الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التعبير عن الماء ونحوه. وأكتفي بهذه الأمثلة. (1) للدلالة على مكانة ابن جرير الطبري خاصة، وتفرده دون غيره بروايات
أخرى للشواهد، ذات مضامين أجود من الروايات المشهورة في كتب الشعر، وهي ذات قيمة كبيرة لتقدم الطبري، وهو لاشك كان يتخير من الروايات التي يحفظها للشواهد ما يتناسب مع المفردات القرآنية التي يفسرها.
4 - التنبيه على ما قد يعتريه من التصحيف:
من العيوب التي تصيب الشعر، وتكون سببًا لكثير من الاختلاف فيه عيب التصحيف، وهو مصدر صَحَّفَ يُصَحِّفُ الكلمةَ: إذا أَخطأَ في قراءتِها ورِوايتِها في الصَّحيفةِ لاشتباهِ الحروفِ، وهي لفظةٌ مُولَّدة (2)، وهو مأخوذ من الصُحُفِ، وقد عرفه الأصفهاني فقال:«هو أن يقرأ الشيء بخلاف ما أراده كاتبه، وعلى غير ما اصطلح عليه في تسميته» . (3)
وقد صنف فيه العلماءُ كحمزة الأصفهاني (4)، والحسن العسكريِّ (5) وغيرهما، ولا يؤمنُ التصحيفُ إلا بالرواية عن الأثبات من العلماء مشافهة، وتوثيق ضبط الكلمةِ المُحتملةِ للتصحيفِ بالعبارةِ حتى لا يقع الناسخ في الخطأ والتصحيف. وقد نَبَّه المفسرون على بعض العبارات المحتملة للتصحيف في الشواهد الشعرية، ووثقوها بضبطهم لها بالعبارة خوفًا من تصحيفها.
(1) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 1/ 140، 2/ 476 - 477.
(2)
انظر: لسان العرب 7/ 291 (صحف).
(3)
التنبيه على حدوث التصحيف 3.
(4)
هو أبو عبد الله حمزة بن الحسن الأصفهاني (280 - 360 هـ)، كان متفننًا في الأدب واللغة، عاش ببلده أصفهان ولم يغادرها إلا لبغداد، له مصنفات منها التنبيه على حدوث التصحيف. انظر: إنباه الرواة 1/ 370.
(5)
هو الحسن بن عبد الله العسكري (293 - 382 هـ)، اشتهر بالأدب والشعر، وعرف بكتابه الصناعتين، ومن كتبه شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف. انظر: معجم الأدباء 8/ 258.
ومن أمثلة ذلك قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} [الكهف: 77](1) وهو يبين القراءات في قوله: {يَنْقَضَّ} : «وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعكرمة:(أنْ ينقَاصَ) بالصاد غير منقوطة (2)، بِمَعنى: ينشق طولًا، يقال: انقاصَ الجِدارُ، وطيُّ البئرِ، وانقاصَتْ السنُّ إذا انشقت طولًا، وقيل: إذا تصدعتْ كيف كانَ، ومنه قول أبي ذؤيب:
فِراقٌ كَقيصِ السِّنِّ فالصبرَ إِنَّهُ
…
لكلِّ أُناسٍ عَثْرَةٌ وجُبُورُ (3)
ويُروى البيتُ: عَبْرَةٌ وحُبُورُ بالباء والحاء». (4) وقال الزمخشري: «انقاصَ البناءُ والبئرُ والرملُ وغيرُها، وتقيَّصتْ: انهارت» (5).
فقد حرص ابن عطية على ضبط الكلمة في الشاهد بالعبارة، وأنها بالباء والحاء المهملتين، حتى يتضح معنى الشاهد على الروايتين. ولم أجد من نبه على هذه الرواية للبيت غير ابن عطية (6).
ومن الأمثلة أيضًا على توثيق الشاهد بضبط عبارته قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: {وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا} [الأعراف: 126](7) وهو يُبَيّنُ القراءات في قوله: {تَنْقِمُ} وأن الجمهور قرأ بكسر القاف، وقرأ أبو حيوة وغيره بفتحها: «وهما لغتان. قال أبو حاتم: الوجه في القراءةِ كسرُ القافِ، وكلُّ العُلماءِ أنشدَ بيت ابنِ الرُّقيَّات:
ما نقَمُوا من بني أمية
…
.......................... (8)
(1) الكهف 77.
(2)
انظر: مختصر في شواذ القرآن لابن خالويه 84.
(3)
انظر: ديوان الهذليين 1/ 138.
(4)
المحرر الوجيز (قطر) 9/ 373 - 374.
(5)
أساس البلاغة 531 (قيص).
(6)
انظر: شرح أشعار الهذليين 1/ 66.
(7)
الأعراف 126.
(8)
والبيت بتَمامه:
ما نَقَمُوا مِن بني أميَّةَ إِلَّا
…
أَنَّهمْ يَحْلُمونَ إِنْ غَضِبوا
انظر: ديوانه 4.
بفتحِ القاف» (1). في حين ذكر الأزهري أن بيت ابن الرقيات «يُروى بالفتح والكسر نَقَموا ونَقِموا» (2)، ونقلَ الأزهري عن الزجاج قوله:«يُقالُ: نَقَمْتُ على الرجل أَنْقِمُ، ونَقِمْتُ عليه أَنْقَمُ، والأجودُ نَقَمْتُ أَنْقِمُ، وهو الأكثر في القراءة» . (3) فربما يكون ابن عطية لم يسمع برواية الكسر، وأنها لغة كما قال الكسائي:«نَقِمْتُ بالكسر لغة» (4).
وقد أورد ابن عطية الشاهد هنا لتقوية القراءة الشاذة، والذي يعنيني هنا هو حرص ابن عطية على ضبط الشاهد بالعبارة، حتى لا يدخل الوهم على القارئ، حيث ذكر أن جميع العلماء أنشد هذا البيت بفتح القاف، وهو كما قال (5). والشواهد الشعرية المحتملة للتصحيف قليلة في كتب التفسير، ولم أصادف إلا القليل من الأمثلة.
(1) المحرر الوجيز (قطر) 6/ 41.
(2)
تهذيب اللغة 9/ 202، لسان العرب 14/ 272 (نقم).
(3)
تهذيب اللغة 9/ 202.
(4)
انظر: الصحاح 5/ 2045.
(5)
انظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 533، البيان والتبيين 3/ 361، الشعر والشعراء 1/ 524، الأغاني 4/ 93، 159، اللآلي 1/ 295، شرح نهج البلاغة 2/ 208، شرح شواهد المغني 211، خزانة الأدب 7/ 289.