
مجاز القرآن 1/ 148.
(4)
المصدر السابق 1/ 148.
(5)
مجاز القرآن 1/ 149.
(6)
مجاز القرآن 1/ 149.