الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفسرون في مثل هذه الشواهد بإيراد أبيات قبل الشاهد أو بعده مما يرتبط به من حيث المعنى، حتى لا يحصل الخلل في فهمه من هذه الجهة.
ومن أمثلة ذلك ما ذكره أبو عبيدة حيث قال عند تفسير قوله تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83)} [الأعراف: 83](1): «وقال من الغابرين، لأن صفة النساء مع صفة الرجال تذكر إذا أشرك بينهما
…
وقال الأعشى:
عَضَّ بِمَا أَبقى المَوَاسِي لَهُ
…
مِنْ أُمِّهِ في الزَّمَنِ الغَابِرِ (2)
ولم يَخْتَن فيما مَضى، فبقي من الزمنِ الغابرِ، أي: البَاقي، أَلا ترى أَنَّه قد قال:
وكُنَّ قدْ أَبقَيْنَ منها أَذًى
…
عندَ المَلاقِي وافرَ الشَّافِرِ». (3)
ومن الأمثلة أن القرطبي عند تفسيره لمعنى «جابوا» في قوله تعالى: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9)} [الفجر: 9](4) فسرها بأنها بمعنى: قطعوا، ومنه فلان يجوب البلاد أي يقطعها، ثم استشهد بأبيات لشاعر لم يذكر اسمه، وهي:
راحَتْ رَواحًا قَلوصِي وهِيَ حَامدةٌ
…
آلَ الزُّبَيْرِ ولَمْ تَعدِلْ بِهِمْ أَحَدًا
راحَتْ بستينَ وِسْقًا في حَقِيْبَتِها
…
ما حُمِّلت حِمْلَها الأدنى ولا السددا
ما إِنْ رأيتُ قَلوصًا قبلها حَمَلَتْ
…
سِتِّينَ وِسْقًا ولا جَابَتْ بِهِ بَلَدا
أي: قَطَعَتْ». (5)
فقد ذكر القرطبي الأبيات المرتبطة ببيت الشاهد من حيث المعنى، وإن كان الشاهد في الشطر الثاني من البيت الأخير منها.
تعيين موضع الشاهد من القصيدة
.
كأن يقول: هو أول قصيدة، أو آخر قصيدة، أو نحو ذلك. ومن
(1) الأعراف 83.
(2)
انظر: ديوانه 195.
(3)
مجاز القرآن 1/ 218 - 219.
(4)
البقرة 9.
(5)
الجامع لأحكام القرآن 20/ 47 - 48.
ذلك قول الطبري عند تفسير قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} [الرعد: 31](1) حيث نقل قول من قال أن جواب (لو) محذوف في الآية، وذلك: «استغناء بمعرفة السامعين المراد من الكلام عن ذكر جوابها، والعرب تفعل ذلك كثيرًا، ومنه قول امرئ القيس:
فلو أَنَّها نَفسٌ تَموتُ سَريحةً
…
ولكنَّها نَفْسٌ تقَطَّعُ أَنفُسَا (2)
وهو آخر بيت في القصيدة، فترك الجواب اكتفاء بمعرفة سامعه مراده». (3)
ولعل الطبري يعني أنه من آخر أبيات القصيدة، فإن هذا البيت ليس آخر القصيدة في رواية الديوان (4)، ولا في رواية السُّكريِّ (5)، وإن كان ما بعده غير مرتبط به، وليس فيه جواب «لو» التي في هذا البيت، وربما يستفاد من قول الطبري هذا أنه قد يكون آخر أبيات القصيدة على رواية من أخذ عنه الطبري، ولذلك أشار محمود شاكر إلى أهمية ترتيب القصائد كما وردت في الروايات المختلفة للشعر الجاهلي فقال تعليقًا على كلام الطبري:«في دواوينه المنشورة ليس هو آخر القصيدة، ولو أحسن ناشرو الشعر، لأدوا إلينا الروايات المختلفة على ترتيبها، فإن ديوان امرئ القيس المطبوع حديثًا قد أغفل ترتيب الروايات إغفالًا تامًا، مع شدة حاجتنا إلى ذلك في فهم الشعر، وفي إعادة ترتيبه» . (6)
وهذا الذي ذهب إليه الطبري هو رأي أبي عبيدة والفراء وغيرهما، وإن لم يستشهدا بهذا الشاهد، حيث قال أبو عبيدة عند تفسير هذه الآية: «فمجازه: لو سيرت به الجبال لسارت، أو قطعت به الأرض لتقطعت،
(1) الرعد 31.
(2)
انظر: ديوانه 107.
(3)
تفسير الطبري (شاكر) 16/ 448.
(4)
انظر: ديوانه 107.
(5)
انظر: شرح ديوان امرئ القيس للسكري 2/ 550.
(6)
تفسير الطبري (شاكر) 16/ 448 تعليق رقم 2.
ولو كلم به الموتى لنشرت، والعرب قد تفعل مثل هذا لعلم المستمع به استغناءً عنه، واستخفافًا في كلامهم». (1)
وقال الفراء: «وإن شئت كان جوابه متروكًا لأن أمره معلوم، والعرب تحذف جواب الشيء إذا كان معلومًا إرادة الإيجاز، كما قال الشاعر (2):
وأُقسمُ لو شَيءٌ أتانا رسُولُه
…
سِواكَ ولكنْ لَم نَجِدْ لك مدفَعَا (3)». (4)
وقد سبق أبو عبيدة إلى العناية بتحديد موضع البيت من القصيدة فقال بعد إيراده لقول الأخطل:
خَلا أَنَّ حيًّا مِنْ قُريشٍ تفضلوا
…
على النَّاسِ أو أَنَّ الأكارمَ نَهْشَلا (5)
: «وهو آخر قصيدة، ونصبه وكف عن خبره واختصره» . (6) وقال أبو عبيدة أيضًا بعد ذكره لبيت عبدمناف بن رِبْع الهذلي:
حتى إذَا أَسلكُوهُمْ في قُتَائِدَةٍ
…
شَلًّا كمَا تَطردُ الجمَّالةُ الشُّرُدَا (7)
: «وهو آخر قصيدة، وكف عن خبره» . (8)
وهذه العناية بتحديد موضع بيت الشاهد من القصيدة جزء من شرحه، وإيضاح وجه الاستشهاد منه، والغرض من الإشارة إلى أن هذا الشاهد هو آخر أبيات القصيدة التأكيد على أنه ليس بعده ما يكون جوابًا للشرط، وأن الجواب محذوف في كل هذه الأبيات كما حذف في الآية الكريمة. وقال أبو الطيب اللغوي عن أبي حاتم: «أملى علينا أبو عبيدة بيت عبد مناف بن ربعي الهذلي:
(1) مجاز القرآن 1/ 331.
(2)
هو امرؤ القيس بن حجر.
(3)
انظر: ديوانه 242.
(4)
معاني القرآن 2/ 63.
(5)
لم أجده في ديوانه، ولعله مِمَّا فات جامع الديوان.
(6)
مجاز القرآن 1/ 331.
(7)
انظر: ديوان الهذليين 2/ 42.
(8)
مجاز القرآن 1/ 331.
حتى إذَا أَسلكُوهُمْ في قُتَائِدَةٍ
…
شَلًّا كمَا تَطردُ الجمَّالةُ الشُّرُدَا
وقال: هذا كلام لم يجئ له خبر، وهذا البيت آخر قصيدة، ومثله قول الله عَزَّوَجَلَّ:{وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} [الرعد: 31] قال: فجئت إلى الأصمعي فأخبرته بذلك، فقال: أخطأ ابن الحائك، إنما الخبر في قوله شلًا كأنه قال: شلوهم شلًا. قال أبو حاتم: فجعلت أكتب ما يقول، ففكر ساعة، ثم قال لي: اصبر، فإني أظنه كما قال؛ لأن أبا الجودي الراجز أنشدني:
لو قَدْ حَدَاهُنَّ أبو الجُودِيِّ
…
بِرَجَزٍ مُسْحَنْفَر الرَّوِيِّ
مُستوياتٍ كَنَوي البُرْنِيِّ
فهذا كلام لم يجئ له خبر. ثم علق أبو حاتم على رجوع الأصمعي إلى الحق، واعترافه بصحة ما جاء عن أبي عبيدة قائلًا: فانظر إلى هذا الإنصاف بينهم مع شدة المنافسة، ثم لا يتهم أحدهم صاحبه بالكذب، ولا يقرفه بالتزيد، لأنهم يبعدون عن ذلك». (1)
وقال ابن عطية وهو يبين المقصود بالحروف المقطعة في أوائل السور: «وأما الذين قالوا: ذلك فواتحُ يفتتح اللهُ عز وجل بِها كلامَه، فإِنَّهم وجَّهوا ذلك إلى
…
أَنَّهُ قال ذلكَ أدلةً على انقضاءِ سورةٍ وابتداءٍ في أخرى، وعلامةً لانقطاع ما بينهما، كما جُعلت «بل» في ابتداء قصيدةٍ دلالةً على ابتداءٍ فيها وانقضاءِ أخرى قبلها، كما ذكرنا عن العرب إذا أرادوا الابتداءَ في إنشاد قصيدةٍ قالوا: بَلْ.
ما هاجَ أحزانًا وشَجوًا قد شَجَا (2)
و«بل» ليست من البيت ولا داخلةٌ في وَزنهِ، ولكنْ ليدلَّ بهِ على قَطعِ كلامٍ وابتداءِ آخر» (3). فهذه إشارة إلى ما يصنعه الرواة قبل بدء
(1) مراتب النحويين 50.
(2)
البيت لرؤبة بن العجاج.
(3)
المحرر الوجيز 1/.